كاتبة الشبح - فصل من رواية "حياة وهم" لميرنا الشويري

الإهداء

 

للطبيعة ربيعٌ واحد ولكن لي ربيعين.

أهدي هذا الكتاب إلى "جو" و "لين"، أجمل وردتين في حياتي.

الفصل الأوّل: كاتبة الشّبح

لستُ أحداً ولستُ لا أحد. تبخَّرتُ منذ زمن بعيد... أضعتُ نفسي بين الأزمان. أحاول أن ألملم ذاتي القديمة، ولكن لا أعرف كيف ولا أعرف إذا كنتُ أملك القدرة بأن أخلق كياناً جديداً بعناصر لا تشبهني. تعيش فيَّ أصواتٌ كثيرة أسمعها أحياناً وأتجاهلها أحياناً أخرى.

هذه الرّواية، يا جيمز، هي خشبة خلاصي، هي خلقي من جديد. هي صوتي الذي سيكسر صمتي الذي يخنقني يوماً بعد يوم، ولكنّه يعدني بولادةٍ جديدة.

في كتاباتي السابقة كنتُ ضحيّة أوهام، أمّا الآن فأنا أكثر نضجاً وأتخلّص من كلّ ما يهدّد خلقي الجديد.

كلماتُ هذا الكتاب هي صرخاتي، وأوجاعي، وإعلان إقامتي الحاليّة في عالم الوجود واللاّوجود. أنا لستُ شيئاً لأنّني من كثرة الألم والخيبات أصبحتُ أرى أوجاعي وكأنّها ليست لي. لقد تمسّكتُ بالكثير من الأحلام، إلاّ أنّها كالآخرين تخلّت عني وهجرتني. وبالرغم من كلّ ذلك فأنا أحدٌ حالة اللاّشيء عنصر من كياني الحالي. أضعتُ الكثير من الوقت، ولكن في الوقت المتبقّي لي سأعلن عن ذاتي الجديدة. لا أعرف لمن أكتب يا جيمز، هل أكتب لطفلي الذي سيقرأني في المستقبل؟ هل أكتبُ لك؟ لا أعرف، ولكنّني سأكتب، وكلّ ما أعرف أنّ كلمات هذا الكتاب ستمنعني من الغرق في الإحباط. كلماتٌ مجنونة، متغيِّرة، ومتشرّدة. هذه أنا، التي تنتظر أن تتعرّف على أناها الجديدة.. من خلال كلماتي سأعيش الحبّ في تبعثر زمنيّ ومكانيّ. نعم فلعلّي أصبحتُ أخافُ من الحبّ، لذلك سأبعثر نفسي وأتوحّد مع بقايا وهميّة هنا وهناك... فراغي العاطفي لا مثيل له... أتوق للمساتنا يا حبيبي، إذا كنت لا تمانع أن أدعوكَ هكذا. كنّا مع كلّ لمسة نعيش عمراً كاملاً، ما أصبحناه اليوم يؤلمني كثيراً.. ولا أعرف إذا كان لحبّنا أملٌ، كنت ستصبح ديني الذي ربّما سيخلّصني، وفجأة.. آه يا جيمز، أنا امرأة مجنونة، هذا قدري. فأنا لم أعد أملكُ شيئاً إلاَّ لغتي.. وهذه المتشرّدة البدويّة فقط تفهمني وتحضنني. لن تخذلني، نعم، لن تخذلني، كما خذلني الحبّ. لن تدفعني إلى التمسّك بحلم كما فعل بي الحبّ في الماضي، بل بالعكس، كلّما رأتني أتمسّك بحلم، ستحملني إلى بلدٍ وهميٍّ. هي الوحيدة التي ستخلّصني من أيّ تورّط عاطفي يدمّرني، هي صرخة حرّيتي... لا أعرف كيف سأبدأ. هل أبدأ من البداية؟ من النهاية؟ أو من إحدى الأحداث المتبعثرة؟ حقاً لا أعرف بأيّة قصّة أبدأ: قصة فاطمة، قصّتي، قصّتك، قصّتنا معاً، أو قصّة ندى؟؟ بما أنني القدر في هذا الكتاب سأختار بمزاجيّة. لذلك دعني أبدأ بقصّتنا، وعندما أتعب من نفسي سأتجوّل في عالم آخر. في الواقع، القدر يلعب بي ولكن، على الأقلّ، أنا قدر هذه الرّواية.

أنا، يا جيمز، كما أخبرتك، كنتُ كاتبة شبح "Ghostwriter" تركتُ أميركا وأتيتُ إلى لبنان في سنة 2004 عندما التقيتُ بكَ في الطّائرة. كنتُ أعمل في الصّحافة عندما تعرفت على زوجي في إسبانيا، وهو رجلٌ سياسيّ، ولقد أُعجبَ بي كثيراً. وعندما عرف بأننّي ابنة متبنّاة عطف عليَّ كثيراً، وأنا أيضاً قد سُحرتُ بقوّة شخصيّته وأحسستُ بأنّه سيقدِّم لي الاستقرار والأمان، فأنا منذ عرفتُ بأنني متبنّاة وأشعر بألمٍ، والسّبب ليس أهلي بالتبنّي، بل إخوتي، فبعد أن تبنّاني أهلي من عائلة لبنانيّة حملت أمّي. وكان ذلك بعد ثلاثة أشهر، وهكذا عشتُ مع أخٍ وأختٍ توأم لم يحبّاني كثيراً. تزوّجتُ جوزيف، ولقد كنتُ في الثالثة والعشرين. كنتُ أراهُ الحلم الذي انتظرته منذ زمنٍ بعيد. كان رائعاً معي، فأنا كنتُ طفلته وحبيبته المدلّلة. وهكذا تركنا إسبانيا وأتيتُ معه إلى لوس أنجلس وأصبحتُ كاتبة الشّبح التي تكتب لزوجها نصوصه في الانتخابات النيابيّة، والتي ربحها ثلاث مرّات.

كنتُ أعملُ ليلاً نهاراً كي يحقّق النجاح، وكان يتقدّم أكثر وأكثر في العمل السياسي، هو في الضوء وأنا في الظلّ كنتُ أرقّ من الآن. هل تتصوّر يا جيمز؟ فأنتَ قلتَ لي أكثر من مرّة: «تجتاحني رقّتكِ يا جميلتي». أنتَ التقيتَ بي وأنا في الثلاثين من عمري، فهل تتخيّل كيف كنتُ في العشرين من عمري؟ كنتُ إذا سمعتُ من زوجي كلمة حبّ أحياناً تنهمر دمعة مني، ومن دون أن أعي. كان عندما يقبِّل يديّ أشعرُ بأنَّ قلبي سيتوقّف، وكنتُ أقبِّل يديه بإمتنان لحبِّه لي وكأنّني أقدِّس وأؤلّه لمساته. وبعد ثلاث سنوات أصبحتُ أعيش حياة أشباح، فزوجي أصبح رجلاً شبحاً لا يشعر بي، ولا يحلم بي ومعي، ولا يلوّن أيامي، وحتى عملي في الظّلال بدأ يخنقني ولم أرزق بأيّ طفل. كنتُ أُحسَدُ من قبل الآخرين على عيشتي الرغيدة، وعندما أصبحتُ أشعر أكثر وأكثر باندثاري وتبخّري، شعرتُ بأنّني يجب أن أخلّص ما تبقّى منّي. بالرغم من أنّني حملتُ منه، إلاَّ أنّني طلبتُ الطّلاق، ولقد وافق بعد أن أكّدتُ له بأنّني لن أقاسمه أملاكه. وأنجبتُ طفلاً دعوتُهُ كيفن. وبعد ولادته، قرّرتُ أن أسافر إلى لبنان لأتعرّف إلى جذوري. وهنا يا جيمز التقيتُ بكَ. هل تتذكّر التفاصيل كما أتذكّرها أنا؟ لقد جلستَ بقربي في الطّائرة. سلَّمتَ عليَّ بتهذيبٍ وكانت رائحتُكَ أكثر من رائعة، ولم أقاوم أن أنظرَ إليك، فوجهكَ البنّي وعيناكَ الخضراوان لا يُقاوَمان.

أتذكّر لمسة صوتك الأولى لأذنيّ، كانت رائعة مثلك. يا ترى كيف رأيتني؟ هل شبّهتني بالإسبان، كما يفعل الكثيرون، بشعري الأسود الطويل وعينيّ البنّيتين ورموشي الطويلة وبشرتي البيضاء؟ هل أحببتَ رائحة الشانيل؟ أعتقد نعم، لأنّك تأمّلتني عدّة مرّات برقّة وإعجاب. ولقد ضحكتُ كثيراً عندما نمتَ لأنّك تشخرُ قليلاً، وهذا ما جعلني أستيقظ معظم الرّحلة. تكلّمنا قليلاً، كلانا كان متعباً، ولذلك كنّا نستمتع برفقة بعضنا البعض بصمت.

ولم أعرف عنك إلا أنّك في UN و بأنّك كنتَ جنديّاً في العراق. عندما وصلنا إلى بيروت ودّعنا بعضنا البعض، ولقد أعطيتني رقمكَ في الجنوب فوعدتكَ بأنّني سأهاتفكَ عندما أستقرّ. بعد شهر اتصلت بك، وكنتُ بدأتُ أشعر نوعاً ما بالاستقرار بعد أن سكنتُ في الأشرفيّة، ووجدتُ عملاً كرئيسة تحرير لجريدة تُكتب باللّغتين العربيّة والإنكليزيّة. إلتقيتُ بكَ عدّة مرّات، وكنتُ في كلِّ مرّة أرتاحُ لكَ أكثر وأكثر. وبعد شهرٍ من لقائنا، قرّرتُ أن أستقبلك في بيتي وأن أخبركَ كلّ شيءٍ عنّي. كلانا كان خائفاً من الآخر بسبب جراحاتنا التي تغطّي أرواحنا. وهكذا استقبلتُكَ وعرّفتكَ على كيفن الذي أحبَّكَ وأحببتَهُ كثيراً. وعندما نام ابني في السّاعة التاسعة جلستُ بقربكَ على الكنبة، ونظرتُ إلى عينيك، وقلتُ لكَ: «أرجوك انتظرني، وعندما أناديكَ إلى غرفتي، تعال».

رأيتُ شعلة الاشتياق في عينيك، وهذا أشعل اشتياقي لك. لبستُ قميص نومٍ قصيرٍ شفّافٍ وكان يكشف جسدي العاري، ونظرتُ إلى المرآة: «هل ستحبّ جسدي؟ منذ سنتين لم يلمسني رجل. وماذا إذا لم تحبّه؟. تأمّلتُ جسدي، إنّه جميل ولكن آثار الحمل ظاهرة على بطني. تنفّستُ بعمقٍ وشجّعتُ نفسي. إنّه رجلٌ رقيق، إنّه ينظر إليَّ كإنسانة لا كجسد. لن يجرحني أو يرفضني. حقّاً لا يجب أن أخاف.. لا يجب أن أمهّد له الموضوع قبل أن يراني عارية...». إلاّ أنّني كنتُ خائفة، لذلك لبستُ روباً لأحجبَ جسدي وناديتك... ما هي إلاّ لحظة حتى أتيتَ ووقفتَ أمامي وضممتني ثمّ قبّلتني على شفتيّ بلهفة قضت على جزء من مخاوفي، فأبعدتُكَ عنّي ونظرتُ إلى عينيك: «هل نستطيع أن نتكلّم قبل أن...» وتوقّفت بخجل..

«بالتأكيد، أرجوكِ قولي لي ما تريدين»!

«أنا لا أملكُ جسداً مثاليّاً، في الثياب أبدو...».

قبل أن أكمل ما كنتُ أقوله، وضعتَ يدكَ على شفتيّ لإسكاتي: «أرجوكِ لا تكملي... أكنُّ لكِ الكثيرَ من المشاعر.. والمرأة أكثر من ذلك».

«أنا متوتّرة كثيراً، ماذا إذا لم أعجبك...»!

لم تردَّ، بل قبّلتني بحرارة، ومن ثمّ أبعدتني: «أرجوكِ قفي». وبقيتَ أنتَ جالساً يا جيمز، ووقفتُ أنا أمامك ففككتُ روبي وتأمّلتَ جسدي من خلال الروب، ولم تقل أيّة كلمة بل نظرتَ إلى عينيَّ وقلتَ لي آلافَ الأشياء بنظراتكَ، وبدأ خوفي يتبخّر ثمّ عريتني ولم تلمسني لدقائق. فقط تنظر إليَّ وكأنَّكَ تريد أن ترشف رغبتكَ بي. وكانت الابتسامة لا تفارق وجهَكَ ومن ثمّ بدأت تقبّل بطني برقّة وشعرتُ بأنَّكَ تتبع بقبلاتِكَ خطوط التشقّقات: «أحبّ كلَّ جسدكِ ولكن هذه الرّسومات هي الأغلى على قلبي...». ودمعت عيناي ورفعتُ رأسكَ لأرى عينيكَ وأشكرهما، فركعتُ أمامكَ وضممتُكَ: «على ما يبدو بدأ القدر يبتسم لي...».

تفاصيلُ هذه اللّيلة حُفرت في قلبي يا جيمز. فحقّاً لقد أحييتني. شعرتُ بمعنى جديد لأنوثتي وأنا التي كنتُ ظننتُ بأنّها قد قُتلت. أنا امرأة الحبّ التي قرّرت ألاّ تعيش إلاّ في كنفه. في الماضي، ظننت بأنّ الحب انتهى دوره من حياتي وإذا بكَ تحملني إلى عتبته.

وبعد هذه اللّيلة قرّرتُ، يا جيمز، أن أخبركَ ما لم أخبره لأحدٍ، وشعرتُ بالارتياح لكَ، لذلك طلبتُ منكَ أن تقرأ الرسائل التي كتبتُها لزوجي السّابق ولكن لم أعطها إيّاه بل كانت علاجاً لغضبي. وهذه الرّسالة الأولى التي أعطيتُكَ إيّاها:

«أشتاقُ إليكَ عندما كنتَ تراني الحلم الذي تحقّق.

أشتاقُ إليكَ عندما كنتَ تستيقظ عشرات المرّات لتتأكّد بأنّني حقّاً أنام بين أنفاسك.

أشتاقُ إليكَ عندما أحببتَ نفسكَ لأنّني أحبّكَ.

أشتاق إلى ذلك الشّاب البريء الذي يفضّل ملامسة يدي على أن يصل إلى أجمل نساء العالم.

أشتاق إلى تلك الطفلة التي كانت واثقة بأنّ الحبّ هو قدرها، وما أجمل أن يكون الحبّ هو القدر!

أشتاق إلى تلك الحالمة المتمرّدة التي ظنّت بأنّها ستجعل هذا العالم أكثر إنسانيّة.

أشتاق إلينا، إلى ما كنّاه.

وإذا بكلّ شيءٍ يتلاشى أمام عينّي: هو، وهي، وهما معاً.

وإذا بالقدر الوقح يبلّغني بأنّ الحبّ هاجر عالمي إلى الأبد، وبأنّني يجب أن أتعايش مع واقعي الجديد: بقايا وأشلاء».

 

أتذكّر جيّداً بعد أن قرأت هذه الرسالة كيف جلست بقربي وقلتَ لي برّقة: «الحياة لم تدمّر فقط حلمك، بل تتلذّذ بقتل أحلام الكثيرين...» وضممتني إلى صدرك وأحسست بوجعك، ولكنّكَ لما ترد أن تخبرني عنه.

كنتُ أسمع في اللّيالي التي تمضيها معي أوجاعاً كثيرة تجتاحُ نومَك ولكنك لم تقلّ أيّة كلمة فلقد كنت تردّد: «لم أقتله.. حقّاً أحبّك يا مها... لا تمُتْ أرجوك...».

ولم أرد أن أسألك، لربّما لم تكن جاهزاً أن تتكلّم. وأصبحت أعطيك أكثر من رسائلي لأنّني كنتُ أرتاح إليكَ أكثر فأكثر. وزِدْ على ذلك، أردتُ أن تخبرني عن آلامك. ولا أستطيع أن أنسى كيف أمسكت الرسالة الثّانية، وأنتَ تحتسي النّبيذ، وجلستَ بقرب الشبّاك تقرأها، وأنت تتحسس وجعي: «المشكلة أنَّكَ أنتَ أنت، وأنا أنا، ولا أحدٌ يستطيع أن يغيّر نفسه، ولذلك فإنّنا لن نذوب مع الوقت ببعضنا البعض بل سنغترب أكثر فأكثر...

الأنوثة لا تُفهم بل تُحسّ، فكيف لرجلٍ لا يحسّ بأنوثته أن يشعر بأنوثة امرأته؟ حتى لو حاول أن يفهم فإنّه لن يستطيع. وكيف لي أن أفسّر لرجلٍ معناها، وأنا لا أفهمها بل أشعر بوجودها.

جهلكَ بها يدفعكَ إلى اتّهامي بأشياء كثيرة، وجريمتي الأولى هي الأنوثة.

فبالنسبة لكَ أنا نرجسيّة لأنّني أريدُ أن تتغزَّلَ بي، وأن تلوِّنَ حياتي بكلمات حبّ. والجريمةُ الأخرى أنّني أريدُ منكَ وقتاً أكثر. أغصبُ نفسي وأحاولُ أن أشرحَ لك عن حاجات أنوثتي، ولكنّني أيضاً لا أعرف عنها بل هي التي تعرفني وتحتضنني...

وهكذا ومن دون أن أعي، أصبحتُ أبتعدُ عنكَ، فأنتَ تدفعني إلى أن أقتل كياني الأفضل، وأن أتشرّد عن نفسي، أن أتحوّل إلى شبحٍ بارد، صورة للزوجة الناجحة التقليديّة التي تُسعد فقط عندما يُنفق عليها الأموال، ولا تهتمّ أن يتوق زوجها إليها. لا، لن أسمح لكَ أن تجرح أنوثتي أكثر. لن أتفاجأ إذا اكتشفتُ يوماً بأنَّكَ تخونني مع نساء أخريات، لأنّ الرجل الخالي من الأنوثة يفصل بين جسده وعواطفه... هذه هي النهاية... لن أتحوّل إلى شبح.. سأذهب لأنقذ نفسي.. لن تفهم ولن تتغيّر، وكيف لكَ ذلك، وأنتَ تحاول أن تفهمني بمعاييرك الذكوريّة.

يا إلهي كم أتعذّب عندما ألتقي بعلاقاتٍ زوجيّة كتلك التي أشتهي... فأنوثتها تحتضن رجولته وأنوثته تقدّس أنوثتها... تبرّر ابتعادك عنّي بضغوطات الحياة والعمل. انتهى عمري وأنا أتوق أن تشعر بي.. وما أنا إلاّ تائهة في صحراء تتعلّق بسرابٍ فتكتشف حقيقته ثمّ تتعلّق بسراب آخر، إلاّ أنّ نهاية الضياع هي الموت في الحياة...

أصبحتُ أكره السّياسة وأعشق الإنسان والعلاقات الإنسانيّة أكثر، بدأتُ أضجر من نفسي لكثرة ضجركَ منّي... أنا وحيدة، محبوبة من الكثير من الأصدقاء، وهذه نعمة، ولكنّني وحيدة. أريد حبّاً يحييني، ولكنّني لن أتوسّلك... فأنا لا أتوسّل أحداً...»

الفصل الثّاني: واقع وهميّ

 

أسمعُ أصواتاً بعيدة من العدم... تُتعبني، أتجنّبها، أتناساها. وإذ بها تُمسك بقلمي وترجوني أن أخلّصها من اللاّوجود، فيعطف قلبي الرّقيق عليها، فأوصلها إلى برّ الوجود بكتابتها. وإذا بها تؤنس وحدتي، وإذا بي أصبح قدرها.

لا أحبّ، يا جيمز، أن أكتبَ الواقع كما هو، فأنا أتشرّب قصصاً من الحياة، وخيالي يلوِّنها كما يريد. أمزج حياتها بحياتي. فالكتابة شفاء من آلام الواقع. وأمل بأن نغيِّر هذا العالم. وبصراحة أنا أحبّ الخيال أكثر من الواقع بالرّغم من أنّني دائما أتصالح مع أسوأ الظروف ولا أنكسر، إلاّ أن للخيال نكهة وإغراء غير روتينيّة وقسوة الحياة. أعيش في عوالم كثيرة وهميّة، ولكن الحياة تفرض علي عالماً واحداً. وبالرّغم من تعلّقي بهذه العوالم الخياليّة إلاّ أنّ كتابتها تُتعبني، لذلك يكره وهمي الجميل القلم لأنّه يربطه بالواقع ويمنعه من الوصول إلى قمّة شطحاته.

يا ليتني أستطيع أن أعطي الآخرين حبلاً من الخيال، وأدخلهم إلى عالمي المفضّل من دون كلمات، فصدّقني بأنّ الوهم أصدق من كلمات هذا العالم. ولكن ما أطلبه مستحيل، يا جيمز، فلن أستطيع أن أقدّم قصصي من دون كلمات...

دعني أخبركَ عن فاطمة، التي هي أيضاً تفضّل الوهم على الواقع. لا أتذكر كيف دخلت هذه المرأة إلى حياتي بسرعة، إلاّ أنني أعرف أنّها من القلّة الذين وثقت بهم منذ وصولي إلى لبنان. كنّا نلتقي في مكان العمل وبعد شهرين دعوتها إلى بيتي. أنا عادةً لا أصادق أحداً من زملاء العمل إلاّ أنّ عفويّتها وطيبتها اجتاحتاني. عندما وصلت إلى بيتي، كان طفلي يغطّ في نومٍ عميق. تحادثنا عن أشياء كثيرة، وخاصّة التصادم بين الشّرق والغرب، حيث أكّدت لي فاطمة أنّ أكثر ما أعجبها بي هو تفهّمي للثقافة اللّبنانيّة. فرئيسة التّحرير الأميركيّة السّابقة والتي أخذت مكانها كانت تعامل الآخرين بفوقيّة، وللأسف إن بعض الموظّفين اللّبنانيّين تقبّلوا ذلك. وعندما سألتها عن السبب ضحكت وأجابت: «كما قال فرانز فانون إنّها عقدة النقص تجاه المستعمِر... فكما تعرفين الإعلام الأميركي يستعمرنا...».

«هل تعلمين يا فاطمة، لقد لاحظتُ أنّ جهل الآخر هو المشكلة. فأنتِ تعرفين أنّ الشعب الأميركي غير الدولة الأميركيّة وهو للأسف لا يعرف الكثير عن الدول العربيّة. وعندما يعرفون عن هذه الثقافة صدّقيني سيتغيّر كلُّ شيء. الإعلام الصادق أصبح نادراً، لذلك واجبنا أن ننقل الواقع كما هو. على فكرة، قد لاحظتُ حزناً في عينيك منذ التقيت بك».

إبتسمت بحزن: «أنا امرأة وهميّة، أعيش السّعادة فقط في عالم وهميّ.. لقد قلت لي بأنّكِ تكتبين رواية سأخبركِ قصّتي ربّما ستُلهمكِ..».

«شكراً لكِ ولثقتكِ». وكانت فرحتي لا توصف لأنّني أريد نكهةً شرقيّة في روايتي.

«ولكن أرجوكِ لا أريد أحداً أن يعرف أنّها قصّتي. فأنا امرأة متزوّجة، حتى ولو لم أكن سعيدة مع زوجي، فما سأخبرك به سيعدّ خيانة في مجتمعنا».

«أرجوكِ تستطيعين أن تخبريني كلّ ما تريدين، ثِقي بي».

«حسناً، ستستغربين أنّ حياتي بدأت في آخر ثلاث سنوات. هذا الفصل هو ربيع حياتي. فقط صديقة واحدة تعرف هذا الفصل من حياتي».

«حسناً». تأمّلت وجهها وأحببتُ ما رأيت. إنّها إمرأة تضجّ فيها الأنوثة. هي برونزيّة اللّون، وعيناها بنّيتان، وشفتاها ممتلئتان، وعندما تضحك لا تعرف إذا كانت ستتوقّف يوماً، وكأنّها تعوّض عن الكثير من أحزانها. ولاحظتُ بأنّها دائماً ترتدي ثياباً رياضيّة تظهرها بعمرٍ أصغر. جسدها ممتلئ قليلاً، ولقد قالت لي عدّة مرّات بأنّها تحاول أن تخسر الوزن إلاّ أنّها لا تستطيع لأنّها تعبّر عن قلقها ومخاوفها بالأكل في اللّيل.

«أنا في الخامسة والأربعين من عمري. ولكنني أبدو أصغر لأنّني في آخر ثلاث سنوات شهدتُ ولادةً جديدة... بدأت كارثة حياتي مع زواجي.. فلقد فُرض عليَّ زواجي فقط لأنّ أبي اعتقد أنّه من نسبٍ جيّدٍ، ولم يعنِ لوالدي أنّه لم يكن غنيّاً مثل عائلتي. منذ أوّل أسبوع أصبح يعاملني بأنّني لا شيء، وبدأت عمليّة موتي في الحياة».

«لماذا تزوّجكِ؟»

«لأنّه عرف بأنّني سأرث أموالاً طائلة. ولكن مع أنّ أهلي ماتوا إلاّ أنني لم أرث حتى الآن شيئاً، فهنالك الكثير من الممتلكات غير المفروزة. هو أكبر منّي بخمسٍ وعشرين سنة، لائقاً مع الآخرين بطريقة ملفتة، ولكن ليس معي. كان يعمل في تجارة الكحول ولم يكن عمله يكسبه إلاّ القليل، لذلك أصبح أهلي، خاصّة أمّي، يدعمونني بالأموال، وكانت أمّي تفرض على إخوتي المغتربين أن يساعدوني. كنتُ أعطي زوجي كلّ هذه الأموال متمنّية أن يشعر بي وبوجودي، ولكن لم أعنِ له شيئاً. حملتُ بعد ستّة أشهر، وتأمّل أهلي بأنّ يتغيّر معي ولكنّه لم يتغيّر. بل بالعكس كلّما أشعرته بأنّني بحاجة إلى حبه، كان يفقد صبره وبدأ يعاديني أكثر فأكثر. وجود طفلتي لم يغيّر شيئاً. هو أحبّ طفلتي التي أسميتها هبة، لأنّني اعتقدتُ بأنّها هبة من الله لتؤنس وحدتي. وهكذا ابتعدتُ عن الناس أكثر فأكثر، فطفلتي أخذت كلّ وقتي. أما هو فبدأ يخسر أكثر في التجارة، ممّا زاد من شربه. ولقد توّج فشل علاقتنا بالخيانات الزوجيّة، وكنتُ أعرفهنّ إذ إنّ بعضهن كُنَّ يزرْنَني في البيت. وكنتُ لاحقاً أعرف من الأصدقاء والجيران أنّهنّ عشيقات زوجي. طلبتُ الطّلاق عدّة مرات، ولكن كان هذا يضحكه. فكيف يطلّقني وأنا مصدر معيشته؟ وأهلي رفضوا لأنّ هذا يجلب العار لهم. عندما تزوّجت كان عمري عشرين سنة، وهكذا سلب منّي اثنتين وعشرين سنة من حياتي وقدّمها إلى القهر والعذاب. ونسيتُ أن أخبركِ بأنّني رُزقتُ بطفلٍ آخر، صبيّ، دعوته مرام». صمتت للحظات وقالت: «بدأت ولادتي الجديدة عند لقائي غريباً في مكان وهمي...». وابتسمت: «هل تعرفين؟ لم يسمح لي أهلي أن أنهي دراستي في الجامعة، فعندما تزوّجتُ كنتُ أدرس العلوم السياسية وكنت في السنة الثالثة، لذلك لم أكن قادرة على أن أعمل من دون شهادة. ولكن عندما كنتُ في الأربعين من عمري سجّلتُ دورة كومبيوتر، وكنتُ حقاً، ولأوّل مرّة، منذ زواجي، أشعر بأنّني أستمتع بشيء. فكنّا أنا ورفيقاتي نضحكُ كثيراً في الصّف كمراهقات. وكانت زميلاتي أيضاً متزوّجات. وهذه الدورة كانت المفتاح لعالمي الجديد، الفيسبوك.

ضحكتُ: «هل تقصدين بأنَّكِ التقيتِ بحبيبك على الفيسبوك؟».

شردت وقالت: «نعم، تعلّمت في هذه الدورة أن أفتح صفحة على الفيسبوك، والغريب أنّني عندما فتحتُ هذه الصفحة شعرتُ، ولأوّل مرّة في حياتي، بأنّني أملك شيئاً. كانت كياني الجديد.. وشعرتُ بأنّ المستقبل أمامي والكثير من الاحتمالات تنتظرني.. اهتممتُ وانشغلتُ كثيراً ببيتي وكياني الجديدين. فوضعت أجمل الحكم، ووضعتُ صوراً من أجمل اللّوحات لفان غوغ، وهو الرسّام المفضّل لديّ. وهكذا أصبح هذا العالم ملجأي. ولقد أرسلتُ إلى كلّ من أعرف دعوة صداقة وبعد فترة قصيرة أصبح لديّ الكثير من الأصدقاء. ولقد أضحكني أنّ كلّ صفحة تعكس شخصيّة صديقاتي، فسيرين التي تعرّفتُ عليها في الجامعة تحبّ الأبراج والتنبّؤات، فصفحتها مليئة بتبّؤات ماغي فرح للأبراج، وتنبّؤات ميشال حايك وليلى عبد اللّطيف... أمّا ندى التي تهوى التبضّع، فصفحتها تضجّ بعناوين محلاّت للتسوّق. وكنتُ يوميّاً أتفقّد بيتي الوهمي وأزيد عليه بعض العبارات والموسيقى، والمفضّلة لديّ هي Yanni وشربل روحانا. وكنتُ أنتظر زائراً على صفحتي ليغيّر لي حياتي. وبدأتُ أفتّش عن أصدقاء بين أصدقائي. وهنا دخلتُ عالماً غريباً فالبعض يتنكّر باستعمال أسماءً مستعارة مثلاً ميما اللّئيمة، عاشقة الياسمين، عاشق سلمى، وجدان. ولاحظتُ أنّ بعض الأشخاص يعيشون على الفيسبوك أكثر ممّا يعيشون في الحياة. ولقد لفت انتباهي أنّ البعض يكتبون أشياء لا معنى لها. فأحد أشباه الشّعراء كان يكتب كلّ ربع ساعة على صفحته، وبعد ثوانٍ «يليِّك» الكثير من أصدقائه وأحياناً كان يصل عدد «المليِّكين» إلى 500». وتضحك.

يكتب مثلاً: «أتوق إلى شفتيكِ

عالمي قاحل يحتاج إلى مائك،

أعبدك، أهواك،

الحياة لن تزورني إلاّ على يديكِ...

