كتاب "كتبوا في طائر الهامة"

مشروع أفكار اغترابية للأدب الهجري الراقي 2015

 

"طائر الهامة" لجميل الدويهي ثورة على التقاليد والجفاف الفكري والروحي د. منصور عيد

طائر الهامة هي قصة جديدة للدكتور جميل الدويهي، استمدَّ فكرتها من ترسّبات الحرب وإفرازاتها التي أصابت اللبنانيين في مقوّمات حياتهم كلها، وأصابت الأدباء والشعراء والمفكّرين في صميم وجدانهم، وهي لا تزال تنهض في ذكرياتهم، وفي يومياتهم، وفي مصائرهم.

في هذه القصة اكتشفتُ موهبةً جديدة للأديب والشاعر الدكتور جميل الدويهي، تضاف إلى مواهبه الأخرى. فقد عرفتُه أولاً أستاذا جامعيا قديرا، وإعلاميا شغل مراكز مسؤولة في الاغتراب، ثم قرأته باحثا أكاديميّا مثابرا ومتعمّقا، كما قرأته وسمعته شاعرا وأديبا. وفي كل هذه العطاءات تكشّف إبداعه حتى ظهر مرَّة جديده في القصة.

طائر الهامة في الحكايات العربية الجاهلية، روحٌ تنبعث من قبرِ قتيلٍ، تتجسد طائراً صارخاً في كل مساء: أسقوني أسقوني، مطالبة بالانتقام والثأر من القتلة. ولا تتوقف الروح المعذَّبة عن الصراخ إلا إذا تحقق لها ما تشاء، فتروي غليلها تحت التراب. وقد تتحول، بعد ذلك، إلى عشب أو نبات، مكرّسة فكرة الخلود المستمرّة في الكائنات: نباتا وحيوانا و إنسانا.

أما قصة جميل الدويهي من خلال رمزيتها فهي حكاية بشرٍ استغلوا الحرب وظروفها القاسية، لكي يمارسوا لعبة الإنسان في الحياة، فيؤكدوا أن مكوّنات الطبيعة البشرية تبقى هي نفسها على مدى الأجيال. بل ليثبتوا أن الإنسان، مهما تغيّرت ظروفه وبيئته، يبقى الجوهر في تكوينه

المتناقض واحدا، يتراوح بين ثنائية الخير والشر. والمؤشرات التي تتفاعل في القصة هي المؤشرات التي تميّز البشر بتفكيرهم ومشاعرهم عن سائر الكائنات. فهنا الغيرة، والكراهية، والانتقام، والظلم، والحقد، والعادات والأفكار الجامدة؛ وهناك الحب، والحنان، والفرح، والتسامح، والتعاون، والتغيير. هنا الإجرام وهناك التضحية. هنا تفقد الحياة قيمتها، وهناك تنبعث الحياة وتتجدد. هنا دعاة البطولة والدجّالون المخادعون، وهناك الأبرياء المنقادون بالغباء إلى مذابح التضحيات.

ويبقى الفن الذي تبدّى من خلال هذه القصة، فجميل الدويهي مغرم بالرمزية، ولا غرابة في ذلك فهو شاعر في الأصل يأتي إلى الحدث الروائي مرتديا ثوب المنحى الأدبي الصرف، حيث الصور تتراكم في كمٍّ واسع، متغلبة على السرد القصصي. مع ذلك فإنه لا يتركك تفلُت من التشويق لأن الحدث يدعو الحدث في لعبة التشابك التي تدفعك إلى المتابعة حتى النهاية، وأنت تسعى للوصول إليها راغبا في معرفة مصائر الشخصيات، ومعرفة الأهداف والغايات.

وما يُلفت النظر في هذا العمل مقاطعُ للتأمل الهادئ يُطلقها من خلال أقوالٍ لشخصية تعيش بصمت وهروب عمق المعاناة الإنسانية، فتتحمل أوزار الآخرين مضحّية بالذات، ومستسلمة لقدر يأتي في النهاية حاملا سيف الحق والعدالة الذي ينتظره كل مظلوم على هذه الأرض. وما يثير الانتباه تلك الثورة التي يطلقها جميل الدويهي على التقاليد، وعلى الجفاف الفكري والروحي والاجتماعي، واضعا الحب في المرتبة الأولى لخشبة الخلاص.

الدكتور جميل الدويهي، بورِكت أفكارُك وأنت تحلم وتُنتج؛ وبوركت يداك، وأنت تخطّ الأمل والرجاء للمعذبين والمظلومين، والمقهورين. فإلى مثل هذه المدرسة الصادقة الشريفة نتوق دائما، ونرجو أن نجدها في كل عمل فنّي مبدع.

قصة "طائر الهامة" للأديب الدكتور جميل الدويهي

دعوة إلى السلام بين الشعوب

بقلم أنطوان حربيه-ملبورن

قرأت على موقع الغربة قصة "نبيل الساعاتي" للدكتور جميل الدويهي، فاستوقفني فيها مشهد الحرب التي فرقت بين حبيبين، وفهمت أن الكاتب يدعو إلى السلام في العالم وفي وطنه الذي عاش تجارب الحروب ودفع ثمنها غالياً.

وفي كتابه "في معبد الروح" مقاطع كثيرة عن الحرب والسلام، وعن المسامحة وعن قيمة الحب. وآخر وصية في الكتاب هي: إصنعوا السلام.

ولا يختلف "طائر الهامة" عن "في معبد الروح" من هذه الناحية، حيث يبرهن الكاتب بشاعة الحروب والانتقام ويدعو إلى واقع جديد يسود فيه العدل والسلام: "وتلك الحرب التي التي اشعلت حرائق في الأرواح ليتها كانت وهماً عابراً في بال او هاجساً مخيفاً ما لبث ان امّحى عند طلوع الصباح! لكنّ الحروب تترك أجنحة مخضّبة بالدماء عند كل باب واعراساً مذبوحة في الشوارع ورجالاً ماردين يحملون الجروح في ضمائرهم ويطلقون الرصاص في البراءة. البراءة وحدها هي ضريبة الدم" (ص 5).

