أخبار ثقافية           

شعراء

وكتّاب

Some elements on this page did not load. Refresh your site & try again.

قام وفد مشترك من نادي الشرق لحوار الحضارات - نيو ساوث ويلز ومشروع الأديب د. جميل الدويهي "أفكار اغترابية" للأدب الراقي، بزيارة إلى لبنان من 15 آب حتى 4 أيلول 2019، وأقيمت له مناسبات أدبية كبيرة وحفلات تكريم، وقدمت جائزة الأديب د. جميل الدويهي "أفكار اغترابية" لـ 20 مبدعاً وأكاديمياً في العاصمة اللبنانية بيروت.

هيدي حياتي (المدوّر العاميّ)

هَيدي حياتي كتبْتها ومحَّيتها، تا تسمعي صوتي متل رعد الجبل عا سطور كلّا نار من قبل الزمان، شعّلتها بالحبر تا صرخت متل صرخة يوحنّا المعمدان. عم إركض بها الليل متل الريح، متل البرق هلّي بالسما، والغيم خيل الحرْب، فرسان وعَبيد زغار، وقلاع الحجر، ومخزّقه تياب الحقول الخضر عا مَدّ النظر. قدّيش بَدّو بعْد يغمرْني الشتي، إتْصوَّر وإبعت من غْيابي صوّر؟ عمري تركني وراح. تركوني الغجر ببلاد ما فيها شجر. روحي ما بعرف وين؟ ما بعرف مصيري. هون عم خرطش لكي بيوت الشعر... مطلع وحيد... وما قدرت أفهم كلامي... كيف بدّو يطْلع الشعر الحلو من محبَرة جرحي الغميق؟ وإنتي ما فيّي لقيتْ عا ذوقِك قصايد من عَقيق. غير السكت ما قدرت إهدي... وما قدرتْ إشرح لكي إنّو هَواكي من حريق. من صرخة البركان، من نغمة قصب. حُبّي لكي ما بينْكتبْ... إلاّ بقصيدِه من غضبْ.

***

حُبّي لكي الغيم اللي فوق المملكِه. القمح. الفجر. وجنينة الفيها عَبير الياسمين. حبّي لِكي أحلَى من غناني الطيور الطايرَه فوق الشجر. أعلى من سيوف الملوك الفاتحين. ساعات هادي متل طفل زْغير عا مَرجُوحتو. ساعات بيهبّط دِني، وبْيتْرك جْوانح سُنونو عالرَّصيف منتّفين. هُوّي التناقُض... صرتْ مِنّو إهرُب وهُوّي معي. وكلما قلت: بدّي شي لحظه نام، لحظه غمِّض العينين، بيفِيق الحنين. كلّ القصص عنونتها إنتي وأنا، وإنتي وأنا متل الحياة معذّبين.

***

يا زْغيَّره وخصْرك عِلي، متل الكأنّو حَور عا مرايِة سَما. وصوتِك ورايي، بْيـِطلَع من الأرض، وبْيحْكي معي... ولولا قلت ما بِسْمعو، بيضلّ طُول الليل قدّامي، وأنا شاعر وحيد. ليلى ما إنتي ولا هند، إنتي إلاهه من قبل فينيقيا، عيونِك بُحيرَه ضاع فيها ناس، وشفافِك عِنب أحمر تا فيّي إقطْفو عربَشتْ عا أعلى جَبل، علّقت حالي بالهوا، وما قدرتْ حَبِّه طالها. وتا ضَلّ إقشع درفة الشبّاك، تا إبقى عا طول العمر شمّ العطرْ من فستانك الكلّو زَهر، قاعد بنصّ الشارع بغنّي لكي، والناس وقفو بالبرد تا يسمعو، قلتلّهن روحو اسألوها كيف هالشبّاك ما بيفْتَح إلو مِيّة سنِه، وشوقي لها أكبر من بحور الدّني؟

***

هيدي حياتي، عايش بلا قلب، من وقت اللي قلبي راح تا يزورِك بفيّ القنطره. والناس قالو: حالْتك حالي، وأنا بالسوق عم دوّر عا قلب جديد، لكنْ... سكّر البيّاع من شهرين، ودْروبي عا طُول مْسَكّرَه.

طفل زغِير

 

ضيّعتْ طــفــل زْغــيــر، بالغابِه
ومن وقتْها عـــم خـــزّق تيابي
نشرتْ الخبر عـــا الراديو بركي
شافو حــــدا مـن درفة غْيابي.

 

عمْرو سنِه... سِنْتين مش أكتر
هَونيك عــــم بيضلّ، ما بيكْبر...
صُوره إلــــــو عالحيط مرْسومه،
مـــــا بيلْبس كرافات وطْقومي
بيلْبق عا جسْمو شارع مغبَّرْ...

 

بالليل وَحْـــــــدي بطرح وبجْمع
بحْكي أنا والوقت مـــــا بْيسمَع 
الساعه اللي فَوق الحيْط مكْسوره
من وقت مــــا سافرت مهْجُوره
بقول: "ارجعي"، ولخلْف ما بترجَعْ...

 

متروك حـَـــدّ الشط مـــــعْ حالي
إسمي غريب، وصاحبي خْيالي
عالرمل عم إكتب: ما عندي بيت
وفي ناس قالو بعد مـــــا غنّيت:
ممنوع إخلَص مـــن شغْل بالي.

 

هَـــــــونيك عندي بعد مرجوحه،
طـــــارت بنسمة ريح مبْحُوحه...
وقصّة عمر مـــــا في لها عنوان،
كتبْتا قبل مـــــــا روح عالنسيان 
وبعدا إلي عَــــــم تبعَت جْروحا.

 


_________________________________________________
جميع الحقوق محفوظة للشاعر المهجري د. جميل ميلاد الدويهي - مشروع "أفكار إغترابية" للأدب المهجريّ الراقي. مشروع "أفكار اغترابية" لا يتلقى أي دعم أو رعاية من أي مؤسسة حكومية أو غير حكومية. هو مشروع شخصي أطلقه الأديب الدويهي لنشر الأدب المهجري الراقي من أستراليا، وتدعمه محبّة الناس وتقديرهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لمّا حملتْ كومـــــــــة عَذاباتي
عا مْرايتي مــــــا لقيْتني ذاتي
ومـــا شفت غير تنين عالمفرَق
واحد بوجّي صـــــــــــار يتخلّق
وواحد دعس عالأرض كلْماتي.

 

طبشور عالحيطان إيّامي
بكرا الشتي مــــــا بيتْرك عْلامِه
صُدفِه أنــــــا،... والحظّ مش بالإيد
حاولتْ إنّي خـَـــربِـــــــط مواعيد
الماضي ما فيّي شلحتْ قِدّامي.

امرأة تعرفني

صادفت امرأة بَصّارة في شارع ضيّق لكنّه مكتظّ بالعابرين، وما كادت تراني، حتّى هتفتْ إليّ قائلة: بعد خطوتين من هنا ستلتقي بالنهار وتسير معه إلى البحر، وهناك سيتركك ويمضي في سبيله، فلا تذرف دمعة على غيابه. 

وخطوتُ خطوتين، فرأيت النهار ورافقتُه حتّى اختفى عن ناظري. 

وفي اليوم التالي مررتُ بجانب تلك المرأة، فقالت: بعد أمتار قليلة، ستجد الليل، وستسير معه طويلاً حتّى تتعب من السير. 

وما هي إلاّ مسافة قصيرة حتّى تأبّطتُ ذراع الليل الذي كان يعرُج في المدينة، وعندما تعبتُ منه وتعب منّي، تركتي عند جذع شجرة ناحلة ومضى في سبيله.

وفي اليوم الثالث، قصدتُ المرأة، لكي أسألها عمّا سأراه في يومي، فقالت: على ذلك المفترق هناك، ستقف بين النهار والليل، فلا النهار يسعدك بأنواره، ولا الليل يحزنك بأسراره، وستبقى هكذا معلَّقاً بين الحزن والفرح، كما أنت معلّق بين الخير والشرّ في نفسك.

وعندما وصلتُ إلى المفترق، رأيتُ الليل والنهار يتصارعان، فوقفت بينهما ومنعتهما من أن يضرب أحدهما الآخر. وكان كلّ واحد منهما يدّعي أنّه الأصل الذي قد جاء منه الآخر. 

لقد أصبحتُ الآن كبيراً في السنّ، ولا أزال أقف بين الليل والنهار. وفكّرت أكثر من مرّة في أن أعود إلى الشارع الضيّق، وأتزوّج من تلك المرأة التي أخبرتني بما سيكون لي، لكنّ بعض العابرين أخبرني بأنّها انتظرني طويلاً، وكانت هي أيضاً تريد أن تتزوّجني، وعندما تأخّرتُ عنها، مضت إلى بلاد بعيدة حيث اقترنت برجل آخر يشبهني، لكنّه رفض الليل، وتأبّط النهار، ولم يقف حائراً بينهما.

يا أيُّها البحر العميقُ،

لقد رميتُ إليك مفتاح البُكاءْ

كان الصباحُ بدايتي، ونهايتي

فأنا الوجودُ بلا انتهاءْ

وأنا المقاتلُ بالحروفِ، وبالجداولِ، والهواءْ...

سأقولُ: لا وجْهي الذي وجْهي،

ولا الإنسانُ إنسانيّتي

إلاّ إذا هدّمتُُ أسوارَ المماليكِ

وحرّرتُُ الإماءْ...

ولأنّني حرٌّ،

سأحتـلُّ السماءْ.

مقطع من قصيدة "سأقول: لا"

للشاعر د. جميل الدويهي

لأدب مهجريّ راقٍ

برْكي عا غفله

 

صوْتو رنين العود قسّمْلي
نغمة حِجاز وكَار نغّمْلي
قلّي: إنتْ بالسوق شُو بتبيع؟
جاوبت: لا شغْله... وَلا عمله!
عم راقبَك، وبْخاف منّي تضِيع
وببْعتْ إلك ْبوسات بالجُملِه...
وبْضلّ لاقي للحَكي مْواضيع
لكنْ معك ما بتِرْكَب الجملِه...
___

قلّي: غَدرْني الوقت... لازم روح...
من بَعد شي يَومَين... عَلّمْلي...
بالسُّوق غاب، وما تَركْلي رُوح...
يا ريت حاكم عدْل يحكِمْلي!...
من تجْرْتي شو ربحْت غير جْروح...
ورجعْتْ ما في بجَيبتي عِمْله؟
وتركتْ بابي عالدرب مفتوح
بركي عا غفله مرّ حَدّ الباب
وقلّي بعد الغْياب: تِسْلمْلي...