فتكتب ميما اللّئيمة: «تجتاحني كلماتك كرياح مشبّعة بعطر الياسمين».

فيردّ شبه الشّاعر: «إنّك وردة تعشق رياحي أن تلامسها».

"فتليِّك" ميما اللّئيمة.

ثمّ تكتب وردة الياسمين: «موسيقى كلماتك تلامس روح قلبي فيرتعش...». بعد أن يليِّك يكتب: «آه يا وردة الياسمين، تحيّة إلى قلمك المبدع!!».

وهكذا يعيش هذا الرجل في عالمه الوهميّ على مسرح، فيكتب ويصفّقون له "بتلييك". ثمّ يكتب ظلّ شاعر آخر يدعو نفسه شاعر الشّعراء:

«شفافك أطيب من الكنافة.

وصدرك أوسع من صدر البسبوسة.

وهيامي لك أكثر من الكنافة والبسبوسة...»

فتردّ عليه ندى المدى: «حلوة منّك...».

ويكتب كلُّنا لبنان: «لو، شهّيتنا الحلو...».

واكتشفت "شبه فيلسوف" يُدعى جورج الزينون وهو يعرّف نفسه على بروفايله بأنّه فيلسوف إلاّ أن ما يكتبه ليس أكثر من شبه لفلسفة : «أنا أحبّ إذن أنا موجود!».

«زهرت فيّ بذور الفلسفة عندما أصبحت أبكم، أعمى وأصمّ. وأجالس فقط نفسي وإذ بي أسمعها تقول ما لا أسمعه يوماً...».

فتكتب له ندى الأطرش: «ننتظر دائماً كلماتك الحكيمة يا زينون...».

ويؤكّد له نادر نادر: «وكيف لكَ أن تجالس أحداً وأنت تعيش مع هكذا ذات!؟».

ضحكت كثيراً مع فاطمة على جنون الفيسبوك، ولكن توقّفتُ عن الكتابة لأنّها وعدتني بأن تجلب لي بعض النّصوص التي كتبها لها "حبيبها الوهميّ". إلاّ أنني سمعتُ الجزء الأكبر من قصّتها تلك اللّيلة. وبعد يومين جلبت لي ما وعدتني به، وأحببتُ كتاباته كثيراً لذلك بدأتُ أكتب بشغفٍ قصّتها.

تضحك فاطمة وهي ترى كلّ هذه المسارح و"الشعطات" على الفيسبوك. إلاّ أنه كانت هناك صفحات مميّزة، والملفت أنّ الأعمق هم الأكثر تواضعاً... وبدأت ترسل دعواتٍ لبعض الصحافيّين والكتّاب والموسيقيين والشّعراء، وكانت تُقبل من الكثير. واستمرّ اكتشافها لهذا العالم أسابيع، وكان طريفاً بالنسبة لها كيف أنّ بعض الأشخاص يذكرون مكان تواجدهم، مثلاً: «أنا مع رنا الخطيب في الحمراء..»، أو ماذا يفعلون: «أنا أقرأ كتاب "لغز عشتار"، "أنا في المطار أنتظر أمّي الآتية من دبي".

أمّا البعض فكانوا يضعون صوراً لكلّ تفاصيل حياتهم. فتفاجأت أنّ احدهم كان يضع صوراً لكلّ تفاصيل شهر العسل حتى غرفة الأوتيل وزوجته تستلقي على السرير وهما يرقصان slow... وهو يقدِّم لها خاتماً ليفاجِئها... وهما في المسبح يتعانقان.. «يا إلهي» تقول لنفسها. «هذا كثير، لماذا حميميّات الناس منشورة على الفيسبوك، لماذا؟؟».

وهكذا استمرّت في الأسابيع الأولى تفتّش عن أصدقاء، إلى أن التقت به... كان صديقاً لأحد صديقاتها وصفحته عامّة، وصورته كانت ملفتة: شعره رماديّ يصل إلى الكتفين، عيناه الرماديّتان تمطران رقّة، وحزن عينيه يجتاح أيّ قلب. بدأت "تشيّك" صفحته برهبةٍ، وكأنّها تدخل خلسةً إلى بيت رجل. إسمه مجد ناصر الدين. رجل أعمال يعيش في المكسيك. أحبّت صفحته كثيراً وتفاجأت عندما عرفت بأنّه يرسم، ويعزف على النّاي ويكتب خواطر، وأحبّته في المجالات الثلاثة.

وقرأت له خواطر من سنين سابقة:

«لا زلتُ أنتظركِ، أرسمكِ وأنحتكِ وأكتبكِ ألف مرّة في خيالي! كيف ترحلين هكذا؟ كيف ترحلين وتأخذين روحي معكِ وتتركينني لأقسى أنواع العذاب؟»

رأت أكثر من 40 "لايك"، واكتشفت فاطمة أنّه قد خسر حبيبته.

وتقرأ بعد سنة: «اليوم يا حبيبتي عيد ميلادك، يا ليتني أستطيع أن أفاجئك في حفلة كما الأيّام الماضية. إلاّ أننا اليوم نعيش في عالمين بعيدين. أحسد السّماء على نعمةٍ أنّك تعيشين في كنفها. يا ليتها تتنازل عن هذه النعمة ليومٍ واحد لأعيشه عمراً.. ولكنّها لا تتنازل عنك لساعة يا حبيبتي... دعيني أقدّم إليك هذه اللّوحة التي رسمتها بالألوان والكلمات».

توقّفت فاطمة عن القراءة وقالت لنفسها: «إنّه فقد حبيبته... ولكنني أحسدها لأنها وجدت من يحبّها إلى هذه الدرجة».

وتقرأ: «أهديك يا مريم هذا المشهد. لقد عشته في خيالي مرّات كثيرة.. أرجوكِ تتبّعي كلماتي حتى تعيشيه معي: نذهب معاً إلى غابتنا، وأستعجلكِ لأنّني لم أعد أستطيع الانتظار لكي نصل إلى هناك. فنصل إلى عرزال في شجرة، وكانت الشّمس قد بدأت بالمغيب. نتسلّق درج الكوخ لتصرخي من هول المفاجأة. فشموع صغيرة وُضعت في جرّات ممتلئة بالماء، والورود الطبيعيّة تنتشر في الكوخ. تنظرين إليَّ يا حبيبتي وتنهمر دموعك: "شكراً لكَ..." أمسح دموعكِ بشفتيّ، "هل أستحقّ أنا كلّ هذا العناء يا حبيبي؟" فأضع يداي على شفتيكِ، "لمَ تسألينني هكذا سؤال؟ ألا تعرفين بأنّك كياني وإكسير الحياة؟ أنا مستعدّ أن أقدّم عمري كلّه لك هدية لعيد ميلادك، ومن دون أن أتحسّر على شيء"... فأضمّك وأقبّلك على شفتيك... فتبعدين وجهي بحنان لتنظري إلى عينيّ وتقولي ما لا يُقال بالكلمات. ومن ثمّ جلالتك تتنازلين عن عرشك وتستعملين لغة البشر وتقولين: "إلحقني يا حبيبي، دع الطبيعة تحتفل بنا!!» ثمّ تمسكين بيدي وتنزلين الدرج بسرعة وأنت تجريّنني، ثمّ تستلقين على جسد الطبيعة، وأنا أنظر إليك وأنفّذ ما تريدين، فأجلس بقربك "دعنا نتوحد ببعضنا البعض؟" وأفعل ما تطلبينه ثمّ أمطرك قُبُلاً وحبّاً، وإذا بي أشعر بأن جسد الطبيعة يتأوّه تحت أجسادنا، وبأنّ الريح ترسل نسمات رقيقة تقدّسنا بلمساتها وتقذف بأوراق لتبني هيكلاً مقدّساً لا يتّسع إلاّ لأجسادنا.. حقّاً إنّ الطبيعة تحتفل بنا.. ونعيش عمراً في عمليّة التوحيد يا حبيبتي.. وهيكلنا يحمينا من القدر فلا يستطيع أن يأخذك منّي...».

مسحت فاطمة دموعها ولم تشعر بأنّها تريد أن تقرأ أيّ شيء بعد هذا المشهد: «يا إلهي، ما هذا الرجل؟ ما هذا الرّجل؟؟». أطفأت الكومبيوتر وهذا الرجل المتصوّف في الحب لا يفارق تفكيرها... وفي الساعة الثانية صباحاً قامت من سريرها بعد أن فقدت الأمل من أن تنام. أدارت الكومبيوتر ودخلت صومعة مجد. تقرأ من السنوات اللاّحقة لتكتشف بأنه قد تزوّج وبأنّ أحد أقاربه وضع صوراً لزواجه على صفحته. دخلت صفحة زوجته والتي وجدتها بين "المليِّكين" له لتكتشف بأنّها امرأة تقليديّة سطحيّة، فهي تهتمّ فقط بتسوّق الثياب الباهظة والمجوهرات، لذلك تشارك الكثير من الوصلات links للتسوّق. أمّا تعليقاتها فمهينة أحياناً، فقد علّقت على إحدى لوحاته: «هل هذه لوحة أم خربشات؟!».

وتكتب أحياناً على صفحتها: «وأخيراً وبعد ستّة أيام أتسوّق في روما... وأخيراً تحقّق أحد أحلامي».

وصورهما معاً تعكس شخصين من عالمين مختلفين. هو حزين يفرض على نفسه أن يضع يده حولها، وهي تمسك يده ببرودة وتقف وقفة مثيرة. واكتشفت بأنه يعيش وحيداً في المغترب، أمّا زوجته وابنتاهما فيعشنَ في لبنان، وبأن إحدى ابنتيه رسّامة مثله، وقدّرت بأن عمره خمسون عاماً. إنّه حقّاً رجل مميّز. وشعرت بأنّها تريد أن ترسل له دعوة ولكنّها خافت. ربّما يكون هذا الرجل المنتظر، ولكن ربّما لم تعجبه. وإذا كان هو المنتظر فهل هي تتقبّل الخيانة؟؟ وربّما.. وربّما.. لا، لا أريد أن أعقّد حياتي أكثر، لا... إلاّ أنّها لأيّام عديدة استمرّت بقراءة صفحته، وعندما تنام كانت تحلم بأنّها تعرّفت عليه وبأنّه حقاً رائع. ولقد لفت انتباهها ذوقه في الموسيقى والأغاني، فهو مثلها يحبّ كاظم السّاهر، ماجدة الرومي، جوليا، أسمهان... بدأت تعشق عينيه الحزينتين وفكّرت لماذا لا؟ لماذا لا؟ وأرسلت له الدعوة، وإذا به يقبلها بعد دقائق لأنه كان online. خافت كثيراً وأطفأت الكمبيوتر وهي ترتجف كعذراء تقبّل لأوّل مرّة. ترتدي ثيابها وتذهب إلى بيت إحدى صديقاتها، سمانتا، التي كانت على علاقة مع رجل متزوّج. أخبرت سمانتا بكلّ ما حدث فضحكت كثيراً: «بأيّ عصرٍ تعيشين، إن الرجل يعجبك، زوجك لم يشعر يوماً بك، ويخونك. ماذا تريدين بعد؟ كلّ ما فعلته هو أنك أرسلتِ إليه دعوة فقط. لم تقولي له بأنكِ معجبة به، ولا أفهم لماذا لا تطوّرين هذه العلاقة، فإنه يعيش في الخارج فلعلّه يملأ الفراغ العاطفي الذي تشعرين به».

تجيبها: «لا، لا، أنا أمّ، لا أريد أن أتورّط بشيء». وتغيّر الموضوع. فتقول لها صديقتها: «مجنونة، هل من أحد يتنكّر للحبّ؟!». لا تجيبها، فتقبّلها، وتذهب متحجّجة بأنّ لديها عملاً كثيراً في البيت. كانت تسوق سيّارتها وتفكّر في كلام سمانتا: «نعم، معها حقّ، لماذا أخاف؟ نعم، يجب أن أطوّر علاقتي به. لماذا لا أعيش حلماً معه؟». تدخل البيت، فتتّجه إلى غرفتها، وتأخذ الكومبيوتر وتدخل إلى صومعة مجد، وتتصفّح صفحته فتوقفها أغنية هابطة، تراها حجّة أن تُرسل له رسالة: «تحيّة لك، صفحتك مميّزة ولكن، أعتذر عن صراحتي، تشوّهها أغنية هابطة وهذا يفاجئني، أنت تعرف أيّ واحدة. أعتذر عن صراحتي. شكراً».

تتردّد أن تكبس على كبسة الإرسال send. إلاّ أنّها بعد لحظات تضغط وقلبها يرتجف. ولم تشيّك الفيسبوك لساعات طويلة، ومن كثرة خوفها قرّرت أن تنام، وفي الصباح سترى ماذا سيكون ردّه. إلاّ أنّها لم تستطع النوم في تلك اللّيلة. فكيف لها أن تنام وهي تنتظر كلمة منها لتحييها: «ولكن ماذا لو كان غير لائق معي؟ لا، لا، أعتقد أنّه رقيق. ولماذا لا أشيّك الآن؟». وكانت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل. فقامت من سريرها بهدوء حتى لا يستيقظ أحد، ودخلت إلى عالمها الوهميّ لترى بأنّها تلقّت رسالة، خافت كثيراً، وفتحت الرسالة لتقرأ كلماته بشغف: «أهلاً فاطمة، وشكراً لك أيّتها الصديقة على إرسال دعوة لي. أمّا بالنسبة لهذه الأغنية فإنني لم أضعها، ولكنّ أحداً من أصدقائي وضعها على صفحتي. أنا أشارككِ الرأي. شكراً لكِ وتشرّفنا..».

شعرت بأنّها سمعت صوته: «يا إلهي، ما أرقّ صوته! إنه بالتأكيد شهم». ثمّ أحسّت بالغباء ولكن قررت أن تؤجل معاقبة نفسها. قرأت كلماته مرّة أخرى وقالت، وهي تنظر إليها "تصبح على خير". ونامت، وهي تحلم به، ولأوّل مرّة ومنذ عشرين سنة نامت بسلام.

استيقظت في الصباح، وابتسمت عندما تذكّرت بأنه أجابها، وفتحت جهاز الكومبيوتر لتتأكد بأن ما يحدث معها هو حقيقي، وإذا به online فتبتسم وتقرأ على صفحته: «عندما لا تعطي أيّ إنسان في حاجة، إذن إعرف بأنّك على هامش الإنسانيّة». ثم تقرأ التعليقات:

«يا إلهي يا مجد، كم أنتَ إنسانيّ يا رجل !»؟

وآخر يكتب له: «فنّان، رقيق وإنسانيّ..». وترى الكثير من اللّيك.

تفكّر: «حقاً، أنتَ إنسانيّ...» فتضع "لايك" ومن دون أن تتردّد، تكتب: «كَثُرَ عبيد المادّة، والأحرار عملة نادرة. كم نحن محظوظون عندما نلتقي بأحدهم!».

بعد دقيقة ترى بأنه "ليك" لها. فترتجف من الخوف والسّعادة، وأحسّت بأنه لمس يدها. شعرت، وهي لم تعش الحبّ في الواقع، بوهج الحبّ: «نعم فأنا لربّما أقترب من الحبّ الذي لم أتذوّقه يوماً». ابتسمت ثمّ خافت فأطفأت الجهاز وهي تفكّر، ربّما يظنّ بأنني امرأة غير محترمة وبأنّني أتحرّش به لغاياتٍ رخيصة!».

إنزعجت كثيراً وأخذت قراراً بأنّها لا تريد أن تضع له أيّ "لايك" منذ اليوم. فرضت على نفسها بأن لا تشيّك الفيسبوك ليومين. وفي اليوم الثالث عاد زوجها إلى البيت وهو في حالة غضب. حاولت أن تهدئّ من روعه، إلاّ أنه صرخ بوجهها كمجنون. خافت فقالت بصوت خافت: «كالعادة، كالعادة». وبدأ يصرخ أكثر: «كالعادة ماذا؟! أنت النّحس الذي منذ دخل حياتي، دمَّرَها...».

جلست على الأرض وهي تقول: «هذا ليس زواجاً بل إنه مقبرتي. نعم مقبرتي!». وظلّت على هذه الحال لربع ساعة وهي مستلقية على الأرض. وشكرت ربّها بأنّ أولادها عند خالتهم ليلى ليومين، لذلك لم يروها على هذه الحال. وإذا بها تتذكّر مجد: «هذا الرّقيق، أنا بحاجة إليه». من دون أن تفكّر تدير الكومبيوتر لتقرأ ما كتبه مجد في اليومين الأخيرين، فترى بأنّه وضع أغنية لكاظم السّاهر: «منو إنت». ويكتب فوق الأغنية: «منو إنتِ؟». ولقد وُضعت بعد أن تركت فيسبوك بلحظات منذ يومين. فكرت: «بالتأكيد وضعها لي؟». ابتسمت: «ولكن لا، ربّما لامرأة أخرى. الفيسبوك، عالم الاحتمالات بامتياز». تتصفّح صفحته ليستوقفها نصّ وُضع قبل ساعتين فتقرأ:

«يتيم أنا في الحبّ،

في الماضي البعيد، كنت أشعر بأنّ الحب يحضنني وبأنني أنا وهو واحد. فهو يوقظ بي أنقى مشاعري وأنا أزوده بأرقّ القصص عن حبيبتي وأحلامنا العذريّة التي لم تطأ عليها قدم.. في الماضي البعيد، كنتُ أعتقد بأنّني أنا من ألَّف موسيقى الحبّ وأناشيده، وبأنّ كلّ الأشعار مستوحاة من حبّي لحبيبتي... أمّا اليوم فلقد تغيّر كلّ شيء، والأسوأ بأنني لم أصدّق حتى الآن مصيري معه.. فأنا من كان وردة تقدّم من حبيب إلى حبيبته، حوّلني الحبّ إلى ورقة خريف يابسة في زاوية الطريق... ومن منّا يُهدي ورقة خريف إلى الحبيبة؟ لم أصدّق ولم أفهم بأنّ هذا هو قدري إلى الأبد.. واستمرّيت في وهمي بأنّني طفل الحبّ المدلّل وبأنّه يهملني فقط لفترة قصيرة. ولكن الزمن أزاح غشاوة أوهامي لأرى بأنّ الحب ألَّفَ الأغاني والأشعار والموسيقى للعشّاق وليس لي.. فأنا لا أعني لهذا الإله، الذي كان ديني الوحيد شيئاً. ومع الوقت اتّضح لي بأنّني لا أستحقّ حتى شفقته.. وبأنّ شفتيّ لم تُخلقا لكي تُقبّلا حبيبة وبأنّ يديّ أشواك لا تستحقان أن تُلمسا من أحد... شكراً لكَ أيّها الحبّ...».

شعرت بدموعها تنهار.. وقالت: «على الأقلّ يا مجد، أنتَ كنتَ شيئاً في الحبّ، أمّا أنا فلم أكن ولن أصبح شيئاً في الحبّ». وفكّرت: «هذا الرجل يستحق أن يغامر المرء من أجله، ربّما هو الرجل...».

لمست كلماته بيديها وشعرت بأنّها تلمس وجهه، وتأكّدت بأنه ليس online وكتبت:

«ذات ليلة، وجدتك في حبّ،

فوقفت أمامك كطفلٍ يتيم ضيَّعَ أمّه فأصبحتُ أنا أمّه..

ومنذ ذلك الحين، أصبحت لهفتي إليك أكبر من الحنين والشوق اللّذين أحملهما إليك...».

قرأت كلماتها وابتسمت ثم قال لنفسها: «هذه حقّاً مشاعري ولكن متى تعلّمت أن أقول كلمات الحب؟».

لم تتردّد، وضعت post للمقطع وهي تبتسم، وهي تتخايل تأثير الكلمات عليه. وإذا به يفاجئها برسالة: «لماذا لا تضعين صورة لكِ يا فاطمة؟».

«يا إلهي! إنّه لا يريد علاقة خياليّة فقط!». أطفأت جهازها وبطريقة طفوليّة أزاحت الفيشة الكهربائيّة، وكأنّها تتأكد أكثر بأنه لا يستطيع أن يصل إليها: «لا، لا، أنا أمّ، لا أريد أن أخسر أولادي من أجل رجل لا أعرفه..، لا، لا، إنّه ليس بريئاً».

أخذت حبّة المنوّم التي وصفها لها الدكتور، لأنها منذ زمن بعيد تعاني من مشكلة الأرق، فغطّت في نوم عميق. في الصّباح استيقظت على طرقات باب قويّة، ظنّت أنّها تحلم، ولكن هذه الطرقات قويت، فأجبرت نفسها على أن تترك فرشتها وتفتح الباب لترى صديقتها سمانتا، التي قالت لها بلهجة آمرة: «إذهبي، واغسلي وجهك وأنا سأحضّر لنا القهوة». أخبرت صديقتها بما حدث مع مجد وعن قرارها.

«إنه خشبة خلاصك. عيشي في الخيال على الأقل، وأنت تحدّدين علاقتك به. بالله عليك، لا تكوني جبانة. زوجك وأهلك لن يسمحوا لكِ بالطلاق. بالنسبة لزوجك أنت مصدر رزقه أمّا أهلكِ فهذا عار عليهم. على الأقل علاقتكِ مع هذا الرجل ستغيّر من مزاجك. لا تكوني مجنونة أرجوكِ...».

  • «ولكن ماذا إذا طلب لقائي؟»

  • .«لا تذهبي». وضحكت

  • «ولكن إذا طوّرت علاقتي به، فسأتعلّق به، وأنتِ تعلمين بأنّني لم أحبّ يوماً. ومن ثمّ سيتركني عندما أرفض أن أراه، وهذا سيزيد من آلامي!!».

  • جبانة، ربّما نعم. ولكنّك ربّما ستعيشين حبّاً لأوّل مرّة وربّما سيكون شهماً جداً، فيخاف عليك وسيصبح صديقاً وفيّاً!!».

  • «لا أعرف».

  • «فكِّري بما قلته لكِ...».

لاحقاً فكّرت بما قالته لها صديقتها، وأكّدت لنفسها: «نعم، نعم، فهذا ما يجب فعله وإنني بحقّ لا أستطيع أن أتحرّر من طيفه».

أدارت جهاز الكمبيوتر، ووضعت صورة لها مع صديقتها، وكانت صديقتها في الخمسين من عمرها. فكّرت: «سأجعله يحزر أيّ منهما أنا ؟».

وما هي إلاّ دقائق حتى تلقّت رسالة منه: «أيّ واحدة أنتِ؟ هل أنتِ تلبسين البلوزة الخضراء؟». تردّدت ثم كتبت له: «أنا لستُ كبيرة إلى هذا الحدّ...» وانتظرت لدقائق، لم يردّ، ثمّ كتبَ لها: «آسف، كنتُ أتمنّى أن تكوني من ترتدي الفستان الأبيض، ولكن اخترتُ صديقتك كي لا أؤذيك إذا لم أحزر».

«شكراً على لطفك». بالرغم من فرحتها إلاّ أن الخوف كاد يخنقها.

تحادثا لنصف ساعة، أخبرته عن زوجها، بعد أن سألها عنه، وقد تفاجأت كيف لها أن تخبر غريباً عن مشاكلها، وأخبرها عن حبيبته التي أحبّها كما لم يحبّ أحداً وكيف ماتت إثر مرضها. وتزوّج امرأة بعد خمس سنوات، وكان زواجه تقليديّاً بعد أن ألحّ أهله عليه.

عطفت عليه: «أنتَ رجلٌ شهم وتستحقّ الكثير».

«وأنتِ امرأة رقيقة تستحقّين من يعرف أن يعاملك». ابتسمت ولم تكتب شيئاً فكتب: «أنا محظوظ بصداقتي بك». رغم فرحتها، شعرت بأنّ قلبها سيتوقّف. لذلك قرّرت أن تنهي المحادثة: «أنا آسفة، يجب أن أذهب الآن، لا يُملّ منكَ يا مجد...».

«شكراً يا صديقتي. أتمنّى لك ليلة دافئة.. اهتمّي بنفسكِ يا فاطمة...».

«أوكي.. شكراً».؟ وأطفأت جهاز الكمبيوتر.

لم تستطع أن تنام في تلك الليلة. إنّها سعيدة جداً. لم تعرف هذه الفرحة من قبل. وفي الصّباح أدارت جهاز الكمبيوتر لتقرأ محادثة الأمس ولكنّها تفاجأت بأنّ مجد وضع معزوفة ناي بعد المحادثة مباشرة، وكتب: «كلماتي تتبخّر أمام جمالكِ، فلعلَّ عزفي يقول لكِ القليل عمّا فعله بي...».

سمعت المعزوفة التي لامست قلبها، فانهمرت الدموع على وجنتيها بغزارة.

بالرغم من اجتياح موسيقاه لقلبها إلاّ أنّها كانت تشكّ بكلماته، فهي ليست بهذا الجمال حتى ولو وضعت المكياج في هذه الصورة. لم تستطع أن تضع له "لايك". وفي الساعة الثامنة اتصلت بصديقتها وأخبرتها وهي تبكي: «توقّفي عن البكاء. أنتِ حقاً امرأة جذّابة».

«أرجوك، لا تسخري منّي!!».

«يا مجنونة! أنتِ في الأربعينات وبهذه الأنوثة، ولكن ثقتكِ بنفسكِ مدمّرة، لذلك أرجوكِ توقّفي عن هذه المندبة، واكتبي له شيئاً...».

لم تكن بمزاج أن تكتب شيئاً فوضعت أغنية فيروز "سألتك حبيبي لوين رايحين؟". يجب أن أعرف ماذا يريد منّي؟

وما هي إلاّ دقائق حتى وضع الأغنية ذاتها وكتب: «عندما أعشق أخاف عليها أكثر ممّا أخاف على نفسي. أرجو عينيك البريئتين، تخلّي عن كل مخاوفك لأجتاحك رسماً، وموسيقى، وكلمات. فكلانا بحاجة إلى بعضنا البعض». وضعت له "لايك" وتمنت لو تستطيع أن تلمس يده. وقالت بصوتٍ خافت: «أعشقك، أحبّك، أنت الحياة يا مجد...».

إستحمّت ونامت نوماً عميقاً، ومنذ ذلك اليوم تغيّرت حياتها، وعيناها أصبحتا تشعّان فرحاً وأملاً. شعرها كانت تتركه لأشهر من دون صبغة، فيصبح بنّياً مع الكثير من الشيب الأبيض، ولكنها أخذت قراراً بأن تصبغ شعرها في كلّ شهر. واتّصلت بأختها التي تعيش في إيطاليا، وطلبت منها لأوّل مرّة ثياباً جديدة و"مكياج"، وكانت في الماضي عندما تتصل بها أختها زينب لتسألها عما تريد من إيطاليا، كانت تطلب أغراضاً لأولادها فقط.

سألتها زينب: «ماذا يحدث؟ يفرحني طلبك فأنتِ مهملة لجمالكِ، ولكن لماذا فجأة هذا التغيير؟».

«إستنتجتُ مؤخّراً بأنه ذهب الكثير من العمر ولم يبقَ إلاّ القليل!».

«حياتي، طلباتكِ أوامر. أسبوع فقط يكون عندكِ كلّ ما تطلبينه».

«شكراً، أحبّك كثيراً».

بدأت فاطمة تحيا، وكل من حولها لاحظوا التغيير، أمّا زوجها فلم يتغيّر. وكانت تدخل عشرات المرّات إلى الفيسبوك، وعندما يكون online كانت تشعر بوجوده وتفرح. وظلّت على هذه الحالة لمدّة شهرين حتى قرأت نصّاً على صفحته، هدَّم كل شيء حلمت به:

«أنا اللّيلة يا حبيبتي في حالة عشق أبديّ. فتعالي واغسلي روحكِ في نهر خيالي، لأمحو عنكِ آثار الواقع.. تعالي إلى هيكل خيالي لنعيش لمسة الحبّ الأولى، ونرسم ليلة حبّنا الأولى».

«أنا غبيّة، ظننته يحبّني، إلاّ أنه يستدرجني فقط». شعرت بأنّها اشتعلت غضباً، فوضعت له block. وقرّرت أن لا تفكّر به "كلّ الرجال أضرب من بعضهم، لا يفكّرون إلاّ بالجنس".

لم تفتح الفيسبوك إلاّ بعد أيام، وهي محبطة، ولاحظت بأنه أرسل إليها دعوة على الفيسبوك ولكن من دون أن تفكّر رفضتها. ذهبت إلى صفحته وقرأت:

«أحبّ زماناً واحداً وأكره كلّ الأزمان،

أهوى مكاناً واحداً وأكره كلّ الأماكن،

لا أعيش إلاّ في زماننا ومكاننا عندما كنّا معاً...

لماذا هربتِ؟ لماذا خفتِ أن تذوبي في بحري؟ الآن أنا ناقم على كلّ الأماكن والأزمنة لأنّها تبعدني عنكِ.. أفتّش كثيراً فلا أجدكِ.

أتذكركِ في ذلك العهد الجميل فأحزن لأنّه انتهى.

هل أنا حقّاً أكره كلّ المسافات والأزمنة؟ بالتأكيد لا، لأنّكِ لا بدّ أن تكوني في مكانٍ ما، ولا بدّ أن نلتقي في زمانٍ ما...

عندما نفيتني، أصبحت متشرّداً أطرق أبواب الأزمان، فتُصدّ كل الأبواب أمامي، وأفتّش عنكِ في هذا العالم فلا أجدكِ وأضيع أكثر وأكثر. لماذا دمّرتني؟ فقط لأنّني حلمتُ أكثر ممّا يجب؟ وما هي جريمتي؟ جريمتي الوحيدة هي أحلامي. أنا أعيش اليوم على بعض البقايا من حبّنا.. أنتِ حقاً مستبدّة. فأسوأ عذاب عندما يحييك أحدٌ من الموت ومن ثمّ يميتك.. فالموت الثاني أكثر وجعاً...».

تأثّرت كثيراً لكلماته ولكن فكّرت مليّاً: «لا، لا، أنا لا أثق به». وبعد لحظات رأت أنه أرسل لها رسالة فأطفأت الكمبيوتر، وهي تؤكّد لنفسها: «هذه هي النّهاية...».

 

الفصل الثّالث: بذور الحب

 

«أشتاق إليك لدرجة الاحتراق. كيف لي، وأنتَ أمام عينيّ ألاّ أشتعل؟ نظراتك باردة وهذا يقتلني. يدي بقرب يدك. لماذا تمنعها عن لمسي؟ حرّرها من قيدها ودعها تلمسني كما تريد.. كلّي في حالة اشتياق.. حبيبي، إقترب أكثر لأشمّك.. أترى يشتاق جسدك إليّ مثلما أشتاق إليك؟ هل يدك تذوب لأنّ تلمسني أيضاً؟ يا ليتني أتجرّأ أن أسألك فيكون الجواب: أحبّك أكثر، أيّتها الحبيبة الغالية، لا زلتُ أحبّكِ أكثر من قبل.. أشتهي لمسك وكأنّني لم ألمس امرأة من قبل.. أرجوك اقترب.. أحبّك، أحبّك».