ويصور الأديب معاناة فؤاد السرنوك الذي شارك في الحرب، فقد أصبح مجنوناً: “كيف لمجنون ان يفصح عن ثورة جنونه؟ نعم... مجنون يتكلّم، والجنون مثبت بشهادة من طبيب.” (ص 5). و"يقولون في القرية إنني فاقد لعقلي، وإنني أهذي في كثير من الاحيان. هذا ما فرضه القدر علي” (ص 53). ويواصل الدويهي تصوير السرنوك في هذه الحال: “لقد بات السرنوك أسيراً لحقبة سوداء وحكم على ذاته بالسجن المؤبد في شرنقة صغيرة. كانت ذكرياته تخاطبه فيجيبها، ويفشل في إبعاد صورها ومشاهدها وأصواتها عن رأسه”(ص 14). وهو يصرخ: "ماذا جنت يداي؟" كما صرخ هابيل (ص 22) . ولماذا يريد السرنوك أن يتخلص من ذكرياته؟ "علي ان اتجرد من الذكريات. الذكريات جريمة. الذكريات تعطيني حبلاً لاقتل نفسي. وعلي أن اقتل الذكريات قبل أن أموت بدقيقة واحدة (ص 91).

وفي "طائر الهامة" شصية سلوى التي تسعى إلى الانتقام، لكن حبّ ابنها رياض لسعاد ابنة فؤاد السرنوك هو انقلاب على منطق العنف. وزيارة رياض لسعاد في المستشفى ليست فكرة عابرة عند الدويهي الذي يقول في كتابه "في معبد الروح": "عندما تسامحون فانتم ترتفعون إلى الله بأجساد من نور وتدوسون على الكواكب” (ص 92).

وفي ص 35 من "طائر الهامة" يناقض رياض أمه التي تريد الثأر من قاتل زوجها، فيعتبر أن الزمن كفيل بمداواة الجروح، و"ليس علينا ان نتساوى مع القاتل"... و"إذا لم نغفر خطايا البشر أصبح العالم غابة للثأر وتحول الإنسان أيضاً الى طائر مفترس.” ونسمع في مكان آخر الطبيب رياض غاضباً على الجيل الماضي الذي أشعل الحرب: “إنني أشفق على نفسي عندما أستمع إلى رجل لا يقوى على السير يحاضر في غزو الكواكب... إن الذين فاتهم القطار لا يحسنون إصلاح المحطّة، والذين ينتظرون على حافة القبر لا يصنعون الولادة” (ص 48). وهل أبلغ من هذا الكلام في وصف جماعة من السياسيين الذين صنعوا الحرب ثم جعلوا من أنفسهم رموزاً لوطن وقيمة لإنسانه؟ هؤلاء يقول عنهم الدويهي:

“لقد بالغ هؤلاء في التمثيل حتى أصبحوا شخصيات على مسرح فيضحكون من غير سبب ويُضحكون من ينظر اليهم. وقد خاضوا خروبا كثيرة وقتلوا ودمروا المنازل وأصبحوا اغنياء في غمضة عين... وحين انتهت الحرب خلعوا جلودهم وتستروا بربطات عنق فاخرة وتحولت مهمتهم من السفك والتدمير وتعليق الجثث على الأعمدة إلى تحقيق السعادة الأبدية، فاخذوا يتمثلون بأفلاطون واحفاده من الفلاسفة المثاليين في التبشير بالخير والحق وفي اصلاح العالم الذي أفسدوه وجعلوه ركاماً فوق ركام (ص 103).

ويدعو الدويهي الى تحطيم هؤلاء الرموز: “هناك مطرقة واحدة لتحطيم صروح الجهل، وعلينا أن ننزلها على آلهته القديمة، ونحظر على الناس عبادة الأوثان (ص 73).

وعندما يعرض الكاتب قصة العم سالم في "طائر الهامة" وكيف خسر ثروته والمرأة التي كان يحبها فلم يتزوج بعد ذلك، نتذكر قصّة نبيل الساعاتي الذي خسر أيضاً حبيبته بسبب الحرب وظن أنها ماتت، ثم التقيا وكان قطار الزمن قد فات. غير أن الأديب الدويهي لا ييأس، فهو يبشر بالأمل ويختم قصته بانتصار الوردة على السكين "حيث لم يعد للموت مقعد، ولا لطيور الظلام غصن في غابة. لقد عبرنا على الخيل من الليل إلى النهار، وماتت كل الكلمات الحمراء” (ص 109). إنها أنشودة للسلام وللشعوب التي تحب السلام وتكره الحروب. وإن قصة "طائر الهامة" ليست قصة عادية، ولا تصويراً لواقع، ولا مسرحاً للرمز والرموز، بل هي دعوة إلى السلام من أديب لبناني كبير يحبّ السلام ويريده أن يكون عنواناً للحياة.

جميل الدويهي يحكي "طائر الهامَة"

د. عصام الحوراني

هي حكاية الإنسان في كلّ عصر وزمان، حكاية الصراع الذي كان وما زال يلفّ الكون والإنسان، في جدليّة لا تعرف السكينة أبداً ولا الراحة، فهي ليست مِلحاً جامداً على شفتي السرنوك، ولا هي ملح في الهواء يوم قتِل الدروبي، إنّ الحكاية حياة لا تغيب أبداً عن فلك هذه العناصر الحيّة والجامدة على السواء، ولا تنتهي، ولو انتهت، لا سمح الله، لتلاشى الإنسان في عالم العدم.