جميل الدويهي: مشروع "أفكار اغترابية"

للأدب الراقي- سيدني

________

 

حبّي لكِ

نحن ابتدأنا الحبَّ، ما من قبلنا                شعرٌ يُقال، ولا ربيعٌ يزهِرُ 

وأنا بعينيكِ اكتشفتُ حضارةً،                 وكواكباً طولَ الزمانِ تنوِّرُ

      وسرقتُ من فمكِ الجميلِ قصيدةً            مــا زلت أكتبُها، ومنها أسكرُ

      وقطفتُ من تفّاحِ صدركِ غلَّةً،               فأنا بما ملكتْ يميني قيْــصـرُ

      يا سرّ إبداعي، وسرّ بدايتي...                يـــــا مَن تغيّرُني ولا تتغيَّرُ

      يا فكرتي الأولى التي وُلِدت معي،          فأنـــا أعيشُ لأجلها وأفكِّرُ...

      متصوِّفٌ حتّى أذوبَ وأختفـي،               متداخلٌ فيكِ، ولا أتحــرَّرُ...

      تتكسّرُ الأيّامُ لولا غبتِ عــــنْ               عينِي، وقلبي مثلـهـا يتكسّرُ…

      نمشي معاً والأرض تعشقُ خطْوَنا،         ويدِي على الشعر الجميل تثرثرُ

      لولا الهوى ما كنتُ أُبصرُ عالمي،          فالريح تأخذ مركبي، والأبحُــرُ

      كنتُ الجمودَ، وأنتِ مَن أحييتِني...          كنتُ المعانـــــــاةَ التي تتكرَّرُ

      علّمْتِني أن الحـــيــــاة جميلةٌ،               فبدأتُ أحترف الغناءَ، وأشعُــرُ

      ورقصتُ من طرَبٍ كطيرٍ عاشقٍ،          فإذا الفضاءُ يضيقُ فيَّ ويَصغُرُ

      لولاكِ أنتِ، فما حياتي كـــلُّها؟              ماذا أنــــــــا إلاّ خيالاً يعْبرُ؟

      كم يَكْذِبُ العشّاقُ في وصْف الهوى        فجميع ما قالوه ليس يُعبِّرُ

      ما البحرُ؟ ما طولُ السماء وعرضها؟     حبّي لكِ مــــن كلِّ شيءٍ أكبَرُ.

                 

                      جميع الحقوق محفوظة للشاعر اللبناني المهجري

                                        د. جميل الدويهي

 

لأدب مهجريّ راق

 



 

الغراب

 

كان أناسٌ في قرية وراء الجبال يعبدون غراباً أسود، وقد حنّطوه وجعلوا له مقاماً في وسط القرية، يزورونه ويتباركون به. فالرجال كانوا يسجدون أمامه ويبتهلون إليه بأن يغدق عليهم بالخير وعلى أراضيهم بالغلال، والنساء كنّ يصلّين بتضرّع لكي يشفق الإله الغراب عليهنّ، فينجبنَ أطفالاً يشبهونه في وسامته وجلاله. والأولاد الصغار كانوا يطلبون منه أن يكون لهم في كلّ يوم عطلة وعِيد لكي لا يذهبوا إلى مدارسهم.

وكانت تسهر على ذلك الغراب سادنة عجوز، تتقن السحر والشعوذة.

وذات ليلة مرضت السادنة فلزمت بيتها، ولم تحرس الغراب المحنّط، فمرّ في المكان رجل غريب، ورأى الطائر الأسود، فانزعج من هيئته، وانتزعه من مكانه، ثمّ جاء بحمامة ناصعة البياض وجعلها في الموقع، حتّى جاء الصباح، وخرج الناس من بيوتهم. وكان أوّل ما فعلوه أن ذهبوا ليلقوا نظرة على غرابهم، فلم يجدوه، بل وجدوا الحمامة تقف مكانه وتهدل بصوت عذب. فما كان منهم إلاّ أن هجموا على الحمامة وأمسكوا بها، فنتفوا ريشها، وقطّعوها إرباً إرباً، ورموا بها في بئر عميقة، وقالوا بعضهم لبعض: لقد استقامت العدالة، وتخلّصنا من الشرّ الذي أحاط بنا من غير أن ندري، وليس علينا الآن سوى أن نبحث عن غرابنا الحبيب، أو نجد أيّ غراب من طينته، فيعود النور إلى قلوبنا، ويزول الشؤم الذي جاءت به هذه الحمامة إلى قريتنا، ويُمحى يوم أسود من تاريخنا المجيد. 

 الأسامي

 

سألْنا الأسامي: مين نحنا؟... كذّبو

ومن كتر ما عدْنا السؤال، تهرّبو

قلنا: اتركونا... واسْعه كتير الطريق

ويمكن حَدا من غير عيلِه تِقْرَبو...

معقول إنتو بتشبَهونا عن حقيق؟

معقول نحنا منتعب وما بتتْعبو؟

كلما عشيقَه تروح تا تلاقي عشيق

بتْراقبو اللي صار، وبتتْعجّبو

وبترافْقو البحّار بالبحر الغميق...

ما بتفْزعو لا يْضيع هوّي ومرْكبو؟

شفنا أسامي عْتاق بالسوق العَتيق

عا ديْن خيّاطِين عم يتْقطّبو

في ناس حبّو ياخدو الإسم الرَّقيق

وفي ناس تا يْلاقو أسامي، تْعذّبو...

وهَودي الطيور الفوق بالجوّ الطليق

ما في لهُن أسماء، وتْذاكر سَفَر

من هيك بيغنّو شِعر... وبْيِلْعبو.

_____

مشروع أفكار اغترابية

للأدب المهجريّ الراقي - سيدني

بنت الخُضرْجي

 

بنْت الخضَرْجي القَدّها ممْشُوق

تَركتْ إلي بالرّاس جِنّيّه

سِتّات متْلا ما شفْت بالسوق،

مِشْيو وَراها رْمُوش عِينيّي

ومتل الكأنّي بالسِّحْر معْجوق

بلّشتْ إحْكي من صَفا نيّه...

قلتلّها: "هَيدا كرَز لَقلوق...

مْحَوّش من الودْيان صبحيّه...

وهيْدا عنَب تحت الشمس مَحْروق

غنّت إلو فيروز غنّيِّه...

واللوز قلبو مْفقّع، ومشقوق

والعصر هُوّي عصر حرّيّه”...

ضحكتْ إلي، وقالت: "ما فيك تْدُوق

وهيدا الحَكي ما بيمْرُق عليّي...

فكّرتْ إنّك عاشق ومَعْشوق،

يا دونجوان، تْصَبّر شْويّي"...

شدّيتها... وبِسْتا ورا الصّندوق

والأرض بَرْمتْ من حَواليّي

وهلّق عا هاك السُّوق لّما بْسوق

بتْقول: حَوّلْ... فاضْيه الدكّان

وآخِد إجازِه من الشِّغل بَيّي.

جميل الدويهي: مشروع أفكار اغترابيّة

Some elements on this page did not load. Refresh your site & try again.

من أجل عينيكِ الحياة أبيعها

كم لي عَذاباً فيك يا خَلخالُ... 
ذهَبٌ، ونحنُ رداؤُنا الأسْمالُ...
جذلانةً ً تمْشي كعزف ربابةٍ 
وبنظرةٍ من عينها تغتالُ؟
قالت: أنا بنتُ الأميرِ، فأنتَ مَن؟ 
فأجبتُها: متشّرّد، رحّالُ...
عندي من الأحزانِ مَوجٌ هادرٌ، 
وينوءُ تحت مصائبي العتّالُُ 
منذُ الولادة ِ ما لديّ هُويّةٌ، 
فأنا مصيرٌ غامِضٌ، وسؤالُ
لكنّني في الحُبّ عندي ثروةٌ،
ولديّ من شِعْر الهوى أحْمالُ...
أعطِيكِ في قلبي الصغيرِ مدينة ً،
ولكِ المَدى، وكَواكبٌ، وجبالُ... 
ماذا أحبُّ؟ أحبُّ أن تتدلّلي،
ويشاغبَ الخصْرُ الذي يخْتالُ...
وأحبُّ في الشفتين ِ أن تتَمرّدا...
إنّ التمرّدَ في الشفاه جَمالُ.

وأريدُ أن تتنازلي... وتُقبّلي 
حتّى يَصيرَ بأضْلُعي زلزالُ 
أن تـَضحكي... أن تشْربي كأساً معي،
فالوقتُ يسبِقُنا، ونحنُ ظلالُ... 
ماذا يصيرُ إذا النجومُ تساقطتْ 
من بُرجِها، وتـَحطّمتْ أغلالُ...
من أجل عينيكِ الحياة أبيعُها،
فأنا بدونِك صُدفة ٌ، وزَوالُ...
في دفتر المَجهولِ أكتب قصّتي،
والريحُ تضر ِبُني كما التمثالُ...
قالوا عن الحبّ الجميلِ: خـَطيئةٌ،
فحياةُ كلِّ العاشقينَ ضَلالُ...
أنا لا أفكِّر أنّ قلبي آلةٌ 
مكسورةٌ، ومشاعِري أطلالُ...
فإذا رحلتِ أعيشُ بين هَزائمي،
فعلى جَبينِي طعنةٌ، ورِمالُ...
وإذا يغيبُ الحبُّ يوماً واحداً،
تبكي السماءُ، ويَعرُجُ المَوّالُُ.