وقف جيمز بقرب الشبّاك يقرأ رسالة سارة إلى زوجها بينما كانت تكتب مقالاً للجريدة، فتأمّلها جيمز وفكّر: «كانت تحترق معه.. فهي تحبّه أما هو فكان في عالمٍ ثانٍ... هل أنا على عتبة حبّ جديد؟ لا أعرف. ولكنّني متأكد بأنّ هذه المرأة تعني لي الكثير».

توقفت عن الكتابة، وبعد تردّد قالت: «جيمز، أنت تعني لي الكثير وأشعر بأنني على عتبة حبٍّ جديد. فهل تحبّني؟».

تفاجأ من سؤالها: «أعتذر، إذا كنت تسرّعت بالتعبير عن مشاعري، لا تقلق فأنت لست مضطراً أن تجيب».

«لا، لا عليك، أنت امرأة تستحقّ حبّاً كبيراً وأنا بدأتُ أشعر تجاهك بمشاعر ظننتُ أنها هجرتني إلى الأبد. ولكن أطلب منك الوقت، لأنّ جروحي النفسيّة منذ حرب العراق لم تُشفَ بعد».

ضمّها بشدّة، ودمعت عيناه. فمسحت دموعه وقبّلت يده: «أودّ عندما تكون جاهزاً أن تقول لي ما حدث معك. ربّما هذا سيساعدك».

«أعدكِ». وسمعا طرقاتٍ على الباب. تفاجأت سارة: «من هذا؟ لا أنتظر أحداً!».

«ولكن أنا أنتظر أحداً. وهذه هديّتك لعيد ميلادك».

«ماذا؟» ذهبت لتفتح الباب. دخلت امرأة مقعدة ورجل في العقد الخامس من العمر. وعندما جلسا في الصالون، قال جيمز: «هذه هديّتي لكِ في عيد ميلادكِ يا سارة. دعيني أوّلاً أعرّفكِ بهما: ندى وراني. وهذه السيّدة الجميلة ستروي لكِ قصّتها. فأنا أعرف أنّك تفتّشين عن قصّة للرواية الجديدة. وقصّة ندى ستسحرك كما سحرتني».

كانت ندى تتأمّلها بمحبّة، فابتسمت سارة: «شكراً لكِ يا ندى، يشرّفني أن أسمع روايتك».

«لا عليك، سأخبرك كل ما عندي وإذا لم توحِ قصّتي لكِ بشيءٍ فلا تقلقي، يكفيني أن أتعرّف إلى امرأة مميّزة مثلك». أحبّت سارة لهجتها الإنكليزيّة المطعّمة باللّهجة الفرنسيّة، وأحبّت جمالها. شعرها بنّي وعيناها خضراوان، يبعثان قوّة غريبة. وذقنها صغيرة وعندما تتكلّم ترفع رأسها بكبرياء أرستقراطي. أمّا راني فكان رجلاً بسيطاً طيّباً أسمر داكناً، ولكن جذاب جداً، كان واضحاً بأنّها أقوى منه. بعد أن شربوا القهوة ذهبت مع ندى إلى غرفة المكتبة.

«قصّتي طويلة. سأخبرك جزءاً اليوم وإذا أحببتها سنلتقي لاحقاً».

«بالتأكيد سأحبّها».

«لم أولد مقعدة. لقد تعرّضت إلى حادث في عمر الواحدة والعشرين. ولدتُ في بيتٍ بسيط. ماتت أمّي عندما كنتُ في الثالثة من عمري». وبعد ساعة توقفت ندى عن الحديث: «هل ضجرت؟».

«بالعكس، لم أتوقّع روايتك بهذا الغنى! إذا تعبت نستطيع أن نلتقي لاحقاً».

«نعم، أرجوك. على كلّ حال، أعتقد أننا نحتاج إلى عدّة مرّات لأنّني أريد أن أخبرك كلّ شيء». أمسكت بيدها وشكرتها لإصغائها، وقبل أن تجيب توجّهت ندى إلى الصالون، وقالت لزوجها وكأنّها ملكته: «انتهيت، أريد أن أذهب».

«أوكي». وتوجّهت إلى الباب الرئيسي، والكلّ يلحقها. وقبل أن تدخل إلى المصعد نظرت إلى سارة وقالت: «سأراك لاحقاً». وابتسمت لها.

عندما دخلا إلى الصالون، سألها جيمز: «أين أنت؟ أراكِ في عالمٍ آخر!».

«أنا لا أحبّ المرأة القاسية، ولكنّ لهذه المرأة سحراً خاصّاً. لم أستطع أن أضيّع دقيقة واحدة من الإصغاء إليها، لذلك لم أكتب شيئاً. وكانت تخبرني قصّتها وكأنّها قصّة شخص آخر. قوّتها غريبة.. حقّاً سحرتني. لا تستطيع إلاّ أن تحترمها وتقدّرها...».

«إذاً، هديّتي أعجبتك».

«نعم، شكراً يا جيمز على المفاجأة».

«هذه هديّتك الأولى...».

«أرجوك يا جيمز...» فأسكتها بقبلة: «أرجوك، دعيني أعايدك كما أريد...».

«حسناً، مع أنّها كانت بمزاج أن تكتب اللّيلة، إلاّ أنّ هذه القبلة الواعدة بليلة رومانسيّة لم تستطع مقاومتها، فوعدت نفسها بأنّها ستكتب في الليلة المقبلة. أعطاها هديّة، علبة صغيرة، وركع أمامها: «أرجو أن تُعجبك».

فتحتها لترى عقداً من الذهب الأبيض، ومرصّع بجواهر بنية: «إنّها كلون عينيك».

«رائعة، أنت تلوّن حياتي يا جيمز. إنتظرتك منذ وقتٍ طويل. أنت تشفيني من كلّ آلام السّنين وطعنات الزّمن».

لمس شعرها فأغمضت عينيها، ثم أمسك بخصلةٍ من شعرها وشمّها: «مدمنٌ أنا على رائحتكِ».

فتح أزرار فستانها الأماميّة ولمس عنقها ووجهها وألبسها العقد، وابتعد قليلاً عنها وتأمّلها وكأنّها لوحة. لم تتكلّم بل تأمّلت شغفه ولهفته لها. وشعرت بدموع على وجنتيها، اقترب منها ومسح دموعها بشفتيه: «لماذا تبكين؟ هل أزعجتك بشيء؟».

«لا، لا شيء مهمّ، لا تقلق...».

«أرجوك، قولي لي..».

«تذكّرت حادثة مشابهة مع زوجي. فلقد أهداني في عيد ميلادي مرّة عقداً وألبسني إيّاه. وجلس يتأمّلني بهذه اللّهفة. مع الوقت زاد حبّي له إلاّ أنه... أنا آسفة.. أرجوك، لا أريد أن أفسد هذه اللّيلة».

«لا عليك، أخبريني أيّ شيء يزعجك، لا تخافي عليّ. سعادتك ابتداءً من اليوم هي سعادتي. أرجوك، حاولي أن تنسي الآن كلّ شيء وتخيّلي أن لا أحد في هذا الوجود إلاّ نحن».

في اليوم الثاني كانت سارة تعمل في الجريدة، وتعدُ نفسها أنّها في المساء ستبدأ بكتابة قصّة ندى. وعند المساء بعد أن نام طفلها، وضعت موسيقى شربل روحانا التي سحرتها، لأنّها تجمع الشّرق والغرب، وحاولت أن تكتب، لكنّها وجدت نفسها تسبح في الموسيقى، فأخفضت صوت الموسيقى، وركّزت على قصّة ندى، وفكّرت كيف كانت ندى تخبرها قصّتها بقسوة، وكأنّها قصّة أحد آخر: «ربّما سأتعاطف معها أكثر ممّا تتعاطف مع نفسها».

في سنة 1970، بدأت ندى بدراسة الطبّ في الجامعة اللبنانيّة. كانت الفتاة ذات العينين الخضراوين تجذب كلّ العيون عندما تدخل إلى حرم الجامعة. كانت ترتدي الجينز والبلوزة الضيّقة التي تبرز مفاتنها. أحبّت الجامعة اللبنانيّة لأنّ كلّ أصدقائها لم يكونوا من الأغنياء. وكان والدها الرجل الطّيب البسيط، يطبخ لها الغذاء الذي تطلبه. الكثيرون شجّعوه على الزواج إلاّ أنه كان يرفض، فلقد كرّس حياته لابنته. كان يحبّ أرملة تعيش في كندا لديها ثلاثة أولاد، وكانا فقط يلتقيان بالسرّ في الصيف، ولكن ندى لم تكن تعرف شيئاً عن علاقة والدها بهذه المرأة. لأنه كان يحاول أن يوفّر الأفضل لابنته التي كانت الأولى دائماً في صفّها. كانت تعيش حياةً روتينيّة هادئة إلى أن التقت بشابٍ حلم لكثير من الفتيات. تعرفت إليه في المقهى القريب من الجامعة، حيث كانت تجلس مع أصدقائها. إقترب شاب طويل القامة، نحيل، وعيناه العسليّتان تلمعان تحت رموشه الكثيفة. كان صديقاً لنهى التي عرّفته إلى الآخرين: «إنّه إدوار يعقوب. والده صاحب شركة ألفا لتصنيع المجوهرات». بالتأكيد كلّ الفتيات أعجبنَ به وتفاجأنَ بصداقته لنهى. حاولت ندى أن تتصرّف ببرودة معه، مع أنّها قد أخذت بجماله. كان معظم الوقت يوجّه الحديث إليها فأغيظت الفتيات الآخريات. قرّروا جميعاً أن يتعشّوا في مطعم على شاطئ جونيه. ودعوا إدوار الذي قبل العزيمة، ثمّ سأل ندى: «هل ستذهبين أنتِ أيضاً؟»، «نعم» قالت بخجل.

لم تصدّق كيف وصلت إلى البيت وتوجّهت إلى خزانتها قبل أن تسلّم على والدها في المطبخ.

«يا جميلتي، ألستِ جائعة؟ ألا تريدين تقبيلي؟».

«آسفة يا والدي». وتوجّهت إليه وقبّلته.

«أنا اليوم لن أتعشّى معك». وتوجّهت إلى خزانتها لكي تختار ثوباً زهرياً مكشوف الظهر. وضعت بعض المكياج وصفّفت شعرها ونظرت برضى إلى صورتها في المرأة: «هذا الشاب مسحور بي. هذا رائع. إنّه كلاس وجذّاب. حقاً هذه ليلتي!!». عندما رآها والدها قبّلها وابتسم: «كم تشبهين أمّك رحمها الله...». ثمّ قال بسخريةٍ محبّبة: «على ما يبدو لديكِ موعد!؟».

«لا، لا، مع أصدقائي فأنتَ تعرفهم يا أبي».

«أعرفكِ عن غيب. لم تكوني يوماً بهذا الجمال. هل يعجبكِ أحدٌ منهم؟». ابتسمت له ولم تجب، وتحجّجت بأنّها على عجلة. ركضت إلى الخارج حيث كانت نهى تنتظرها في سيّارتها. عندما وصلا تفاجأت عندما رأت إدوار ينتظر في الخارج، وسلّم عليهما بحرارة وشدّ على يد ندى. في المطعم جلس بقربها وتكلّما بأشياء كثيرة، فعرفت بأنّه تلميذ يدرس الهندسة المعماريّة في AUB وهو في السنة الثانية. قال لها: «أخبرتني نهى بأنّكِ دائماً متفوّقة».

«شكراً، فأنا أدرس كثيراً».

وفجأة انتشرت موسيقى هادئة في أنحاء المطعم. فتأمل وجهها برقة وأمسك بيدها "هل ترقصين معي؟ وقفا وضمّها بقوّة إلى صدره. تفاجأت من جرأته، ولكنّها لم تستطع أن تمنع نفسها من الابتعاد عنه. فوضعت رأسها على كتفه مستمتعة بقربه ورائحته الرجوليّة. لمس شعرها برقّة وقال لها بصوتٍ خافت: «جمالك لا يشبه أيّ جمال... أنتِ ساحرتي اليوم».

لم تجبه، بل كانت ترتجف من السعادة والخوف. فهذه أوّل مرة تشعر بأنّها ضعيفة أمام رجل. وتمنّت لو يضمّها أكثر ولو يقبّلها على شفتيها. ولم تفهم ماذا يصيبها. وبعد ربع ساعة قال لها بطريقة مفاجئة: «تعالي نتمشّى في حديقة المطعم». تبعته كأنّها مخدّرة. مشيا في الخارج، نظرا إلى السّماء، وكلاهما عاجز عن الكلام. جلسا على المقعد لم تتجرأ أن تنظر إليه.

قال لها برقّة: «ألاّ أستحق أن تنظري إليّ؟». ابتسمت بخجل: «بالتأكيد».

ونظرت إليه لترى مشاعر فائضة في عينيه. وكأنّه يقول لها كلمة «أحبّك» بألف طريقة. حرقها شغفه فأشاحت بنظرها عنه، وكانت تحاول أن تدير وجهها إلى الأمام، إلاّ أنه أمسك بذقنها وأدارها لترى نظراته. تأمّل وجهها بحنان ثمّ توقفت عيناه على شفتيها. عرفت بأنّه سيقبلها. أرادت أن تشيح برأسها ولكنّها لم تستطع، فقبّلها على شفتيها وابتعد قليلاً عن وجهها يتأمّلها. لمس وجهها ثمّ قبّل عينيها وأنفها وذقنها، وكأنه يرسم وجهها بشفتيه. شعرت بأن قلبها سيتوقّف، فأزاحته ووضعت يدها على صدرها وهي تتنفّس بصعوبة.

«أرجوكِ، لا تفهمينني خطأ، أنا لا أتصرّف بهذه السرعة، ولكنّني مفتون بكِ». لم تجبه لأنّها لم تستطع، إلاّ أنّها صدّقته، والمسألة كانت مختلفة عمّا يظنّ. فهذه المرّة الأولى التي تدع رجلاً يقبّلها. نظرت إليه ثمّ اقتربت منه ووضعت رأسها على كتفه، فلمس شعرها وبقيا لدقائق هكذا، إلى أن قالت له: «أرجوك، تعال ندخل فربّما الجميع يفتقدوننا الآن». ووقفت فأمسك بيدها وبقي جالساً: «أريد أن أراك غداً.. لم أشبع منك يا ندى. أريدك أن تثقي بي. أرجوك».

هزّت رأسها موافقة، فضمّها بقوّة إلى صدره فقبّلته على جبينه. دخلا إلى المطعم ولكن كلاهما لم يستطع التركيز على حديث الأصدقاء لأن حضورهما كان متجسّداً في أيديهما المتشابكة تحت الطاولة.

في اليوم التالي، كان لديها مادّة واحدة حتى الساعة العاشرة. لأول مرة كانت مشتّتة التركيز في الصفّ ولم تصدق كيف انتهى الدوام لتركض إلى الخارج. فرأته ينتظرها أمام الجامعة. وعندما رآها نزل من سيّارته واقترب ليمسك بيدها: «اللّيل كان طويلاً جداً في انتظارك!». ابتسمت ولم تجبه ولكنّ عينيها كانتا تلمعان. فتح لها باب سيّارته الباهظة لتدخل واستغربت بأنها تراه كلّ مرة في سيّارة جديدة، وفكّرت: «ولمَ لا؟ لقد تعبتُ من الفقر. شابٌ وسيم ومهذّب ومسحور بي. هذا كثير!».

عندما جلست على المقعد أخذت نفساً عميقاً وهي تتنشّق رائحته المنتشرة في السيّارة.

«سآخذكِ اليوم إلى مقهىً بقرب البحر. أريد أن أراكِ بقربِ البحر، ربّما تتحدا في خيالي».

كالعادة، ابتسمت ولم تتكلّم كثيراً. هي تصدّقه. لا تعرف لماذا؟ ربّما صوته، ربّما لأنّ نهى أكّدت لها بأنّه غير شلّته، وهم جميعاً من الطبقة المخمليّة. وصلا إلى المقهى وتكلّما بسرعة، وهما مأخوذان ببعضهما البعض.

«ربّما أنتِ تستغربين لماذا أنا مختلفٌ عن أبناء الأغنياء! السرّ هو أمّي، فهي كولومبيّة ومن عائلةٍ فقيرةٍ، لكنها خطفت قلب والدي. ورغم الرفاهيّة التي تعيشها الآن إلاّ أنّها لم تتغيّر».

«جيّد، إنّك متواضع ومحافظ على القيم الجيّدة».

«أنا بصراحة عشتُ كلَّ حياتي مع والدي وهو يملك دكّاناً». كانت تقولها بخجلٍ فأمسك بيدها وقال: «ليس عيباً. يبهرني جمالك وكبرياؤك وذكاؤكِ، فأنا لم ألتقِ بفتاةٍ مثلك بين الطبقة المخمليّة. يقول شكسبير: «البعض يخلقون في العظمة والبعض يحقّقون العظمة. وهكذا أنتِ يا جميلتي، أنتِ أهمّ من العظمة الماديّة كلّها، فأنتِ تخلقينها. وها أنتِ اليوم تسعينَ لتحقيق أحلامك بتعبك».

ابتسمت، وكانت فرحتها لا توصف لأنّ فقرها الماديّ لم يزعجه. بعد ساعتين قال لها: «لا أعرف إذا كنتُ سأسمح لكِ أن تذهبي إلى البيت اليوم». فضحكا.

«تعالي نتمشَّ على الشّاطئ». أمسك بيدها وتمشّيا بصمتٍ وكلاهما ينظران إلى السّماء والبحر.

«إذا قلت لكِ بأنني أحبّك، فهل تصدّقينني؟» قال لها ذلك وصوته يرتجف.

نظرت إليه وهي غير متفاجئة: «نعم، لأنّني أحبّك أيضاً».

ضمّها ولمس ووجهها وظهرها، ثمّ أجلسها على صخرة وجلس بقربها.

«لم أستطع أن أقاوم أن أجلب لكِ هذا الخاتم».

تفاجأت عندما ألبسها خاتم ألماس. «إنه ألماس؟».

«أنتِ تستحقّين أكثر من ذلك». نزعته من إصبعها بسرعة وأعطته الخاتم.

«أرجوك، لا أستطيع أن أتقبّل هكذا هديّة. سامحني».

«أرجوكِ، أنا لا أقوم بهذا عادةً، ولكنّك لا تعرفين تأثيركِ عليَّ. كنتُ أساعد أخي البارحة في هذا الخاتم. وجماله بهرني، وفيه القليل من جمالك يا ندى القلب».

أمسك بيدها وقبّل إصبعها عدّة مرّات ثمّ ألبسها الخاتم. ضعفت أمام جمال الخاتم، ولكن ماذا ستخبر والدها "ولكن والدي"؟

«قولي له بأنّه غير حقيقيّ». هزّت رأسها.

«لا أعرف ماذا أقول».

«إنّه يعجبك. فهذا يفرح قلبي».

«أكثر من أعجبني». ودمعت عيناها. لم يقدّم لها أحدٌ هكذا هديّة. أوصلها إلى الحيّ في منطقة السبتية، ولكنّها نزلت بعيداً عن بيتها حتى لا يراها والدها، فهي لم تخبره بعد عن إدوار. دخلت البيت لترى بأنّه لم يكن هناك، فجلست على الكنبة ونظرت إلى خاتمها، وهي لا تصدّق ما ترى: «جميل، جميلٌ جداً وأنا أكثر فتاة محظوظة في هذا الحيّ». تلمّست الخاتم ثمّ قبّلته ونظرت إلى بساطة الغرفة: الكنبات ذات لون باهت والغرفة صغيرة جداً.

«هذا ظلم، يوماً ما سأغيِّر ظروف حياتي. فأنا أستحقّ أكثر من ذلك.. كيف تحمّل والدي الفقر طوال حياته، لا أفهم!!». وتذكّرت صديقها راني الذي يعيش في نفس الحيّ: «راني ووالدي نفس الطّينة».

راني، شابٌ في نفس عمرها، وكان يدرس التمريض في الجامعة اللبنانيّة. في الآونة الأخيرة، كان دائماً ينتقدها عندما تؤكّد بأنّ أول هدف لها في دراسة الطبّ هو أن تخلّص نفسها من الفقر، أمّا راني فكان لديه رسالة في التمريض، ووضعه المادّي لا يعنيه كثيراً. فكم تكره عندما يقول لها: «أشكر الله بأنّنا نعيش بكرامة وأننا لا نحتاج إلى مساعدة الآخرين».

وكانت تجيبه: «مسكين، معتّر...». وقد لاحظ راني كوالدها بأنّها تتغيّر إلاّ أنّه كان يحبّها كثيراً، ولكنّه لم يتجرأ أن يفصح عن مشاعره لها، لذلك قرّر أن يكتب إليها رسالة. فانتظرها مرّة في الطريق وعندما رآها اقترب منها، وكان خائفاً، فسألته: «هل أنتَ بخير؟».

«نعم، نعم، شكراً. أرجوك، خذي هذه الورقة واقرئيها عندما تكونين لوحدك».

«لقد أخفتني! ما هذه؟».

«أنتِ اقرئيها». ولم ينتظر أيّة كلمة منها، فقط مشى بسرعة وكأنّه يهرب منها. لم تستطع الانتظار فوقفت تحت شجرة وفتحت الرّسالة:

«ندى آنا أسف لأنّني سأفاجئك إلاّ أنّني لا أستطيع أن أمنع نفسي من أن أقول لكِ حقيقة مشاعري تجاهكِ. فأنا منذ صغري أعشقك. أعرف أنّك تعتبرينني أخاً لا أكثر، لذلك أخفيتُ مشاعري حتى لا أؤذيكِ ولا أخسركِ، فأنا على الأقل أراكِ دائماً. ولكن لا أستطيع أن أكذب عليكِ أكثر وأتجاهل مشاعري تجاهك. سامحيني فلا مهرب لي إلاّ أن أصرّح بمشاعري لكِ».

تفاجأت كثيراً وحزنت: «ماذا أفعل الآن، كان دائماً أخاً لا أكثر، حتى ولو لم ألتقِ بإدوار فإنّني لم أنجذب له يوماً». وتذكّرت شكله فهو أسمر غامق وقصير، وتقاسيم وجهه جذّابة، وكأنّه أرجنتيني، ولكّنها لم تنجذب له يوماً. وكانت تحتقر قناعته المادّية. توجّهت إلى بيتها، وهي غارقة في حزن، لأنّها عرفت بأنّها ربّما ستخسر صديقها. ذهبت في اللّيل إلى بيته ففتح لها الباب: «هل نستطيع أن نتكلّم؟».

«بالتأكيد».

«تعالَ نتمشّى في الشّارع».

«حسناً». مشيا لدقائق وكلاهما لم يتكلّم. ثمّ قالت له: «أنتَ أخٌ رائع وستظلّ كذلك. أتفهّم مشاعرك، ولكن يا ليت الموضوع بيدي.. يا ليتنا نستطيع اختيار من نحبّ. أنتَ أرقّ إنسانٍ أعرفه، وبالتأكيد ستلتقي بشابّة تستحقّك. أرجوك أنا لا أريد أن أخسر صداقتك».

«لا عليكِ. آسف لأنّني أزعجتك. ركِّزي على دراستك ولا تخافي عليّ. يجب أن أعطي درساً خصوصيّاً الآن. أراكِ لاحقاً».

قبل أن تجيب مشى بسرعةٍ متوجّهاً إلى بيته ، وكان يؤلمها معرفة بأنّها خسرت راني كصديق.

فاجأها إدوار في آخر السنة بهديّة لم تكن تتوقّعها.

«إسمعي، أنا لا أستطيع أن أتحمّل ألاّ أراكِ كلّ يومٍ بسبب دوامكِ الطويل لذلك قرّرت أن...» وتوقّف عن الكلام.

«ماذا؟».

«أن أؤمّن لكِ منحةً إلى الجامعة الأميركيّة وهكذا أراكِ كلّ يوم».

تفاجأت: «ولكن لا أعرف...».

«ماذا، أنتِ تستحقّين الأفضل».

«ولكن ماذا سأخبر والدي؟ وأنا لا أملك الكثير من النقود لأكون مناسبة للجامعة الأميركيّة» وضحك.

«ستكونين أجمل طالبة في AUB. ومنذ الآن سيكون لكِ معاش شهري مني».

«لا، لا، فأنتَ أغرقتني في هداياكَ الثمينة».

«أرجوك دعيني أحبّك كما أريد. لا تقيّدي حبّي لك. فأنا لم أشعر هكذا تجاه أحدٍ من قبل. حبّي لكِ طوفان يجرف نرجسيّتي، حبّي للتملّك... أنا أشعر بأنّني وُلدت من أجل أن أحبّك» ودمعت عيناها.

«هل أستحقّك؟».

«أنا يجب أن أسأل هذا السؤال!».

في الليل أخبرت والدها عن المنحة. بالتأكيد فرح كثيراً، وكان رجلاً يثق بابنته، فلم يستفسر كثيراً عن الموضوع، وصدّقها بأنّ علاماتها أهّلتها للحصول على هذه المنحة.

أمضت صيفيّة رائعة مع شلّتها، أصدقاؤها في الجامعة اللّبنانيّة وإدوار. وفي أوّل الشتاء قبل أن تبدأ بالذهاب إلى AUB اشترى لها إدوار ثياباً كثيرة، فأخبرت والدها بأنّها اشترتها من محل stock بثمن لا يُذكر. تعرّفت على شلّة إدوار، ولم تعد ترى أصدقاءها في الجامعة اللّبنانية، من ناحية ضيق وقتها، ومن ناحية أخرى بدأت ترى نفسها تنتمي إلى شلّة إدوار أكثر. أما علاماتها في الجامعة الأميركيّة فجعلت إسماً لامعاً، إلاّ أنها لم تكن تقول شيئاً عن عمل والدها، وعندما تُسأل كانت تتهرّب من الجواب.

وفي عطلة عيد الميلاد، قرّرت شلّة إدوار أن تسافر إلى إيطاليا. عندما أخبرها إدوار بأنّهما سيذهبان معاً، رفضت: «لا، لا، أرجوك، فأنتَ تعرف وضعي المادّي».

«لا، لا» قلّدها بسخرية. «أنتِ أنا، ألم تفهمي بعد؟ سنذهب سويّة وسنقضي أجمل عطلة. قولي لوالدك بأنّها منحة للمتفوّقين، فهو دائماً يصدّقك».

«أعرف، ولكن...».

«أرجوك توقّفي...».

في الطائرة، فاجأها إدوار بأنّ كل couple سينزلان في غرفة واحدة، وأنه حجز غرفة لهما.

«ماذا، كيف لك أن تفعل هذا ولم تسألني؟ هكذا إذن...».

«أرجوك، حاولي أن تفهمينني. أنا أحبّك أكثر من نفسي. ولكنّني لم أعد أكتفِ بقبلٍ منكِ. أشتاقُ إليكِ كثيراً وأراك في كل ليل... صدّقيني لا أستطيع أن أتخيّل نفسي أمارس الحبّ مع أحدٍ غيرك، وهذا يوتّرني...».

قالت له بقسوة: «وإذا رفضت، سأصبح بالنسبة لك الفتاة المتخلّفة...».

«لا يا ندى. أنا لا أفهم. فأنتِ غير متديّنة، وأنتِ طبيبة وتعرفين بأنه لا يجب علينا أن نكبت مشاعرنا».

حاول أن يُمسك يدها إلاّ أنّها أبعدتها «سأكون في غرفة لوحدي، أو دعني أعود اليوم. لا أنت ولا أحد يستطيع أن يفرض عليَّ شيئاً».

تنفّس بصعوبة والغضب يجتاحه: «حسناً، كما تريدين».

وعندما وصلوا إلى الفندق، توجّه كل couple إلى غرفتهما إلاّ هما، فلقد ترك لها الغرفة الكبيرة التي حجزها لهما، وحجز لنفسه غرفة صغيرة. لم يتّصلا ببعضهما البعض في الليل. وفي صباح اليوم التالي اجتمعوا جميعاً على الترويقة، وكان الفرح يعمّ الكلّ إلاّ ندى وإدوار. عندما رآها إدوار على الدرج قبّلها ببرودة وتوجّها إلى المطعم. واتفقوا جميعاً على الأماكن الأثريّة التي سيزورونها.

كان إدوار مشتتاً. هو حقّاً يحبّها، ولم يكن يفهم لماذا ترفض العلاقة الجنسيّة معه. وهما يتمشّيان بقرب من نافورة "تريفي"، اقتربت منها مها وسألتها: «ماذا تفعلين به وبنفسك؟ هذا الشاب يحبّك كثيراً».

لم تجب ندى ولكن دمعت عيناها «ولكن حبّه سيتغيّر عندما يصل إليَّ.. هكذا هم الرجال الشرقيّون».

«لا، لا، وكأنّك لا تعرفين إدوار. هذا الشاب أمّه أجنبيّة وهو يحبّك كإنسانة. الكلّ يحسدك على إدوار، فهو أول مرّة يحبّ فتاة بهذا الشكل».

«حقاً أحبّه ومتأكدة من حبّه لي، فماذا أنتظر». قالت لنفسها: «أنا أعرف بأنّ إدوار، منذ علاقتي به، لم يستطع أن يقوم بأيّ علاقة جنسيّة مع امرأة أخرى لأنّه يحبّني. فلماذا أعذّبه وأعذّب نفسي؟».

في الليل استحمت ولبست فستاناً أخضر قصيراً، يبرز جمال جسدها وعينيها. وزيّنت وجهها بمكياج ناعم. ثم وقفت ونظرت إلى نفسها في المرآة وابتسمت

برضى. اتصلت به فلم يجب فشعرت بخيبة أمل. نزلت إلى المطعم فلم تجده ثمّ ذهبت إلى غرفته ودقّت الجرس، ففتح لها وتفاجأ: «لقد اتصلتُ بكَ فلمّ تردّ». «كنتُ في الخارج على البلكون». ظلَّ واقفاً على الباب: «أتسمح لي بالدخول؟».

«بالتأكيد، عفواً».

جلست على سريره وهو يتأمّلها باستغراب. عرفت بأنّه سيسأل عن سبب زيارتها الليلية. «أحبّك».

هزّ رأسه، ونظر إلى الأرض: «وأنا أيضاً، وأنت تعرفين».

وقفت أمامه ولمست وجهه بحنان فنظر إلى عينيها والدموع تحجب عينيه. مسحت دموعه.

