القصيدة التي كتبها الشاعر جميل الدويهي في مئوية سعيد عقل

 

سعيدُ، مــهْـلاً! إلـى أيــنَ المسِيرُ بــنــا

وأنتَ بـــعْـــدُ فــَتـيٌّ، مثلما الـــزهَــرُ؟

أنتَ الـْبـَدَعْتَ سمـــاءً لا حُــــدودَ لها

وفي يَـديــكَ شِراعُ الـــريــحِ، والمطرُ...

أنتَ الـْسكـبتَ ربـيـعاً فـي حـدائـقِـنا،

وبَعدَكَ الناسُ مـا قالوا، ومــا شعروا

قـدمـوسُ، أنتَ على الأمـواجِ تسبـقُه

إلى الـعـطـاءِ الـذي في الحِــبـــرِ يُختَصَرُ

وهانِبالُ الـذي مــــــن صُــــــورَ تُشبههُ

لكنَّ سيفَك لا طـعــنٌ، ولا شــــررُ...

هــو السلامُ الذي أوصـــى الإلــهُ بـــه

هــو القصيدُ الذي فـي الكأس يُعتصِرُ

هـــــو التفوُّقُ حتَّى قيل: مُـعــجــزةٌ...

فمن رُخــــــامِ يديكَ الشمسُ والقمَرُ.

 

مــَـنْ مثلُ لبنانَ في الأوطـــــــــــــان قاطبةً

حـــُـــدودُه الشعرُ، والأفكارُ، والسفرُ؟

مُعلَّقٌ فــي سمــــاء الخـــلْــــقِ، منطلِــــقٌ

إلى المجــــــــرَّةِ، حيثُ المجــــــــد ينتظِرُ...

ففي المـــــدى رمحُنا الـــعـــالي نشرِّعـــــهُ

وفي الكواكــب عــطــــــــرُ الأرز ينتشِرُ...

وأنت قلتَ: هــــنــــا تبقى مــنـــازلُـــنــــا

في الصخر، مـــــا همَّنا أنْ بيتـُنا الخطرُ...

هــــــذا الصغيرُ الذي حــــار الزمـــــانُ به

فالقَبلُ والبَعدُ مـــــــن آثــــــــارِه أثــــــرُ...

وأنتَ مــنــهُ، ولكـــنْ واحـــــدٌ أحــــــــدٌ

فأنتَ في قـلـــبــــِه الإحساسُ والكِـبَـــرُ...

وقــــــد تداخلتَ في أضـــــلاعِـــــه شجراً

فالخالِدان هــُـمــــا: لبنانُ، والشجَـــــــرُ.

 

مـــــا عـمــرُه الآنَ؟ قالوا: عــمــرُه مئةٌ!

لا... ليس يُحسَبُ في أعوامــــــه العُمُرُ...

فهل رأيتُم بِحــــــاراً ضـــــــاقَ شاطئها؟

وهـــــــل رأيتُم سيوفَ الشمسِ تنكسِرُ؟

فكم مـــــــن الناسِ مــــرُّوا في الحياةِ كما

يَـــمــــرُّ ظـــــــلٌّ ثــقـــيـــلٌ، ثــــمَّ ينحسرُ

لكنَّ مَــــــــــن أشعلوا حـــــبراً على وَرقٍ

فلا يعيشونَ أعـــــوامــــــــــاً كما البشرُ...

هُــــوميرُ مـــــــــا زال حتَّى اليوم يُطرِبُنا،

وفكْرُ سُقراطَ لم يفتُكْ بــــــــــــه القَدَرُ...

مَــــــــن لَوَّنوا غابـــــــة الأحلام نعشقُهم

وكلَّ يـــــــومٍ لنا مـــــــــن صوبـِهم خبَرُ...

وأنتَ منهم عـظــيـــمٌ، كلَّما ركـــضــت

بـــــــه الحياةُ، على الأزمــــــــانِ ينتصــرُ.