        جميل الدويهي - أفكار اغترابية

أعطيتَني البحر
 للشاعر د. جميل ميلا د الدويهي 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أعطيتـَني البحرَ، ساعدْني أُهدِّيهِ         يا مَن بكلّ حياتي صرتُ أفديهِ

علّمتــَـني كيف أبكي حين تتركني            وكيف قلبي يُغنّي لو تُراضيهِ

ماذا تغيَّر؟ إنّ الشمسَ غائبة                   والوردُ قد أخبرتْ عنّي مآقيهِ

وصرتُ وحدي، فليس يزورني أحدٌ         إلاّ سكوتٌ عميقٌ في معانيه...

مرَّ الشتاءُ، فلا وعدٌ صَدقتَ به،              ولا خيالُكَ في دربي أُلاقيهِ...

وليس عندي من الأيّام غيرُ صدى           وبعضُ عطرٍ رقيقٍ كنتَ تُهديهِ 

قالوا عن الحبِّ: كم تـَشقى به امرأةٌ          وكم رَوى عاشقٌ عمَّا يُعانيهِ...

لكنّني في عذاب الحبّ راضيةٌ،              ولست أعرف كيف الجمرُ أُطْفِيه

هوَ الحياةُ، فعُمري لا يكون سوى            تلك الثواني التي قد عشتُها فيهِ.

 

جميع الحقوق محفوظة للشاعر جميل الدويهي- لأدب مهجري راق

 

قصيدتان إلى الشاعر الكبير سعيد عقل:

- في مئوية سعيد عقل (المطولة الشهيرة)

- في يوم رقاد سعيد عقل (نشرت في كتاب "أجراس الرحيل والياسمين"- بيروت)

لأدب مهجريّ راقٍ

للشاعر الدكتور جميل الدويهي

 غريبٌ أمرُ هذا الحُبّ

للشاعر د. جميل م. الدويهي

 

أنا والحبُّ مختلفانِ،

يضربُني وأضربُه...

يعاتبني، أعاتبُه...

فإنّ الحبَّ سلطانٌ على قلبي،

ولستُ أحبُّ إرهابَ السلاطينِ...

وإنَّ الحبَّ جاسوسٌ،

ويُوقِعُ بالمساكينِ.

فكيفَ الناسُ قد عبَدوا

إلهاً ليس يعْنيني؟

وكيفَ لأجلِه رفعوا

تماثيلاً من الطينِ؟

وكيف أطيقُ مجنوناً

من الأحزان يأخذني

إلى الأحزان يرميني؟

ويجرحني بلا سببٍ،

ويرفضُ أن يداويني؟

ولولا قلتُ: عطشانٌ،

فكأسَ المرِّ يسقيني؟...

ولولا قلتُ:

إنّ الجرحَ في صدري عميقٌ

لا يواسيني؟...

لقد غادرتُه،

وركضتُ من خوفي

إلى الصينِ،

وقلتُ له:

وداعاً يا ضعيف العقلِ،

يا شبحاً يهدِّدُني بسكِّينِ...

وكم ضلّلُتُه،

فالجنُّ ما عرفوا عناويني!

وكم أقفلتُ أبوابي!

وكم غيّرتُ أثوابي!

ولكنّي بصرتُ به يجالسني، يحادثُني، ويشربُ من فناجيني...

غريبٌ أمرُ هذا الحبِّ،

لولا كنتُ في المرّيخِ يتبعُني... ويضحكُ لي، ويغْريني...

ولو قطّعتُه إرَباً يظلُّ معي... يغالبُني... يعذّبُني،

ويصرُخُ في شراييني.

لأدب مهجريّ رقٍ

ليس انتهاء الحبّ جرماً شائناً

 أو حادثاً يقضي بزجّ العسكرِ

فإذا اختلفنا، مجرماً وبريئةً   

لا تقطعي رأسي بسيف القيصرِ

وإذا رأيتِ حبيبةً أخرى معي...

لا تغضبي منّي ولا تتوتّري

إنّ الهروبَ إلى الأمام طريقتي 

 فمن الصداعِ إلى الهواء الأصفرِ.

من مجموعة "وجهان لمدينة واحدة" 

 

الباكورة القصصيّة للأديب اللبناني

المهجري الدكتور جميل الدويهي

"الذئب والبحيرة"

كتبت في بوسطن 1996

صدرت  2001

لأدب مهجريّ راقٍ

تكريم الأديب والشاعر المهجريّ د. جميل الدويهي من قبل رئيس جامعة سيدة اللويزة الأب وليد موسى والأستاذ سهيل مطر  نائب المدير للعلاقات العامة والثقافة، بحضور الشاعر الكبير سعيد عقل، بعد "مسرحة" قصيدة الدويهي "وقلت أحبّك" وتمثيلها من قبل طلاب وحصولهم على جائزة سعيد عقل.  

نبيل الساعاتي (قصة قصيرة من جميل الدويهي)

مجموعة "أهل الظلام"

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لماذا يمتلكه شعور غريب لحظة مرورها في الشارع؟! كلَّ يوم يراها من داخل حانوته، فيترك الساعات المعطَّلة، ويهرول إلى الباب الزجاجيِّ الذي يقف بينه وبين الرصيف، ليلقي عليها نظرة مستعجلة، قبل أن تغيب في الزحام؟   إنَّ هناك سرّاً مدهشاً وراء جنونه بهذه الفتاة؛ فهو في الخامسة والخمسين من عمره، وقد ماتت زوجته منذ ثلاثين سنة في حادث سيَّارة، وكان لم يمضِ على زواجهما أكثر من خمسة أشهر، فلم يتزوَّج بعد ذلك.  

"لن أكترث لها غداً...سأنشغل بالساعات المعطَّلة... سأعتقد أنَّها مثل جميع الناس الآخرين، ولا شيء فيها يستحقُّ هذا الاهتمام المتقدِّم في السنِّ"...

كان يتمنَّى لو أنَّه يستطيع الالتزام بقراراه، فإحساسه بالضعف كلَّما رأى هذه الفتاة يجعله يتساءل:

هل أنا انسان مهووس؟! فلماذا أركض إليها بنظراتي الجائعة من وراء الزجاج؟! ولماذا أصبح شجرة خريفيَّة ترتعش في مهبِّ الريح كلَّما لاحت أمامي تفاصيل جسدها الجميل؟! "كم أشتهي أن أستوقفها وأتحدَّث إليها! ولكن... ألم أقل البارحة إنَّني لن أقوم عن الكرسيِّ؟ ثمَّ ألا يجوز أن تغضب من مضايقتي لها، وترفض أن تصغي إليَّ"؟!

الأفكار متناقضة في رأسه، والزجاجة المستديرة حول عينه اليمنى تتراقص بسرعة، كأنَّها تعبِّر عمَّا في داخله من حيرة وضياع... إنَّه يتحدَّث إلى نفسه، فلا يجد من يسمعه إلاَّ عقارب الساعات التي تحيط به من كلِّ حدب وصوب، بعضها يجري أكثر ممَّا يجب، وبعضها يتعثَّر من تعب، وبعضها الآخر يقف على حافَّة الموت. إنَّ الساعات لا تختلف كثيراً عن الناس، فهي تركض مثلهم إلى الأمام، أو تتراجع إلى الوراء، أو تسلِّم بالهزيمة، فتفارق الحياة.   نهض عن كرسيِّه بسرعة، ووقف وراء الباب الزجاجيِّ، وطفق يبحث عنها بين الناس...               

"إنَّها هي... معجِّلة... وقفت إزاء الواجهة... لعلَّ ساعتها معطَّلة..."                      

بعد برهة، تثاءبت الأجراس الصغيرة المعلَّقة فوق باب المحلِّ، فأحدثت موسيقى خافتة، ما لبثت أن قطعتها نبرات صوتها الطفوليِّ:                        

صباح الخير يا سيِّدي.                               

- صباح الخير... هل... هل من خدمة؟           

لاحظت أنَّه مرتبك، فقالت له بابتسامة لطيفة:     

لقد تعطَّلت ساعتي، وقيل لي إنَّك ساعاتيٌّ ماهر، فأرجو منك أن تصلحها...              

- سأصلحها طبعاً... تفضَّلي بالجلوس.             

إنَّها المرَّة الأولى التي يراها فيها من مسافة قريبة، ويستطيع أن يكتشف عوالم جديدة تطلُّ من عينيها الخضراوين، ومن حرارة صوتها الدافئ. لقد أصبح شاهداً على جمال الروح الذي لا يمكن رؤيته من وراء الأبواب المغلقة.     بينما كانت تفتح محفظتها الجلديَّة السوداء، لتخرج الساعة منها، كان يقول في سرِّه:                  

مرَّ زمن طويل قبل أن أتحدَّث إلى امرأة بهذا الجمال... ولو أنَّ هذه الساعات كلَّها كانت متوقِّفة، لكنت الآن أصغر قليلاً، وكنت دعوتها إلى العشاء ذات ليلة، وراقصتها على ضوء الشموع!              

في تلك اللحظة رنَّ صوتها في أذنيه:                 

هل تريدني أن أعود فيما بعد لآخذ ساعتي؟         

- يمكنك الانتظار داخل المحلِّ ريثما أنتهي من إصلاحها... أعتقد أنَّها لن تأخذ وقتاً طويلاً.          

حمل الساعة المذهَّبة بكلتا يديه، وشدَّ عليها كأنَّه يتمسَّك بأمل هارب. وحين بدأ يفكِّك قطعها الصغيرة، ظهر انفعاله الشديد في حركات أصابعه.    

كان هناك سؤال يهاجمه بإلحاح:                    

لماذا، أيُّها الأحمق، تحبُّ هذه الفتاة التي تكبرها بسنوات؟!                                  

لم يكن يتوقَّع منها أن تخاطبه كامرأة ناضجة:        

أعتقد أنَّ الساعاتيِّين لديهم حياة مختلفة عن حياة الآخرين... إنَّهم يعملون على تصحيح الزمن... أفليست هذه مهنة رائعة حقّاً؟!              

رفع نظره إليها وابتسم، فأردفت:                   

إنَّني أدرس علم النفس في الجامعة... ويمكنني أن أتخيَّل السعادة التي تشعر بها عندما تنتهي من إصلاح ساعة معطَّلة يا سيِّد...                                