«لماذا تبكي يا حبيبي؟». لم يجب للحظات ثم قال لها بغضب: «هل تعرفين بأنّ قدومك الآن، وأنت بهذا الجمال يوتّرني؟ نعم فأنا أفرض على نفسي ألاّ ألمس حتى وجهك لأنّني لا أعرف إذا كنتُ أستطيع أن أتوقف عن التعبير عن حبّي لك... أرجوك إذهبي يا معذّبتي. إرحلي الآن...».

لمست وجهه برقّة وقالت بصوتٍ بالكاد سمعه: «ولكنّني أتيت لأريحك... أريد أن أبقى معك الليلة...».

خاف أن يكون فهم خطأ: «حسناً نامي بقربي وسأضمّك في الليل.. حسناً». حاول أن يضبط أعصابه. «لا، لا، أريد أن أتّحد معك كلّياً». تفاجأ كثيراً وتأمّل وجهها ليصدّق ما تقوله.

شدّت على يده ليجلس بقربها على السرير وهو يشعر بأن قلبه سيتوقّف. ثمّ وقفت أمامه فتأمّل جسدها وشعر بأنّ قلبه يرتجف.

«ألا تريد أن تكتشف جسدي؟ هل تريدني أن أرجوك لأن تكتشفني يا حبيبي؟».

«هل أنت واثقة ممّا تفعلين أو تقومين بذلك من أجل إرضائي؟».

«ألا تشعر برغبتي لك؟».

وضع يديه على خصرها وهو لم يعد قادراً على الكلام: «وأخيراً سنتّحد روحاً وجسداً».

إستيقظ في الصّباح ليراها مستيقظة وتتأمّل وجهه. لم يتكلّما لدقائق، فقط تأمّلا بعضهما البعض ثم قال لها: «لا أريد أن أرى أحداً اليوم سواك.. لا أعرف إذا كنتُ أستطيع أن آكل». وابتسم: «ولكن لا تخافي سأطلب أن يجلبوا الطعام من أجلك...». وضحك فضحكت: «لا أستطيع أن أصف شعوري لك، لا أستطيع».

أترك القلم وأغمض عينيّ وأتذكّرك يا جيمز، أحبُّ الحبّ.. أكتب الكثير عنه لأنني منذ فترة بعيدة لم أعشه، كان بيننا بذور من الحب، وربّما كنّا سنعيش حبّاً يشفينا كلينا ولكن.. عندما كنتُ في أوائل العشرينات كتبت التّالي عن الحبّ: «الحبّ عندما تستيقظ في الصّباح، وتعتقد أنّ هذا اليوم ملكٌ لك وبأنّك لا تعرف كيف أصبحت تتحكّم بالزمن، هو أن تنظر إلى نفسك في المرآة وتبتسم وتهزّ رأسك، فتقول بغنج: «يا إلهي ما أجملني» ثمّ تقترب من المرآة وتقبّلها: «حقّاً أنا رائع الجمال». هو عندما تتأمل أصدقاءك وتتساءل: «لماذا الكل يزداد جماله؟».

عندما تغنّي بصوتٍ عالٍ وبنشاز فتطرب لصوتك «حقاً صوتي يطرب».

هو عندما تصبح مجنوناً، ولكن لا تعرف مصدر جنونك.. لا تأكل ولا تنام، ولا تفكّر، عندما تدخل عتبة عالمه لأن سحره يجتاحك..

هو عندما تشعر بأنّك قادر على أن تشفي أيّ قلبٍ حزين.

تضحك من دون سبب ولا تهتمّ لاستغراب النّاس.

عندما يصبح ليلك نهاراً، وتشعر بأنّ النجوم تزيد من بريق عينيك.. ولا تنام ولا تنام.. فلماذا تنام ولماذا تحلم وأنت في هيكل الحبّ؟».

الكثير يا جيمز يتوهّمون أنّهم يعيشون حالة الحبّ، على الأقل أنا أعرف بأنّني لستُ شيئاً في الحبّ. وأرى الكثيرين ممّن يخافون من الحبّ لأنّ هذا الإله يعطي الكثير، ولكنّه يطلب الكثير.

الحبّ شطحة من الصفاء، العطاء، الاحترام، الأمان، اليقين، الاكتفاء واللاّحدود... هذا هو الحبّ يا جيمز.

الفصل الرابع: الشهرزاد الهجينة

 

تخلّيت عن الكتابة في أميركا، عندما كنت كاتبة شبح تكتب لرجل ليصل إلى مراكز سياسيّة. الآن، يا جيمز، أنا رئيسة تحرير لمجلّة في بنان، تكتب في اللّغة العربيّة والإنكليزيّة، كل يوم تتحسّن لغتي العربيّة، وأدفع لمترجمة لتساعدني في التدقيق في مقالاتي العربية. فقط الآن أشعر بأنّ كتاباتي لها قيمة. فنحن يجب أن نكتب لنغيّر، وعندما نكشف الحقيقة ونكون مرآةً، عندئذٍ نساهم في عمليّة التغيير. الأدب الكولونيالي رافق الاستعمار، هذا ما شرحه البعض كتشينوا أتشيبي وإدوار سعيد...

والأدب الاستعماري يشوّه ثقافة المستعمرين، لذلك عندما نكون مرآة صادقة للشرق، فهذا ينقذ صورته أمام الشعوب الغربيّة. واليوم، يا جيمز، الإعلام الغربي مسيَّس أكثر من الإعلام الشرقي، صدِّقني. لذلك أسعى أن أكون مرآةً تعكس الأشياء بعيني امرأة غربيّة وشرقيّة.

في هذا العالم الذي تتصادم فيه الحضارات، نحن بحاجة إلى الكثير من الجسور، اليوم هو عيد المرأة العالمي، ولقد كتبت مقالة تنتقد الحركات النسائيّة العالميّة التي بحقّ لا تساعد المرأة الشرقيّة كما يجب، بل تدفعها إلى أن تتخلى عن ثقافتها، وهذا خطأ. وطلبت من فاطمة أن تكتب مقطعاً يحثّ المرأة على تفكيك البطريركية الشرقيّة، هذا ما سلّمتني إياه وقد أحببتُ بساطة وسلاسة ما كتبته:

أنا امرأة، هل تعرف ماذا يعني هذا؟ هل تعي ما هي الأنوثة؟

دعني أخبرك، فلقد تآمرت عليَّ كلّ العصور وكلّ الملوك، لمعرفتهم بأنّني مصدر الحياة والخصوبة، ولكن لم يستطيعوا جميعاً إلغائي.

أنا امرأة نجت من بحر الظّلام.

أنا امرأة اتّحدت مع الحبّ لتنقذ البشريّة من حماقتها وشرّها.

أنا امرأة لكلّ العصور أمّا أنت فيتملكك عصرٌ واحد..

لا أنت ولا أحد يستطيع أن يُلغيني، يهمّشني، يشوّهني.

أنا أسكبُ الحبَّ في ينبوعٍ من الحليب العذب.

أنا أذوبُ حناناً عندما أسمع كلمة "ماما".

وأنتشي فرحاً عندما أرى طفلي رجلاً لعصرٍ جديد. فأعرف بأنّني أتممتُ إحدى أسمى مهمّاتي.

أنا اختارني الله لأحمل ملائكة.

أنا بكلّ بساطة امرأة، الكلمة الوحيدة التي اختصر فيها الله رقيّ البشريّة.

«هل تعرفين يا فاطمة، أحببتُ كثيراً ما كتبته، ولكن أرجوك إلغي "أمّا أنت فيتملكك عصرٌ واحد"، فنحن لا نريد أن نشنّ حرباً على الرجال. الحركات النسائيّة الأولى كانت متطرّفة لأنّهنّ كُنَّ يعشنَ أسوأ الظروف، أما الآن فاختلف الوضع. وتذكّري أنّ بعض الرجال إنسانيّون أكثر من الكثير من النّساء ونحن نريد هؤلاء أن يدعمونا في قضيّتنا».

«حسناً أوافقكِ الرّأي. ربّما تماديتُ كثيراً».

«لا عليك. فأنتِ لا زلتِ بحالة غضبٍ بسبب ظروفك الصّعبة. لقد ذكّرتني بمقالة Audre Lorde وفيها تُسأل من امرأة بيضاء، في إحدى المؤتمرات، لماذا هي دائماً في حالة الغضب؟ فتضحك Lorde وتقول لها: "أنا مضطهدة من شعبي ومن المجتمع الأبيض، لذلك أنا امرأة غاضبة وأعتزّ بذلك، فأعتذر إذا أزعجتك».

«جميل، ولكن أوافقك بأنّه يجب أن نتخطّى حالة الغضب لنعطي أكثر وبتسامح».

ابتسمت سارة فهي تحبّ صداقتها مع فاطمة لأنّ الأخيرة سلسة ومنفتحة.

«لقد كتبت مقالة يا فاطمة عن المرأة الشرقيّة باللّغة العربيّة. أرجوكِ لم تأتِ مترجمتي ماريّا اليوم. أريدُ منكِ أن تقرئيها للتدقيق. يهمّني رأيك بها أيضاً».

«حسناً». أخذت المقالة وقرأتها بصوتٍ عال:

«لا يستطيع أيُّ مجتمعٍ أن يتطوّر من دون تحسين وضع المرأة. إنّ الحركات النسائيّة العالميّة استعماريّة، وهي تؤكّد على أنّ مشكلة المرأة الشرقيّة (مع تحفّظي على هذا التعبير وسأشرح لاحقاً السّبب) هي الثقافة الشرقيّة، لذلك يجب أن تتخلّى عن ثقافة بلدها، وهنا تكمن المشكلة لأنّ هذه الحركات العالميّة لا تحترم مجتمعات الآخر بل تشوّهها. لذلك أعتقد بأنّ المرأة الشرقيّة يجب أن تحلّ مشاكلها لوحدها وهذا سيغيّر المجتمع إلى حالة أفضل. فالمفكّر الفلسطيني هشام شرابي يربط التحوّلات الجذريّة والتقدّم في الشرق بالحركات النسائيّة، ويؤكّد على دور نوال السعداوي الكبير. أما الآن فلا يوجد للأسف حركة نسائيّة جدّية، بل فقط بعض زوجات رجال سياسيّين يلقين خطابات لا معنى لها.

أعتقد أن المرأة الشرقيّة يجب أن تتعلّم من تجارب النّساء في دول أخرى. فجوليا كريستيفا مثلاً ترفض عدّة مقولات للحركات النسائيّة العالميّة. وهي تؤكّد بأنّ المرأة الشرقيّة ليست واحدة، ولا الغربيّة. كما أنّها قامت بدراسة عن المرأة الصينيّة لتؤكّد بأنّ مقولة الحركات النسائيّة الغربيّة، بأن المجتمع الشرقي أكثر بطريركية من الغربي، خاطئة. فهي تبيّن في دراستها أنّ المرأة الصينيّة تتمتّع بحقوق أكثر من المرأة الغربيّة. فمثلاً الطفل (في الصين) يرث اسم والدته لا والده. وهي تنتقد الحركات النسائيّة الغربيّة التي تحثّ أيّة امرأة على الشعور بالذنب عندما تصبح أمًّا. وفرادة كريستيفا تكمن بأنّها تؤكّد على أنّ المرأة لها حقّ بأن تصبح أمًّا، أو لا تصبح، فهي تقول: "إنّ كلّ أم امرأة، ولكن ليست كل امرأة أمّاً". ولذلك يجب على المرأة الشرقيّة أن تعي بأنّ جسدها ملكها، لذلك لها الحقّ باختيار الأمومة، أو رفضها. فقط الأمومة الحقيقيّة قادرة على أن تربّي جيلاً جيداً.

أعتقد لكي تتشكّل حركة نسائيّة شرقيّة جدّية يجب على النساء الشرقيات أن يسألنَ أنفسهنّ: أيّ نوع من الحقوق يردن؟ يجب على المرأة الشرقيّة أن تتخلّص من المفارقات، فإذا كانت تريد أن تتمتّع بنفس حقوق الرجل في العمل والدراسة، فإنها يجب أن تشارك في مصروف البيت. فنوال سعداوي تؤكّد أن هنالك ضغط اقتصاديّ على الرجل الشرقيّ الذي يجب أن يؤمّن البيت والسيّارة والأموال قبل الزواج. وهذا الوضع يجب أن يتغيّر.

كما يجب على المرأة الشرقيّة أن تساهم بنقد مجتمعها، حتى ولو اسْتُخْدِم هذا النقد ضدّ مجتمعها، أو ظلّ الوضع على حاله.

وأقول للنساء المشهورات لا تشوّهْنَ ثقافة بلدكم لتصلن إلى الشهرة العالميّة. فالسياسات الإمبرياليّة تكرّم هؤلاء بالأموال والجوائز. ولكن تعلَّمْنَ من بعض النساء الكاتبات، أمثال أهداف السويف التي تعرض في "خارطة الحبّ" بطلاً شرقيّاً يتمتّع بالشهامة والرقيّ أكثر من كلّ الرجال في العالم، وهي بذلك تخلّص الرجل الشرقي من صورته الشائعة في الغرب بأنه مهووس جنسي.

يجب على المرأة الشرقيّة أن ترفض بأن ترى نفسها بدونيّة. وتعرف بأن الحركات النسائيّة العالميّة تعمل على تعزيز هذه النظرة. فحدث مرّة أنّ رجلاً في الهند حرق امرأته، ومنذ ذلك الحادث عندما يحرق رجلٌ في أميركا زوجته، يكرّرون في الإعلام الغربي تعبير "الظاهرة الهنديّة تصل إلى الغرب".

كما أنّ واجب المرأة الشرقيّة أن تحرّر نفسها من الكليشيه بأنّها نرجسيّة، عاجزة، عاطفيّة لدرجة الغباء. الكثير من النساء الشرقيّات يؤسّسن جمعيّات فعلاً تغيّر من المجتمع، والهدف ليس تحقيق الشهرة. لذلك كلّما استغلّت النساء الشرقيّات نجاحهنّ لتحسين مجتمعهنّ كلّما زادت ثقة المجتمع بهنّ، والمجتمع ككل سيطالب بحقوقهنّ. فتذكّرن بأن Arundhati Roy، الكاتبة الهنديّة، تبنّت قضيّة أن تجمع أموالاً لإنشاء سدّ في الهند يغيّر الكثيرين. أنا واثقة بقدرات المرأة الشرقيّة التي ستبهر العالم».

بعد أن قرأتها فاطمة، صمتت للحظات: «أنتِ تفاجئينني بقدرتكِ على تقبّل ثقافات الآخر. نحتاج إلى أمثالك في العالم الغربيّ لكي يخفّ التوتّر والتصادم بين العالمين الشرقي والغربي».

ابتسمت سارة وقالت: «شكراً يا فاطمة. على فكرة أنتِ تساعدينني كثيراً على فهم ثقافة هذا البلد. أشكركِ».

«لا داعي، اليوم سأصحّح هذه المقالة. حقاً أنتِ تتحسّنين في اللّغة العربيّة».

«وأنا أعدك بأنّني اليوم سأكتب في قصّتك "وهمٌ واقعيّ" هكذا أدعوها.» وضحكتا معاً.

في اللّيل، وخلال الصّمت اللّيلي، جلست سارة في مكتبتها تفكّر في فاطمة، وتقرأ في أحداث قصّتها تحضيراً للكتابة.

«لماذا أكتب في الليل أكثر من النهار؟ هل لأنّ صمت الليل أعمق؟ أو لأنّ لا لون له فنستطيع أن نلوّنه كما نشاء! لا أعرف! يا ملك الظّلام سكوتك يجتاحني فأشعر بأنه يوقف عقارب حياتي الواقعيّة لأعيش حياة الآخرين، فالآن دعني أعيش حياة فاطمة».

فاجأها زوجها بأنّه منذ أسبوع فتح له صديقه صفحة على الفيسبوك. ولكن بما أنه لا يعرف كيف يرسل دعوات صداقة، فقد طلب منها أن تساعده في ذلك. قرأت فاطمة لائحة الأسماء، ولم تصدّق عندما رأت اسم "مجد" ضمنها. فسألته، وهي تحاول أن تخفي إرباكها: «من هذا الرجل؟».

«إنّه تاجر. تعرّفت عليه عندما كنت في المكسيك. إنّه يرسم، يكتب الخواطر، ويعزف النّاي. كتير كلاس ولكن عينك ما تشوف زوجته. إنها من عائلة فقيرة جداً ولا تجيد شيئاً من اللّياقات».

كاد قلبها أن يتوقّف، فأرسلت الدعوات بسرعة، وتفاجأت عندما تلقّت القبول بعد نصف ساعة من خمسة أسماء، ومن بينهم مجد. ذهبت إلى غرفتها وقرّرت أن تبتعد نهائياً عن عالمها الوهميّ. فالرجل صديق قريب لزوجها. وبعد أربعة أيّام فاجأها زوجها بأنّهما يجب أن يتركا البيت: «هل أنت مجنون؟! هذا البيت ملكنا!». وبكلّ برودة أخبرها: «لقد رهنته لصديق بمبلغ عشرة آلاف دولار لكي أسدّد ديون المحلّ، ولكن لا تخافي فأنا أثق بصديقي رامز، وهو قد طلب مني أن نترك البيت، وعندما أسدّد له المبلغ سنعود».

«أنتَ حقاً مجنون! هل تعتقد بأنّه سيعيد لنا البيت. لا، لا، لا أصدّق!!».

«نتكلّم لاحقاً، والآن يجب أن نذهب».

لم تستطع أن تساعد زوجها وأولادها بعمليّة نقل أثاث المنزل، وعندما نقلوا كلّ شيء في شاحنة على عدّة نقلات، اقترب ولداها منها: «يا أمّي، أرجوكِ، تعالي نذهب إلى بيتنا الجديد». أمسكاها بيديها وتوّجها إلى السيّارة. وعندما دخلت البيت الجديد شعرت بغرابة، وقالت بصوتٍ عالٍ: «هل تعرفون، هذا البيت الصغير الغريب يليق بي، فهو يشعرني بالغرابة، وأنا غريبة في هذا العالم».

كان نومها متقطّعاً في بيتها الجديد، وكان مجد يخطر كثيراً على بالها ولكنّها أحسّت بأنّه هو أيضاً غريب عنها. وبعد أسبوع، وكما توقّعت، خسر زوجها المنزل، فرامز رجل له سوابق كثيرة. وبدأت تغرق بحزنٍ شديد، وممّا زاد من حزنها اتصال ليليّ من أخيها: «أنا آسف يا فاطمة ولكن الوالدة توفّيت...». حاولت أن تصرخ، وتصرخ، ولكن صوتها اختفى... ولاحقاً عرفت من إخوتها أنّ وصيّة أمّها الأخيرة: «انتبهوا لفاطمة فهي الحلقة الأضعف».

كان الحزن يخنقها، فلا تنام ولا تأكل. كانت أحياناً تحاول أن تأكل، ولكن عندما تشمّ رائحة الطعام، كانت تشعر بالغثيان وببردٍ شديد. وظلّت على هذه الحالة لأسبوعين. وفجأة شعرت بأنّها تريد أن تكتب على صفحتها عن آلامها وأوجاعها على الفيسبوك، فلربّما هذا يخفف من ألمها:

«ماتت من أنجبتني مئات المرّات...

ذهبت وهي تبكي عليّ...

لماذا؟ لماذا أيّتها الحياة؟ كيف استطعت أن تأخذيها؟

وأنتِ يا أمّي، دعيني أقول لك ما لم أخبرك به.. طفلتك تعيسة جداً... كنت تشعرين بأنّني حزينة جداً. ولكن لم يكن لديك فكرة عن تعاستي. أشعر ببردٍ شديد... أرجوك.. وكما الأيام الماضية زوريني في الليل لتنامي بقربي، فأشعر بدفء حنانك... وأنا أعدكِ بأنّني منذ اليوم سأخبركِ بكلّ شيء...».

معظم أصدقائها على الفيسبوك كتبوا لها جملاً لتعزيتها، فشكرتهم. وإذا بها، وبعد يوم واحد، تتلقّى رسالة وطلب دعوة صداقة من مجد:

«ليرحم الله أمك. لقد قرأت الخبر عند زوجك. أرجوك إقبلي دعوتي. لا أستطيع أن أتحمّل أن تبعديني عن حزنك... أرجوك لا تحكمين عليَّ بالإعدام. أنا لم أقصد أيّ سوء نيّة، ولكن سأسلّم معك بأنّني أخطأت، مع أنّي أصرّ بأنّ قلبي أطهر ممّا تتوقّعين... مدى حزنك يلامس قلبي يا صديقتي... أنا لا أطلب أن تتكلمي معي على messenger، ولكن على الأقل دعيني ألمس حزن كلماتك لأعرف كيف أداويها أيّتها الغالية...».

إنهمرت دموعها. إنّها بحاجة إليه، هو فقط وليس أحداً آخر في هذا العالم. قبلت دعوته، وما هي إلاّ لحظات حتى رأت الضوء الأخضر عند مجد وأحسّت بقلبها يرتجف. نظرت إلى الضوء فلمسته وقالت: «إشتقت إليك، أرجوك كُن حقيقيّاً». وظلّت لربع ساعة تنظر إلى الضوء الأخضر، فكانت تشعر بأنّه يضمّها ويبكي معها ويمسح دموعها، وفجأة كتب على صفحته:

«أرجو عينيكِ البريئتين ألاّ تنهمر دموعك... دعيني أبكِ عنكِ واحتفظي بمياهكِ السماويّة للأفراح...».

انهمرت دموعها، وشعرت بأنها وأخيراً ليست لوحدها في حزنها.. ونظرت إلى عينيه في صورة البروفايل وقالت: «الكلمات تكذب ولكن العينين لا تكذبان». فحدّقت بعينيه وقالت: «أصدّقكَ، يا مجد، أصدّقكَ».

مسحت دموعها، وقرّرت ألاّ تبكي كما قال لها، وشعرت بأنّها بحاجة للكتابة، فكتبت:

  • لماذا أيّتها الحياة بنيتِ مملكتكِ على شواطئ بحر الموت؟ كيف لكِ القدرة أن تقذفي بأبنائك في بحر الظلام، ومن دون أيّ إنذار؟ قولي لي كيف تتمّ عمليّة التخلّي؟ هل تنظرين إلى أبنائك، وهم يغرقون، بعيون باردة؟ أوهل تندمين؟ أوهل تشيحين بنظرك؟ أجيبيني؟ كيف تخلِّيتِ عن أمّي.. هذه المرأة الطاهرة.. تجرّئي واخبريني...».

أحسّت فاطمة بأنّها تُشفى، نعم الكلمات تشفيها. وفكرة أنّ مجد يقرأ كلماتها تشفيها. لم تكن متوقعة أن يردّ مجد مرّة ثانية على كلماتها، إلاّ أنها تفاجأت عندما قرأت:

قولي ما شئت من كلمات، صرّخي؟ ولكن أرجوكِ لا تبكي. فأنا أبكي عنك كما وعدتك. أتمنّى لو أستطيع أن أقبّل كل كلمة بشفتيّ وأحضنها برقّة لأخلّصك من آلامك وأحزانك! أودّ لو أستطيع أن ألمس كلّ سطر بأصابعي لكي أُشيد لك حياة جديدة سعيدة... أتمنّى، ولكن ليست لديّ القدرة يا حبيبتي. ليست لديّ».

وضعت له "لايك" من دون أن تتردّد ولو لحظة، ولم تهتمّ بأنّها أول "لايك": «...أحبّك يا حبيبي، أحبك...» قالت بصوتٍ خافت.

 

 

 

الفصل الخامس: المنزلق المادّي

 

الكثيرون، يا جيمز، يحلمون بالتغيير، ولكنّهم غير قادرين. الإنسان بشكلٍ عام يميل إلى انتقاء الطريق الأسهل، والانغماس المادّي في هذا العصر منزلق يقع فيه الكثيرون. أنا لست امرأة متديّنة، ولكنّني أؤمن بضرورة تطوّر حياتنا الروحيّة. بدأ اهتمامي بالكتّاب اللبنانيّين، ومنهم جبران خليل جبران، وأمين الريحاني، وميخائيل نعيمة، منذ المراهقة. ظللتُ لفترة طويلة تحت تأثير كتاب "النبي" لجبران، لقد كان كتابي المفضّل، ولكن في عمر الثامنة عشرة قرأت كتاب "خالد" للريحاني، وهو أول كتاب يكتب باللّغة الإنكليزيّة من كاتب عربي. الكتاب يقدّم فلسفة حياة، ولقد سبق فيه الريحاني الكتاب الما بعد الكولونياليّين في طرح قضيّة التصادم بين الشرق والغرب. والنبي خالد بالنسبة لي يتفوّق على نبيّ جبران بهجانته، فهو قد وُلد من جديد واختار أفضل العناصر من الغرب والشرق لبناء ذاته الجديدة.

يبدأ الكتاب بمعرفتنا أنّ خالداً اختفى، ثمّ ينتهي باختفائه. ويذكرني هذا بتقليد الروايات الهندية، فأنيتا ديساي تؤكّد أنّ لكلّ أمّة تقنيّة أو نوعاً روائيّاً خاصّاً بها. لكن الأدب الاستعماري طمر هذه الأنواع، وبعد دراسة أكّدت بأنّ سير الأحداث في الرواية الهنديّة هو دائريّ. وهنا يبرز سؤال مهمّ بالنسبة لي: لماذا اختار الريحاني هذا المسار؟ هل ليلوّن روحانيّة النبي خالد بثقافة روحانيّة مثل ثقافة الهند؟ ربّما، وربّما ليحثّ الكتّاب اللبنانيّين على أن ينقّبوا على ملامح الرواية اللبنانيّة. خالد في هذا الكتاب يضيع في الحياة المادية في أميركا. فمهنته كانت التجارة بالصور والتماثيل الدينيّة. يرمز هذا إلى أن الانغماس التامّ في المال يؤدّي إلى عبادته، وفي الوقت نفسه انغمس بالحياة الجنسيّة بانتقاله من امرأة إلى أخرى، وكان يشعر بأنه لا يحبّ واحدة بل كلّهنّ يكملن بعضهنّ البعض.

خالد لاحقاً اختبر يقظة تنبّهه بأنه يفقد إنسانيّته لذلك تخلّى عن حياته المادية بالتخلّي عن عمله وبحبّه لابنة عمّه.

ربّما ستضحك يا جيمز حين تعلم بأنّ خالداً يحرق الكتب ليتدفّأ، أو ليطبخ مجدّرة (أكلة لبنانيّة تقليديّة). لربما كان يسخر من المثقفين الذين يجمعون الكتب ولا يعيشونها، بينما هو يقرأها جميعاً، ويصبح كتاب نفسه مؤسّساً لعقيدة جديدة هي الخالدية. وهو يؤكّد بأنّ التغيير تحدٍّ كبير حتى للأنبياء كخالد، فهو حاول أكثر من مرّة إنجاب نفسه، ولكنّه فشل وضاع، إلاّ أنّه بإرادته القويّة وإيمانه بالإنسان السوبرمان أنجب نفسه بنفسه. أتمنّى أن تقرأ هذا الكتاب، فلقد أعطى معنى جديداً لحياتي. وأستغرب لماذا لا تُعلَّم قيم هذا الكتاب في المدارس والجامعات في لبنان.

عندما أخبرتني ندى تفاصيل عن حياتها كانت كما أخبرتك ترويها ببرودة، ولكن المرحلة التي سأرويها الآن أحرجتها كثيراً. وكانت أحياناً تتحاشى أن تنظر بعينيّ، وأحياناً أخرى كانت تحبس بعض الدموع. أنا لا ألومها، وعندما ستقرأ هذه الفترة من حياتها ستفهمها أنت أيضاً أيها الرقيق.

رجعت ندى من عطلتها في إيطاليا وهي تشعر بأنّها زوجة إدوار. فما الزواج إلاّ عقد، أليس الحبّ أقدس من الزّواج وكافة العقود؟!

استأجر إدوار منزلاً صغيراً في جونيه للقاءاتهما. ولقد طلب منها أن تنتقي أثاث منزلهما الصغير. وكانت فرحتها لا توصف. قضت في هذا البيت الكثير من اللّيالي، حيث كانت تبرّر لوالدها بأنّ لديها الكثير من الدروس، فلا تستطيع أن تعود في آخر الليل من بيت صديقتها. كان والدها يقبل على مضض. ولكن ما أزعج الوالد أكثر أنّه شعر بابتعاد ابنته عن جيران الحيّ وأصدقائها القدماء. أخذت ترفض أن تقوم بأيّ من الوجبات الاجتماعيّة معهم. وفي إحدى الليالي فاتحها بالموضوع:

«ندى، لا شيء أسعدني في حياتي أكثر من نجاحاتك في الدراسة، ولكنّني يا ابنتي أخاف أن تفقدي السيطرة على نفسك».

«ماذا؟ أنا لا أفهم».

«لا أريدك أن تُخدعي بالمظاهر فتنسين أصولك المتواضعة. وأتمنّى عندما تتخرّجين أن يكون لك رسالة إنسانيّة في الطبّ. فالكثير من الأطباء ينسون رسالتهم الحقيقيّة».

«لماذا تكلّمني هكذا. ربّما أنا لست متديّنة مثلك، وأنت لم تفرض عليَّ التديّن والذهاب إلى الكنيسة، ولكن هذا لا يعني بأنّني لا أتمتع بأخلاق عالية».

«أرجوكِ، لم أقصد هذا يا ابنتي. أنا رجل غير متعلّم مثلكِ، ولكن لديّ خبرة واسعة في الحياة».

ضجرت من هذه المحادثة فقالت لتنهيها: «حسناً يا والدي لا تخف». إلاّ أنّها فكرت بأنّها تعدّ اللحظات لكي تتخرّج وتترك هذه الجيرة البسيطة.

في إحدى الليالي كانت ندى تحضّر نفسها لتسهر مع إدوار والشلّة، فلبست فستاناً أسودَ قصيراً، وفتحت خزانتها لتلبس الخاتم الألماسي، وهو أغلى هديّة من إدوار. ارتعبت عندما رأت بأنّ العلبة فارغة. ركضت عند والدها كالمجنونة: «من دخل غرفتي؟ أحدهم أخذ خاتمي». وأرته العلبة الفارغة التي ألصقت عليها شريطة لتخفي اسم محل والد إدوار.

«لا أحد، هدِّئي من روعك. فهو خاتم لا قيمة له».

«ولكنني أريده». وصرخت بغضب. وأمام استغرابه زاد غضبها: «أنا أسالك من دخل غرفتي؟ قل لي».

تذكّر والدها بأن ماريبيل، بنت الجيران، وعمرها سبع سنوات، دخلت غرفتها عندما كان أهلها يزورونه. فأخبرها. ركضت ندى كالمجنونة إلى بيت الجيران، والوالد مصدوم، وما هي إلاّ ربع ساعة حتى أتت وهي تضع الخاتم.