 

يــــا جـــــــارةَ النهرِ، قومي كـــي نسائلَه

عــــــن الخيال الـــــذي يــَــــرْقى، فيبتكِرُ

مَـــــن عَلَّم السحرَ إنساناً، فحيث مشى

تمشي القصائدُ، والأحلامُ، والصُّــوَرُ؟

في "رنْدَلى" الروحُ ما غنَّت، وما عشقَتْ

إلاَّ العيونَ التي في طـــــرْفِها حَـــــــــوَرُ...

و"المجـــــدَليَّةُ" أحــيـــــــاهـــــــا، وألبسهــا

لكي تعودَ عــــــــــروساً، تاجُـهـــا الظَّفَرُ

وتلكَ لبنانُ، لـــو تحكي، فعنه حكَتْ،

فمثْلَه شـــاعـــــراً لــــم تنجِبِ الفِكَــــرُ...

كَراسِمٍ في مجــــــــالِ الضـــــــــوءِ ريشتُه،

ووحيُه أبدعتْهُ الأنجُـــــــمُ الزُّهُــــــــــــرُ...

كناحتٍ قال مــن زهْــوٍ، ومـــن طرَبٍ:

أعطيتُك الروحَ، فانطُقْ أيُّها الحـــجــــرُ.

 

مــا كنتَ، يـــا عقلُ، في لبنانَ منعزِلاً...

فكلُّ مَـــــن ألبَسوكَ الكُفْرَ قـــــد كفَروا

كتبتَ يــــــومـــــــــــاً لأهلِ الشامِ أغنيةً،

هـــــل صَوتُ فيروزَ غنَّاها؟ أمِ الوتــــَرُ؟

ومصــــرَ أحببتَ، والأردنَّ، يــــــا وطناً

يـَضـيـقُ لـــولا يَـضـيـقُ الفكرُ، والبصَرُ!

كأنَّك الأرزُ، يعلو عـــــــن صغائرِنـــــا،

أو أنتَ صنِّينُ، فـــــوقَ الفَوقِ يفتخِــــــرُ

وهـــــــا فلسطـينُ مــــــــا زالت شوارعُها

تُصْغي إليكَ، وفي أحــــداقِها عِــبَــــــرُ...

أنت المسيحيُّ، للإسلامِ قــــــــــد هتفَتْ

أبياتُ شعرِك، فاهتزَّت لها الـعُـصُـــــــرُ!

غنَّيتَ مكَّةَ، والــتــاريـــخُ يَشهَــــــــــدُ أنْ

دِيـــــنٌ يُــفــَرِّق بــيـــن الناس، ينتحِـــــرُ.

 

تـــــريــــــدُ لبنانَ فـي العلياءِ، متَّصِـــــــلاً

باللهِ، تَـتـْبَــعُـه الـــدنـــيــــا، فـتـزدهِــــرُ...

مِـــــن قلبِه النـورُ في الأرجـــــاء منبعثٌ،

ومقلتاهُ ربــيـــعٌ ساحــــرٌ، نـَــــــضــــــــــِرُ

فانــظــــــرْ إلــيــه شبابـيـكـاً مُــخــلَّــعـــةً،

وقــــــد تربَّع في أنحـــــائـــــــه الضجــــرُ...

والفقرُ يأكلُه، فالناس مـــــــا شبعـــــوا،

خُــبـــــــزاً، ومــــــــا تعِبوا إلاَّ ليفتقِــروا!

أبناؤُنا مــــــا وراء البحرِ قــــــد نزلــــوا...

لولا العذابُ، ولولا اليأسُ مـــا هجروا

كاللاجئينَ، تــركـــنــا البيتَ منهَدِمــــاً،

بيوتـُنا الحــــــــزْنُ، والمجهولُ، والسهَرُ...

يــــــا مَــــــن تحدِّقُ فينا، لستَ تَــعـرفُنا،

ففي الوجـــــوهِ التي ودَّعتَها حُــــفَــــــــرُ.