- نبيل... نبيل الساعاتي.                            

- أنا لينا... نحن نسكن في هذه المنطقة منذ بضعة أشهر... لقد جئنا إلى هنا بسبب الحرب...

- الحرب... لم يسلم أحد من شرِّها... كنت أملك متجراً كبيراً للساعات في محلَّة "باب الوادي"... تركته وأتيت إلى هنا... إنَّني لا أفهم السبب الذي يجعل الناس يتحاربون!       - وأنا أيضاً... فلا أحد يحارب من أجل الانتصار. إنَّ الحرب تثبت قوَّة الانسان وضعفه معاً... فهو كالحشرة التي تلسع فتموت... لقد كنَّا نحن أيضاً نسكن في باب الوادي، قبل أن تنشب الحرب أظفارها السوداء بنا.

- هل حدث لكم مكروه؟!

- ليس أكثر ممَّا حدث للآخرين... ألم تسمع بقصَّة سامح نجيب؟... إنَّه والدي.

قالت لينا ذلك بتأثُّر بالغ، أمَّا هو فقد عصفت به المفاجأة، فوقف بقامته الهزيلة، وسمع قلبه يدقُّ بعنف حتَّى ظنَّ أنَّه سيخرج من أذنيه... قال لها بشفتين مرتجفتين:

أنتِ... أنتِ... ابنة سامح نجيب؟!

- نعم... هل تعرفه؟!

- لا... لست أقصد ذلك... ولكنَّني أتذكَّر ما حدث لكم: لقد اختطفكم المسلَّحون إلى جهة مجهولة. وبعد أسابيع قليلة عُثر على جثث محروقة في بئر، فقيل إنَّ المسلَّحين قتلوكم...

مسحت لينا دمعتين طفرتا من عينيها، ثمَّ قالت، وكأنَّها أرادت أن تمضي في قصَّتها إلى النهاية:

عشنا أيَّاماً صعبة تحت رحمة المسلَّحين... رأيناهم يقتلون والدي بعد أن سلبوه ما كان يحمله من مال... كان مشهداً رهيباً... ثمَّ أفرجوا عنِّي وعن والدتي، وهدَّدونا بالقتل إذا رجعنا إلى باب الوادي، فتوجَّهنا إلى دمشق، ولم يكن معنا ثمن رغيف خبز ... وهناك اقترضنا بعض المال من قريبة لنا، وحصلنا على تأشيرة دخول إلى قبرص، حيث اشتغلت أمِّي طبَّاخة في أحد المطاعم الفقيرة...

كانت لينا تروي مأساتها بصوت متهدِّج، ونبيل غارق في ذهوله. إنَّ الزمن لم يستطع أن ينسيه قصَّة هذه الأسرة الصغيرة، ولا الحبَّ الذي كان يضطرم في قلبه ذات يوم.

ركضت به الذكريات إلى الوراء، فإذا به في باب الوادي، وحوله دمار هائل؛ فالحرب ليست إلاَّ واحداً من عوارض اليأس التي يعيشها عالم مريض، لا مفرَّ له من مرضه إلاَّ بإطلاق النار على نفسه... كان المسلَّحون في كلِّ مكان... مسلَّحون بالموت، يغنُّون أناشيد الحياة قبل أن يقتلوها... إنَّ البشريَّة في حاجة إلى الوطاويط كما هي في حاجة إلى طيور الحقل، وتحتاج إلى الظلام مثلما تحتاج إلى النور... والذين يقتلون إخوتهم في الانسانيَّة إنَّما يعبِّرون عن موت أرواحهم، وعن مأساة الوجود التي لا نهاية لها، على الرغم من هذا الاحتفال المتواصل بانتصار المدنيَّة على عصور البداوة.

لقد اختطف الأشرار سامح نجيب زوجته سناء وابنته، وأشيع أنَّهم قُتلوا... ثمَّ هجم مسلَّحون آخرون على باب الوادي فأحرقوها وقتلوا المئات من سكَّانها. أمَّا نبيل الساعاتي، فقد نجا أعجوبة وفرَّ إلى هنا ليبدأ حياة جديدة... بيد أنَّ الماضي الأليم ظلَّ يلاحقه مثل شبح أرعن لا يخلد إلى الراحة.

كان يحبُّ سناء حبّاً صامتاً... فالمرأة متزوِّجة، وهو يرفض أن تتحوَّل مشاعره إلى آلة للهدم... وكانت هي تبوح له بأسرارها من خلال نظرات عميقة، فيها الحبُّ الهادئ كما العطر في وردته...

واختفت سناء من أمام عينيه، لكنَّها ظلَّت حاضرة في أحلامه. كان حبُّه لها شكلاً من أشكال العذاب الجميل؛ بيد أنَّه مليء بالنار والأشواق... إنَّ الحبَّ في جوعه لا يقلُّ افتراساً عن الجوع ذاته.

كاد نبيل يعانق لينا، ويضمُّها إلى صدره كما كان يشتهي أن يضمَّ سناء، ولكنَّه لم يشأ أن يصرِّح لها بأمور هي في غنى عن معرفتها.

توجَّه إلى خزانة صغيرة، ففتحها وهو يقول:

ليس من طريقة لإصلاح ساعتكِ المعطَّلة... فأرجوك أن تقبلي منِّي هذه الهديَّة...

- هديَّة؟! لا... شكراً... لا يمكنني...

- أستحلفك بمحبَّة الوالدة...

 مدَّ يده المرتعشة إلى الخزانة، فأطلع الساعة منها وأردف:

 ساعة من الماس النادر... إشتريتها منذ زمن طويل لامرأة كنت أحبُّها، وشاءت الظروف أن نفترق... أتمنَّى أن تحتفظي بها دائماً...

كان في نظرات لينا إليه وهو يلفُّ الساعة حول معصمها، كثير من الذهول والاستغراب. تلعثمت الكلمات في فمها:

شكراً... شكراً يا سيِّدي... سأتذكَّرك دائماً.

تراجعت بسرعة، وفتحت الباب. كان قلبها ينبض بعنف، وقلبه كذلك. إنتبه إلى الساعات التي تحثُّ عقاربها إلى الأمام، فأراد أن يحطِّمها.

في صباح اليوم التالي، وقفت أمام الحانوت امرأة في أواخر العقد الرابع من عمرها، فارعة القوام، سمراء، ذات عينين خضراوين. حدَّقت إلى الباب الزجاجيِّ بكثير من الأمل، فتسمَّرت عيناها على يافطة بيضاء صغيرة مكتوب عليها: " أقفلنا المحلَّ بداعي السفر".  

 انتهت                

جميع الحقوق محفوظة لجميل الدويهي (عن دار أبعاد الجديد-بيروت)                                                                                                  [] [] []

لأدب مهجريّ راقٍ

لأدب مهجريّ راقٍ

 

 

صاحب النار (قصّة قصيرة من جميل الدويهي) مجموعة "من أجل الوردة"

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 لأدب مهجريّ راقٍ

 

كان فقيراً كعشب الأرض، لكنَّه يملك خيمة من قصب على ضفاف جدول. وكان عنده وردة في حديقة عَرَقِه، وأولاد صغار يُطعمهم من صباح يديه، وخابية مكسورة فيها بقايا من ذهب أحلامه.

رأيته ينحت في الغابة، ويصنع من جذوعها فاكهة لموقد، وليس في موقده عود حطب لشتاء؛ فصاحب النار لا يملك منها سوى جمرة انتظار، ودخان أغنية. وسمعته صوتاً عالياً فوق جسر التعب، وضربةَ فأس يبدأ بها صلاة يومه، فتطير العصافير من فضاء ظلِّه إلى أوكار الجبال، وتمدُّ سوسنة عطرها عند قدميه. وعندما ينتهي من عمله، يتوجَّه إلى نبع قريب، فيأخذه على أرجوحة يده، ويسكب من فضَّته على عطش روحه.

ذات يوم، تأخَّر تحت شجرة عُنَّاب، فحملتُ إليه طعاماً: علبة سردين، ورغيف خبز أسمر، وقليلاً من مربَّى التوت الذي تصنعه أمِّي... بحثت عنه طويلاً، فوجدتُه نائماً على فراش أخضر، غطاؤه رفيف هداهد، وعلى يمينه رقصت فراشة. نظرت إليه طويلاً، فاكتشفت أنَّه ملاكٌ يبتسم.

كان يركض وراء خيول بيضاء، وينحدر في أودية، ويمدُّ من رائحة التفَّاح وليمة لعرس.

رأيتُه في أحلامه غنيّاً، يأخذني معه إلى السوق، ويشتري ألعاباً ملوَّنة، وثياباً من حرير، وعُلبَةً فيها صيفٌ ومراكب صغيرة. وتخيَّلتُ أنَّه يحملنـي أمام حانوت للعصير، فيطلب كوبين من الجلاَّب المغطَّى بالثلج، ويقول: اشربْ... لماذا نفكِّر في الغد؟! لماذا لا نبدو ثريَّين؟!

اقتربت منه لأوقظه، لكنَّ هدوءهُ أمسكنـي من ذراعي، فتراجعتُ، وجلست بعيداً عنه، كأنَّنـي خائفٌ على نومه أن ينتهي.

انتظرت ساعتين، فعضَّنـي الجوع. فتحتُ علبة السردين، وأكلتُها برغيف خبزه، ثمَّ أتيتُ على مربَّى التُّوت.

كنت حزيناً لأنَّه سيكون بدون طعام، واعتقدت أنَّه سيعاتبنـي... لكنَّه عندما أفاق، رمقنـي بنظرة وُدٍّ، ورأى علبة السردين فارغة، فابتسم وسألنـي:

هل أكلت جيِّداً؟

قلت له، وأنا مضطرب:

أكلت طعامَك.

قام من مكانه بخفَّة، فطار غبار الأرض عن ثوبِه القديم، وقال لي بعذوبة:

لستُ جائعاً...لم أجُع البتَّه!