«أرجوك، لا تسمح لها أن تدخل غرفتي لاحقاً». أمسك والدها يدها وشدّها ليرى الخاتم عن قرب. هو لا يعرف أن يميّز الألماس إلاّ أنه في الآونة الأخيرة بدأ يشكّ في تصرّفات ابنته فسألها ليوقعها: «هذا ليس تقليداً. هذا ألماس. أليس كذلك؟!».

ضحكت بتوتّر ملحوظ: «يا ليت».

«أنا لستُ غبيّاً إلى هذه الدرجة. من أين لكِ هذا الخاتم؟».

«لا تتكلّم معي هكذا فأنا لستُ طفلة. وإذا كنتُ على علاقة مع شاب، عندما أتأكد بأنه الشخص المناسب سأبلغك». ومشت بسرعة إلى غرفتها. فجلس والدها على الكنبة وهو مصدوم: «بدأت أخسر ابنتي. هذه ليست ندى! لماذا أيّتها العذراء مريم فأنا رفضت الزواج من أجلها. وقد وعدتني بأنّكِ ستساعدينني في أمومتها. لماذا؟ لماذا؟».

بعد ثلاثة أشهر، ارتعبت ندى عندما لم تأتِ الدورة الشهريّة، فقامت بفحص الحمل، وتفاجأت عندما عرفت بأنها حامل. لم تخف يوماً من شيء ولكنها عرفت بأنها في ورطة. تجنّبت إدوار لمدّة يومين فهي تريد أن تستوعب ما حدث قبل أن تخبره. إلاّ أنه في اليوم الثالث، كان ينتظرها أمام صفّها. ذهبا معاً في السيّارة فأوقفها أمام البحر ونظر إليها:

«ما بكِ أنا أعرفكِ جيّداً».

«لا أعرف كيف أقولك لك...؟».

«قولي فأنتِ ترعبينني هكذا».

«أنا حامل». قالتها بصوتٍ مرتجف.

نظر إليها وهو مصدوم: «لا، لا». لم يستطع أن يتكلّم وشعرت بأنه لا يدعمها بهذه الطريقة. ثمّ فتح الباب ومشى قليلاً ينظر إلى البحر، ودخل بعد عشر دقائق ليراها غارقة في حزن.

«ندى، لكل مشكلة حلّ. لا تخافي. أنا أعرف طبيباً سيقوم لكِ بعمليّة الإجهاض».

«ولكن نحن نحبّ بعضنا. لماذا لا ننجبه ونتزوّج؟».

«ماذا تقولين؟ أنا بالتأكيد أحبّك، ولكن لا أستطيع أن أتزوّجك الآن، فوالدي لن يقبل قبل أن أتخرج، وسيحرمني من الإرث، فهو قاسٍ كما أخبرتك. لقد اتفقنا عندما نتخرّج سنتزوّج. أرجوكِ يا ندى». أمسك بيدها: «أتفهّمكِ، ولكن ليس بيدي حيلة، وتأكّدي بأنّني سأعوّض عليكِ لاحقاً، عندما نتزوج، فأنجبي ما شئتِ من الأولاد».

ابتسمت ببرودة وعرفت أنه لم يترك لها إلاّ اختيار الإجهاض. فهزّت رأسها: «حسناً». قبّل يدها: «سأتصّل بالطبيب وسأخبرك عن الموعد. لا تخافي فأنا معكِ».

في اللّيل، اتصل بها إدوار ليقول لها بأن صديقه خارج لبنان، وسيعود بعد أربعة أيام. هذا الموضوع أزعج ندى. فهي لا تشعر بأيّة عاطفة تجاه الطفل في أحشائها. ولكنّها شعرت لأوّل مرّة بأنّ أحداً يقرّر مصيرها، ووعدت نفسها بأنّها المرّة الأخيرة التي سيقرّر أحدٌ عنها. وبعد يومين أخبرتها صديقتها في الجامعة عن إسبان أتوا ليتبنّوا طفلة من ميتم بقرب بيتهم، وطلبهم طفلة لا يتعدّى عمرها الأيام، وهم مستعدون بأن يدفعوا 200.000 ل.ل. إلا أنه لا يوجد طفلة في هذه العمر في الميتم». وسخرت منهم صديقتها: «بأيّ عصرٍ أصبحنا؟ التجارة بالأطفال».

لم تجبها ندى، ولكنّ المبلغ فاجأها، رجعت إلى البيت وهي تحاول أن تنسى هذا الموضوع. ولكنّها لم تنم فالمبلغ مغرٍ وسيخلّصها من فقرها قبل أن تتخرّج، ولماذا تنتظر حتى تتخرّج وتتزوّج إدوار؟ ثمّ عندما فكّرت أكثر، رفضت الفكرة: «لا، لا، لا أستطيع أن أخفي حملي كلّ هذه الفترة وسأخسر إدوار».

في الصّباح، كانت متوجّهة بسيارة التاكسي إلى الجامعة، ولكنّها تفاجأت عندما رأت نفسها تقول للسائق: «أرجوك، غيّرت رأيي. أنا مضطرّة أن أذهب إلى هذا الميتم في غزير وأعطته العنوان».

دخلت الميتم وسألت عن المديرة، وهي متوتّرة، وتأكّدت منها عن صحة الرواية التي سمعتها فتفاجأت المديرة: «نعم، لقد تركوا رقمهم معي. ولكن لماذا تهتمّين بالموضوع»؟

«لأنّني أعرف امرأة فقيرة جداً ولا تستطيع هي وزوجها إنجاب طفلة خامسة، لأن إحدى بناتهم مصابة بمرضٍ خطير، وهم بحاجة للمال لإجراء عملية جراحية لها».

فكّرت المديرة: «أنا أوافقك بأنّه ربّما هذا سيساعدهم، ولكن هذه جريمة أيضاً بحقّ طفلتهما التي لم تنجب بعد».

«أوافقك، ولكن هما ترجّياني لأجلب الرقم لهم، وأنت تعرفين "اللي بعدّ العصي مش متل اللي بياكلها"».

«صح». أعطتها الرقم بهدوء. شكرتها ندى ومشت بسرعة خارج الميتم. وعندما رأت سنترالاً دخلت قبل أن تغيِّر رأيها، واتصلت بهذه العائلة، فردّ الزوج، واسمه جوزف، وعندما شرحت له بالإنكليزيّة عن الموضوع أعطاها عنوان الأوتيل وكان ودوداً جدّاً معها. ذهبت إلى الفندق في منطقة الحمرا، حيث استقبلها جوزف، وعرّفها على جوليا ذات الجمال الإسباني الأخّاذ ببياضها وشعرها الأسود الغامق، إلاّ أنها لم تكن تتكلّم الإنكليزيّة كزوجها. كانت فرحتهما لا توصف عندما عرفا بأنها تدرس الطبّ، فهذا يعني بأنّ الطفل لن يكون فقط جميلاً مثلك بل ذكياً أيضاً.

وشرحت لهما بأنها غير متزوّجة، وبأنّ هذا الموضوع سيورّطها في مشاكل مع مجتمعها، وكأنها كانت تحاول أن تبرّر نفسها أمامهما. وأكدت بأنها لديها شرطاً واحداً وهو أن تسافر إلى إسبانيا لتولد طفلها عندما يكبر بطنها، فوافقا بسرعة لأنهما أذهلا بجمالها وبكونها طبيبة، وأكّد لها جوزف بأنه سيعطيها نصف المبلغ قبل الولادة، وبعد إنجاب الطفل سيعطيها المبلغ الباقي. عندما غادرت الأوتيل كانت فرحة جداً فالمبلغ كبير وسيغيّر كلّ حياتها.

في الليل فكّرت بأنّ والدها ليس مشكلة، ولكن مهمّتها الصعبة كان إقناع إدوار. بالتأكيد لن تخبره عن المال، ولكنه بالتأكيد سيكره بأن تبقي على حياة الطفل. لم تستطع أن تنام فهنالك احتمال بأنّها ستخسر إدوار، غير أنّ مبلغ المال لا يُقاوم، ثمّ كانت تقنع نفسها بأنّ إدوار يحبّها كثيراً وسيسامحها، وإذا خسرته، يجب أن تقبل خسارته.

في الصباح، اتصلت بإدوار وطلبت منه أن يلاقيها في بيتهما. إجتمعا في الساعة العاشرة، وكانت ندى قد قرّرت أن تكون قويّة وأن لا تغيّر رأيها. فشرحت له الموضوع ولكنها لم تذكر موضوع المال، فجُنَّ جنونه.

«لا، لا، فهذا سيدمّرنا. ألا تفهمين. عندما تصبحين أمّا ستحنين دائماً إلى الطفل. أرجوكِ لا!».

«ولكنني لا أستطيع أن أتحمّل فكرة قتله. إنّه طفلي ألا تفهم..». وضع يداه على كتفها: «أفهمكِ ولكن أرجوكِ فكِّري، إن هذا سيدمّرنا أرجوكِ».

وضعت رأسها على كتفه وبرقّة مصطنعة قالت له: «أرجوك، أنا لا أستطيع أن أقتله!!». أبعدها عنه بغضب: «هل جننتِ؟!».

«لا، ولكن هذا طفلي أيضاً، ولي الحقّ أن أقرّر مصيره أيضاً».

مشى كالمجنون إلى الشبّاك، ثمّ نظر إليها وعيناه يجتاحهما الغضب: «إسمعي، إذا كنتِ ستحافظين على هذا الطفل، اعتبري أننا انتهينا».

نظرت إليه وبسخرية قالت له: «إذاً الوداع».

غادرت الشقّة وهي تحاول ألاّ تبكي أمامه. ولكنّها بكت في الطريق. لقد قرّرت، ولا تستطيع أن تغيّر رأيها، فالمبلغ كبير جداً وسيسهّل حياتها كثيراً. وتأمّلت بأنّ إدوار سيسامحها لاحقاً، فالكلّ يعرف مدى حبّه لها.

كان حملها سهلاً جداً، وكانت تلبس دائماً ثياباً تخبّئ حملها. وتفاجأت عندما عرفت بأنّ إدوار لم يعد يذهب إلى AUB، بل انتقل إلى الجامعة اليسوعيّة. كانت تشتاق إليه كثيراً وأحياناً كانت تمشي بالقرب من شقتهما لتتأمّلها. ولاحظت بأنه لا يذهب إلى هناك، وربّما أسعدها ذلك لأنها عرفت على الأقل بأنه لا يجتمع بامرأة في مكانهما، وبدأت تحسّن علاقتها بوالدها. وفي الشهر السادس كبر بطنها قليلاً وبدأت تشعر بطفلها وعرفت بأنها فتاة.

وهكذا اتّصلت بجوزف الذي رتّب سفرها إلى إسبانيا بعد شهر، وبرّرت لوالدها بأنّ لديها دورة في إسبانيا لثلاثة أشهر. وصلت إلى هناك فلاقاها الزوجان بفرح، وأخذاها إلى بيتهما، حيث كانت زوجته قد حضّرت لهما طعاماً شهيّاً، الباييلا. ثمّ أخذتها إلى بيتٍ بقرب بيتهما استأجرته لها لكي تشعر بالراحة. كان بيتاً صغيراً لكنّه مرتّب جداً. وكانت كلَّ يوم تطبخ لها زوجة جوزف أطيب المأكولات، وتجالسها معظم الوقت، وقد عرفت منها ندى بأنّ جوزف رجل أعمالٍ غنيّ جداً. وكانا يتفاهمان بصعوبة ببضع كلمات إنكليزيّة وبضع كلمات فرنسيّة. كان المساء أصعب فترة لندى لأنّها كانت تشتاق لإدوار كثيراً. وبدأت الأحلام تجتاحها في الليل، فتاة شقراء ذات جمال أخّاذ تناديها: «ماما». ثمّ يأتي صوت جوزف ليأخذها فتحاول ندى أن تصرخ ولكن يختفي صوتها.

كثيراً ما كانت تستيقظ في الليل، وهي تبكي وتضمّ بطنها: «سامحيني يا ابنتي، أمّي كانت إمرأة رائعة، هكذا يخبرني الجميع ولكنّني لست مثلها...».

وفي الشهر الأخير قبل إنجابها الطفلة، دفع جوزف لممرّضة لتبقى معها في اللّيل، وزارها قبل أسبوع من ولادتها وأعطاها نصف المبلغ. استغربت عندما لم تشعر بأيّ نوع من الفرح، بل بالعكس كرهت نفسها وشعرت بالغثيان. وفي إحدى اللّيالي، أيقظت الممرّضة في منتصف الليل:

«حان الوقت، أرجوكِ، إتصلي بجوزف».

كان إنجابها لطفلتها سهلاً جداً، فولادتها لم تتخطَّ النصف ساعة، وعندما سمعت بكاء طفلتها بكت، فأعطاها إياها الدكتور، فتأمّلتها: «ما أجملك! لم أتخيّلكِ بهذا الجمال؟!».

دخل الزوجان إلى الغرفة، وحملا الطفلة، والفرحة تغمرهما. بكت ندى أكثر. أمسكت جوليا بيدها وقالت لها: «إبنتكِ بخير، أرجوكِ لا تخافي». هزّت ندى رأسها ولم تتفوّه بكلمة. كان مقرّراً أن تبقى لثلاثة أيام في المستشفى ثمّ توصلها الممرّضة إلى المطار. وقد وافقت على هذا الموضوع عندما كانت في الشهر السّابع، أمّا الآن فلقد ندمت ولكن لن ينفعها الندم.

كانت ندى تعرف بأنّ الزوجين سيأخذان الطفلة في الصباح، لذلك قامت في الساعة الرابعة صباحاً من سريرها، وتوجّهت إلى غرفة الحضانة لترى طفلتها وتودّعها. رأتها ممرّضة في المستشفى فلحقت بها لتسألها بالإسبانية: «ماذا تفعلين، عودي إلى سريرك».

قالت لها بالإنكليزيّة: «أريد أن أرى طفلتي».

فأجابتها الممرّضة بإنكليزيّة مكسرة «غداً».

«لا، لا يوجد لي غد».

«أرجوك».

«أنتِ أرجوك فأنتِ لا تفهمين». وعندما لمست إصرارها ساعدتها لكي تصل إلى طفلتها مع أن هذا مخالف لقانون المستشفى. حملت ابنتها وتأمّلتها: عينا إدوار، فمي، تدويرة وجهه... أنتِ لي ولإدوار.. ماذا فعلت؟» بكت. لم تفهم الممرّضة شيئاً.

في الصباح التالي أتى الزوجان وودّعاها بعد أن أعطاها جوزف المبلغ الباقي، وكانت تودّ لو تستطيع أن تمزّق الشيك، ولكنها ضبطت أعصابها. وأخذا الطفلة واختفيا من حياتها. وكانت قد أخبرتها الممرّضة بأنّهما غيَّرا إقامتهما حتى لا تعرف شيئاً عن الطفلة، وهذا أسهل لها ولهما.

أخبرتني ندى، يا جيمز، بأنّ هذا أحقر ما فعلته في حياتها، وبأنها ارتكبت جريمة ضدّ إنسانيّتها، ورغم ذلك حافظت على المبلغ في البنك. فكّرت لاحقاً أن تهبه لمؤسّسة تُعنى بالأطفال، إلاّ أنها بقيت ضعيفة أمام المبلغ. وهذا يؤكّد ما قلته لك، التغيير، أو اليقظة، إذ صحّ التعبير، أحياناً لا يتمّ من المرّة الأولى. إلاّ أنّه بعد هذه الحادثة أصبحت ندى تشعر بأنها غريبة عن هذا العالم، وبأنها حقاً تلوثت بغبار المادية. وهذا يذكّرني، يا جيمز، بأنني كنتُ غريبة في بيئة زوجي المادية، لكنني بعكس ندى لم أستطع أن أتلوث، وأصبحت أشعر بالانزواء عن الجميع، وما ستقرأه الآن ليس رسالة لزوجي السابق، بل كلمات كتبتها وأنا في قعر إحباطي ووحدتي وخوفي من الانزلاق:

«نستعمل اللغة لكي نتواصل مع العالم، ولكنّني في الآونة الأخيرة اكتشفت أنه لم يعد لديّ النيّة أو القدرة على التواصل معه. نعم، تخلّيت عن كل لغات الأرض، حتى لغة الصمت، وهو أقدسها، وتبرّأت منه. وبعد هذا القرار، أصبحت أعيش كلّياً في اللاّوجود. ولكنّني لم أترك بسلام، فإذا بقوّة تزورني وتدعوني إلى أن أتسلّق أعلى التلال. قاومتها ورجوتها، فأنا مرهقة، وأحلامي يبست واتّحدت بأوراق الخريف بصمت. إلاّ أن هذه القوى لم ترحمني، ولم أستطع ردعها، وهكذا شعرت بكلّ جسدي الخائر يتجه إلى الأعالي، والأغرب بأنّ طريق رحلتي كان مليئاً بالأشواك التي كانت تمزّق قدميّ العاريتين، ولم ترحمني هذه القوى المجنونة فتسمع تأوّهاتي، بل كانت تشدّني، وكأنها أمٌ ثكلى فقدت أيّة شفقة لمن قتلوا ولدها. وبعد رحلة طويلة ومرهقة وصلت إلى أعالي الأعالي، وإذا بي أرتفع إلى أقرب صخرة إلى السّماء، وأقف عاجزة عن التحرّك منتظرة مصيري المجهول على صخرة الوجود واللاّوجود. وفجأة لم أعد أشعر بأيٍّ من آلام قدميّ لأنّ غبار الصخرة ضمَّد جروحي. واعتقدت بأّني فهمتُ سبب وجودي على هذه الصخرة، وأخيراً السماء قرّرت أن تقدم لي رحمتها، فتشفيني من كل آلام السنوات الأخيرة.

ونظرت إلى السماء التي لم يكن يفصلني عنها إلاّ دموع أعيني التي أبت أن تهطل، إلاّ إذا اتّحدت مع دموعها. فطاوعتها السّماء وهطلت دموعها المقدّسة على مياه نظري، واتّحدا، وشعرتُ بأنّ الأمطار تجرف أحزان قلبي، والغبار المغمّس بدم قدميّ. فابتسمتُ بسلام، وأخيراً أتخلّص من أحزاني. وأخيراً دموعي أصبحت صالحة لشيء. وفي خضمّ فرحتي أشعر بأنني أفقد شيئاً من وجهي، وأتلمّسه بخوفٍ لأكتشف بأنّ المطر جرف غمّازة وجهي، طهارتي، فأصرخ للسماء «ومن قال لك أنني أريد أن أتخلى عن براءتي؟ من قال لكِ؟». ولا أحد يجيب وأشعر بأنّ الشمس ترسل شعلةً إلى وجهي ليحترق، فتهطل دموعي لتطفئ النار، ولكن النّار أقوى فتهبّ بقوّة، وإذ بالرياح تقذف على وجهي تراباً يطفئ الشعلة، إلاّ أن النار كانت أقوى، فتتّحد دموعي مع الرياح لتطفئها. وبقيت هكذا لدقائق وأنا في وجعٍ شديد أنتظر مصيري، وعندما انتهت المعركة على وجهي، وخفّت آلامي، تنبّهت أن النار والماء والتراب والهواء، عناصر العالم، موجودة على وجهي.

هكذا إذاً، فلقد قرّر العالم أن يجعلني جزءاً منه بعد أن تبرّأت منه! ولكنّني لا أريد، لم أعد أحتمل! لا أريد أن أتلوّث! لم أعد أملك شيئاً إلاّ طهارتي.. وإذا بي أستيقظ من نومي، فأركض بسرعة إلى مرآتي لأجد غمّازة وجهي، ولكنها فارغة من براءتها وأرى نظرة في عينيّ غريبة لم أشهدها من قبل وأسأل: هل هذه يقظتي، أو انزلاقي في مستنقع هذا العالم؟ لا أعرف، بصدق، لا أعرف...».

 

الفصل السّادس: لا هويّة للحرب

 

نسيت، يا جيمز، أن أخبرك عن اختصاصي في الجامعة. لقد درست علاقات عامّة وبعد أن تخرّجت وتزوّجت، تخصصت في أميركا فيpostcolonial feminism. كلا الاختصاصين ساعدني على أن أفكّك معظم أشكال الحواجز في حياتي، لأنني أعتقد بأنها تشوّه الإنسانيّة.

إن الحواجز تصنع من كلّ طرف "آخر"، والذي يبقى مجهولاً، كلّياً أو جزئياً، لذلك الحدود تعزّز الشّرخ في كلّ المجالات. إستطعت أن أخلّص نفسي من هذه القيود بإيماني بالتسامح، ووحدة الوجود الذي تكلّم عنها الكثيرون من المفكّرين، ولكن لم يرسّخ لي أحد هذه القيمة في روحي أكثر من المتصوّف ابن الرومي. أتخيّل دائماً عندما أكتب بأنني ريشة حرّة، وأن الحبر هو وجع الناس ووجعي. وهكذا في الكتابة يتّحد فكري بفكر الآخرين، ووجعي بوجعهم، ويصبح صوتهم صوتي، وصوتي صوتهم.

للأسف، الحواجز في هذا العصر تتكاثر والحروب، همجيّة البشر، تصبح أكثر بربريّة، فتدمّر الأمم الضعيفة، وتشوّه روح الدول التي تمسك بالقرار السياسي اليوم. عندما كنت ظلّ زوجي السابق، قرأت وتابعت الكثير عن حرب العراق. ألخّصها بكلمة واحدة "وجع" الشعب العراقي وأيضاً لجزء من الشعب الأميركي الذي معظمه يجهل الأسباب الحقيقية لهذه الحرب. لم تستطع يا جيمز أن تخبرني شيئاً عن العراق، وكأنك كنت تخاف أن تفتح جرحاً خطيراً يقتلك، إلاّ أنني في إحدى الليالي وجدت هذه الرسالة التي وقعت من حقيبتك:

«قرّرت أن أقتل نفسي، لأنّ الأشياء لن تتحسّن، وأوضاعي من سيّئ إلى أسوأ، ولم يعد لديّ قدرة للتحمّل. كنتُ أستيقظ كلّ يوم حتى لا تتعذّبوا... لربّما ستحزنون لفترة ولكن تذكّروا بأنّني أقوم بهذا من أجلكم... بعد الآن لن تقلقوا عليّ...

حاولت أن أحيا لسنوات ولكن لم أعد أتحمّل الحياة. أنا لستُ شيئاً هنا. أنا فقط أذهب إلى العمل حتى لا يبلّغ عني. في الحقيقة، أنا غائب منذ زمن بعيد. جسدي أصبح سجناً. أنا أعترف بأنّني شاركت في جرائم ضدّ البشريّة، ولكنّني كنتُ مرغماً على ذلك. ذهبت إلى العراق لأخلص البشرية من المجرمين وإذا بي أتحوّل إلى مجرم من الدرجة الأولى. لقد تخلت حكومتي عني وعن الباقين. لماذا نموت؟ نقتل؟ نعيش هنا؟ من أجل مطامع السياسيّين.

قتلت نفسي لأنّ هذا العالم أفضل من دوني. هذه مهمّتي الأخيرة، وهذا ليس انتحاراً. وهكذا حرّرت نفسي من كلّ شيء: من الكوابيس والآلام والذنوب والاكتئاب والهلوسات. وأخيراً، أنا حرّ. لذلك إفرحوا لي».

مسحتُ دموعي، وعرفت بأنّ هذه الرسالة لأحد أصدقائك. وتذكّرت بأنّني قرأت رسائل كهذه في مجلات، وعلى الانترنت، من جنود أميركيّين قد انتحروا. وإذا بي أشعر بأنك تقف ورائي. نظرت إلى عينيك ولم أقل شيئاً، بل كنت أحاول أن أقرأ وجع عينيك، فدمعت عيناك يا جيمز وقلت لي بصوت خافت: «دايفيد، كان أعزّ صديق لي. وأنا أول من رأى جثّته في غرفته وفي يده هذه الرسالة. لقد انتحر بالسمّ. أعطيت هذه الرسالة لوالده في أميركا ولكنّه عندما قرأها قال لي: أرجوك خذها، دعني على الأقل أعيش في وهمٍ بأنّ إبني مات بطلاً كما أخبرتني حكومتي».

«آسفة، وجدتها على الأرض».

«لا عليك، أنا أتجاهل جرحي منذ زمن بعيد. ولكن أليس التحاقي بالـUN وسيلة لكي أظلّ قريباً من العراق؟ هم لا يريدوننا هناك، وكأنني أتيت أنا، لأكفِّر عن ذنوبٍ قمتُ بها وأنا مرغم.

ذهبت إلى العراق مثل الكثيرين لخدمة بلدي ومساعدة العراقيين على أن يبنوا أمّة متحضّرة، وإذا بامرأة أصبحت حياتي تفتح عيوني على الحقيقة المرّة: وجودنا هناك يدمّر الحضارة العراقيّة، أول حضارة في العالم.

إلتقيت زينب، طبيبة عراقيّة، في المستشفى حين أزالت رصاصة من قدمي، ولكثرة وجعي لم ألحظ جمالها. ولكن بعد يومين بدأ الوجع يخفّ وكانت زينب دائماً تقوم بجولتها على مرضاها، أبهرتني بجمالها الأخّاذ. كانت تختزل الجمال العراقيّ: سمراء، عيناها عسليّتان كبيرتان، وذقنها صغير. لصوتها موسيقى هادئة، مسالمة، وكانت تتكلّم الإنكليزيّة بلهجة بريطانيّة، ولاحقاً عرفت بأنّها تخرّجت من بريطانيا. لم أرَ امرأة عراقيّة بهذا الجمال، فلقد التقيتُ بعراقيّات مترجمات وكُنّ جميلات ولكنّها كانت ساحرة، وبالرغم من لطفها معي كانت حذرة. حاولت أن أحدّثها أكثر من مرّة، إلاّ أنها كانت تتكلّم معي بسرعة وتعتذر لضيق وقتها. لم أستطع ألاّ أفكر بها، وأمام تهرّبها مني، وجدت نفسي أكتب لها: «قرّرت أن أتعلم أبجديّتكم، لربّما أستطيع أن أقول لكِ القليل عن عشقي لك». وعندما أتت وهي مستعجلة كعادتها، أعطيتها رسالتي القصيرة فوضعتها في جيب روبها، وقالت لي: «سأقرأها لاحقاً». وفي اليوم التالي، وأنا أحترق في انتظاري، فاجأتني بأنّها أتت في الصباح وكشفت عن جرحي، ولم لا تنظر إلى وجهي فسألتها: «هل قرأتِ رسالتي؟». فنظرت إليَّ باستهتار وأعطتني ورقة وهمَّت أن تذهب، ففتحتُ الورقة بسرعة لأقرأ: «أبجديّة عشقك لا تصلح معي، ولا داعي لأن تتعلّم لغتنا، لأنني بكلّ أبجديّات العالم أقول لك أنت لا تعني لي شيئاً».

كانت زينب قد وصلت إلى الباب فسألتها: «لماذا تكرهينني؟ هل لأنّني أميركي؟».

«إسمع أنا هنا لأعمل. وإذا كنت تعتقد بأنّ العراقيّات عاهرات فأنت مخطئ».

«أنا لا أعتقد هكذا. أنت حقّاً تعجبينني!».

«إنتهى حديثنا. من الآن يجب أن تعرف بأنّني فقط طبيبتك».

تركت الغرفة وأنا مصدوم من ردّة فعلها. في اليوم التالي أتت في اللّيل ومعها ممرّضة. كان وجهها عابساً ولم تنظر إلى وجهي، فقط كشفت عن جرحي ونظّفته. غضبت جداً من موقفها هذا، فلترفضني ولكن لماذا هذا الكره لي؟

«لم تجيبينني. هل تكرهينني لأنّني أميركي؟». تفاجأت من سؤالي.

«أرجوك، دعني أركِّز على عملي».

«أنت تنظّفين جرحي الجسديّ، وتسمّمين لي روحي بكرهك».

لم تجب، وهذا أغضبني جداً، وعندما انتهت من عملها طلبت من الممرّضة أن تذهب، ونظرت إليّ بغضب:

«إسمع جيّداً، لو كنت مواطناً أميركياً بالتأكيد لن أغضب منك، إلاّ أنك مستعمر أرضي!! أنا أعمل في هذه المستشفى الأميركية فقط لأنني بحاجة إلى المال من أجل أهلي لا أكثر».

«ونحن أتينا لنقدّم الديمقراطيّة، ونقوم بالكثير من الإصلاحات. أنا حقاً أحترمك وأحترم العراق...».

«هل أنتَ مجنون؟ كل هذه الجرائم التي تقترفونها بحقّ شعبي تعكس كذب ما تقوله!».

أغضبتني كثيراً، فأنا حقاً أعرف بهذه الجرائم، ولكن في أيِّ عملٍ نبيل يقوم البعض بأخطاء.. كنت أعرف بأنّ قسماً من العراقيّين كان ضدّ الوجود الأميركي، وكان هذا يزعجني إلا أن كلماتها كانت طعنات في قلبي. لم أتفوّه بكلمة فتأملتني للحظات وتركت الغرفة. وفي اليوم التالي أتى طبيب رجل لمعاينتي، وعرفت بأنّها لا تريد أيّة علاقة بي.

بقيت في المستشفى لمدّة أسبوعين، ولم ألمح فيها زينب. وبعد شهرين أتيت لأزور أحد أصدقائي في المستشفى فلمحتها في مكتبها، وكان الباب مفتوحاً. طرقت الباب ودخلت بسرعة: «صباح الخير».

ردّت عليَّ وهي مصدومة، وكانت عيناها تتأملني بعفويّة، وكنت يومها أرتدي "جينز" وقميصاً أزرق، ولقد اهتممت بشكلي على أمل أن ألتقي بها، فأنا لم أستطع أن أنساها.

«أتيت فقط لأسلِّم عليك كمواطن أميركي، لا مستعمر، إذا سمحت لي». إبتسمت «كمواطن أميركي، أهلاً وسهلاً بك».

«هل أٍستطيع أن أجلس معك لدقائق».

شعرت بأنّها تودّ أن ترفض، ولكنها لم تستطع فأنا كنت مهذّباً جداً معها «حسناً» قالت على مضض.

«لقاؤنا الأخير كان فظيعاً. أرجوك صدّقيني أنا ضدّ كل هذه الجرائم التي تحصل. أرجوك، أريدك أن تصدّقي بأنّني أحترمك كإنسانة، وأنا لستُ مختلفاً عنك، فلقد تربّيت على يد طبيب وأمّي ممرّضة، وكنت أساعد والدي أحياناً. أتيت إلى العراق لأنني اعتقدت بأنني أخدم بلدي».