مسكين، هو السرنوك، هذا المجنون الذي ما برح يلوك الزمن وحده كئيباً تائهاً، ولا يمضغه، لكنّ الزمن يعصره عصراً، وبين الجنون والعبقريّة خيط واهٍ، "المجانين لا يقرأون ولا يكتبون، ولكنّهم يُجيدون قتل الحروف وهي في مهدها".(ص 3) إذن فهو أُمِّيٌّ، كما يدّعي، والأنبياء أمِّيّون، "وفي ساعات مليئة بالسخرية، يتحوّل السرنوك إلى مُعجزة" (ص 3) ولعلّ المجانين من أمثال السرنوك يحلمون هم أيضاً بالخلود، كما آلهة الشرق القديمة، وكما حلم بالخلود جلجامش، وسعى إليه، لكنّ خلوده ضاع في جوف أفعى، كانت في فجاج الأرض تسعى. جميلٌ! هو هذا السرنوك، وهو البراءة المتدثِّرة بالليل، وفي قلب اللاوعي البشريّ، وهي بعيدة في أعماق الأنسان.

جميل الدويهي المخرج البارع، الذي يتحرّك بخفة وليونة وحيويّة بين أبطاله، يُحرِّكهم برشاقة ويُوزِّع الأدوار بمنتهى البساطة والعفويّة، فيضيع القارئ مسمَّراُ بين الحقيقة والمجاز، بين الرمزيّة التي تنسج أكثر من رداء في القصّة، وبين واقعنا المعيوش الرّاهن. وتبقى أبطاله تلاحقنا، نحن القرّاء، فنمشي خلفهم صاغرين تغمرنا الدهشة، ويشدّنا الشغف، ونحن نسمع وقع أقدام الدويهي بين "غابة الخرّوب" و"الدّهيبة"، نسمعها في لهاث السرنوك، وفي تأمّلاته وشعره، كما في سكوته: "لأنّ زمن الكلمات قد انتهى، وعليه أن يُخبِّئ وجهه..." قال السرنوك: "إنّ المَحْو أفضل من الكتابة، فرجل مثلي يجب أن يُنسى... عليه أن يكون عشبة في حقل بعيد... أن يُصلِّي باكِياً، وتذوب ركبتاه من الركوع...لقد فرّت الحقيقة من الحقيقة... وأصبحتُ أنا روحاً باردة في عالم الأرواح..." (ص 59)

قصّة جديدة للدكتور جميل الدويهي، صدرت عن منشورات "دار أبعاد الجديد" في بيروت. تقع هذه القصّة/ الرواية في 112 صفحة من الحجم الوسط. مساحتها محدودة ومحتواها لا تحدّه "أبعاد"، فيها الحياة بكلّ جدليّتها وصراعاتها، من حقد ومحبّة، وثأْر وتسامح، وعصبيّة وانفتاح، وكذب وصدق، وشرٍّ وخير، ومجاز مرمَّز وحقيقة خرساء تحت غبار النسيان... وتستوقفنا على دروب "طائر الهامة" تساؤلات كثيرة: لماذا كتم السرنوك الحقيقة؟ لماذا جعله الدويهي يُخبِّئ الحقيقة في قلبه؟ ولماذا جعل السرنوك يتبعثر ضياعاً وشروداً، ويتشظّى قلقاً وأوهاماً وذهولا وكآبة وسِرّا؟ وكَم في الأرض من أبرياء كثيرين يضيعون في عالم السجون الأسود، حيث يتساوى البريء والمجرم، ويتـّحِدان ليصبح المجرم بريئاً والبريء مجرماً، ويختلط عليهما الأمر في عالم النسيان، وفي مجتمع أعمى لا يرحم. ولعلّ السرنوك وقد تلبّس الجريمة صدّقها، فصار ما يُشبه الانفصام في ذاته التائهة غي عالم الغيب والنسيان، هذا العالم الذي لا يُدرك كنهه سوى المفكِّرين والعباقرة. وقد تبدّت تلك الأسرار المتشابكة في لاوعيه بذاك الصراع النفسيّ الذي أبرزه لنا الكاتب بأسلوب أخّاذ يُحاكي الواقع ويُماشيه. إنّه الصراع النفسيّ الذي تحدّث عنه علماء النفس بإسهاب وأشاروا إلى مداه في عمليّة التبديل والتحويل في سلوك بعض الناس، وفي تصرّفاتهم، وأعمالهم. إنّها معاناة الضمير التي ما بعدها معاناة، حيث التمزّق النفسي، والكآبة الدكناء، والصمت الأسود المخيف: "جريمة في الذاكرة، مقتلة الحروف، أحمل نعش الذاكرة وأسير تحت المطر، مَن يتبعني إلى سكوتي؟ مَن يحمل معي صناديق العتمة؟

هذه المعاناة التي تعتمل في الأعماق، تملأ حنايا القصّة، وتتبعثر فيها، وتتلوّن بأشكال متنوِّعة بدءًا من السرنوك الذي صار "المارد المقيَّد في كيس... صار العدم، والخطيئة... صار الشاعر الفيلسوف الذي يكتب السكوت بصمته القاتل".(ص 21) "وعندما عاد السرنوك إلى ضميره، كانت الحقيقة مدفونة في مقبرة واحدة مع القتيل".(ص 108) وكذلك، فسلوى التي تحمل في أعماقها طائر الهامة، ما برح الحقد يصرخ في أعماقها بلسان الهامة: اسقوني فإنّي صديَّة! وشفيق نفسه يُعاني من خلف ستائر الحقيقة السوداء، فهو القاتل والعاشق والكاذب تتلوى كلّ هذه الصفات فيه كما الأفعى :"أنتِ يا سلوى... جمرة في قلبي، وجرح عميق في ضميري". (ص 19) وأيضاً فإنّ زوجته وردة كانت تحيا هي تحت ظلّ هذا الصراع الماثل بين الحقّ والباطل. لقد تبدّى الصراع أيضاً بين جيلين: جيل الهامة الذي تمثِّله سلوى، وجيل الحداثة الممثَّل بسعاد ورياض، وهذا الصراع يتماهى في ذلك القتال الذي نشب بين طائرين في الغابة، طائر الهامة الذي يتأبّط بين جناحيه الحقد والتشاؤم والدم والموت، وطائر الفينيق رمز الانبعاث، والشمس، ونور الصباح، والتجدّد والقيامة، والتسامح والسلام، وهو الذي ينتصر في نهاية معركة الحياة: "إنّها معركة الحياة والموت، بين كلّ ما في الكون من متناقضات: بين الجبّار والهزيل، والظالم والمظلوم، والغنيّ والفقير، والكبير والصّغير".(ص 29)