وضع فأسه على سجَّادة كتفِه، وأحاطني بذراعه، فسرنا معاً في قلب الغابة، تحت غيمة من السحر والخشوع. كان جائعاً كثيراً، فأخذ يغنِّي، وينظر إلى الأرض بعينين كئيبتين، كأنَّه يشتهي أن يأكل التراب.

 

انتهت           جميع الحقوق محفوظة لجميل الدويهي (عن دار أبعاد الجديد-بيروت)

 

 

 

 

العودة إلى الله (من كتاب "هكذا حدّثتني الروح" - يصدر قريباً )
_______

كان عاِلم فيزياء يمضي إلى عمله كلّ صباح، ولا يعود إلاّ في ساعات متأخّرة من الليل، فينام قليلاً، ثمّ يستيقظ لكي يتابع الدرس والاكتشاف. وكان لدى ذلك العالِم طموح أن يضع نظريّات علميّة، تقرّب الناس إلى الكواكب البعيدة، وتصل بين أرضهم وسمائهم. وقد نجح في كتابة الأسس لبناء أوّل مركبة فضائيّة مأهولة، لإطلاقها نحو قمر بعيد.
والذين يدخلون إلى مكتب ذلك العالم، كان يطالعهم شعار مثبت فوق مكتبه، يقول: "إصعدوا إلى فوق لتعرفوا بعضاً من حقيقة مَن يعرفُكم".
وذات يوم، كان العاِلم يتأبّط حقيبته المليئة بالأوراق، التي تساوي كلّ منها ثروة من الذهب، وبينما هو يعْبر الشارع متّجهاً إلى مؤسّسة الأبحاث الفضائيّة، اعترضَه رجل مسنّ، أشعث الشعر، يرتدي جلباباً يكاد يلامس الأرض، وتسبقه لحية غزاها الشيب. وكان الرجل المسنّ يصيح في الناس: "عودوا إلى الله... عودوا إلى الله”. وعلى الرغم من أنّ العالم الفيزيائيّ كان مستعجلاً للوصول إلى المؤسّسة التي يعمل فيها، فقد أثار فضوله هذا الرجل الذي لا يقول إلاّ جملة واحدة ويردّدها: "عودوا إلى الله... عودوا إلى الله"… اقترب العالِم من الرجل وتأمّله من رأسه إلى أخمص قدميه. وكم كانت دهشته عظيمة عندما أمسكه العجوز من ربطة عنقه، وراح يشدّ بها، كأنّه يريد أن يقتلعها من مكانها، ويقول: "عودوا إلى الله"!
تطاير الشرر من عيني الرجل المسنّ، وفاحت رائحةٌ بشعةٌ من لحيته الطويلة... وبعد لأي، تمكنّ العالم من الإفلات من قبضته قبل أن يخنقه، واستطاع العالِم الذي كان يتنفّس بصعوبة ويسعل، أن يقول بصوت متقطّع: هل فقدتَ رشدَك أيّها الرجل؟... نحن نذهب كل يوم إلى الله، فلماذا تريدنا أن نعود إليه؟... إذا كان هناك مَن لا يعرف الله وينبغي أن يعود إليه، فهو أنت.
______
مشروع الأديب د. جميل الدويهي "أفكار اغترابية" للأدب المهجري الراقي - سيدني 2019

أرجوحة

 

أرجوحةٌ في ظلال الحَــور قــد لعبتْ،     لأدب مهجريّ راقٍ

وطِرتِ فيها، فما ودَّعتِ مـــن أحَـــدِ...

ضَحــوكةً تسبقين الــريح أيَّ مــــــدى           

ولا يـــَطــــولُ سؤالــي عنكِ في البُعُدِ

وأَسمـــعُ القلبَ نبْضــــاً عـــالـياً، فكما            

يَــرنُّ عُــــــودٌ، يــرنُّ الخفْقُ في صُعُدِ

والشًَّعْر مـــــــــــن ذهَبٍ يَرمي بغرّته           

أعلى من الشمسِ، أعلى ما تطالُ يـدِي

جنّيّةُ أنت. لا مـــــــــا أنتِ مــــن بشرٍ            

فأنتِ روحـــي، وكلُّ الناس مِـن بَددِ...

أحببتُك الأمسَ والأيَّـــــــــــامَ قاطـــبة ً           

ومـــــا فصلتُكِ عن قلبي وعن جسَدي.


 

لمّا خسرتُك، لـــــــم تبقَ الحياةُ مَعــي            

ومـــــا انتظرتُ ضياءَ الشمسِ يومَ غدِ

في غابةِ الحورِ مــا كان الفضاءُ سوى           

نحيبِ أرجـــــــوحــــــةٍ محْلولةِ العُقَدِ

تهزُّهـــــــا الـــــريحُ طَوراً ثمّ تتركُهـا            

كأنّها ضجِـــــــرتْ مـــــن قلّةٍ العــددِ

صريرُها متعَبٌ، مــــــــــا زارَها أحدٌ            

إلاّ الطيور التي طـــارت على العُمُدِ...

رأيتُ في الغـابِ طيفاً منكِ، فارتقصتْ            

روحي، ولكنْ سوى الأوهامِ لم أجـِدِ...

أضحى غيابُكِ مــــأساةً أنُـــــــوءُ بها            

وبَـــعــــدَكِ الحزنُ في قلبي إلى الأبدِ.

                        جميل الدويهي (جميع الحقوق محفوظة)
 

غير الشِّتي ما لقيت بعيوني (شعر جميل الدويهي)   

 لأدب مهجريّ راقٍ

 

 

 

 

 

 

 

غَـــيــــر الشِّتي مـــــــا لقيتْ بعْيوني             وصــار الـهــوا عــــــم يـِشْبَه جْنوني

تْطلّعتْ بـِمْـرايـــِـــة حَـــــــدا مهجور            متل العشب عَـــــا خْــيــال زيْتونـِـــه

مبارح كنت عــــــندي خدَم وقْصورْ              وكانُــــو القبايل خَيْل يــعْـطــــونـي...

وهلّق صـرتْ أعتَق مـــن البـــابُـــور             بالسوق مــــــا عــــادو يشتـْرونــــي.

 

بيت الشِّعر مــا انقال صرلو شهـــور            معلَّق مصيرو بْـــدرفِــــــــة ظنونــي

ومْغـَبَّرَه تـْيـاب الــعَــتـــم والــنـُّـــور            ومـا ضَـلّ عندي حــَقّ صـــــابــــونِه

عمري قمح عــــم ياكـــلـو العصفـور            تـــــــــــاري نـَـوَر بالعَين صابونــي

الكانو عَ بابــــي يحْرقـــو بَخُّــــــور             كِـــرْهو الصلا، ومــا عـــاد حَبُّوني.

 

عنوان بيتـي خلف سبع بْـحُــــــــــور            وَيـن اللـــي كــانـــــــــو يستفقدُوني؟

صـــــارو عَـــا حالي يشْهَدو بالزُّور            بْلحظَه مــــــــا فيها نـــاس نِسْيونـي!

غـيـر الصُّــوَر مش هَيئْتـي رح زُور            والذكـــريــــــــــات الما بْيذكْروني...

مــــــــن كتر منّي بعيشتي مـقـهـــور            دَمعـي بَـرَم دولاب طاحُــــــــــــونِه.

 

واقِف سُؤالي عَـــا الدرب ناطـــــورْ            مِـــن وقتْ مــــــا الأحباب هَجْروني

بكّير رحت زرعتْ حَـقـلِـة بـــــُـــور            مــــــــــا قـــدرتْ إدفــع كَومة دْيوني

صــار الوقت غِزّال فَــــــــوق السُّور           وجْوانحي مـــــا عــــــــــاد حِمْلونـي

قَللي طَبيبي: "خــاطْــــرَك مكسور"...           تاري مــــــا عندو حْبوب راحـــة بال

                              ومَرْهَم نعَس مــــــــا لقيتْ لجْفُـــوني.

                                            [][][]

لا تَمرّي أمام الباب ثانيةً

 لأدب مهجريّ راقٍ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لمّا تمرّينَ لا ألـْــوي على أحـــــــــــدٍ

وسيفُ عينيكِ يمْضـــي فـــــــي تَعَدّيهِ

فإنّ جُرحـــــــي خطيرٌ، كيف أختمُه؟

وهــل لــــديكِ دواءٌ كي أداويـــــــــهِ؟

من أين أنتِ؟ أمــن سحرٍ ومـن كذِبٍ؟

سرٌّ غــــريبٌ عجيبٌ فــــي معـــــانيهِ

وتضحكينَ وعــــنـــــــدي منكِ مشكلة

وأنتِ غافلةٌ عـــمَّــــا أُعــــــــــــــانيهِ

وتغمزينَ كأنْ لم تقتلي أحــَـــــــــــــداً

ومـــــــــا سمعتِ نساءَ الحــيِّ تبكيهِ...

ومـــــــا رأيتِِ على الجدران صورتَه

وفــــــــرّ قاتلُه كـــــــي لا نُجــازيهِ...

فـــهــــــل دفعتِ لنا أمــــــــوالَ دِيّته؟

وهـــــــــل فعلتِ لـــنـــا شيئاً لنُحْييهِ؟

وهل نُقاضيكِ يــا خصماً ويـــا حكَـماً

حتى المجانين فـَــرُّوا مــــــن مآسيهِ.

 

لمّا عبرتِ أمــــــــام البيت مسرعـة

كــــــرهتُ بيتي لأنْ لـم تسكُني فيهِ...

وصرتُ أشربُ حتّى ضعتُ مـن زمني

وليس عندي نديــــــــمٌ كــي أساقيهِ

وليس عندي مكان كــــي ألُـوذَ بــــه

وليس عندي حبيبٌ كـــــي أغنّيـــهِ...