شعرت بأنّها تصدّقني لأنها لم ترمقني بقسوة كما في الماضي: «أعتقد أنك شخص طيّب، ولقد أخبرتني الممرضات عن لطفك معهنّ، ولكن صداقتنا هنا مستحيلة فأنت تعرف».

«على الأقل نستطيع أن نتكلّم على الهاتف، فأنا أرتاح إليك كثيراً. أرجوكِ». لم أصدِّق بأنّها أعطتني رقم تلفونها الخليوي، فشكرتها وأعطيتها رقمي، وأنا أطير من الفرح. ودّعتها بسرعة وكأنّني كنتُ أريد أن أترك لها انطباعاً بأنّني لن أزعجها كما وعدتها. وبعد هذا اللّقاء تطوّرت صداقتنا، وكنتُ أتصل بها دائماً، وبعد أسبوعين تفاجأت أنها بدأت تتصل. وبعد شهر اتفقنا أن نلتقي في مقهى بقرب المستشفى. ذهبت قبل الموعد بنصف ساعة، لم أكن أتحمّل الانتظار لأن أراها. ولقد دفعت لنادل لكي لا يُجلس أحداً بقرب طاولتنا. عندما دخلت شعرت بأنّ قلبي سيتوقّف. لم أرها بهذا الجمال، فقد كنتُ دائماً أراها بالروب الأبيض. كانت ترتدي الجينز الضّيّق وبلوزة بلون التوتي وعقداً فضّياً. لم أستطع إلاّ أن أقول لها: «جمالك لا يوصف». فابتسمت ولم تجب. كنا قد اتفقنا أن نلتقي لوقت قليل لأن لا القيادة الأميركيّة تحبّذ ذلك ولا أهلها.

طلبنا الشاي العراقي، ويتميّز بطعم القرفة، ولم نتكلّم كثيراً بل كنا نتأمّل بعضنا البعض، ولكنها كانت تتأمّلني سرقة بسبب خجلها. وفجأة انقطعت الكهرباء ولم أستطع إلاّ أن أمسك بيدها. فاجأتني بنعومة بشرتها وأغمضتُ عينيّ وسمعتها تتنفّس بصعوبة. وددتُ لو نبقى هكذا كلّ المساء ولكن بعد دقائق أشعل النادل الشموع، فاضطررتُ أن أتركَ يدها. كان لقاؤنا لا يتعدّى النصف ساعة ولكنني شعرت بأنني عشتُ عمراً.

وفي اللّيل اتصلت بها لأطمئنَّ عنها وقلت لها: «زينب، أنتِ تعني لي الكثير». سكتت وعرفتُ بأنّها تبادلني المشاعر، ولكنها خائفة. فقالت لي بعد دقائق: «هذا خطر، صدّقني».

«أعرف، ولكن هل نستطيع أن نقتل قلوبنا». لم تجب: «زينب، أرجوكِ لا تخافي فأنا معكِ. أتحمّل أيّ شيء إلاّ أن أخسرك». ساد الصمتُ بيننا للحظات ثمّ ودعتني: «أراكَ قريباً». وكان هذا يكفيني لأنني عرفتُ بأنّها مثلي لن تتخلّى عنّا.

في اليوم التالي طلب الضابط رؤيتي. فذهبتُ بسرعة، ولم يكن لديّ أيّة فكرة عمّا يريد مني. إلاّ أنه من دون أية مقدّمات قال لي: «لقد رآك أحدهم البارحة مع دكتورة عراقيّة. إسمع جيّداً: أنت أفضل جندي مدفعيّ ضمن كتيبتي، ولا أريد أن أخسرك. دعني أذكّرك ببعض قوانيننا». وكان يقول هذه الكلمات بغضب وبسرعة: «لا تتسلّى مع النساء العراقيّات لأنّ هذا يؤدّي إلى كره العراقيّين لنا أكثر، ونحن نريد أن نكسب قلوبهم. ويجب أن تعرف بأن هذا لا يضعك بمشكلة معنا فقط بل مع أهلها. بالنسبة لهم الجنس خارج مؤسّسة الزواج محرّم. كما أن مصير الفتاة التي تمارس الجنس مع رجل "غير مؤمن"، وهذا تصنيفهم لك، هو الرشق بالحجارة حتى الموت، وإذا استطاعوا أن يصلوا إليك سيكون هذا مصيرك أيضاً... لذلك إبتعد عنها...».

لم أستطع أن أجيبه بشيء لأنه كان محقّاً، لذلك وعدته بأنني سأبتعد عنها. ولكنني لم أستطع أن أمنع نفسي بأن لا أتصل بها، فما شعرت به تجاه هذه المرأة كان أقوى مني. وبعد فترة بدأت تتفتّح أعيني أكثر على الوضع الحقيقي في العراق، وإذا بأحد أصدقائي يفاجئني بأنّ والده اتصل به ليهنّئه على مقالة كتبها، وأرسلها لإحدى المجلاّت الأميركيّة، عن الجهد الذي نبذله في العراق لتحسين الوضع، وبأنّ العراقيّين يهلّلون لوجودنا في بلدهم، وبأننا نبني لهم أفضل البنى التحتية ونساعدهم في كلّ المجالات. وأكّد صديقي لوالده بأنه لم يرسل أيّة رسالة. ولاحقاً تفاجأت بأن الموضوع تكرّر مع أكثر من صديق، واكتشفنا بأنّ الدولة الأميركية ترسل مقالات بأسماء جنود أميركيّين إلى الجرائد لكي تشعر الأميركيين بأن وضع الجنود في العراق رائع، ولكن هذا كلّه كذب، لأننا كنا نعيش في حالة خوف من أن نقتل ونواجه كره بعض العراقيين لنا.

في البدء لم أشعر بهذا الخوف، ولكن مع الوقت بدأت أعيش تحت وطأة الخوف الدائم، ولاحقاً الذنب، لأنّني قتلتُ أحد العراقيّين بالخطأ، عندما كنّا نسهر في الهواء الطلق داخل المخيّم، فسمعنا أصواتاً تتحرّك بقرب الأشجار، ولقد تهيّأ لي بأنني سمعتُ صوت حيّة، وكان قد قُتل أحد أصدقائي من عقصة حيّة، فأطلقتُ الرصاص باتجاه الصوت وتفاجأتُ بأنّني قتلتُ عراقياً مسلّحاً. رؤية هذا الرجل مغطّى بالدماء أصبح كابوساً لي».

أمسكت بيدك، يا جيمز، ومسحت دموعك، وللحظات لم نتكلّم، ثم قلت لك: وبالتأكيد رسالة صديقك الذي انتحر فتحت عينيك أكثر.

«نعم، كانت صدمة أخرى، وكانت زينب تخبرني الكثير عن اغتصابات جنسيّة بحقّ نساء وأطفال كانت تعالجهم في بيوتهم. وهذا كلّه زاد من غضبي. هل تعرفين: لم أستطع أن أخبرها عن حادثة الرجل العراقي الذي قتلته، فماذا كنت سأقول لها: أنا مجرم، قتل مواطناً عراقياً».

«هل رأيتَ طبيباً نفسيّاً؟».

«لا، لا أريد أن أشفى. فأنا أستحقّ هذه الكوابيس».

«أرجوك، لا تقل ذلك. فأنت رقيق جداً ولا ذنب لك. الحكومة الأميركيّة لا تهتمّ بمصير جنودها النفسي، "فمن لا يُقتل في الحرب يُقتل بعد الحرب". هكذا قال أحد الجنود، وعندما يعود الجنود إلى بيوتهم، تبلّغ القيادة زوجاتهم بأن لا يتفاجأوا بحالتهم الجديدة: قلّة نوم، أو كوابيس، أو سكر. وتؤكّد للزوجة بأن لا تتصل بالقيادة إلاّ إذا استيقظت في الليل لترى سكّينة مصوبة إلى عنقها. حقاً، إن الحكومة الأميركيّة تتخلّى كلّياً عن الجنود وعائلاتهم».

«صحيح، وكنتُ كلّما أعرف أكثر أعدّ الأيام الباقية لي لينتهي عقدي مع الحكومة وأعود إلى بلادي. ولكن وجود زينب كان يخفّف عني الكثير فهي أقوى مني. وكنّا نادراً ما نلتقي لأنّ الوضع كان خطراً، لذلك كُنّا نلتقي مرّة كلّ أسبوعين في شقّة بقرب المستشفى، كانت قد استأجرتها مع صديقتها، وكانت تنام فيها عندما تتأخر في عملها.

وبالتأكيد كنا نلتقي عندما تكون صديقتها في الخدمة. وكنت أفرض على نفسي بأن أكتفي بقبلة أو ضمّة منها، لأنّها كانت متديّنة، لذلك كانت ترفض أيّة علاقة جنسيّة قبل الزواج.

«إذاً، كنتما تلتقيان فقط في الليل».

«نعم».

«لربّما كنت تقول لليل: يا ليت نهاري ليل وليلي ليلٌ آخر».

وضحك جيمز: «نعم، ولكن أنا لا أعرف أن أتكلّم لغتك أيّتها الرقيقة، ولكنني أحببتها كثيراً».

عندما قلت لي كم تحبّها لم أستطع، يا جيمز، إلاّ أن أشعر بالغيرة منها، فأنت رجل يُحبّ كثيراً.

«واتفقنا بأن نتزوج قبل أن ينتهي عقدي بأيّام، وأن آخذها معي إلى أميركا. ولم أمانع أن أتزوّج عند شيخ. أنا لستُ متديّناً، كما أنني أعتقد بأنّني مستعد أن أقوم بأيّ شيء لأكون معها. ولكن على ما يبدو الحياة تكتب قصصنا كما تشاء وليس كما نحن نشاء».

توقفت، يا جيمز، عن إخباري النهاية ولكنّني فهمت أن نهاية قصّتك مع زينب كانت حزينة ومن دون أمل. لكنّني لم أسالك وعرفت بأنك ستخبرني عندما تكون جاهزاً. بعد أن أخبرتني ما لديك أيقظت رغبة لديّ لأكتب مقالة عن بشاعة الاستعمار. وهذا ما كتبته باللّغة الإنكليزية، ولقد نشرته في مجلّتي باللّغتين الإنكليزيّة والعربيّة:

إستعمر الاستعمار السياسي العصور الحديثة. مع أنّ كل الأزمة ضحيّة الحروب وسلب الأوطان، ولكن للاستعمار مميّزات خاصّة. بالتأكيد الدولة الرائدة، والتي أطلقت هذا النوع من الاحتلال، هي بريطانيا في القرن التاسع عشر. ولقد رافق الاستعمار عِلماً سُمّي بالأنثروبولوجيا، علم يدرس الثقافات ويقارنها. والهدف من دراسة الثقافات الأخرى كان تسهيل عمليّة الاستعمار وحماية الجنود الإنكليز. فكانت الدولة البريطانية مثلاً تخطّط دائماً لحروب أهليّة بين الطوائف، فيذبحون بقرة، وهي مقدّسة للهندوس، ويلقون بها في إحدى هياكلهم، ويقذفون بخنزير ميّت في أحد الجوامع، فيزرعون بذور الفتنة بين الهندوس والإسلاميّين. وهكذا قتل المواطنون الهنود بعضهم البعض، وتقسّمت وتشرذمت الهند، مما أضعفها وزاد الدولة المستعمرة قوّة.

كما أن الحضارة شعلة متنقلة من مكان إلى آخر، فعلى ما يبدو أن الاستعمار أصبح شعلة مقدّسة بالنسبة للدول الإمبرياليّة، تنتقل من دولةٍ إلى أخرى. واليوم انتقلت هذه "الشعلة" إلى يد الدولة الأميركيّة التي تستفيد من خبرات الإنكليز في هذا المجال. وتحاول الدولة الأميركيّة بأن تثبت وجودها في العراق بدفع العراقيّين إلى أن يتقاتلوا، وهكذا تكون خسارتها أقلّ لجنودها، كما أنها لن تنسى بأنّ المجزرة التي قامت بها في الفيتنام، ولقد قُتل فيها حوالي 500 فيتنامي، أدت إلى خروجها من فيتنام. لذلك معظم الجنرالات المتقاعدين والذين قاتلوا في فيتنام معارضون للحرب في العراق.

هذا ما نشرته، ولقد استغرب بعض زملائي في المجلّة بأن امرأة غربيّة لديها هذا الموقف تجاه الحكومات الإمبرياليّة، إلا فاطمة التي كانت تعرفني جيّداً تعرف كرهي أيضاً للحروب عامّة، والتي هي خلل هذا العالم، والأسوأ هي الحرب الأهلية، طعنة في ظهر الأمّة. لقد قرأت كثيراً عن الحروب الأهليّة في لبنان. فهي قد قتلت، شوّهت، وغيّرت وجه لبنان إلى الأبد، إذ زرعت حقداً بين الطوائف وحوّلت معظم اللبنانيين إلى آخر. وإذا كان الانزلاق المادي قد أوقع ندى في غربة أبديّة، فلقد نحتت الحرب اللبنانية، والتي بدأت في سنة 1975، على جسدها آثارها الأبديّة.

فعندما أتت إلى لبنان كانت ضائعة، كيف لا؟ لقد باعت روحها في إسبانيا. عطفت كثيراً على والدها، واعتذرت منه على تصرّفاتها الأخيرة، وكان الوالد الطبيب لا يعرف شيئاً عن معاناتها، ولكنه شعر بأنّه حقاً استعاد ابنته، ولم يسألها عن إدوار. وكانت في الليل تجتاحها كوابيس عن ابنتها، فترى نفسها تسلّمها لجوزف ليعطيها هذا الأخير أموالاً في حقيبة. وغالباً ما كانت تستيقظ، وهي مرعوبة ويكدّها العرق. وكانت تشتاق إلى إدوار كثيراً، ولكن لم تتجرأ أن تتصل به. وشعرت بأنها بحاجة إلى نهى، فاتصلت بها واتفقا أن يلتقيا. اشترت لها هديّة ثمينة خاتم ذهب، وادّعت بأنّها اشترته لها من إسبانيا. وكان هذا بمثابة اعتذار لإهمالها صديقتها منذ أن التحقت بالجامعة الأميركيّة. ولقد سامحتها، وعندما سألتها عن إدوار، دمعت عيناها وقالت: «لقد خسرته».

«لن أسألك ماذا حدث، ولكنّني أؤكّد لك أن إدوار طيّب جداً، لذلك لا أعتقد أنك يجب أن تستسلمي».

هزت ندى برأسها وفكرت بأنها لو عرفت نهى عن المشكلة بينهما، بالتأكيد لن تقول هذا. ولكن فكرة أن ترى إدوار لم تفارقها، لذلك قرّرت بعد أسبوعين أن لا تراه، فذهبت بالتاكسي إلى الشقة مكان لقائهما. عندما وصلت إلى البناية كانت خائفة جداً، ومن دون أن تتردّد تسلّقت الدرج ووقفت أمام باب الشقة وهي ترتجف. وفجأة سمعت ضجّة في الداخل، خافت أكثر. ربّما إدوار مع امرأة أخرى، وربّما قد تخلّى عن هذه الشقّة، لا تعرف، ولكنّها مقتنعة بأنّها يجب أن تجازف، فطرقت الباب، وما هي إلاّ لحظات حتى فتح لها إدوار، وتفاجأ. تأمّل وجهها باستغراب. أما هي فلقد صدمها ضعفه والحزن على وجهه.

«هل أستطيع أن أدخل؟». لم يجبها، ولكنه دخل فلحقته، وتأمّلت الشقّة وتذكّرت حياتها معه، فشعرت بغصّة. جلس على الكنبة فجلست على كرسي بعيدة عنه، وهي لا تستطيع أن تقول شيئاً.

«أين الطفلة؟».

«في إسبانيا، ولكن لا أعرف عنها شيئاً. فالأهل الذين تبنّوها غيَّروا إقامتهم حتى لا أعرف عنها شيئاً».

أغمض عينيه ثمّ بكى: «كيف استطعتِ أن تفعلي ذلك؟!».

فكرت: «نعم، كيف استطعت أن أتخلّى عنها؟ أن أبيعها؟».

لم تجبه بل بكت وغطّت وجهها بيديها. مسح دموعه وجلس بقربها وضمّها بشدّة، فأمسكت بيده وقبّلتها وكأنها ترجوه أن يسامحها، ثمّ بعد دقائق قالت له: «أرجوك سامحني، أخطأت كثيراً. أنا أتعذّب، على الأقل أنت لم ترها. أنا أحلم بها يومياً وأحترق. أنا بحاجة إليك، أرجوك، على الأقل، إقبل صداقتي».

تأثّر لحزنها ولضعفها. ضمّها إلى صدره أكثر. «ما عذّبني أكثر، إنك بالرغم من كلّ أذيتك لي، لم أستطع أن أنساك».

لقاؤها بإدوار ردّ جزءاً من روحها، وشعرت بأن الحياة تبتسم لها.

عندما تخرّجت من الجامعة، كانت فرحتها لا توصف. والمفاجأة الكبرى عندما أخبرها إدوار أن والده يؤسّس شركة في لندن، وطلب منه أن يكون المدير. وكان إدوار قد طلب من أمّه بأن تفاتح والده بزواجه، لذلك هذه الأخيرة أقنعت زوجها، وقد أخبرها أيضاً بأنها تستطيع أن تكمل اختصاصها في الطبّ هناك. وكان المخطّط أن يسافرا إلى لندن في الخريف، لكن ومع اندلاع الحرب اللبنانية سنة 1975، وتقسم بيروت بين شرقية وغربية، فقد قرّرا أن يسافرا بأسرع وقت ممكن. وكانت ندى ونهى قد تطوّعتا لمداواة الجرحى في الجامعة الأميركيّة. وكانتا تذهبان في سيّارة نهى، رغم أنّ والد ندى كان يزعجه عملها هناك، لأنّ الوضع كان خطيراً، إلاّ أن ندى كانت تشعر بأنّ هذه رسالتها، فلا تستطيع أن تبقى في البيت والكثيرون بحاجة إليها. وفي إحدى الليالي اتصلوا بها من المستشفى، وذهبت مع نهى بالرغم من اعتراضات والدها. عندما اقتربا من منطقة الحمرا زادت نهى السرعة، لأن صوت القذائف كان مرعباً، وفجأة سمعا صوتاً قوياً ولم تعد ندى تسمع شيئاً.

استيقظت ندى لترى كلّ شيء أبيض، ومغبّشاً فأغمضت عينيها للحظات ثم فتحتهما بصعوبة لترى والدها الذي رآها تستيقظ فقبّل يدها.

«حبيبة قلبي، حمداً لله على سلامتك». ولكنّ ندى لم تكن تستطع أن تتكلّم فهزّت رأسها، وبعد دقائق شعرت بألمٍ فظيع في قدميها فأشارت بصعوبة إليهما، ففهم والدها، ونادى الممرّضة التي وضعت لها مسكّنات في المصل «ستشعر بتحسّن بعد دقائق».

نامت، ثمّ استيقظت بعد ساعتين، واستطاعت أن تتكلّم «أتذكّر بأنّني سمعت صوتاً قوياً كانفجار...».

أمسك والدها بيدها: «نعم، لقد أصيبت السيّارة بقذيفة، ولكن الحمدلله أنت بخير الآن...».

«وماذا عن نهى؟».

«لقد نقلت إلى مستشفى ثانية. إتصل إدوار عدّة مرات، ولكنك كنت نائمة. هو لا يستطيع أن يصل إلى هنا بسبب الوضع الخطير».

«أرجوك عندما يتصل، قل له ألاّ يأتي، فسلامته أهمّ شيء بالنسبة لي».

كانت تشعر بوجعٍ شديد في ظهرها وقدميها عندما كان يخفّ مفعول المسكّنات. طلبت من الممرّضة بأن ترى طبيبها. فعندما أتى قالت له: «لماذا هذا الوجع في منطقة الظهر وقدميّ. أرجوك إشرح لي ماذا يحدث. فأنا طبيبة ويحق لي أن أعرف وضعي الصحّي».

«أنا آسف ولكنّك أصبت بالشلل النّصفي».

أغمضت عينيها. حاول الطبيب أن يخفّف عنها.

«الاتكال على الله».

«إذن لا أمل لديّ».

«أنا لم أقل هذا».

«ولكن أنا أقول ذلك». ولم يجب الطبيب، وغادر غرفتها. دخل والدها إلى الغرفة، وكان يعرف بأنّه لا يستطيع أن يخبّئ عنها وضعها الصحي لفترة طويلة. مسح دموعها: «الله أنقذ حياتك وهو من سيشفيك».

ضحكّت بهستيريا: «تكلّم عن أحد موجود. إذا كان الله موجوداً فقل لي لماذا حدث لي هذا؟ أنا التي وقفت بوجه كلّ الظروف الصعبة وهكذا صديقك يكافئني».

«أرجوكِ يا ابنتي، لا تكفري».

«لماذا؟ هل سيغضب مني؟ أرجوك قل له لم أؤمن به يوماً ولن أؤمن».

عرف والدها بأن لا جدوى من التكلّم معها في هذا الموضوع، فسكت وبكى على حزن ابنته. وبعد يومين سألت عن نهى: «إنها جيّدة». ولكنّها شعرت بأن والدها لا يقول لها الحقيقة. وعندما أتت الممرّضة لتغيّر لها ثيابها خرج والدها، وعندما انتهت طلبت من الممرضة أن تطلب رقم بيت نهى. فنفّذت طلبها.

«ألو».

«ألو ليلى، أنا ندى».

«حبيبتي». وبكت.

«أنا أصبحت جيّدة، أرجوك هدّئي من روعك...».

«الحمدلله. أنا آسفة لم أتصل بك حتى الآن. ولكن خسارة نهى كانت لا تحتمل...».

«ماذا؟ نهى؟ لا.. لا..».

«ألم تعرفي؟ أنا آسفة يا ندى. نعم، فلقد فارقت الحياة في لحظة حصول الانفجار».

شعرت ندى بأنها ستختنق وبأنّ هذا كثير عليها.

«ألو، ندى، أرجوك أجيبيني... أنا لم أعرف... أنا آسفة...».

ولكن ندى كانت تبكي ولم تجبها.

دخل إدوار ووالدها، فأخذ والدها منها السماعة، وتكلّم مع ليلى، بينما ركع إدوار بالقرب من سريرها يقبّلها على كلّ وجهها، ويمسح دموعها بيديه، ويبكي. تركهما والدها، فأغلق إدوار الباب، ووضع رأسه على وسادتها بالقرب من رأسها. فتحت عينيها، وشعرت بأنها أمام صفحة بيضاء ولم تستطع أن تفكر بشيء... نهى ماتت.. أنا مقعدة.. قدري التعاسة.. نعم، لا شيء سيتغيّر. وتذكرت ابنتها: «أنا أدفع الثمن، حقاً هذه لعنة ما فعلت. كان الموت قريباً مني ولم يأخذني.. قدري أن أعاقب، وأنا أموت في الحياة».

لمس إدوار وجهها ولم تقل شيئاً وشعر بأنها تمثال.

«أرجوكِ لا تيأسي.. سنتخطّى كل هذا. أرجوك».

«إدوار، هل تحبّني؟» قالت له بجدّية.

«هل تشكين يا حبيبتي؟».

«إذا كنت تحبّني كثيراً أريد منك أن تتركني».

جلس بقربها: «أنتِ تُحبطين!! لا أصدّق. أنت أقوى امرأة التقيت بها، لا أصدق ما أسمعه».

«إدوار، وضعي صعب. سيُضجرك لاحقاً.. أرجوك».

«لا تقولي هذا. عندما تتحسّنين سنسافر معاً، وستتعالجين هناك، وستكملين اختصاصك. وأنا لا أريد أن تفكّري هكذا. أنتِ تقتلينني يا ندى».

«أنا أبني والحياة تهدم ما بنيته. ألا تفهم؟! هذا هو قدري على الأقل، دعني أخلّصك من قدري».

«سنبني، ونبني، والحياة ستساعدنا. أنت ابنة الحياة. أنتِ امرأة انتظرتها، ووجدتها، ولن أتخلى عنها». وضمّها وقبّلها على جبينها، فشعرت بأنها حقاً لا تستحقّ هذا الرجل.

الفصل السابع: ربّما حبّ

 

لا أعرف، يا جيمز، إذا كنت ستقرأني، ولكنني لا أستطيع أن أتجاهلك وأنا أكتب. كنت أحبّ أن أراقبك عندما كنت تقرأ رسائلي إلى زوجي السابق، لأنني أردت أن أصل إلى الاتحاد الكلّي معك، والطريق إلى اتحادنا هو معرفة آلام الآخر. في إحدى اللّيالي أعطيتك رسالة كتبتها في المراحل الأخيرة معه، فجلست بقربي وقرأت:

قرّرت اليوم أن أنساك.

على غير عادتي، سمحت للشمس أن تدخل غرفتي، وابتسمت لها عندما لامستني، وودعتُ صديقي الوحيد، الألم، ومن دون أن أنتظر لكي أسمع تذمّراته ورفضه بأن أتركه ركضت إلى الخارج، وتنفّستُ الصّعداء. وأخيراً بدأتُ صفحة جديدة في حياتي.

مشيتُ ببطء، ثمّ بسرعة، ثمّ ركضت كالمجنونة، وأنا أشعر بحاجة إلى الصراخ من الفرح. وإذا بي أرى المطعم الكوخ، هيكل لقاءاتنا أعود إلى ذلك الزمن الجميل. من دون أن أفكّر دخلت إلى المطعم، لأجد شاباً وفتاة يجلسان على طاولتنا، يجلسان في هيكل الحب. إنّها أنا في زمن الحبّ.

وينتفض قلبي. يجب أن أخبرها، أخلّصها من تعاستها المحتّمة. بينما كنت أقترب، أوقفني الألم.

«الحب تخلَّى عنك، إلاّ أنه لا يتخلّى عن الجميع» فانهمرت أوجاعي دموعاً، وأنا التي اعتقدتُ بأنني شُفيتُ في لحظة يقظة. فأمسكني ألمي وقبّل دموعي، وهو ينتشي فرحاً لرجوعي إليه، وأخذني إلى بيتي ليقدس توحده معي.

عندما انتهى جيمز تأمّل وجهي، ثمّ لمس خدّي برقّة: «أحببته كثيراً. وتأمّلت كثيراً أن يعود إليك. أليس كذلك؟».

«نعم وفي انتظاري تألّمت كثيراً، وأنا أرى حبّه لي يموت ببطء، ثمّ لاحقاً بدأت أشعر بأنّ حبي له وجع، لذلك يجب أن أتخلّى عن الأمل، أو سأغرق بإحباط وأنا أعتقد بأنّ الإحباط يفقدنا إنسانيّتنا، لذلك أنا لا أُحبط. أرجوك انتظرني قليلاً».

«حسناً».

ذهبت إلى غرفة النوم وارتديت فستاناً طويلاً أزرق جديداً، لا ذكريات له من الماضي، وتأمّلت نفسي في المرآة ورأيتك تراني «جميلة أنت في كلّ الألوان».

دخلت الغرفة وتأمّلت لمسات نظراتك، ولم تقل شيئاً بالكلمات. وضعت موسيقى كلاسيكيّة وقلت لك: «أرجوك، أرقص معي».

وقفت أمامي، وضممتني، وأنت تشمّ رائحة شعري وعنقي: «كيف لي أن أجد الكلمات معك؟ قولي لي!». ضحكت: «بما أنك أضعت كلماتك، دعني أقول كلماتي». صمتنا لدقائق ونحن نرقص، ثمّ قلت برقّة وغنج: «أرجوك أرقص معي.. دعنا ننسَ آلامنا.. لا تخف أن تذوب بي.. دعني أجتاحك كالموسيقى التي تسمعها الآن... لا تخف معي، فأنت بأمان، وأنا من أجل الحبّ مستعدّة أن أصبح وطناً.. ذوبني، فأنا منذ زمن بعيد لم أذب في حضن أحد... لم أرقص لدهور كما كنت أرقص في زمن الحبّ.. إلمسني كما لم ألمس من قبل.. إعشقني كما لم تعشق من قبل. اكتشف قدرتك على الحبّ. أنا امرأة عاديّة جداً، ولكن لديّ قدرة على الحب، لا أعرف من أين مصدرها وكيف تجدّد نفسها، ولكن أرجوك أن تخف عليّ، فربّما لن أستطيع أن أرمّم نفسي أكثر من مرّة، قبِّل شفتيّ فهما في انتظارك.. خذني إلى كلّ الأمكنة واللاّأمكنة... دعنا نصبح معزوفة واحدة تُطرب العالم...».

لن أنسى هذه الليلة، يا جيمز، فأنا نادراً ما أستخدم الكلمات في الحبّ، ولكنّني كنت أريد من كلماتي أن تزرع في قلبك الحبّ الحقيقيّ، حاجتي الأساسيّة في الحياة. ولربّما كان مجد أيضاً يزرع في قلب فاطمة كلمات الحبّ لتقدّم نفسها بخوراً لعشقه. والحبّ واحد في كلّ الأزمنة والأمكنة، وهو الذي يُسقط أقنعة الحواجز بين الثقافات المختلفة.

وهكذا بدأ مجد يضع لها موسيقى كلاسيكيّة تأخذها إلى غير عالم، ويكتب دائماً بقرب عنوان الموسيقى: أهدي إحساسي بهذه الموسيقى إلى أرقّ وأحنّ قلب. وفي إحدى المرّات كتب بالقرب من إحدى الأغنيات:

تجتاحهما الموسيقى ذاتها.. كلٌّ في مكان وزمان مختلف.. يتلامسان في الروح.. يتعانقان.. فتسقط كل حواجز الأزمنة والأمكنة.. ويصبح العالم قلبهما...».

عندما قرأت فاطمة كلماته، قالت: «أحبّك، أحبّك كثيراً».

تمنّت لو استطاعت أن تكتب له «أحبّك». لكن خجلها منعها، وإذا بها تضع أغنية "أكرهك" لكاظم الساهر، وما هي إلاّ دقائق حتى وضعها مجد أيضاً. وهكذا أصبحت "أكرهك" رمز "أحبّك". ودّت لو تتكلّم معه ولكن كيف ذلك، ولقد صرّحت بحبّها له قبل دقائق، لذلك أجّلت حديثها إلى يوم غد. وفي مساء اليوم التالي عندما رأت بأنه online من دون أن تتردّد أرسلت له رسالة:

مرحبا يا صديقي.

أهلاً فاطمة. اشتقت لك. كيف أصبحت؟

أفضل. شكراً لك.

وكالعادة صمتا لدقائق ثمّ كتب لها:

لا أعرف ماذا أفعل يا غالية لتعرفي قيمتك بالنسبة لي.

لا شيء، أصدّقك. أعذرني، فأنا منذ زواجي وأنا أعيش اللاستقرار، وهذا جعلني أشكّ بالآخرين.

أنتِ ملاكي. أحلف بشرفي بأنني لن أؤذيك، ولكن عديني أن تثقي بي.