وفي القصَّة صراعات كثيرة، بعضها ظاهر، وبعضها الآخر خفيٌّ، فحين يقول الدويهيُّ: "خذوني إلى السائق لأتشاجر معه، لأزلزل الأرض تحت قدميه، ولأنشب أظافري في ابتسامته الصفراء... رجل مريض... يرافقني من مكان إلى مكان، ولا أعرف كيف يرتِّب الأمكنة والعناوين..."(ص 83)، يكون المقصود بالسائق القدر الذي يحرِّك مصائر الناس الضعفاء-الأقوياء. امَّا طيَّارة الورق التي تطلُّ دائماً في فضاء الحياة، فهي رمز لطموح الإنسان أن يغادر التراب إلى كواكب أخرى، بل هي الروح التي تنتصر على الآلة، وبها يرتفع الإنسان: "في الأحلام يمكنني أن أصل إلى أيِّ كوكب في لمح البصر، ولذلك أحبُّ طيَّارتي أكثر من أيِّ اختراع آخر."(ص50)

"طائر الهامة"، حكاية وطن يُلازمه الحقد، والطمع، والحسد، والكراهية، منذ أزمنة غابرة، تعبث به من حين إلى آخر، وتتركه في كلّ مرّة أشلاء، ليعود طائر الفينيق الذي يأوي في أرزه فيتغلّب في النهاية على طائر الهامة، ولو بعد حين. إنّها أزمة وطن ولعنة تُواكبه في كلّ جيل. ولقد نسج الدويهيّ ببراعة ثوباً بمقياس وطنه الذي يتمحور بين "غابة الخروب" و"الدّهيبة"، وهما قصّة الصراع المفتعل في كلّ جيل بين كلّ ضيعة في لبنان وأخرى، بين كلّ منطقة وثانية، مجاورة أو متداخلة، بين شرقيّة وغربيّة، جنوبيّة وشماليّة، ساحليّة وجبليّة... ويبقى شباب أرضنا وقودها، والهامة صوتها الصارخ أبداً: اِسقوني... اِسقوني، وقد أشار الكاتب إلى هذا الأمر بصراحة وشفافيّة: "وإنّ ما حدث للسرنوك حالة طبيعيّة أصابت كثيرين من الذين شاركوا في أعراس الدم... فبعد أن ينتهيَ الاحتفال، لا بدّ من العودة إلى الذات، فتتكاثر الأسئلة، وتعجز العقول عن تقديم أجوبة لها... فتتردّى الأرواح في جحيم العقاب...ماذا جنت يداي؟ وكيف تحوّلتُ إلى وحش كاسر لا يرحم؟ وما هي المكافأة التي حصلتُ عليها غير البؤس والعذاب". (ص 22) وكما قالت وردة: "وفي أزمنة الحرب يخلط الناس بين الخير والشرّ بين الحقّ والباطل".(ص 107)

والجواب على تساؤلاتنا السابقة بخصوص السرنوك، جاء على لسان وردة التي كتمت الحقيقة طول هذه السنين:"كان شفيق سيقتلني لو تفوّهتُ بحرف واحد". (ص 108). بين السرنوك وشفيق حكاية الإنسان في كلّ عصر وزمان، فكم في الأرض من مساجين أبرياء، يرتعون في أقبية الزنزانات مرذولين مهانين معذبين، والحكومات والقضاة والناس عنهم لاهون وغير مبالين... وكم في الأرض من مجرمين ولصوص صاروا حكّاماً أو من كبار القوم يختالون في صالونات الناس ومنتدياتهم بكبرياء وتعال، والناس حولهم يُصفِّقون ويُزوِّدونهم بالدَّعوات والشكر والامتنان. إنّه التكاذب والرياء في جلد حرباء، هي الدنيا بمتناقضاتها تبدو ماثلة للعيان في قصّة الدويهيّ، فالأدوار تنقلب بين السطوح والأعماق، ولكنّ الكاتب يميط اللثام عن تكاذب البشر مع وردة الصباح الفوّاحة التي نطقت بالحقيقة.

إنّ اللغة التي استخدمها المؤلِّف، وبخاصّة في "أفكار السرنوك" هي من الطراز النخبويّ من ناحية البلاغة، وجودة السبك، فهي بيّنة في معناها ورموزها، ومفهومة عذبة سلسة، يسكن إليها السمع، فلا تنافر في الكلمات، ولا تعقيد في المبنى، أو المعنى، بل ثمّة ملاءمة للكلام مع الذي يُقال فيه، فتترك عباراته في النفس أثراً خلاّباً. وهو يستعين بمجازات ليّنة طيّعة فيها جرس الشاعريّة الرقيقة. ومن أمثال ذلك وهو كثير في "أفكار السرنوك الدويهيّ": "لأنّ لها صوتاً كنحيب الأشجار، فأجمع شتات عمري على صفحة من غبار.... في يديّ ارتعاشة، وفي شفتي ملح، فمن أين تأتي الأفكار..." (ص 3) ويقول: "لكنّ الذكرى تبقى سكّيناً على عنق الحاضر... ينبغي أن نتمهّل، لكي لا يمحونا الفراغ" (ص 63) ويقول أيضاً: "فالكلمات سكاكين على سطور... أنا قتلتُ حقدكم، وحطّمتُ أصابع الليل..." (ص 83)