كتبتُ شعراً لـــمـَــــن؟ والشعرٌ مرتبكٌ

كأنّما الثلجُ قـــــــــــد غطّى قوافيهِ

ناديتُ كالملك الضلِّيل فاطــــمــــــةً

لكنّها هـــــــــــربتْ منّي إلى التيهِ

وغادرتْني كأنّي كنتُ لا أحــــــــــداً

وأشعلتْني، فكيف الجـــمــــــرُ أطْفِيهِ؟

 

والذكريـــــــــاتُ التي كنّا نعيشُ بها

مضت، فكيف يعيدُ المرءُ ماضـــيــــهِ؟

مـــــا زال منه عبيرٌ فـي الثياب وفــي

بعضِ الزوايــــا، فكيف الـعـطـر أخفيهِ؟

وما تـــــــــزال وراء السور ضحكتنا

وسرّنا في جــــنـــــاح الليل نطويهِ...

هنا اكتشفتُك تحت الـــــــوردِ عاريــةً

هنا الكلام الــــــــــــذي كنّا نُهجّيهِ

هنا اغتسلتِ بماء البحــر فـــــارتقصت

أمواجـــُـــه الزرق، واهتزّت شواطيــهِ.

 

قولي: وداعـــــــاً، فــإنّ الوقت يسبقنا

والزهر صـــــــار كئيباً فـي روابيهِ...

وجفّت الأرض، فالأمطـــار مــــا نزلتْ

ومــــــــا تدفّق مـــاءٌ في سواقيهِ...

ولا تمُـرِّي أمـــــــــــام الباب ثانيةً

ولــــــــــو رأيتِ خيالـي لا تحيّيهِ...

فلست أجهـل كيف الحـبُّ أبــــــــدأُه

ولست أجهـلُ كيف الحـبُّ أُنــهِــيـــهِ.

   شعر جميل الدويهي جميع الحقوق محفوظة

[][][]

 

 

 

                                أحزان قصَّتنا

 

 

 

 

 

 

 

 

 لأدب مهجريّ راقٍ

أحـــزانُ قصَّتـنـا غطَّت عــنـاويني،

وصـرتُ في الريح تمثالاً من الطينِ!

أظـــنُّ أنَّ شتــاءَ الـعـــمــر داهمني،

وليس فـــي موقِــدي عُــــودٌ لتشرينِ

ظـلِّي، رجـــوتـُكِ، أقداري ومشكلتي

إنِّـي أحبُّ الذي فـــــي الـنـار يُلقيـني

أنــا الغريب الذي ضـــاعت مدينته،

فمَن سواكِ مِن المجهــولِ يحميني؟!

                                    ^^^

لـمَّـا وجدتُك صـــــار الحبُّ عاصفةً

على طــريقـــي، وبرقــاً في شراييني

وأصبح الشعر عصفــوراً على شفتِي

وأصـبــح الــــــــورد بستاناً يُغطِّيني

فكيف جئتِ من المجهول يا امـــرأةً؟

وكيف حبُّك بعـد المـــــوت يُحييني؟!

أنتِ الملاك الذي في الجمــر أتبعـه...

في كلِّ يــــــــومٍ أصلِّي كي تـُحبِّيني.

^^^

أحــزان قصَّـتـنـا يــــــــومـاً تُعذِّبني

مُـــرَّ العذابِ، وأيَّامــــــاً تـُراضـيني

ظلِّي هناك، فــمـا لــي رغبةٌ أبـَــــداً

أن تأخـــذي موعـداً منِّي، وتعطيني

ظلِّي كــمـا أنتِ، رسمــاً لا أكـمِّـلـه

وغــربةً فــي يــد الأقدار ترميني...

فـنظـرةٌ منكِ صوبَ الشمسِ تحملني

وقبلة مـنـــكِ طـُـول العُـمـر تكفيني.

من مجموعة "قصائد من عصور الحبّ" جميع الحقوق محفوظة

[][][]

 

[][][]

 

 لأدب مهجريّ راقٍ

 

جدِّي القديم

شعر الدكتور جميل الدويهي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عيناهُ خابيتانِ، في عينيهِ من جمر المواقدِ في الشتاءِ ، وما يزال الثلجُ منهمراً، يغطِّي شعرَهُ. جدِّي عصورٌ كلُّها برْدٌ، وأشكالٌ، أحاولُ أن أفكَّ رموزها، فيطول تحديقي بهِ، ويجيبنـي صمتـي: لقد عبرت نساءٌ في قصائده التـي يأوي إليها في المساءِ، وإنَّنـي أشتمُّ رائحةً من التفاحِ في أثوابهِ. جدِّي القديمُ أراهُ مختلفاً، لقد هربتْ سفوحُ العشبِ منهُ، وفَرَّت الأطيارُ عن أكتافهِ. كانت هناكَ صبيَّةٌ في الحيِّ، كان يحبُّها، وتحبُّه، ويقول فيها"الميجنا"، لكنَّها ذهبت إلى بيروتَ، حيث تزوّجت رجلاً غنيّاً... ثمّ عادتْ ذاتَ يومٍ، كان جدِّي حاملاً عقداً من الأمطارِ، منتظراً، فلم تنظر إليهِ، فعاش مختبئاً وراء الحزنِ، واحترقت يداهُ، وقلبُه... من بعدها، ما عاد يذكر كم أحبَّ، ومَن أحبَّ من النساءِ. لقد أراد الثأرَ، فلتسقطْ نساءُ الأرض، وليبق النبيذُ، وصوته، وغناؤهُ:

"يــــا مـــــايــِـــــلِه عالعينْ، عينِك مائلِه

بحبِّك أنـــــا، وحبِّك لغيري، مــــــــا إلي

ومـــــا زال عندِك بعد نقطة مــــــــاءِ لي

كُـــــــوني كريمِه، وريِّحــــي أعصــابِنا."

 

يغفو على درجٍ من الحجر العتيقِ، ويمتطي في حلمه فرساً، ويقتحمُ القرى، ويؤلِّف الأشعار في أعراسها. رجلٌ يحبُّ الميجنا، ويعمِّر الأبياتَ مثل منازل العشّاقِ، فيها الحبُّ، والأشواقُ، والصبرُ الجميلُ. وحين يَنفضُ ما تبقَّى من غبار النوم عن أجفانهِ البيضاءِ، يسرحُ في الفضاءِ، كأنَّه لم ينتهِ من دهشة الأحلامِ. أعرفُ أنَّ في أفكاره امرأةً. يتمتمُ، ثمَّ يبحثُ في فراغ العمر عن فنجانِ قهوتهِ، وعن كأسٍ، ومنفضةٍ، ويسأل عن عصاهُ، لكي يسيرَ بها إلى ورد الحديقةِ، حيثُ يوحي للعصافير الصغيرةِ بـالهـروبِ. لقد عرفتُ الأن كيف يعيش طفلٌ عاشقٌ، وأنا أرتّب ما تبقّى من قصائده، وأقرأها على الشجر المزهِّرِ، فوق سطح البيتِ. أقرأها لصورةِ شاربيه على الجدار، وأمسحُ العرقَ الذي يجري على خدَّيهِ، يسرحُ في كهوفٍ أنجبت فيها القبائلُ، وانتهى التاريخُ في أصقاعِها. أصبحتُ أعرفُ عنه أنّ الحبَّ عذّبَه، فكيف يعيشُ إنسانٌ، يموتُ، على جروح الأمسِ؟ كيفَ يصيرُ الحزنُ بيتاً للذينَ تهدّموا؟ كيف استطاعَ بنبرةٍ أن يكرهَ امرأةً، ويقتلَها، ويثأَرَ من خيانتها؟ وكيف تزوَّج امرأةً، وأنجبَ لي أباً؟ وأحبَّنـي، وروى كثيراً من أقاصيص الملوكِ عليَّ؟ كان، حقيقةً، مَلِكاً عظيماً، عندهُ قصرٌ، وحاشيةٌ، وقد أحببتُهُ، وكبرتُ بين يديهِ مثل الحورِ، كان يريدُني أن أكتُبَ الشعرَ الجميلَ، لكي أُضيءَ به القـرى، وأصيحَ: " جدِّي شاعرٌ ، وأنا أغنِّي مثلَهُ، فتحبُّنـي امرأةٌ، وتتركنـي، فأثأرُ من نساء الأرض، فلتسقطْ نساءُ الأرضِ ، وليبق النبيذُ معي ، وأبقى مُدمِنا." 

 

لمَّا بكيتُ عليهِ، كان البردُ في شفتيهِ، كان يحبُّ أن يُلقى عليه الثلجُ، مثل حمامة بيضاءَ. كانت حولهُ امرأةٌ تحرِّضه ليخرجَ من فضيحةِ موته. ركضتْ إليهِ من المدينةِ، شعْرُها نهرٌ طويلٌ، ثغرُها كرزٌ، وفوق ثيابِها عقدٌ من الأمطارِ. لم ينظر إليها... كان مهجوراً، ومحتاجاً إلى كأسٍ من العرقِ المثلّثِ، كي يُشاغبَ في الصباحِ، ويشتهي امرأةً، يقبِّلها، يغازلُها، ويسخر من حقيقتِه... ويضحك مثل طفلٍ، وهو يغرق في جنون غنائه:

"حاجِه سعاد تقول: قَصْـــــدي جـاهِله

مــا في مصاري بجيبتـي، وْلا جـاهِ لي

وتا يعيِّروني الناس: نـَـــــوْري، جاهِلي

خَزْقِتْ قميص النَّــــوم، تـَهْمِتْنـي أنا. "

                  من مجموعة "وقلت أحبُّكِ" جميع الحقوق محفوظة

 

 لأدب مهجريّ راقٍ

 

[][][]

 

الرداء الأحمر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 لأدب مهجريّ راقٍ

لا تـقـتـلـيـني بهذا الأحـــمـــــر القانــي

جسمي ضعيفٌ، ولون الجمـرِ أعمانــي

مـثـل النـبـيـذ، ولكنِّي سكرت بـــــــــــه

مــــن البـعـيـدِ، فــمــا أشبعتُ إدمـــاني

أحـتـــار بينهما: ثــــــــوب يطاردنـي،

وثـــــــروة فـــيـــهِ، لــم تُــعْــطَ لإنسانِ

وأنــتِ سارحةٌ، لا تشعـــــرين مـعـــي

ولا تعيشين في بـــؤسي، وحـــرمــانـي

لا ترشفي الكأسَ، إنِّي سوف أكسرهــا

لأنـَّــــهــــــا قـــبَّــــلت ورداً بـنـيسانِ...