أعدك. على فكرة، أنت تعرف زوجي، ناجي مرتضى.

حقاً؟

نعم، وهو من طلب مني أن أرسل إليك طلب دعوة».

ناجي زوجك؟

نعم، لقد قلت لك بأنه رجل صالح، ولكنّه مجحف بحقّ نفسه. ولم يحبّني يوماً، إلاّ أنه رائع مع النساء الأخريات.

يا إلهي، ما هذه الصدفة؟ لقد كنّا نرى بعضنا كثيراً. وكان هنالك مشروع أريد أن أقوم به ولقد طلبت منه أن يديره، إلاّ أنه كان يريد أن يأتي إلى لبنان».

صحيح. هو أخبرني بذلك، وكان ذلك قبل أن نتزوّج.

حتى ولو كان صديقي. أريدك أن تكوني كما وعدتني قويّة. وأن لا تجعليه يقرّر عنك. فأنت امرأة مميّزة ضحّت كثيراً من أجل أولادها، لكن أرجوكِ لا تلغي نفسك.

حسناً أعدك.

لم يتكلّما لدقائق. وضع لها "أكرهك" ابتسمت وقالت بصوت رقيق: «أنا أيضاً يا مجد أحبّك».

ووضعت "أكرهك" ثم أطفأت الكمبيوتر. دقّ الجرس فعرفت بأنّها جارتها التي قالت لها في الصباح بأنّها ستزورها، ولكنّها لم تفتح لها. كانت مخدّرة من الشعور، ولا تريد أن تتكلّم مع أحد.

«غداً أقول لها بأنني لم أسمع طرقات الباب لأنني كنت أستحم بعد أن نام أولادي».

وبعد شهر أرسل لها رسالة يطلب رقمها، جنَّ جنونها، فأرسلت له: «لا، دع هذه العلاقة هكذا، أرجوك». ما هي إلاّ دقائق حتى أصبح online وكتب لها: «أحتاج إليك في موضوع مهم، أرجوك، ثقي بي».

فكرت مليّاً، هي حقاً تحبّ أن تسمع صوته ولكنّها تخاف.

ولكن بالرغم من كل تردّدها أرسلت له رقمها.

«أرجوك لا تتصل اليوم، فأنا أنتظر ضيوفاً».

«حسناً غداً بعد الظهر».

«نعم، أفضل».

وفي اليوم التالي كانت خائفة جداً: «هل أنا على مشارف الخيانة الزوجية؟ هل سيورّطني هذا الرجل؟ أخاف منه، أو أخاف من نفسي؟ لا أعرف. ولكنه بعيد. لا يجب أن أخاف!».

وبعد الظهر، لم تكن تريد أن تبقى في البيت حتى تستطيع أن تتكلّم معه على انفراد، فقرّرت أن تذهب إلى البحر، وقالت لعائلتها بأنها ستزور إحدى صديقاتها. كانت متوجّهة إلى البحر عندما رنّ هاتفها، فشعرت بأنّ قلبها سيتوقّف، ولكن كان المتصل أخاها الكبير علي: «أرجوك، يجب أن تأتي الآن، المحامي عندي في البيت ونادي (أخاها الصغير) سيأتي الآن لنتكلم بموضوع الورثة».

عرفت بأنها لا تستطيع أن ترفض، وقالت لنفسها: «الآن! الآن، يا إلهي ما أنحسني».

وعندما كانت في بيت أخيها بالقرب من صخرة الروشة، اتصل بها: «يا إلهي رقم خارجيّ». فأغلقت الخطّ وكتبت له رسالة: «إتصل بي بعد ساعة».

لم يتفق الجميع على عددٍ من المسائل، قالت فاطمة بعد ساعة: «يبدو أن الموضوع مطوّل.. أنا مضطرّة أن أذهب. سأتصل غداً».

وتوجّهت بسرعة إلى سيارتها وانطلقت بسرعة. وما هي إلاّ دقائق حتى رنّ هاتفها "رقم خارجي". وكان بدأ الليل يسدل ستارته، فأوقفت السيّارة بجانب الطريق وأخذت نفساً عميقاً وأجابت: «ألو».

«ألو، كيفك يا فاطمة».

«أنا منيحة، شكراً لك. وأنت؟».

«صرت منيح». لم تجب وشعرت بخجل: «يا إلهي، ما هذا الصوت الرجوليّ؟!».

«لماذا سكتِّ يا ملاكي. أرجوك باركي أذنيّ بصوتك».

«أعتذر، أنا خجولة».

وضحك: «الخجل يزيد من رقّة صوتك».

«كيف تريديني أن أتكلّم، وأنت في كلماتك هذه تزيد من خجلي؟».

«سأصمت لساعات وأنتِ تكلّمي يا غالية».

وضحكت، كانت قد أحبّت خفّة دمّه التي خفّفت الكثير من خجلها، وهكذا تكلّما معاً لمدة نصف ساعة بأمور عاديّة.

وكان يتغزّل بها فتصمت، فقال لها وهو يضحك«بصمتك تقولين لي أكثر بكثير من كلماتك الخجولة»، فضحكت وصمتت، فقال مازحاً: «أرأيت!». فضحكت. فجأة انتبهت بأنها يجب أن تذهب إلى البيت، فقد تأخّر الوقت: «أنا آسفة، يجب أن أذهب، كما أنني أقف بجانب الطريق».

«آسفة، لم أشبع منكَ، ولكن هذه الحياة مستبدّة. لقد نسيت أن تخبرني عن طلبك».

«طلبي، كان أن أسمع صوتك لأحيا». فصمتت كالعادة.

«إنتبهي لنفسك، وسنتكلّم معاً لاحقاً».

«حسناً». تمنّت لو استطاعت أن تقول له: «أكرهك». ولكن خجلها منعها.

عادت إلى البيت، وهي تمنع نفسها من أن تضحك أمام أولادها. وزوجها كالعادة لم يكن في المنزل. وعندما نام الجميع، دخلت إلى الفيسبوك لترى بأنّ مجداً كتب على صفحته: «يا أيّها الحلم، أحببتك كتابة، خيالاً، صمتاً، موسيقى، فكيف لي أن أصدّق بأنني لمست صوتك؟!».

وضعت: «أكرهك».. وقالت لنفسها: «أدمنت صوت هذا الرجل. لم أتصوّر بأنّني سأستطيع أن أتكلّم معه. إنه رقيق ومهضوم وذكيّ.. وهكذا أصبح مجد يتّصل بها مرّة في الأسبوع، وكان كل اتصال يُحييها. لاحظت أنّ أحد أصدقائه، ويُدعى حسن، يضع "لايك" على كلّ ما يكتب مجد ويكتب تعليقات ساخرة. فعندما كتب لها مجد على صفحته:

«يا أرقّ نسمة ربيعيّة

أتنفّسك وأعيشك كلّ يوم».

علّق له حسن: «محظوظة هذه النسمة».

لم يجب مجد وحتى لم يضع "لايك" إلاّ أنها لم تكن المرّة الأولى التي يعلّق فيها هذا الرجل هكذا، ومجد لا يرد عليه، فغضبت فاطمة كثيراً، وأرسلت له: «ماذا يعرف هذا حسن عنا؟ ماذا أخبرته؟

وما هي إلاّ لحظات حتى أجاب: «بالتأكيد لا شيء. كيف تستطيعين أن تتهميني هكذا يا ملاكي؟».

«أرجوك مجد، أنا فعلاً غاضبة... لماذا لم تجب عليه؟».

«عندئذٍ سيشكّ أكثر بأنني أكتب لامرأة معيّنة. أرجوك يا فاطمة، ما بكِ؟ لماذا حساسيّتك الزائدة؟ أرجوك. تخلّصي منها. إنها تؤذيك وتؤذيني؟».

«هل تعرف؟ في الفترة الأخيرة تعبت. إعتبر صداقتنا انتهت».

وقبل أن يجيب وضعت له "بلوك". حاول الاتصال بها ولكنّها لم تجب لأيام عديدة، ثم غرقت في الحزن: «هذا ليس حبّاً، كيف لها أن تثق به؟».

وبعد أيام تزورها صديقتها سمانتا التي تفاجأت بالخبر: «يا إلهي، هذا رجل شهم، لم يخطئ معك بشيء. وهل حافظت عليه؟ بالتأكيد لا».

«أرجوكِ كفى. أنا أشتاق له كثيراً، ولكنّني أصبحت في الآونة الأخيرة أعيش في الوهم. حتى إنّني لا أهتم أحياناً بمشاكلي اليوميّة، بل فقط أنتظر ماذا سيكتب لي وماذا سأردّ، وربّما هو يكتب لي ولأخريات؟ ما أدراكِ؟».

«لا أعتقد. قرأت صفحته. هذا رجل صادق. أنت يا فاطمة بحاجة إلى حلم على الأقل، وفي الفترة الأخيرة أصبحت أقوى وأجمل...».

«أرجوك كفى، لكلّ شيء نهاية. وهل تعتقدين بأنه سيكتفي إلى الأبد بعلاقة أفلاطونيّة؟ بالتأكيد لا».

وبعد شهر فاجأها زوجها بأنّ صديقه مجد سيأتي غداً إلى لبنان، وسيزورهم بعد يومين.

«لقد دعوته إلى الغداء مع زوجته، فلقد كان رائعاً معي في المكسيك».

كانت فاطمة في الفترة الأخيرة قد أهملت نفسها لذلك ذهبت وصبغت شعرها وحضّرت أطيب المأكولات. وحضرت فستاناً أبيضاً يليق ببشرتها البرونزيّة. وفي اليوم المحدّد، استيقظت وهي متحمّسة وخائفة في الوقت نفسه. «ولكن ماذا إذا لم أستطع أن أخفي خوفي. يا إلهي، ساعدني».

كانت منذ شهر لم تدخل إلى الفيسبوك لتخلّص نفسها من الأوهام، لكنها لم تستطع اليوم إلاّ أن تدخل إلى صفحته، فتفاجأت عندما اكتشفت بأنه لم يكتب شيئاً لمدّة شهر. عند الظهر، توقفت سيارة جاكوار فاخرة، فتوقّف قلبها عندما رأت مجد وزوجته من الشباك. استقبلهما زوجها لأنها كانت في المطبخ، وبعد دقائق دخلت فاطمة وسلّمت على زوجته زينب بحرارة، وشعرت بأنّ نظرات مجد ستحرقها. سلّمت عليه فثبّت عينيه في عينيها، وقرأت عتبه واشتياقه، وشدّ على يدها. وبعد دقائق أتت صديقتها سمانتا اللتي كانت قد دعتها فاطمة. كان الكلّ يتكلّم، وفاطمة تراقب مجد بسرّية: عيناه العميقتان، نظراته الرقيقة، ابتسامته الرجوليّة والحنونة في الوقت نفسه. إذاً الرجل الوهميّ حقيقة! وإنها لا تتوهم بأنها تحبّه، أو تحبّ كلماته فقط، بل هي حقاً تحبّه...

ثمّ جلسوا جميعاً على طاولة الطعام، حيث جلست فاطمة بمقابل مجد وبالقرب من زوجها. أمّا زوجته فلقد جلست بقربه، وكان عدم التقارب الروحي والفكري بينه وبين زوجته واضحاً. وجلست سمانتا تراقب المشهد وتبتسم: "الكيمياء بينهما واضح والنفور بين الأزواج أيضاً جليّ».

تكلّموا بالكثير من المواضيع الفنّية والثقافيّة، إلاّ زوجته التي كان حبّها للمظاهر واضحاً جداً. وإذا بناجي يسأل مجد: هل جلبت الناي؟ فلقد اشتقت لعزفك».

«نعم، إنه في السيارة». وذهب ليجلبه من السيارة وإذا بزينب تقول بسخرية فاجأت الجميع: «هذا الناي يذكرني براعي الغنم في الضيعة، وكل يوم مجد يصرع رأسي بهذه الموسيقى. الحقّ على ناجي ذكّره به».

لم يجب أحد فسكتت. جلس مجد على الكرسي، وأخذ نفساً عميقاً، وأغمض عينيه وبدأ يعزف "أعطني النّاي وغنِّي". كان إحساسه رائعاً وكانت فاطمة تحبس دموعها. وعندما انتهى صفّقوا له جميعاً إلاّ زوجته. كان الطعام رائعاً والكلُّ شكرها، ولكن مجد كان يعبّر عن إعجابه بكلّ طبق يتذوّقه، كأنّه لم يستطع أن يعبّر عن إعجابه بها وبأنوثتها فعبّر عن إعجابه بأطباقها. وكانت تبتسم له بخجل.

وعندما انتهوا من الطعام كانت زوجته تدخّن الأركيلة، أما فاطمة وصديقتها فكانتا تنقلان الأطباق إلى المطبخ. انتبهت زوجته أنّها يجب أن تساعدهما فتركت الأركيلة وقامت لتساعدهما فقال لها مجد: «أرجوك، إرتاحي، أنا سأساعدهما».

أخذ بعض الأطباق ولحق بفاطمة التي شعرت بأنّه يمشي خلفها مباشرة فخافت، ونظرت إليه وقالت له: «أرجوك، إرتاح، لا عليك».

فوقفا للحظات بالقرب من باب المطبخ، ونظر إليها بعمق وغمزها، فخافت أكثر ومشت بسرعة إلى المطبخ. للأسف كان لهذا اللقاء نهاية. في الساعة الخامسة رافق الجميع مجداً وزوجته إلى السيارة، وكانت فاطمة لا تتجرأ أن تنظر إليه. شعرت بأنها مخدرة. وعندما جلست مع صديقتها شاركتها صديقتها إعجابها به: «حقاً رائع، اختصار للرجل الشهم والراقي. أما هي، فعكسه في كلّ شيء». في الليل أرسل لها دعوة على الفيسبوك وقبلتها.

واتصل بها بعد يومين من رقم لبناني، وكانت قد اشتاقت له: «اشتقت لك... أنت أجمل من الصور.. وراقية جداً.. وطعامك لا يفوّت».

ضحكت: «شكراً، وأنت أرقى ممّا تصوّرت».

«دعينا نجتمع في مقهى. أرجوك...».

خافت: «لا، لا أستطيع».

حاول إقناعها، ولكنها رفضت. خافت أن تتطوّر العلاقة إلى علاقة جسديّة. وبصوتٍ حزين: «أوكي شكراً على كل شيء نتكلّم لاحقاً».

خافت فاطمة بأنها النهاية. وكانت تتوقع بأنه لن يرضى إلى الأبد بعلاقة الكلمات هذه.

«وبالتأكيد هو يجتمع بفتيات أصغر مني. لا تعرف لماذا شعرت بأنها تريد أن تبرّر نفسها». فكتبت على صفحتها:

«في الأحلام لمساتك تقدسني.

قبلاتك تجعلني أكثر حظاً بين النساء.

ولكن، في الواقع، لمساتك وقبلاتك ستلوّثني، وستحرمني من أمومتي! يا إلهي كم أنا أحبّك في أحلامي!».

كانت فاطمة تخاف من أن تفقد أولادها إذا تطوّرت علاقتها مع مجد، وهي امرأة متديّنة، لذلك ترفض أيّة علاقة جنسيّة خارج المؤسسة الزوجيّة.

لم يكتب شيئاً لمدة أسبوعين مع أنه شيّك الفيسبوك، فعرفت أنها النهاية، فكتبت:

 

رحلتي مع الألم:

«ركبت قطار الألم منذ وقت طويل. وكانت رحلتي متعبة وزاخرة بالأوجاع. أمّا علاقتي مع هذه الرحلة، فقد تطوّرت مع الأيام: في البدء، كنت أشفق على نفسي، وفي بعض المراحل كنت ألوم من فرض عليّ الألم. أما الآن، فأنا لا أشفق على نفسي ولا ألوم أحداً. أنا في حالة سكون وهدوء لم أعرفهما من قبل. أشاهد آلامي، وكأنها مسرح وهميّ ليست لي. هل خدّرتني أيّها الألم؟ أو أنا من أغرقتك في داخلي، ولا أعرف متى ستنفجر ينبوعاً من الأوجاع، فتقضي عليّ.. لا أعرف.. لا أعرف».

لم تنم تلك الليلة... هذه هي النهاية!! وفي الصباح قرأت عند مجد:

«امرأة جميلة، بكلّ ما للجمال من معنى، تسكنني،

تهبني أحلاماً لم أحلم بها من قبل.

اجتاحت الحاضر، والماضي، والمستقبل.

بعثرتني، فأوجدتني،

ولكن خوفها مني يجتاحني، فيحزنني.

أنا لك يا حبيبتي، كلني لك، متى ستعرفين؟».

بكت، ثم مسحت دموعها، ولمست كلماته بأصابع ترتجف، وأغمضت عينها: «أتركني أيّها الشك، دعني أعش على الأقل في أحلامي».

فتحت صفحتها وكتبت:

«جعلت المستحيل ممكناً.

حولت أوجاعي إلى أفراح.

زرعت حياتي حبّاً،

ولكن أنا من سيقتل خوفي!!».

وضع لها لايك. شعرت بأنها بحاجة إلى أن تتكلّم معه. وعندما بدأت تكتب له رسالة إنقطعت الكهرباء: «الآن.. الآن».

عند الظهر تلقّت رسالة منه: «اشتقت لك كثيراً، ولكنني لم أملك الكثير من الوقت في لبنان للفيسبوك... إنتبهي لنفسك يا ملاكي».

ابتسمت: «شكوكي مرعبة، أعدك يا مجد، سأتغيّر، أعدك!».

وبعد أسبوعين كان عيد ميلادها. لم يتذكر زوجها كالعادة، ولكن أولادها قدّموا لها هديّة، قارورة عطر. اتصلت بها صديقتها سمانتا: «أرجوك، أرجوك أن تأتي إلى بيتي الساعة الخامسة بعد الظهر».

«هل أنت بخير؟».

«نعم، ولكنني بحاجة إليك، أرجوك».

«حسنا، مع أنني قلقة عليكِ».

«لا تخافي. سأراك».

الساعة الخامسة كانت أمام بيت صديقتها. قرعت الجرس، وما هي إلاّ لحظات حتى فتحت لها صديقتها الباب، وعندما دخلت إلى الصالون تفاجأت بالورود الحمراء على الطاولة، وقالب الكاتو مكتوب عليه: «أكرهك».

لم تستطع أن تتكلم بل وقفت وهي متفاجئة.

«كل عام وأنت بخير».

«لا أفهم».

«اتصل مجد وأرسل مالاً في الأسبوع الماضي». وكان قد تكلّم مع صديقتها على الفيسبوك.

«الهدية الكبرى بعد قليل...».

وما هي إلاّ لحظات حتى رنّ التلفون. اقتربت صديقتها من التلفون فرأت رقم مجد: «هذا الاتصال لكِ».

«لي !؟».

«مرحبا يا غالية، كل عام وأنتِ بخير».

«شكرا لك». ودمعت عيناها.

«هديتك هي موسيقى كتبتها لك واسمها "ملاكي"».

وقبل أن تجيب بدأ يعزف مجد، فأغمضت عينيها، وشعرت بأنّ موسيقاه تجتاحها. وعندما انتهى لم تستطع أن تتكلّم.

«هل أعجبتك؟».

«ماذا؟».

ضحك: «أين أصبحت؟».

قالت بصوت ضعيف: «في موسيقاك، في عالمك».

وصمتت: «مرحبا فاطمة.. أنا سعيد لأنها أعجبتك. فأنا أعرفك عن غيب..». لم تستطع أن تضحك معه.

«لا أعرف ماذا أقول لك؟ كيف أشكرك؟ لا أعرف.».

«فقط كوني سعيدة. وها أن أقبّل الناي لأنّه قدّم لك بعضاً من السعادة».

قالت له بطريقة طفوليّة: «قل له إنّ ما قدّمه لي مع صاحبه لم يقدّمه لي أحدٌ من قبل» وبكت.

«أرجوك، لا تبكي».

«لم أتعوّد أن يعاملني أحد بهذه الرقّة. أكرهك».

«أكرهك».

 

الفصل الثامن: لست الآخر

 

"إبني المقعد يحبّ القطط كثيراً. في عطلة عيد الميلاد كان لديه عمليّة لوركه. وبعد أن قضيت معه عشرين يوماً في المستشفى، عدت متعبة جداً. وكان ابني جورج أقوى منّي مع أنه في العاشرة من عمره، فهو دائماً يؤكّد لي بأنه يتحسن، لذلك لا داعي لأن أقلق. وفي الليل، طرقت الجارة على الباب، فتحت لها لأتفاجأ بصراخها لأنها لم تعد تتحمّل القطط في البناية. حاولت أن أهدّئها، إلاّ أنها لم تسمعني بل خرجت وأغلقت الباب بقوّة. في اليوم التالي نزلت كي أشتري بعض حاجاتنا من الدكان، وإذا بي أكتشف أن أحداً قتل القطط، وقذفها بجانب برميل النّفايات وعرفت المجرم والمجرمة. ذهبت إلى زوجها الذي يملك محل نجارة بقرب بيتنا، وعاتبته: "أولادك يذهبون إلى المسبح وإلى حفلات عيد الميلاد، أمّا إبني فلا يستطيع، لذلك إنه يتسلّى كثيراً بقططه ويحبّها. كيف استطعت أن تقتلها؟ صمت وقال ببرودة: "أنا أسف، ولكن زوجتي كانت ستصاب بالجنون بسبب القطط". لم أجبه، بل نظرت إليه بغضب وخرجت، وأنا أقول بصمت: "لست إنساناً". هذا ما أخبرتني به إحدى أمّهات المقعدين اللواتي قابلتهن في منتدى المقعدين في جونيه. ولقد أخذت إذناً من ندى، وهي المديرة، بأن أجري هذه المقابلات التي ستساعدني في كتابة مقالة عن وضع المقعدين في لبنان. ولقد فاجأني إهمال المجتمع هذه الفئة وجهله لحاجاتهم.

عندما وصلت إلى المنتدى، كانت ندى بانتظاري: "تعالي لإريك المنتدى".

"هذه قاعة المحاضرات، ولقد تبرّعت بها مؤسّسة سويديّة".

ثمّ أدخلتني إلى الغرفة، حيث يتلقى المقعدون العلاج الفيزيائي. "كلّ الأعضاء هنا يتلقّون الجلسات بسعر رمزيّ". ثمّ أخذتني إلى قاعة، حيث يصنع المقعدون الشمع "حاولنا أن نجد لمعظم المقعدين عملاً، ولكننا نجد صعوبة في ذلك، فمعظم الشركات ترفض أن توظّفهم، مع أن القانون اللبناني يفرض على كل شركة بأن توظف بنسبة 5% من ذوي الحاجات الخاصّة".

"يا ندى، أنا لا أعرف لماذا كل هذا الإهمال؟ فأنت عشت في بلدٍ غربي، حيث يتمتع المقعد بكلّ حقوقه فما أراه هنا هو الإجحاف بحقّ هذه الفئة".

"نعم، إنتظري لكي تقابلي الأعضاء. حقاً ستصدمك المعاناة".

وفي اللّيل اجتاحتني أصواتهم: "لقد قدّم لي هذه الكرسي الكهربائيّة أحد أصدقائي (وقيمتها 15000 $). فالحادث جعلني أكتشف أصدقائي الحقيقيّين. ولكن المجتمع بشكلٍ عام لا يهتمّ لقضايانا أو لأمورنا الصغيرة. فتخيّلي يعلق أحياناً دولاب كرسيّي على الرصيف، ولكن نادراً ما يساعدني أحد من المارّة...".

"أبشع كلمة يقولنا لنا المجتمع "حرام"، وهي كلمة محرّمة في المنتدى...".

"سألتني إحدى النّساء: لماذا أخطأتِ حتى عاقبك الله هكذا؟".

"حياتي لوحة سوداء يوجد فيها نقطة بيضاء أركّز عليها... لا أستطيع أن أزيح نظري عنها لأنّني سأغرق في الظّلام...".

"أنا أجلس على كرسي، ولكنّ المجتمع جعلها صليبي بشفقته وجهله لي...".

"لا أريد بعد اليوم أن أبدأ بأيّة علاقة عاطفيّة مع أيّة امرأة. فأنا أعرف النهاية، لأنني لا أستطيع أن أفتح بيت. كما أن الأهل دائماً يرفضون فكرة زواج ابنتهم من رجل مقعد!".

"أحاول أن أعيش حياة عادية، ولكن حتى أصدقائي، ومن دون أن يقصدوا، يحولون دون ذلك. ذهبت لتعزية صديقتي عندما توفي والدها، ولما رأتني قالت لي: "لماذا تعذّبتِ؟ لا داعي!".

في صباح اليوم التالي طلبت من فاطمة أن تأتي إلى مكتبي، وسألتها عن المقابلات التي طلبت منها أن تجربها لتكشف عن نظرة المجتمع اللّبناني إلى المقعد، فقرأت لي أهم ما قيل لها:

"إنّ لديهم مدارسهم الخاصّة، والدولة اللبنانيّة تتكفل بعلاجهم". توقّفت فاطمة ثمّ قالت: "بالتأكيد هذه المعلومات خاطئة، فأنت قد أخبرتني أنّ قسماً كبيراً منهم لم يكمل دراسته بسبب وجود الأدراج في المدرسة".

"لا يستطيعون أن يكوّنوا عائلة، أو أن تكون لهم علاقات عاطفية". ضحكت سارة وقالت: "أحدهم يسمي نفسه عصفوراً طيّاراً.. وبعضهم من الأغنياء".

"الله يعاقب المقعد بإعاقته أحياناً، ويعاقب الأهل بأولادهم".

"هذا أقسى ما سمعته يا فاطمة".

"نعم، فالله محبّة وليس عقاباً. قال لي أحدهم: لا يوجد لهم ممرّات على الطرقات والجامعات والمطاعم، وهذا ما يبعدهم عنا. أنا أملك مطعماً، عندما أصبح صديقي مقعداً، اهتممت بهذه المسألة، لذلك بنيت هذا الممرّ ليستطيع صديقي أن يأتي إلى مطعمي".

قالت سارة: "هذا ما قالته لي ندى بأنّ المشكلة الأساسيّة أن المجتمع يجهلهم، وواجب المنتدى الأول هو أن يعرّف المجتمع بهم، لذلك ينظم الكثير من المحاضرات في المدارس عن المقعد".

"بعضهم لم يصدّق بأن المقعد يستطيع أن يقود سيّارة".

"معطيات جيّدة يا فاطمة. قرّرت أن تكتبي أنت المقالة لأنني أريد من صحافيّة لبنانية تقول للبنانيين بأنّ هؤلاء ليسوا آخر. أرجوك إبدأي مقالتك بأنهم كانوا آخر قبل أن تتردّدي إلى المنتدى، وكيف تغيّرت نظرتك.

"نعم، أوافقك هذه الدعوة للآخرين بأنّ يحاولوا معرفتهم، وأن يتقبّلوهم كأفراد في المجتمع".

وبعد أسبوع سلّمتني فاطمة المقالة، وأحببتها كثيراً، وهذا ما جاء فيها:

عندما بدأت زيارتي إلى منتدى المقعدين كنت كالآخرين، لا أعرف شيئاً عنهم، لذلك كانوا "آخر" بالنسبة لي كما للمجتمع. أعتقد أن مجتمعنا محترف بتحويل الكثير من الفئات الاجتماعيّة إلى "آخر". فكلّ طائفة هي آخر بالنسبة للطوائف الأخرى وكل حزب هو "آخر" للأحزاب الأخرى. تحويل أيّ فئة إلى آخر تترافق مع بناء حواجز متينة بين الفئات، وبالتالي هذا يؤسّس إلى الخوف والجهل من الآخر لذلك يُهمّش. بالنسبة للمقعدين، فإنّ مجتمعنا قد همّشهم عن مدارسنا ومطاعمنا وجامعاتنا... حتى يتغاضى عن تقديم حقوقهم الإنسانيّة لهم...

بعد معرفتي بهم أزيل الغطاء عن هذه الفئة، ومن دون أن أعي بدأت أقارن بينهم وبين المجتمع ككلّ. في "مجتمعنا"، الغنيّ يتكبّر على الفقير ويسخر من مطالبه، أما في مجتمع المنتدى، الأغنياء يساعدون الفقراء. هم يفهمون المجتمع، ولكن المجتمع يجهلهم. عندما أخبرتني إحدى المقعدات عن نظرة الشفقة من المجتمع تجاهها استفزّني الموضوع، وقلت لها: "جهلاء وأغبياء." فابتسمت بسلام وقالت لي: "لا أوافقك، فهم لا يعرفوننا، وواجبنا اليوم أن نعرّفهم بنا".

في مجتمعنا المريض، معظم الرجال بطريركيّين ولا يقدّرون تضحيات زوجاتهم. "إمرأتي هي كلّ شيء في حياتي، وهي مخلّصي". قال لي أحد المقعدين والذي تكبره زوجته بأكثر من 15 سنة. في مجتمعنا، لا نخبر أحداً عن حياتنا الشخصيّة لكي لا نحاكم بقسوة، أمّا هم، فلا حواجز بينهم، والكلّ يعرف بمشاكل بعضهم البعض، وهم يد واحدة. وهكذا مع زياراتي المتكرّرة أصبح هؤلاء بالنسبة لي "نحن".

بالرغم من أنني أحببت كثيراً مقالتها، إلاّ أنني أعتقد بأنها تناست نقطة مهمة، وهي أن الكثيرين منهم بعد إصابتهم بإعاقة ما اختبروا يقظة إنسانيّة وروحيّة ويذكرني هذا بما قالته الكاتبة هيلين كيلير، وكانت عمياء وصمّاء: "أشكرك يا ربّ على إعاقاتي، لأنني من خلالها، وجدت نفسي، هدفي في الحياة، وإلهي". وهذا ما حصل مع ندى التي تغيّرت بعد إصابتها، وحتى حبّها لإدوار أصبح أقوى.

زاد حبّ إدوار لها، وكان معجباً كيف رمّمت حزنها بسرعة ومن دون مساعدة طبيب نفسي. حقاً كانت ندى أقوى امرأة التقى بها في حياته. وبعد أربعة أشهر سافرا إلى لندن كما اتفقا، إلا أنها عارضت أن تتزوّجه قبل السفر لأنّها ضمنياً كانت تريد أن تتأكّد أن إدوار متقبل لوضعها الجديد. ولم تكن تريد أن تتزوّج الآن احتراماً لأهل نهى. احترم إدوار رغبتها، وفي لندن تأكدت بأنه لا أمل لها بالشفاء لذلك عرفت بأن الكرسي قدرها. ومرّة سمعت إدوار يتكلّم على الهاتف مع أمّه، وهو يخفض صوته: "نعم، نعم، أحبّها كثيراً، ولكنّني متضايق من نفسي لأنني غير واثق بأنني سأتقبّل وضعها الجديد، وهذا يشعرني بالذنب يا أمّي. ولكنني لا أستطيع أن أتخلّى عنها.. لا أستطيع...".