القصّة ولاشكّ، مشروع عمل مسرحيّ دراميّ، فهي تحكي الإنسان في كلّ زمان وفي أيّ مكان، وبخاصّة في عصرنا، إذ إنّها تروي حكاية لبنان وغيره من الأوطان، في وقت نحن نعيش أزماته باستمرار، وما زلنا نعاني من مشكلاته كما من أحقاد أناسه الأقدمين. القصّة صدى لما يعتمل في أعماق الإنسان من صراعات تتبدّى بأشكال خفيّة متنوِّعة، ويُصبح الناس لها أسرى يأتمرون بما تُمليه عليهم من أفكار وعصبيّات وأوهام، تشتّتهم وتبعثر أرواحهم في عالم الكآبة والتشاؤم والتلاشي. القصّة صوت الدويهي الصارخ في برّية المعمدان، ينشد من خلاله حريّة الإنسان القائمة على أساس الحقّ والحقيقة والسلام، وهو يمضي مع السرنوك على عربة تأخذهما إلى جسر الضياء.

الرمز والرمزيّة في قصّة "طائر الهامة"

بقلم مريم الدويهي

تخترق قصّة "طائر الهامة" للأديب اللبناني الدكتور جميل الدويهي جدار الواقع في كثير من الأحيان، وكأنّي به يعرض إبداعه الشعريّ عن طريق النثر، أو أنّه لم يرد أن يتخلّى عن ميله الطبيعيّ إلى الرمزيّة في قصّة واقعيّة يوازن فيها بين المجرى القصصي المفهوم ولوحات فنية رمزية بالغة العمق. ويمكن تحديد المسار الرمزي في "طائر الهامة" عبر الرموز كمادّة وأجسام، وأيضاً عن طريق اللغة التي جاءت منفصمة لتؤكد ولوع الأديب بالرمز وإصراره على البقاء في الدائرة الشعرية الغارقة في التعقيد.

وإنني لن أطرح في النقاش مسألة السرد أو الحبكة للقصة، فقد تحدّث العديد من النقاد عن هذه الناحية، وسأكتفي بعرض المسار الرمزي من خلال الرموز كأدوت، والرمز كلغة.

في الموضوع الأول، الرموز كأدوات، يبدو أن "طائر الهامة" نفسه هو رمز للثأر في المجتمع الشرقي. وليس جديداً القول إن العرب قبل الإسلام كانوا يعتقدون أن طائر الهامة يخرج من رأس القتيل ويصيح: اسقوني، اسقوني، حتى يؤخذ بالثأر من القاتل. وتظهر ملامح هذا الطائر في القصة من بدايتها: "تخترق معبد الطبيعة المقدس صيحة يطلقها طائر غاضب، فتتردد جنبات الأرض صداه المزعج، وتفرّ طيور أخرى أقل سواداً ثم تغيب سريعاً" (ص 8). والطائر الذي يصفه الكاتب ليس من جسد وروح (ص 28). ومن يتمعن في القصة يجد أن طائر الهامة هو سلوى نفسها (انفصام شخصية) التي تريد الثأر لزوجها. الطائر صورة عن المرأة ومرآتها وجزؤها الآخر، والرواية تبدأ معه ومعها: "هو صورة عن

نفسها المضطربة التي ترتعش في قفص ضيق، وتغالب الحدود لتنطلق إلى البعيد معبرة عن غضب خانق ورغبة في الثأر." (ص 28)

وسلوى تخاف على الطائر أن يعطش، فهي تقول له: "سأسقيك أيها الطائر المسكين، من خوابي الزمن المرّ سأسقيك... من مياه البحيرة الراكدة سأسقيك... فانتظر قليلاً... قليلاً بعد... ولا تخف من أن تعطش إلى أبد الدهور."(ص 28) إذن هو طائر الثأر الذي يصيح :اسقوني اسقوني، والمرأة ستنتقم من قاتل زوجها لتخلص طائرها من العطش.

وينتقل الطائر نفسه من مرحلة إلى أخرى ليصير تعبيراً عن الشرّ في العالم، فعندما انتصر على طائر آخر في الغابة (ص 28) فرحت سلوى لأنها رأت في انتصاره قوة لها... والصراع الدامي بين الطائرين ما هو إلا إعادة رسم، بملامح رمزية، للصراع الحادّ من قديم الزمان بين الخير والشر. ويصل التفاعل بين سلوى وطائرها إلى الذروة في ص 84-85 عندما هاجمت الطيور سلوى في منزلها، وراحت تنقدها في رأسها ففار دم كثير. ولم تستطع الهروب لأن أرضية المنزل كانت من صمغ. وهذا المشهد يؤشر إلى معاقبة روح سلوى لها بعدما تقاعست في الأخذ بالثأر.

ويأتي رمز الغابة الداكنة القريبة من البيت، ليمثل عالماً داكناً، فقلما نعثر على وصف مفرح للغابة: الأشجار سمراء، الغيمة فوق الغابة رمادية، الأوراق صفراء (ص 4)... فالغابة هي عالم يائس وحزين، ليس على طريقة الرومنطيقيين بل على طريقة الرمزيين الذين لا يهتمون بالوصف الخارجي بقدر ما ينفذون إلى أعماق الروح. وفي ص 56-57، تتفاعل سلوى مع الغابة أيضاً (عالمها الشرير والحاقد)، فنراها تائهة في الغابة

تبحث عن الطائر ولا تجده، فتغضب وتغرز أظافرها في جذع شجرة ليسيل منه دم أزرق (الشجرة ضحيّة ودمها بديل عن دم القاتل المفترض فؤاد السرنوك).