ولا تـثــوري إذا عيـــنـــاي سافــــــرتـا

في الثلجِ، في المـــوجِ، في بستان رمَّانِ

أيـن الجـريمــة إنْ أحببتُ، يـا امـــــرأةً

لـولا أضـيـِّعهـا ضيـَّعتُ عــــنـــوانــي؟

أنـا وأنـتِ، وهـــــــذا الثوبُ في خطرٍ...

وأحــمـر الــثـــغـــــر تـــــفَّــــاحٌ بلبنانِ

أنـا وأنتِ، ونـــــــــــــارٌ بين أضـــلُعنا؛

فـيـنـا مـــلاكٌ، وفينا ألـفُ شيطـــــــانِ.

من مجموعة "قصائد من عصور الحبّ" جميع الحقوق محفوظة

[][][]

أنتم كلّ عاصفة

(من كتاب "هكذا حدّثتني الرووح")
غيّروا أفكار الناس الذين يلتصقون بالماضي ويأسرون أنفسهم في القشور. فكلّ شيء يتغيّر. هل تستطيعون أن تسيروا في الطريق نفسها كلّ مرة؟ وهل تحملكم السفينة إلى المرفإ ذاته كلّما أردتم السفر؟
لا تثيروا الفوضى، ولكن غيّروا في النظام، ليصبح أكثر ملاءمة لحياتكم، فليس كلّ ما صنعه آباؤكم وأجدادكم يليق بأبنائكم. والتعاليم التي حفظتموها وكرّرتموها من غير أن تدركوا، لا يمكنكم أن تعلكوها إلى الأبد، فلكلّ يوم شمس جديدة، ولكلّ أمس جنازة.
إنّ ما كان ينفعكم في الماضي قد يصبح أذى لكم فيما تدور عجلة الزمان، فاخلعوا التعاليم التي تحدّ من طموحكم، وتعيدكم إلى الكهوف والمغاور، وارفضوا الخضوع للشرائع التي تخدّر العقول وتمنعها من التطوّر، وإذا سألوكم: لماذا تثورون؟ فقولوا: إنّ الثورة ولدت معنا، وتعيش معنا. ولو أرادنا الله أن نكون جمادا، لكنّا جماداً... كهذه الحجارة التي لا تنطق، وهذه الجبال التي لا تنتقل من مكانها... وهي ليست إلاّ كتلة من السأم والتضجّر.
إنّ التبعيّة للجاهلين أسوأ من الجهل نفسه، فاطردوا من يبشّرونكم بالعتمة، وما العتمة إلاّ في قلوبهم وأفكارهم، أمّا أنتم فقد خرجتم من الظلمة إلى النور، ولن تعودوا إلى الوراء. وشتّان بين إله يطلب منكم أن تكونوا عبيداً، وإله يحرّركم ويجعلكم أنقياء مثل العطر الذي في الوردة.
أنظروا إلى فوق، ولو كنتم من التراب، فالنسور ليس لها أمكنة على الأرض، وليس لها حدود وعناوين... لأنّ أوطانها السماء.
أنتم كلّ عاصفة تقتلع الأشجار اليابسة، وكلّ كوكب يدور، وكلّ حبر يصير معجزة. وأنتم كلّ رجل وامرأة يقولان للشيء: كن فيكون.

قبلة

 

 

 

 

 

 

 

 لأدب مهجريّ راقٍ

"إلامَ سنبقى فــي الغـرام نُـمــثِّــــلُ؟

نمـــوت ونحيـا، والشعور معـطَّـلُ...

إلامَ نُـغـطِّي جــــمــرَنا بـرمـادنـــا،

ونخشى مـواعيد الهــــوى، فنؤجِّـلُ؟

ومـــا الحبُّ إلاَّ رعشة فـي قلـوبـنــا

وبـَـــــــرقٌ إلـى أفكــارنـــا يتسلَّلُ...

فلا تتركيني فـــي الطريــــق معـذَّبـاً

أسير على جرحي، وجرحي يُولوِل

وهاتي من الثغر الـذي قـد رغبتُـه

كتفَّاحةٍ حــمــــراءَ بالقِشرِ تُــؤكَلُ...

فما أنتِ عبلةُ، واللـقـاء مـحـــــرَّمٌ

ولستُ بـمَـن يـــهــوى التي تتبتَّلُ...

 

تعالي إلى عصـري الجـديـد، فإنَّـه

سماءٌ، ومـاءٌ... وانتحارٌ يُعـجِّــلُ!

وكوني بـحاراً لا أخـافُ عـبورَها

وكوني يداً مـن كلِّ عطرٍ تُحَمِّـلُ!"

 

فـــــردَّتْ علـيَّ بنظرةٍ غـجـريَّــةٍ،

ومـــا فـي كلام العينِ إلاَّ التـوسُّلُ...

فيا ويلها مـــــــــــن قبلة قـبَّـلـتُـها!

لها رجْعُ موسيقى، وصوتٌ يجلْجِل

فدبَّت دبيب النمـــــل بين مفـاصلـي

كأنِّي على سُكْرٍ، وللخــمـــــرِ أرجُلُ.

من مجموعة "قصائد من عصور الحبّ" جميع الحقوق محفوظة

[][][]

حَدّ القمَر      

 

   لأدب مهجريّ راقٍ

 

يللي معي ما بتعرفي تتصرّفي

وكلما رحتْ تا بوسِك بتتكَتّفي

وعندِك حِجج بالسُوق مش عم تِنشَرى

وما في لها تصريف عند الصَيرَفي

بقلِّك شِعر متلو ما قايل عنترَه

وإنتي يا عبله من الشعور منشّفِه

متكبّره، وما بعْرفِك متكبّره

ولولا قلت: موجوع ما بتتأسّفي

ناطر خيالِك والطريق مغبّره

لكنْ خيالِك عا طريقي ما لِفي...

ما زالها صارت حياتي مْشعَّره

وكاس الوفا والحبّ ما عاود صِفي...

ما بريد بعد اليوم إترجّى مرَا

وتا يكون عندك بالحقيقه معرِفه

فيروز غنّتلي: قمر من مشغرَه

وحَدّ القمَر ممنوع إنِّك تُوقَفي.

 

من مجموعة "لا تفكّري صار الهوى ذكرى" جميع الحقوق محفوظة

 

[][][]

 

لن نلتقي  لأدب مهجريّ راقٍ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نسِيَتْ كـــلامَ الحبِّ حـــين رأيتُها         فكأنَّهــا وُلِـدت بـغـيـرِ لسانِ

قبَّلتُها، فتراجعتْ مــهـــزومـــةً،           وتفلَّتتْ مــن قـبضـتـي بثَوانِي

وشرحتُ عــن حبِّي لـهـا، فتجاهلتْ      أنِّي مـــن العهدِ الـقديمِ أُعـاني

حبِّي لـهـا البركانُ تـحت أصابـعـي،      والريـحُ غاضبةً على الأغصـانِ

حبِّي لــهـا سيفٌ على عـُنـْقي،  ولم       يَنفعْ صُــراخــي في سمـاءِ دُخانِ

حبِّي لـهـا أعجوبةٌ أُحْـيــي بـهـا           المــوتى، وأخرِجهم مـن الأكفانِ

لكنَّها ثـلـجٌ، فكيف أريـــدُهــا               أن تـهـتدي يومــاً إلى عُنـواني؟

فهي التـي جعلتْ حياتي مــأزقــاً،         فمشَيتُ في دربي مـع الأحـزانِ

وهي التـي هَــدَمَت صُـروحَ عبادَتي،    وتحــوَّلتْ لـعبـادةِ الأوثـانِ...

مـغـرورةٌ جــــدّاً، ولستُ ألومُها،          فشعورُهــا لفْظٌ بغيرِ مَعانـــي

وقصـــورُها ورقٌ يطـــيرُ، ويختفي      وكنوزُهـا رمـلٌ على الشطآنِ

كم موعِــداً أعطيتُها، وأخذتُ مــن        يـدِهـا وُعودَ اليأسِ والحِرمانِ!

لن نلـتـقـي أبداً، فــقــد ودَّعتُها              كمدينةٍ فـي غـــــابرِ الأزمانِ

وسيَذكرُ التـــاريخُ أنِّي عـــاشقٌ،           وحبيبتـي فـي الحُبِّ كالعُميانِ. 

 جميع الحقوق محفوظة

حقيبة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 لأدب مهجريّ راقٍ

مــــن نظرةٍ منِّي، أُداريـهـا       تلك الحقيبة، كيف ترْميها؟

وتضـمُّــهــا حيناً مُعـجِّـلةً،        فيفوحُ عطـرٌ مـن قَنانيها...

أغراضــــهـــا فيها مبعثرةٌ:       أقـلامُ كحلٍ فـــي نــواحيها

وأصـابعٌ حمــــراءُ غالـيـةٌ        أزرارُ وردٍ فـي أَوانــيــهـا

فيها دبـابيسٌ، ومـروحــــةٌ        مـــن حَرِّ أشواقــي تُنَجِّيها

فيها كــتــابٌ كلُّـه غـــــزَلٌ        وقـــصـائــدٌ رَقَّـتْ مَعانيها

فـيـهـا مـنـــاديــــلٌ مُـلــوَّنةٌ        تَطْوي الحقولَ بها وتَطويها

وأسـاورٌ، وخــواتمٌ ذهــبٌ،        ممَّـا اشتريـتُ أنـا لأهدِيها

وتَصيحُ في أرجائها صُوَري        ورسائـــلٌ مِــنـــِّي تـُخـبِّيها!

كم عـنـدهــــا سرّاً تُهرِّبـُه؟        كم قـصَّةً ضاعت أَساميها!

صندوقُ دنيا، لو به وَضعتْ       دنيا مـن الأفكار، يَحْويها...

تلك الحقيبةُ كيفما اتَّجهــتْ،        تمشي العيون لكي تُلاقيها

أخشى إذا ضاعت، يضيع سُدى     قلبي الــــذي خبَّأتُه فـيهـا.