شعرت ندى بالاختناق وذهبت إلى البلكون بسرعة حتى لا يكتشف بأنها سمعته. وقرّرت بأن تتركه بعد يومين من دون أن تقول له ما سمعته، فعلى الأقلّ هو رجل شهم ويحاول أن يتقبّل وضعها الجديد. وعندما فاتحته بالموضوع لاحقاً جُنَّ جنونه: "لن أتركك، أنا أحترم كبرياءك ولكن لا، الأمر محسوم عندي".

"ولكنني بحاجة لأن أكون لوحدي لأعيد ترتيب حياتي. أرجوك أنا لم أحب في حياتي إلاّ أنت، ولكن أعطني الوقت. ستأتي صديقة لبنانية لتعيش معي بعد أسبوعين".

"ماذا؟ أخذت القرار! هل ستتخلّين عنّي بهذه البساطة؟ ماذا فعلت؟ أرجوك يا ندى". ركع أمامها ودمعت عيناه.

مسحت دموعه: "أنا لست أنا، أنا لا أعرف نفسي الجديدة. أعطني الوقت أرجوك. وأنا آسفة لكلّ ما سببته لك".

بعد دقائق نظر إليها: "سأتركك لفترة، ولكن أرجوك أن تتعوّدي أسرع على ذاتك الجديدة. وإذا احتجت إلى أيّ شيء فأنا معك، تذكّري".

"بالتأكيد". وكانت ندى قد حصلت على منحة لتختصّ في طبّ الأطفال. ولقد اختارت هذا الاختصاص لأنه يذكّرها بابنتها التي لا تعرف إذا كانت ستلتقي بها يوماً.

وبدأت ندى تتهرّب من إدوار عن قصد لأنها تريده أن ينساها. ولكنها لم تستطع أن تنساه لذلك كانت تركّز أكثر على دراستها. في عطلاتها الصيفية كانت تذهب إلى لبنان إلى منطقة السبتيّة. ومرّة طلبت من والدها أن يرافقها إلى قبرص لتقضي بضعة أيام. وعندما كانت واقفة مع والدها على دفّة السفينة، تشاهد السماء والبحر شعرت بأنها، بالرغم من كلّ آلامها، تستطيع أن تبحر كهذه السفينة، وأن يكون لها هدف، وإذ بها ترى رجلاً مقعداً، في الستينات، مع زوجته الأوروبيّة. اقترب منها ومن والدها بعد أن سمعها تتكلّم العربيّة.

أنا تامر من الأردن.

"أنا ندى وهذا والدي". تحادثا، وتبيَّن أنه طبيب عيون. اعتذرت زوجته وانسحبت، أما والدها فتمشّى بعيداً عنهما بعد أن تكلّما في كثير من الأشياء العلميّة والطبيّة. وإذا بتامر يسألها "أين تعيشين"؟

"في بريطانيا. في لبنان الوضع صعب وخاصة لامرأة مقعدة".

ابتسم لها: "أنا أعيش في السويد مع زوجتي، ولقد اخترت أن أعيش في الغرب لأهرب من الأوضاع الصعبة بالنسبة لرجل مقعد في الأردن. ولكن لو يعود الزمن لكنت سأختار أن أعيش في الأردن. الكثيرون بحاجة إليّ. عشت حياة سهلة في الغرب، ولكنني أعتقد بأنني كنت سألعب دوراً إنسانياً أكبر في الأردن. أحاول الآن أن أساعد مالياً بعض المؤسّسات التي تُعنى بالمقعد، ولكن لا أعرف إذا كان هذا يكفي". كانت تسمع كل كلمة، وتفكّر بها، ولم تقل شيئاً.

"أنا لا أشّجعك على شيء، ولكن فكري قبل أن تختاري طريقك".

في اللّيل فكرت بما قاله لها تامر، ولكن الحياة الأمنيّة في لبنان خطرة وفي بريطانية هي طبيبة محترفة، فربّما لن تجد عملاً في لبنان. استمتعت في لارنكا، وأكثر ما أفرحها هو أنّ والدها كان مبهوراً بكلّ شيء، لأنها كانت المرّة الأولى التي يسافر بها. عندما عادا إلى لبنان حاولت أن تقنع والدها أن يسافر معها إلى لندن، إلاّ أنها لم تنجح في إقناعه، لم تعرف أن عودتها إلى لبنان ستكون قريبة. إتصل بها راني وقال لها بأنّ والدها في وضع خطر، لأنه أصيب بجلطة قلبيّة. وهكذا سافرت في الليل، وعندما وصلت كان راني بانتظارها، حيث أخذها فوراً إلى المستشفى.

"استيقظ في الصباح وطلب رؤيتك". مسحت دموعها "كيف لي أن أتركه"؟

أمسك بيدها "أنت تعملين هناك. أنتِ لم تتركيه؟"

دخلت إلى الغرفة، وكان نائماً، ركعت أمامه، وأمسكت يده وقبّلتها، فاستيقظ وعندما رآها ابتسم: "بابا، أنا هنا، لن أتركك يا حبيبي".

هزّ رأسه ولم يتكلّم. ظلّ في العناية لمدة أسبوع، وكان بالكاد يتكلّم، ولكنه كان يشدّ على يدها عندما تمسّك بيده. ومرّة قال لها: "ندى، أنا أعتقد أنك تعرفين ما يجب أن تفعليه".

وسألته: "لم أفهم".

ابتسم: "ستفهمين".

قبّلت يده، ولم تفكر بالموضوع، وكان يفرحها أنها معه. وكان راني، وهو ممرّض في الجامعة الأميركيّة، يأتي كلّ ليلة لرؤيتهما. "أشكرك يا صديقي. لا أعرف كيف أردّ لك الجميل". لمس خدّها.

"لا داعي. فأنتِ تعرفين كم أنتِ غالية". ولقد أخجلها بتهذيبه ومحبّته الصادقة. وكانت تشكر السّماء على وجوده معها. وبعد أسبوعين، مات والدها بسلام. استيقظت باكراً وذهبت إلى سريره لتراه ينام نومه الأخير. تأمّلته ولم تبكِ. قبّلت جبينه وأمسكت يده، ولم تنادِ أحداً كي تكون وحدها حين تودعه.

أتى راني بعد نصف ساعة، فضمّته وبكت كثيراً.

قالت لراني الذي كان يزورها بعد يومين في بيتها:

"هل تعرف؟ قال لي بأنني سأعرف ماذا يجب أن أفعل. فكّرت كثيراً، والآن عرفت ماذا يريد. كان يحلم بأن يكون له ابنة تخدم مجتمعها، لذلك قرّرت أن لا أسافر بعد اليوم. يجب أن أساهم في قضيّة ما، وفي رحلتي إلى قبرص التقيت رجلاً قال لي ما هي القضيّة، يجب أن أساهم في تحسين أوضاع المقعدين في لبنان. هذه قضيّتي يا صديقي".

"هل أنت واثقة فالوضع الأمنيّ سيء جداً".

"نعم، أنا واثقة. سأسافر للمرّة الأخيرة إلى لندن لبيع أثاث بيتي، وأستقيل من عملي.

"ولكن يجب أن تؤمّني عملاً هنا".

"لا تخف، لديّ مدّخرات من المال في البنك، وقبل أن آتي إلى لبنان فتحت محلاً لبيع الثياب في لندن تديره صديقة لبنانية. بدأت أربح منه أموالاً. وهذا سيساعدني في مساعدة المقعدين هنا".

ابتسم "أنت غالية جداً، جداً. وأنا سأدعمك في كلّ ما تريدينه".

أمسكت بيده، ونظرت إليه، ورأت في عينيه مشاعره تجاهها. أزاحت يدها وابتسمت "يا ليتني أستطيع أن أحبّه. كيف لي أن أنسى إدوار؟ كيف لي؟" قالت لنفسها.

عرّفها راني على الأعضاء الأساسيّين لمنتدى المقعدين في جونيه. وبدأت تلعب دوراً كبيراً في المنتدى، إذ استطاعت أن تؤمّن مالاً من جمعيّات بريطانيّة تُعنى بالمقعدين لكي تشتري باصاً خاصاً بالمقعدين. كما أنّها نظمت دورة لتعليم قيادة السيارة. بعد نصف سنة، انتخبها الأعضاء رئيسةً لأنّها كانت قد كرّست معظم وقتها للمنتدى.

وكانت ترى راني مرّتين في الأسبوع في المنتدى، لأنّ عمله في المستشفى كان متعباً ودوامه طويلاً، وكانت تقدّر دعمه لها وللمنتدى، وقد بدأت تتطوّر مشاعرها تجاهه ولكن لا تعرف إذا كانت حقاً تحبّه. وفي أحد الأيام دخلت المنتدى لتتفاجأ بأن كل عضو يقدّم لها وردة، وإذا بأحدهم يعزف على البيانو أغنية لأسمهان "يا حبيبي تعال..." وهي تحبّها كثيراً.

"هذا راني، هو الوحيد الذي يعرف بأن عيد ميلادها اليوم".

ومن ثمّ أدخلوها إلى مكتبها، حيث وضعوا لها قالباً من الحلوى وفتّشت عن راني بعينيها، ولكنها لم تجده، وإذا بأحدهم يعطيها رسالة منه. قرأتها بسرعة: "إبقي بعد أن يذهب الجميع. أريد أن أراك لوحدك". شعرت بدقّات قلبها ستتوقف "هل بدأت أحبه؟ لا أعرف! لا أعرف!".

وعندما ذهب الجميع، دخل راني بعد دقائق، وكان ينتظر في سيارته من دون أن يراه أحد. وضع يده على كتفيها: "كل عام وأنتِ بخير".

"شكراً على كلّ شيء". وشدّ على كتفيها فأمسكت بيده ولمستها برقّة. ركع أمامها ونظر إلى عينيها: "لا زلت أعشقك. أنت جنّتي وعذابي... اعتقدت كثيراً بأنني نسيتك، أتأكد أكثر بأنّني لم أنسك".

"لا أعرف إذا كنت أستحقّ كل هذا الحبّ".

"لن أجيب... فأنت تعرفين ماذا تعني لي".

"بصراحة أنا أشعر تجاهك بالكثير من المشاعر، ولكن لا أعرف إذا كنت أحبّك..".

"سأنتظرك، على الأقل تكنّين لي بعضاً من المشاعر".

"ولكنّك تستحقّ أكثر".

"ولكنّني لا أريد أحداً سواك. وهذا قراري".

وضع رأسه على قدميها، فوضعت يدها على شعره بحذر، عندما أحسّت بتأثير لمستها تجرأت بأن تترك يدها تسترسل أكثر. ومنذ ذلك اليوم بدأت علاقتهما تتطوّر، وشعرت بأنّ هذا الرجل سيسعدها، وبأنّها حقاً بدأت تحبّه، ولكنها لم تقل له حتى تتأكّد من مشاعره تجاهه.

وشعرت لاحقاً بأنها يجب أن تصارحه بموضوع ابنتها، ولأول مرّة إستطاعت أن تخبر أحداً بأنّها باعتها. استغربت ردّة فعله. كان متسامحاً جداً وطلب منها أن تسامح نفسها، وأكّد بأن كلّ ما تقوم به من أعمال في المنتدى سيعوّض لها إلى حدٍّ ما بعضاً من خسارتها لابنتها.

قرّرا أن يتزوّجا بعد أن تعود من مؤتمر ستشارك به ندى في بريطانيا عن الإعاقة. كانت مشتاقة إلى لندن وأصدقائها هناك. وحقاً قضت أسبوعاً رائعاً في بريطانيا، وكان المؤتمر مفيداً جداً لها. وفي طريق العودة نامت ندى من كثرة تعبها. واستيقظت لتتفاجأ بأنّ إدوار يجلس بقربها في الطائرة. اعتقدت بأنها تحلم، فأغمضت عينيها وفتحتهما مرّة أخرى فتأكدت بأنه حقاً إدوار ويتأمّلها. كان قد أقنع مضيفة الطيران، بعد أن أقلعت الطائرة، أن يغيّر مكانه ويجلس بالقرب من ندى.

ابتسمت ندى له "ما هذه الصدفة؟".

"حقاً، أجمل صدفة". تكلّما معاً كثيراً، وقد أخبرها بأنه تزوّج لمدة سنة ثمّ طلَّق. وبكل صراحة اعترف لها بأنه اليوم ينتقل من علاقة جنسيّة إلى أخرى، لأنه يخاف أن يؤذي أيّة امرأة. عندما ساد الصمت بينهما، لم تستطع إلاّ أن تفكر بأنّ لهذا الرجل مكانة كبيرة في قلبها.

"حقاً لم أنسه"، وكان هذا الشعور يتعبها، فراني رائع معها.

وقبل أن يصلا إلى مطار بيروت بدقائق، فاجأها عندما قال لها: "ظننتُ بأنني نسيتك، ولكن على ما يبدو لا زلتِ تسكنينني". لم تجب فهي تشعر هكذا. فاقترب منها، وقبّلها على شفتيها فشعرت بأنهما سيحترقان، ثمّ ابتعد عنها ونظر إلى عينيها: "أرجوك لا تتزوّجي راني. الحبّ الذي كان بيننا لم يمت".

"ربّما، ولكن لا أستطيع أو أؤذي راني".

"ولكن الزواج ليس شفقة. أعطينا فرصة أرجوكِ".

"لا أعرف. هذا قاسٍ جداً".

"أعرف، ولكن هذا الحبّ يا ندى. أرجوكِ دعينا نلتقِ أكثر من مرّة لنتأكد من شعورنا".

لا تعرف كيف قبلت بأن تراه مرّة ثانية، ولكنها عندما رأت راني يحمل الورود الحمراء في المطار شعرت بالذنب. وقد ابتعد إدوار عنها لكي لا يراه راني. ظلّت أياماً تقاوم أن تتصل بإدوار، إلاّ أنها بعد أسبوع اتصلت به واتفقا أن يأتي إلى بيتها، وكانت لا تزال تعيش في بيت والدها لأنها شعرت بأن روحه تسكن فيه. أتى إدوار بعد الظهر وكانا كلاهما متوتّرين. وبعد نصف ساعة من الأحاديث العادية اقترب منها، وقبّلها قبلة كشفت شوقهما لبعضهما البعض. نام إدوار عندها تلك الليلة، وعندما استيقظت كانت لا تفكر إلاّ كيف ستخبر راني. قبلها على جبينها عندما استيقظ وقال لها: "وكأنني لم أعرف امرأة غيرك. ماذا تفعلين بي؟ أخبريني". ابتسمت.

"لا أريد أن أعيش من دونك من بعد اليوم. سنتزوّج ونعيش أينما شئتِ".

"ولكن إدوار هل تتقبل إعاقتي؟؟

"ماذا؟".

"إدوار. أنا تركتك لأنني سمعت ما تقوله لأمك. ولا ألومك فأنا أعرف بأن الكثير من الرجال لا يتقبّلون أن يتزوّجوا امرأة مقعدة".

"كنت أحمقاً. حقاً. أنا أنضج الآن، وأعرف بأن تخليّ عنك كان أكبر غلطة". لمست خدّه برقّة، وشعرت بأنه حقاً يريد أن ينجح علاقتهما.

كانت تتهرّب من مقابلة راني، لأنها كانت تريد أن تتحضّر نفسيّاً قبل أن تخبره. وبعد أسبوع اتصلت به، ودعته إلى بيتها. وبعد حديث روتيني لبضع دقائق قرّرت أن تدخل في الموضوع، فأخذت نفساً عميقاً وقالت له: "راني، أنت أرقّ رجل التقيت به، ولكن الحبّ ليس بيدنا فهو يقذف بنا كما يشاء...".

لم يستطع أن يحبس دموعه، فتأثّرت وسكتت. مسح دموعه: "هل هو إدوار؟ فلقد رأيته يوصلك إلى بيتك".

"نعم، أنا آسفة ظننت بأنني نسيته، ولكنني لم أنسه".

كانت تريد أن تقول له أشياء كثيرة، ولكنه لم يستطع أن يتحمّل أن يسمع أكثر فقال لها: "إنتبهي لنفسك الوداع...".

قبل أن يسمع ما ستقوله ترك بيتها لتبقى وحيدة غارقة في حزنها.

الفصل التاسع: الغريبة

 

يلوّن الخيال حياتي، وأعيش ألواناً كثيرة من المحبّة وخاصّة الأمومة التي رمّمت جروحي، ولكن الوداع كان دائماً يطعنني في ظهري. أمّا وداعك، يا جيمز، فكان وجعاً لا يوصف. عندما اتصلت بي لتخبرني بأنكّ تريد أن تراني في الليل، عرفت الآتي. كان صوتك حزيناً، ولقد شعرت من لهجة صوتك بأنك تعتذر عمّا سيحصل. لم أسألك شيئاً، وتمنّيت أن يأتي المساء بسرعة وبأن أكون مخطئة. ولكنّني لم أكن. جلست بقربي وأمسكت بيديّ وقبّلتهما.

"أرجوكِ سامحيني". لم أتجرّأ أن أسألك. بعد دقائق قلت لي: "يجب أن أذهب إلى أميركا، فزينب هناك وهي مصابة".

سكت وتأملتك بحزن. لا أعرف إذا كنت حزينة عليك، أم على نفسي، أم على كلينا.

"أنت تعنين لي الكثير. ولكن لا أستطيع أن أتركها هناك لوحدها. فلقد دفعت لأحدهم كي يدخلها إلى أميركا، فأنا لم أقل لك كيف انتهت علاقتنا عندما عرف المسؤولون قصّتنا"، أخذ نفساً عميقاً وتابع: "بأنني سأتزوّجها وسأذهب إلى أميركا، جُنّ جنونهم. ولينتقموا منّي قاموا بشيء مشين جداً، فلقد صوّروا فيلماً يعتدي فيه جنود أميركيّون على امرأة عراقيّة وأرسلوه إلى زينب".

"ولكن أنت بريء من هذا".

دمعت عيناه، ونظر إلى الأرض "نعم، ولكن تصوّري بأنني كنتُ واحداً منهم فلقد دسّوا لي مخدّرات قويّة في المشروب...".

ضممتك: "أنت بريء، بريء، أرجوك...".

"ولكنني شاركت بالفعل حتى ولو لم أرد، وزينب شاهدت كلّ شيء. هل تتصوّرين؟؟

"أرجوك إهدأ...".

"إصابتها ليست خطيرة، ولكنها ربّما مصابة بالشلل الرباعي. لم أعرف كلّ شيء عنها. يجب أن أكون معها، وبعض الأصدقاء الذين زاروها في المستشفى أكّدوا لها بأنني بريء وأتمنى بأنّها ستقتنع".

"أنا متأكدة بأنّها ستقتنع". أبعدتني عنك ونظرت إليّ: "أنا آسف، أنت مميّزة كثيراً... أرجوك سامحيني...".

بكينا معاً، وضممنا بعضنا لوقت طويل، ثمّ مسحت دموعك ودموعي وقلت: "يجب أن تذهب، وأرجوك اتصل لي لتطمئنني عن صحة زينب".

هززت رأسك وذهبت، وأنا أشعر بأنني على حافّة الإحباط. لم أنم تلك اللّيلة، وذهبت إلى عملي، وأنا أشعر بأنني خسرتُ جزءاً مني. جلست في مكتبي، وأنا أفرض على نفسي قراءة العدد الجديد للجريدة في مكتبي. ولم أستطع إلاّ أن أفكر بك، وفتحت حقيبتي لأخرج صورتنا، فرأيت الرسالة الأخيرة التي كتبتها قبل طلاقي، وكانت هي آخر ما أردتك أن تقرأه. فتحت الرسالة وقرأت، وأنا أبكي على مصيري مع الحب:

وداعاً أيّها الحبّ،

هل تعرفني أيّها الحبّ؟ هل تتذكرني؟ أنا التي منذ كنت طفلة بريئة عاهدتك بأنني سأهبك نفسي وأنت وعدتني بأنّك ستحضنني إلى الأبد حتى ولو تخلّى العالم عنّي. هل تذكرتني؟

أنا، كما عاهدتك، كنت وفيّة لك، إلاّ أنك خُنتني، وتخلّيت عني بعد أن تخلّيت عن العالم من أجلك. هل تذكّرتني الآن؟ وكيف لك أن تتذكّرني، وأنت مدمر قلوب كثيرة؟ ومن أنا لكي تتذكّرني!! أليس كذلك؟ إسمعني جيّداً، أنا كنت إحدى ضحاياك في الماضي، أما الآن فأنت لا تملك أيّة سلطة عليّ. نعم، أنا تحرّرت منك، ولن تغويني بوعودك عن لحظات حبّ ستلوّن حياتي وتحضنني. نعم، أنا من سأتخلّى عنك وللأبد. آمنت بك لأنني أؤمن بالحرّية، ولكنك سلبتني حرّيتي، وحرمتني الفرح... أمّا الآن فإنك لن تستطيع أن تستعبدني، وها أنا أصرخ بأعلى صوتي: أنا امرأة حرّة !!

دخلت فاطمة إلى مكتبي لتتفاجأ بدموعي: "أنا آسفة، لقد طرقت الباب عدّة مرّات ولكنّك لم تسمعي".

"لا عليك...".

"أرجوك، لا تبكي...".

"أخ يا فاطمة. الحياة ليست سهلة على أحد...".

"نعم...".

"لقد قلت لي البارحة بأنك ستخبرينني عن سبب حزنك في الآونة الأخيرة. ما بك؟".

"ليس الآن فأنت لست بخير..".

«لا تقلقي عليّ. على كلّ حال، فأنا أيضاً سأخبرك لاحقاً كلّ شيء، ولكن عندما أكون جاهزة! أرجوك أنا أسمعك...».

«لقد أتى مجد إلى لبنان، وذهب ولم يتصل بي... عرفت من الفايسبوك».

«لماذا؟».

«في الآونة الأخيرة بدأت أشعر بأنه ضجر مني.. هل تعرفين، لا ألومه. فالفيسبوك عالم وهميّ وعالم الاحتمالات، كنتُ أعرف أنّ لقصتنا نهاية، والآن عندما أقرأ ما يكتبه لا أعرف إذا كان لي أو لأحد غيري... فأحياناً يكتب أشياء كتبها لي في الماضي!! ومنذ زمن بعيد لم نتكلم على messenger. حاولت مرّة أن أتكلّم معه إلاّ أنه كان بارداً معي».

«على فكرة، لم تقولي كيف أصبحت صحافيّة».

«وهو من دفعني إلى أن أعمل، وأحقّق استقلاليّتي، لذلك طلبت من أخي أن يستعمل علاقاته لكي أتوظّف هنا».

«إنه رجل شهم».

«نعم، لذلك لا أستطيع أن ألومه على شيء، هل أنا حقاً أعرفه؟ لا أعرف...».

« حقاً الفيسبوك عالم خياليّ...».

«جلبت لك آخر ما كتبته له». وقرأت التالي:

«هل تعلم مؤخراً بضياعي؟ وهل تعلم بأنني حقاً لم أعد أعي من أنتَ؟ ولكنني متأكدة من شيء واحد بأنني أسبح في بحر هائج، وكلّ موجة تحمل لي سؤالاً بلا جواب: هل عشقني يا ترى؟ هل عنيت له شيئاً؟ هل هو حقيقيّ أم خياليّ؟ هل لا يزال يتذكرني؟

ترتطم الأمواج بي وأنا أغرق في ظنوني وضياعي. وفي غرقي أخاف أن تكون أنت قاتلي في عالم الخيال. نعم، هل تعرف، أيّها الغالي، بأنني منذ وقت طويل وأنا أعيش الموت في الحياة والحياة في الخيال. فلقد قُتلت طفولتي، ومن ثم أنوثتي. وإذا بي ألقاك فأحييتني، وفجرت أنامل عواطفك ينابيع شبابي وتعلمت أبجدّية الحبّ من أجلك، وأصبحت أقول كلمات الحبّ لأوّل مرّة في حياتي، وأشعر بأنفاسك بقرب أذني تهمس كلمات حبّ لم أسمعها من قبل.

هل لأنّك اكتشفت بأنك إلهي وقدري في عالم الخيال، وهو عالمي الوحيد، قرّرت أن تقتلني؟ ها أنا أرى الموت يسخر مني، ولقد أكّدت له بأنني سأنتصر عليه في خيالي، وهو الذي انتصر عليّ في الحياة؟ أرجوك، قبل أن تقتلني اسمعني جيّداً، إذا قتلتني لن تستطع أن تُحييني، لأنّ كبريائي لن يسمح لي بأن أستسلم لقاتلي في عالمي الوحيد».

«أحببتها يا فاطمة «قاتلي في الخيال»، ولكن ما كان ردّه!»

«وضع لي لايك، وكما قلت لك، وضع شيئاً من كتاباته الماضية، حقّاً لا أعرف».

«أنا آسفة يا فاطمة».

«لا عليك... هذا هو الوهم...».

«على فكرة أنا دائماً أغير من الواقع في كتاباتي، لذلك لا أريدك أن تتفاجئي عندما تقرأين الرواية الجديدة. ولقد غيّرت أيضاً في الكثير من النصوص التي أعطيتني إياها، ولكن لن أغيّر شيئاً من هذا النّصّ...».

«هذه روايتك فتصرفي بها كما شئت».

«أشكرك يا فاطمة على ثقتكِ بي. سأسافر بعد شهر لتوقيع قصّتي في أميركا. سأحاول أن أرسلها الأسبوع المقبل».

«أتمنى لك التوفيق. هل ستُترجم إلى اللّغة العربيّة؟».

«نعم، لاحقاً».

وإذا بي أتفاجأ بقدوم راني، بينما كانت فاطمة تغادر مكتبي.

«مرحباً، هل نستطيع أن نتكلّم أم أنّكِ مشغولة؟».

«أهلاً، لا لستُ مشغولة، أرجوك تفضّل».

«ندى طلبت مني أن أتكلّم معك اليوم».

«هل هي بخير؟».

«نعم، لا تقلقي. هي أرادت منّي أن أخبرك بشيء هي لا تجرؤ بأن تخبرك به». صمت وحاول أن يتكلّم، ولكنه لم يستطع وقال لي: «لا أعرف كيف أخبركِ...».

«أنا أعرف الموضوع يا راني، ولكنّكما مخطئان. أنا لست ابنة ندى...».

«ماذا؟ كيف عرفت!؟».

«عندما بدأت ندى بإخباري قصّتها شكيت بأنّها تظنّ بأنني ابنتها، لأنني أنا أيضاً من أصول لبنانية ومتبنّاة من عائلة إسبانيّة. فطلبت من زوجي السابق الذي له علاقات قويّة مع مسؤولين في إسبانيا أن يتحقّق من الموضوع. فاكتشف أن ابنة ندى ماتت عندما كانت في العاشرة من عمرها بالتلاسيميا».

وضع راني يديه على وجهه وبكى: «أنا آسف يا راني. منذ البداية وأنا اعرف ولكنني لم أستطع أن أقول لندى، وقرّرت أن أخبرها لاحقاً حتى تتعلّق بي أكثر وتشعر بأنني حقاً ابنتها، فلعلّ هذا يخفّف من ألمها. أنا أتمنى لو أنني ابنتها الحقيقية. لكن الواقع مختلف».

«هل عرفتِ شيئاً عن أمّك؟».

«نعم، منذ أكثر من عشر سنوات عرفت بأنها ماتت في الحرب، بعد أن ولدتني في قصر، في لبنان، كان يُدفع فيه للنساء لكي تحمل، وتُباع الأطفال إلى الخارج، ولكنّ أمي كانت قد حملت بي من رجل عشقته، إلاّ أنه تركها لذلك لجأت إلى هذا القصر. ولو عاشت ابنة ندى لكانت من عمري».

«أنا آسف».

«شكراً، أرجوك قُلْ لندى بأنها منذ اليوم هي أمّي، فأنا أتبنّاها كأم لي، بالتأكيد إذا كانت تقبل!»؟

«بالتأكيد تقبل، فهي معجبة بك كثيراً، وقالت لي مرّة بأن الحياة صالحتها عندما رأت أن ابنتها بهذا الرقيّ الأخلاقي. وأرجوك اعتبريني والداً لكِ».

أمسكت بيده: «شكراً لك، هذا شرف لي، ولكن ندى لم تخبرني كيف تزوّجتما».

ضحك: «ندى تزوّجت بإدوار الذي أتعبها من خياناته، وقد ظنّ بأنها ستتقبّل الأمر لأنها مقعدة، إلاّ أنه كان مخطئاً. تركته ندى وغرقت بإحباط لم تختبره حتى عند إصابتها. لم أستطع يوماً بأن أنساها، وبالرغم من أنها لم تلجأ لي خوفاً من أن أصدّها، إلاّ أنني ساعدتها ومن دون أيّ تردّد. وعندما استعادت صحّتها النفسيّة تزوّجنا».

دمعت عيناي: «هي محظوظة».

«نعم، ونحن محظوظان بكِ الآن». ضممته وقبّلني على جبيني: «أشكرك على كلّ شيء».

بالرغم من ارتياحي بأنني أخبرتُ راني كلّ شيء، وشعوري أنني حقاً لستُ يتيمة منذ اليوم، إلاّ أنك، يا جيمز، لم تفارق تفكيري، وتركت عملي باكراً، وذهبت إلى البحر، حيث تمشّيت لأكثر من ساعة، ثم وقفت أنظر إلى البحر، وأكتب إلى الحياة من دون قلم وورقة:

«غريبة أنا عنك، غريبة أنت عني، لم أفهمك ولن أفهمك. محبّة أنتِ، حقودة أنتِ.. عاقلة.. نزقة.. تسخرين منّا. تزرعين الأحلام وتيبّسين فينا الآمال. هل أنت أمّ؟ أنت لا تعرفين شيئاً عن الأمومة الحقيقيّة... إذهبي وتعلّمي من تضحيات الأمهات العراقيّات والفلسطينيّات...

تكتبين مسرحيّاتنا، وأنت لم تختبري شيئاً من ذاتك. هل تذوّقت فاكهتك؟ هل عشقت يوماً؟ أنت لا تعرفين شيئاً عن الحبّ الحقيقي. فلقد علمتك النجوم عن العشق، ولكنّها من عليائها لا تعرف شيئاً عن بساطة الحبّ.

هل تعي ماذا تفعلين بالإنسانيّة؟ أنت تكسرين جوانحها على صخرة شواطئك؟ مجرمة أنت.. متصنّعة.. ألوان محبّتك لن تشفي هذا العالم.. إبحثي عن أنواعٍ أخرى من المحبّة... لماذا غربتني عنك؟ لماذا؟ لماذا؟