ويبرز في القصة رمز آخر هو طيارة الورق التي يمسك بها ولد عند شاطئ البحر. ولعلّ الطفل هو الأديب نفسه الذي ينظر إلى فوق. ومن الواضح أن الطيّارة لم تدخل على النصّ من باب الزيادة ولزوم ما لا يلزم، فهي إيحاء عن الأمل والطموح اللذين يتخطيان الدم للوصول إلى عوالم جديدة في الروح. وتظهر الطيّارة عدة مرات في النص إلى حين يختفي الولد ونعلم أن أهله سافروا إلى خارج البلاد (غربة الأديب عن وطنه). وبين هذا وذاك تتصارع الطيارة في إحدى المرات مع طيارة أخرى، فتدوران وتدوران وتسقطان أرضاً فيسمع لاصطدامهما بالأرض نحيب (ص 59). وإن صراع الطيارتين هو في الجوهر الصراع نفسه الذي وقع بين طائر الهامة وطائر آخر في الغابة. ويمكن أن نرى في سقوط الطيارتين المروع انهيار الحضارة، لكن الأديب الدويهي يبقي نافذة مفتوحة على الأمل، فالولد مصر على صنع طيارة أخرى راغباً في استمرار الحياة التي لا يغلبها الموت.

وبعد كل هذا يفاجئنا الأديب بأن الولد ليس حقيقياً: "ولد من هدير الأمواج ومن أجنحة النورس ويسكن في رمال السؤال: هل بعد الوجود وجود؟"

وكم كنت أتمنى لو أن الأديب الدويهي ظل محافظاً على الغموض أثناء استخدامه للرمز، فهو يشرحه، ربّما خوفاً من أن يحكم المتلقي عليه بالغموض أو بأنه يميل إلى العبث، والقارئ العربي في الغالب معتاد على الواقعية ويحبها لأنها لا تحتاج إلى عمل الفكر والغوص وراء الأبعاد. ومن الشروح التي عثرتُ عليها : "الطائرة تعبير عن الحلم" (ص 50)، "بل هو (طائر الهامة) صورة عن نفسها المضطربة" (ص 28)...

وعندما يستخدم رمز الزهرة عند النافذة التي يريد البطل رياض أن يعانقها، يوضح الدويهي أيضاً أن الزهرة هي حبيبته سعاد ( ص 77).

وفي إحدى المرات يستخدم الدويهي واحداً من أهم الرموز التي تتعلق به شخصياً، ونحن كثيراً ما نراه يجعل من القاتل المفترض فؤاد لسرنوك كناقل لأفكاره، فاسمع السرنوك يقول: "السائق يشرب على الرصيف. خذوني إلى السائق لأتشاجر معه. لأزلزل الأرض تحت قدميه، ولأنشب أظافري في ابتسامته الصفراء... رجل مريض... يرافقني من مكان إلى مكان، ولا أعرف كيف يرتب الأمكنة والعناوين (ص 83). وإذا تمعنا في هذا النص يمكننا أن نكتشف أن الأديب يريد أن يتشاجر مع السائق الذي يقوده (القدر). وهذا السائق لا يعرف كيف يرتب الأمكنة والعناوين (هجرة الأديب المتتالية من مكان إلى مكان). ويريد الأديب أن يتشاجر مع قدره ويغرز أظافره في ابتسامته الصفراء انتقاماً من الماضي.

في الموضوع الثاني، لغة الرمز، يمكن القول إن "طائر الهامة" تتأرجح بين لغتين: لغة واقعية كما في ص 13: "والذين يعرفون السرنوك منذ صغره يقولون إنه كان يتعلم في مدرسة القرية. ولم يكن ينقصه الذكاء، بل كانت تميزه عن التلاميذ الآخرين براعته في الكتابة. وعندما أصبح فتى، كان يكتب القصص المضحكة، والخواطر، وبعض الغزل". إن من يقرأ هذه الكلمات ويكتفي بها يعتقد أن الدويهي كاتب واقعي، ولكن متابعة القراءة في القصّة تظهر أنه رمزي أيضاً، وهو يحرص على الموازنة بدقة بين لغتين متناقضتين تماماً. ولماذا يفعل ذلك؟ لأن القصّة تطرح نفسها بقوة على عقله فلا يستطيع فكاكاً من الواقع، ثمّ يشده الشعر في اتجاه آخر فينتفض على العادي من اللغة ويحلق في سماء الرمز وكأن الواقعية مشكلة مفروضة عليه فرضاً. واللغة الرمزية في بعض المواقع صعبة وعصية على الاكتشاف:"وحين أسأله: ما شأني وهؤلاء الناس؟ يقول: هم البحر وأنت المركب... فأصرخ أمامه: غلط... إننا في كابوس... أنت لست حقيقة... أنا والناس لم نكن يوماً حقيقة. عليّ أن أكون البحر وأنتم جميعاً مراكب... هكذا يمكن أن أكون واحداً لا أكثر... وأصبح جفافاً خلال عصور..." اللغة الرمزية هنا أبعد من المتناول، غير أنّها ممتعة، وساحرة ومليئة بالتناقض الذي يخفي تناقضاً ذاتياً عنيفاً تجاه الحياة. الحياة غلط. الرؤية غلط والعقل غلط. ويجب أن تعاد صياغة الأمور والتفاصيل بكثير من الثورة والانقلاب على المألوف.