من مجموعة "قصائد من عصور الحبّ" جميع الحقوق محفوظة

[][][]

 

يرنُّ الهاتف الليليُّ

 لأدب مهجريّ راقٍ

 

 

 

 

 

 

يرنُّ الهاتفُ الليليُّ، وهْي ترتِّبُ الاشياءَ من كحلٍ، وأقلامٍ، وعطرٍ بين عصفورين ثرثارينِ... كيف تجيب حين توزِّع الألوانَ بين الماءِ والأضواءِ؟ كيف تُجيبُ إنساناً يحطِّمها، فلا يبقى على فمها سوى جمرٍ، سوى حرفين، أو لا شيء غير الصمتِ؟ إنَّ الصمتَ أحلى ما يغنِّيه الذي يمشي على النارِ؟ ولو تصغي إلى المرآةِ، كانت أبصرت جسدي الذي يغلي، وكانت شاهدتني راكضاً في الريح لا ألوي على أحدٍ. وأسألها: لماذا أقفلت شبَّاكها كالموتِ؟ كيف رضِيتُ ألاَّ تُفتَح الأبوابُ فـي وجهي؟ وكم أصبحتُ مسكيناً على يدها! لأنِّي فجأةً هدَّأتُ من روعي، وقلتُ: "لعلَّها تشتاقُ في يومينِ!" لكنَّ الزمانَ يمرُّ والأحزانُ واقفةٌ... ومِن حولي أعاصيرٌ، وأمكنةٌ: هنا أحببتُها، وهنا تبعتُ الأرض وهْي تدورُ... كيف تحبُّني امرأةٌ تحاصرني بمأساتي؟! وتقتلني إذا فكَّرتُ، أو عبَّرتُ عن ذاتي؟! يرنُّ الهاتفُ الليليُّ، لكنْ ليس من أحدٍ... تُغطِّي علبةَ الألوان، تتركني بلا روحٍ ولا جسَدٍ، فإنَّ الحبَّ أن يبقى الغياب معي، وأن تبقى معاناتي.

من مجموعة "قصائد من عصور الحبّ" جميع الحقوق محفوظة

[][][]

تفهّمي صمتي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 لأدب مهجريّ راقٍ

أتحبُّني؟ كـــم مــرَّة هـــــذا السؤا            ل سمعتُهُ، ورفضــتُ أن أتكلَّما...

إن قلتُ: لا، وقف الزمـان مكانَهُ،            والعمرُ حاصره الظلام، فأظلما...

الحـبُّ شيء لا يـفسِّره الكـَـــــلا            م، فلست أملِك حـين يملكني فَما!

الحـبُّ أوجدني، وكنت خـرافةً...            والحبُّ أسعدنـــي، وكنت محطَّما

وهو الذي أحرقتُ فيـه أصابـعي            ودخلتُ فــي أوجـــــــاعه مترنِّما

كنت الغــريبَ، فضمَّني بجناحــــه،         حتَّى نسيتُ الـــواقـــــع المتألـِّما...

إن قيلَ: ضاعت فـي البحار مراكبي         فأنـا أمـــــــرتُ البحـر أن يتحكَّما...

وأنـــــا الذي مــا كــان ينبض قلبه،          فإذا بــــــــه في الحبِّ صار معـلِّـمـا

من عشب عينيك اخترعتُ حديقتي،          وصنعتُ من ذهب الأساور أنجُما...

ونشرتُ ثوبَكِ فـي الــــربيع، كأنَّـه          بستانُ ورد للفضــــــــاء تبـسَّمـا...

إنـِّي أحبُّكِ فـــــــي بـراءة شاعــر،          فتقـبَّـليـنـي حـــــــائـــــراً، متلعْثما!

وتفهَّمي صمـتي، فإنـِّي كاهـــــــــــنٌ        فـــــي قلبه صــلَّــى عليكِ، وسلَّـما...

إنْ كـــــــان يُجْــدينا الـكـلام، فإنَّـنـي        دوماً أحبُّكِ، يـــــا وجودي الأعظَمـا!

يـومٌ وحيـدٌ لــــــــــن أحـبَّـكِ بـعـدَه:         لمَّا تـزول الأرض، أو تــقــــَعُ السما.

من مجموعة "قصائد من عصور الحبّ" جميع الحقوق محفوظة

[][][]

لعبة السيف   لأدب مهجريّ راقٍ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عـُـــودي، كأيِّ حبيبةٍ في موعــــدِ

جـوعُ المساء مـعـي ، ونـارُ الموقــدِ

لن تـــــعـــرفي عشبَ الحقولِ ، لأنَّهُ

ذهبٌ تساقطَ مـــن يديكِ ومِــن يَدِي.

وأنــــا أحــدِّق فيك منذ طـفـولـتي،

وبجمـرِ قـهـوتنا الـذي لم يَـخـمـدِ

وأطــيرُ فـــوقَ الحـاجـبينِ ، كأنَّـنـي

وردٌ تبعثرُه الـريــاحُ بـمَـعــبَــدِ

يــا قُبــلـةً قبَّلتُـهــا ، ودخـلتُ في

غـاباتِ رعيـانٍ ، وخَـــوخٍ أسودِ ...

عضِّي على شفـةٍ، لأبـــدأ ثــــورةً،

وأمـرَّ مــــن تحتِ الرصاصِ إلى غـدي !

أصبحــتُ قــنــديـلاً على بـوَّابـةٍ

وكسرتُ أضْـلاعَ الــظـلامِ بمُـــفرَدي .

إنِّي أمـوتُ على الرصيـفِ إذا مـعـــي

فخذي سلاحي مــــــن يديَّ ، وسدِّدي

ظلِّي ارقــُصــــي ، فالعيدُ يبدأ من هنا،

وهــنــا انتصرتُ لخصركِ المتــمـــرِّدِ

يــا أنتِ، يا حرِّيَّةً شربتْ دمــــــي،

يــــــا لـُعـبةَ السيفِ الذي لم يُـغـمَدِ

سمَّيتُكِ الــدنـيـا ، فلو لم تـُولَــــدي

يُــمـحـى مـــــن التاريخِ كلُّ المشهَدِ .

من مجموعة "قصائد من عصور الحبّ" جميع الحقوق محفوظة

[][][]

هربتُ من صوَري لأدب مهجريّ راقٍ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عمَّرتُ بيتاً مـــنَ الفخَّار والطينِ

وعشتُ فيه كبُوذيٍّ مـن الصِّــينِ

وكم فَرحتُ لأنّي لا أرى أَحَـــداً

ولا أُلـــــوِّح إلاّ للــطـــواحــيـنِ

زرعتُ في تلَّةٍ قمحـاً، وفــاكهـةً

وكنتُ أقطف أثــمــاري بتِشرينِ

وكنتُ أخبزُ في فُـرنٍ على حطَـبٍ

خبزاً رقيقاً لـــــه طعمُ القرابينِ

وكنتُ أغـْـفـو على شُبّاك أغنيتي

حولي النجومُ، وأحلامي تغطّيني

وذات يومٍ بدأت الفَنَّ من ضجَري

فــصــــرتُ أرسمُ أشباهَ السعادينِ

رسمتُ حولي قُرى فيها عَمالقةٌ

حُمرُ العيونِ، حُفاةٌ كالشياطينِ

وآخرون قِصارٌ، يرقُصون على

شَوكِ الحقولِ، وأوكار الثعابين

وحاكِمون، وأتباعٌ، وحاشيةٌ

ولاعِبون بأقدارِ المساكينِ

وصار عندي بِلادٌ من صَنيع يدِي،

فمن يُخَلِّصُني منها ويَحميني؟

رأيتُ فيها دَماً يَجري، وأسلحةً

لها ضَجيجٌ كأفواهِ البَراكينِ

رأيتُ جُنداً على بابي، فقلتُ لهم:

ماذا تريدونَ؟ فانْهالوا بسِكِّينِ...

هربتُ من صوَري حتَّى وصلتُ إلى

مجاهلِ الأرض مقطوعَ الشرايينِ

هناك أصبحتُ إنساناً بلا وطنٍ

ولم يعُدْ وطنُ الإنسانِ يُؤويني.          جميع الحقوق محفوظة

لعبة السيف   لأدب مهجريّ راقٍ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عـُـــودي، كأيِّ حبيبةٍ في موعــــدِ

جـوعُ المساء مـعـي ، ونـارُ الموقــدِ

لن تـــــعـــرفي عشبَ الحقولِ ، لأنَّهُ

ذهبٌ تساقطَ مـــن يديكِ ومِــن يَدِي.

وأنــــا أحــدِّق فيك منذ طـفـولـتي،

وبجمـرِ قـهـوتنا الـذي لم يَـخـمـدِ

وأطــيرُ فـــوقَ الحـاجـبينِ ، كأنَّـنـي

وردٌ تبعثرُه الـريــاحُ بـمَـعــبَــدِ

يــا قُبــلـةً قبَّلتُـهــا ، ودخـلتُ في

غـاباتِ رعيـانٍ ، وخَـــوخٍ أسودِ ...

عضِّي على شفـةٍ، لأبـــدأ ثــــورةً،

وأمـرَّ مــــن تحتِ الرصاصِ إلى غـدي !

أصبحــتُ قــنــديـلاً على بـوَّابـةٍ

وكسرتُ أضْـلاعَ الــظـلامِ بمُـــفرَدي .

إنِّي أمـوتُ على الرصيـفِ إذا مـعـــي

فخذي سلاحي مــــــن يديَّ ، وسدِّدي

ظلِّي ارقــُصــــي ، فالعيدُ يبدأ من هنا،

وهــنــا انتصرتُ لخصركِ المتــمـــرِّدِ

يــا أنتِ، يا حرِّيَّةً شربتْ دمــــــي،

يــــــا لـُعـبةَ السيفِ الذي لم يُـغـمَدِ

سمَّيتُكِ الــدنـيـا ، فلو لم تـُولَــــدي

يُــمـحـى مـــــن التاريخِ كلُّ المشهَدِ .

من مجموعة "قصائد من عصور الحبّ" جميع الحقوق محفوظة