وتذكر الذاتية عند الدويهي بأسلوب شارل بودلير في "طائر الألبتروس"، وهي مقطوعة شاعرية يتحدث فيها بودلير عن طائر ألبتروس جريح يقع على سفينة فيقبض عليه البحارة ويعذبونه ويحرقون جسده بالسجائر، ويقلدونه في مشيته العرجاء. وطائر الألبتروس هو بودلير نفسه المعذب من العالم. والرمزية يقول الدويهي جاءت من آثار الرومنطيقيّة ولا تزال الذاتية متداخلة معها وإن أنكر الرمزيون ذلك. ها هو فؤاد السرنوك (الناطق باسم الدويهي نفسه) يتكلم بهذه الرمزية الذاتية: "أجمع شتات عمري على صفحة من غبار. في يدي ارتعاشة، وفي شفتيّ ملح. فمن أين تأتي الأفكار والأفكار زجاج محطّم؟ وكيف لمجنون أن يفصح عن ثورة جنونه؟ … المجانين لا يقرأون ولا يكتبون، ولكنهم يجيدون قتل الحروف وهي في مهدها. فدعوا الحروف نائمة في خوابي العصور، لكي لا يدوس عليها المخبولون بأحذيتهم." (ص 3). نقف أمام هذا المقطع لنكتشف أن الجنون فضيلة إذا كان اختلافاً عن المرئيّ والمسموع والمتفق عليه. والمجانين يقتلون الحروف الجامدة لكي يعيدوا صياغة الحياة من جديد.

وفي مكان آخر يقول السرنوك: "الحرب ليست بين البشر، بل هي بين آلهة. وأنا أريد من الآلهة أن تتحارب، لكي تميز بين الثأر والغفران. غداً ستنقضّ العاصفة على شجرة فتعريها، لكن العاصفة كانت عارية قبل أن تولد. الشجرة إذن إله التمرد، والعاصفة ضحيّة". هكذا يوقعنا الرمز في حيرة من أمرنا، فمَن الضحية؟ الشجرة إله التمرد أم العاصفة? ومن ينتصر على من؟ ويترك الأديب مساحة الفكر مشرّعة لكي يكون لنا نحن عمل في كلامه، فلا نيئس من المحاولة ولا نخاف من العبور إلى الضفّة الأخرى من المعنى.

وإنني أكتفي بهذا القدر من الحديث عن اللغة الرمزية، التي طغت على كثير من المواقع في القصة، وأترك للمتلقي الذي يتمعن في الكتاب أن يحلل ويناقش ويفكر، فإذا كان من أنصار الواقعية فسيجدها أمام عينيه ناصعة وموحية، وإذا كان من أنصار الرمز فهو سيكون راضياً بوليمة الرموز. ولن ينجو من القصة إلا من كان يكره الرمز والواقع معاً.

"طائر الهامة" ينازع صاحبه بين هجرةٍ وعودة

بقلم سليمان يوسف ابراهيم

يحزم الرّوائي جميل الدّويهي أَمتعته، على جنح "طائر الهامة" – روايته الأخيرة- عائدًا إلى الوطن، متأبّطًا من قعر غربته بعض الدُّر: كُتُبًا كان قد حاكها للوطن وأهله ملاءاتٍ وأخمارًا من خلف نقاب غيومٍ مُحمَّلةٍ بالحنين؛ وقد خطَّها بحبر دموع الشَّوق لحلول موعد الإياب إلى أَرض الميلاد... بعد أن كانت سنوات الخيبة بمستقبل وطنٍ أحبَّه، قد أُرغم على هجره والذّهاب بعيدًا... غير أنّ الحنين، بقي يدقّ على باب صدره بإلحاحٍ، إلى أن صدحت في فضاء نفسه أَجراس العودة بصخب الشَّوق! 
رجع، والحلم الأخضر بوطنٍ غادره عُنوةً وهربًا من اندثار قيمٍ، يُحاكي عينيه ويضجّ في فسحات نفسه، التي تأبى العيش إلاّ في وطنٍ سامق الحضارة مُتجذِّرها، بعد أن ضربت عروقها الحيّة فيه عميقا لتضجّ في عينيه حيرةً، وتُقلِقُ نفسه وجعًا، على مستقبل إنسانه الّذي جُرَّ استزلامًا لمتزعِّمين، وانزلاقًا في دهاليز تصرُّفاتٍ مُهينةٍ شائنةٍ بحقّ أَخيه الإنسان؛ وهي بالأصل، لا تنتمي إلى منظومة القيَم ومظاهر السّلوكيات الخلوقة الّتي نُشِّئَ عليها أساسًا. 
غدت شخصيات الرِّواية كلُّها أبطال مواقفها، متحمِّلة تبعات تصرُّفاتها، مع أَنِّي وجدتها جميعًا لا تغدو سوى حُطام حروبٍ توالت على أرضنا الطَّيبة فهدَّتْنا ولم تنهَدّْ. 
فسلوى، زوجة سعيد الدّروبي، ظلَّ طائر الهامة يُلحُّ عليها انتقامًا لمَقتَل زوجها، وانتهت مسجونةً، عقابًا لتحريضها شفيق على قتل سُعاد ابنة السّرنوك الّتي باتت كنَّتها، بالرُّغم من عدم رضاها. في حين 43

أنّها صرفت العُمر، تحقيقًا لرغبة زوجها القتيل: فخرَّجت ولدهما رياض طبيبًا، وعاشت على الوفاء لسعيد، فلم تتزوّج أو تُحبّ سواه، بالرُّغم من أنّ الحياة أَفسحت لها المجال لخَوض تجربة حبٍّ جديدةٍ. فؤاد السّرنوك: بقي حاملاً تَبِعَة مَقتل سعيد، طيلة فصول الرّواية بعد أن ابتلعت الشّائعة حقيقةَ الحادثة؛ كما وقع الكثير من الحقائق التي اغتيلت بطغيان الشّائعة أَثناء الحرب... ولمّا بانت الحقيقة، غدا السّرنوك غير قادرٍ على الدِّفاع عن نفسه أو الشّهادة للحقّ، نظرًا لِما ناله من أزمةِ نفسيَّةٍ أَلمَّت به. أَمّا شفيق، رفيق عُمر سعيد وصديقه الأوحد، فكلّ ما ظنّته سلوى فعلَ وفاءٍ منه، حِفظًا لذكر صداقته لزوجها، لم يكُن سوى تكفيرٍ وتمويهٍ لِما اقترفت يداه، كما ظهر في الفصل الأخير من الرّواية، حيث أَفصحت وردة زوجته عن سرِّه الدّفين! وصولاً إلى رياض، ابن سعيد، الّذي بات طبيبًا. حاول طويلاً إقناع والدته بالإقلاع عن فكرة الثّأر الذي لا يجرّ إلاّ ويلاتٍ إثر ويلاتٍ، فلم ينجح. وهذا، ما دفع بشفيق إلى تهديد سُعاد بالقتل وإِجهاضها جنينها بتحريضٍ من سلوى، أُم رياض! ورياضُ هذا، عاد ليؤكِّد نبذه للعداوة والثَّأر باقترانه فعلاً بابنة فؤاد السّرنوك، وإن كان إصرار أُمِّه على حسابٍ وثأرٍ، أَدّى إلى فقده عُنوةً جنينًا، كان سيملأ عليه حياته... وتُختتمُ الرِّواية على مشهد صحوة الضّمائر ووصول العدالة على الموعد المضروب للِّقاء، وجهًا لوجه، مع جمهرة الحقائق الّتي تمتطي لسان هُدى زوجة السّرنوك سؤالاً بصيغة تجاهل العارف، إضافةً إلى تصريحٍ مُسهَبٍ من وردة، زوجة شفيق، توسَّلتهما الحقائق تلك لإسقاط الحُجُب عنها، جلاءً لكلّ رَيب أو زيَف أو زندقةٍ، إن قولاً أَم فعلاً أَم مُمالقةً بموقفٍ أو بإفصاح... 

وبالعودة إلى أماكن الأَحداث، نجدُ الرّاوي يتّخذ من قرية "غابة الخروب" من جهة، وقرية "الدّهَيبة" من جهةٍ أُخرى مرسحًا لأحداث الرِّواية، حيث يعيش أَبناء البلدتين بوئامٍ ومحبَّةٍ بعد مُصاهرةٍ؛ يتبادلون بينهم ما يحتِّمه الواجب الإجتماعي في مُناسبات الحزن والفرح... إلى أن دخل الغُرباء المرفوضون بين أَبناء القريتين وعاثوا قتلاً لأحد السُّكان، وإفسادًا للودّ القائم بين ناسهما. باختصار، القريتان ترمزان إلى وطننا ما قبل الحرب من جهة، وإلى الوطن المفكّك الأَوصال المتباعد الأطراف بين مختلف شرائح أَهله، وما جرّ عليه هذا الوضع من موبقاتٍ وويلاتٍ أثناءها... 
أَمّا الرِّوائي جميل الدّويهي، فلا يحيا بعيدًا عن أَجواء شخصيّاته وفضاء الأَحداث، بل هو مزروعٌ في دقائقها والتّفاصيل؛ على لسان المتكلِّمين تارةً، وناقلاً لمُعظم أَفكار فؤاد السّرنوك تارةً أُخرى... ناقدًا تبدُّل المفاهيم للعيش الإنساني السّليم، نتيجةً لتحطُّم سُلَّم القِيم بعد أَن فغرَت الحرب فاهًا مُزدردةً كلّ الخير، زارعةً الدَّمار في البيوت والنُّفوس معًا... ولكن، في نهاية المطاف، تنتصر إرادة العيش على إِعصار الموت الّذي عصف بالوطن وأَهله... بالرّغم من أنّ النَّاجين كانوا قِلّةً وعوا الحقائق، وبثّوا أَفكارهم تنويرًا للأجيال القادمة، علَّهُم يثورون في وجه الظُّلم وأَسياد الموت المجاني، رغبةً بتطوير مفاهيم وتحديث ذهنيّات، تقوى على مواجهة الحياة بشجاعة الواعي وليس بتهوّر الغافل عن جزيرة القتل والدّمار والتّهجير... في سبيل حفظ مصالح القاتل، على حساب حقوق القتيل، وصون أَنانيّة الفرد، على حساب رَغد إنسانيّةٍ بمُجملها.
أَجدُ الكاتب ثائرًا على المجتمع التّقليدي الّذي يقيم وزنًا للتّقاليد البالية على حساب كرامة الإنسان، مانعًا عنه التّنعُمَ بقيمة التواصل بما يفرضه العقل ويحتِّمه المنطق.  
يتخلّل الرِّواية الوفير من أَفكار الأديب، من مثل بُعدِه عن مُخالطة أَصحاب السِّياسات الهابطة الـمُسيئة للوطن وناسه... كما وأَنّهُ ينظر إلى المستقبل بإيجابيّةٍ، علَّه يساعد الجيل الجديد على الإيمان بوطنٍ تحلم به عيونهم ولا زالوا ينظرون إليه ببعض أَملٍ، ووفير شوقٍ! 
إِنَّ "طائر الهامة" أَلح على مُعظم شخصيات الرّواية، إمّا ثأرًا بمُبادلة قتلٍ بقتل، أَم بإفصاحٍ عن حقيقةٍ واقعةٍ، بدل التمنطق بأَقمطة الكذب والمُداهنة، كشفًا لمستور يُسيء إلى نقاوة الإنسان فينا...
شُكرًا له طائرًا ملحاحًا، قض مضجع الدكتور جميل الدويهي، حثًّا له للعودة إلى ديار وطنٍ يعتزُّ به، وينتظر من نزف يراعه والفكر الكثير، تنويرًا على دروب جيل من المثقّفين الّذين يعشقون الوطن ويحتارون في كيفيّة التّعبير الصّادق عن حبِّهم له وتعلُّقهم به.