 

هــــُـــمْ يقتلون عـــقـــــولَ التابعينَ لـهــم

فـعـنـدَهُــــمْ قيمةُ الإنــسان تــنــحَــــدِرُ...

ويــَــقـــرَؤُون كلامـــــاً، ليس يسمــعُـــــه

إلاَّ الذي عـنـدَه في روحِـــــــه صِـــغَـــــرُ!

وأنت تسكُــب مـــــن خَــــمــــرٍ مُعتَّقــةٍ،

فالناسُ كم شربوا كأساً، وكم سكِروا!

وتستغيثُ بــــكَ الـــــرؤيــــــا، فتجعلُـها

قصيدةً في كتاب الــزهْـــوِ تُـــدَّخَـــــــــرُ...

والشعر مـــــــا كان إلاَّ الروحَ خالــــدةً،

فالـــــروحُ فِكْـرتُه الـعـنـقـــاءُ، والسُّوَرُ...

وسوف يُكتَبُ: "أنت الشعْــــرُ فـــارسُهُ"

وسوف تُــذكَرُ في الأبطالِ، مــــــا ذُكِروا

يــــا بعلبكُّ التي في الصخــــــــــرِ واقفةٌ،

على عواميدِهــــــا الإعصــــــــارُ يحتضِرُ.

 

يــــا مَـــــن يُــزَحْـلِـــنُ دُنــيــــا، أو يلبْنِنُها

فـعـرشُ لبنانَ، لم يلحقْ بـــــــــــه النظَـرُ

فليس مــــــن ذهَب غـالٍ، ولا خشبٍ،

بـــل إنَّــه ياسمـــينٌ أبيضٌ، عَــطِــــــــــرُ!

أجـــــدادُنا قرَّبــــوا الأبعادَ مــــن قِــــدَمٍ،

فكم تَسمَّت على أسمائهم جُـــــــــــزُرُ!

قرطــــــــاجُ سيِّدةُ الــدنـــــيــــــا، وقلعتُها

فالفاتحـــــونَ على أبــــوابــِــهـــــا قُبـِروا...

نفْدي أليسارَ بالأرواحِ إن صــــــرختْ:

"إلى السلاحِ"، وهَبَّ العسكَــرُ المَجَــــــرُ

وجيشُ مقْدونِيا فــــــــي صـُــــــورَ منهزِمٌ

واِبنُها الفَذُّ في الأبــطــــالِ، منْدَحِــــــــرُ!

إنَّ الشقيقَ الــــذي في الحقلِ مــــــن دَمِنا

ومـــــــن شهادتِنا الأغصــــانُ، والثمَــرُ.

 

ننساك نـحــــنُ؟ وهــــــــل نَنسى أحبَّتنا؟

وهـُـــمْ كـــمــــا الرعْـدُ في أفكارِنا عبَروا

المُبْدِعـــــــونَ لهم صــــــــــــــوتٌ يُــــردِّدهُ

جَــــــوْقُ العصافيرِ لـمَّــا يدفُـــــقُ النهَرُ...

مــــــــاءَ الحياةِ أخذنا عـــــــن موائِدهــــم

ومـــــا أكلنا سـوى الخبزِ الذي كَسَروا...

يفنى الزمـــــانُ، ويبقى ذكرُهم أبَــــــــداً

والحبُّ يبقى كما الشعرُ الـذي سَطَروا...

فكُــنْ سعـيـدُ سعـيـداً فـــي مَــودَّتِـــنــــا،

فنحنُ أهلُكَ: مَن غابوا، ومَـن حضَروا

وعِشْ طــويـــــــلاً، فما التاريخُ مكتمِلٌ

إلاَّ بمــــــن صَـنــعــوا التاريخَ، وابتكـَروا

فالشمسُ مــــن بعدِهم شمسٌ مُطَأطَأَةٌ،

والكونُ مـــــن بعدِهم كالرمــــــلِ يَندَثِرُ.

جامعة سيِّدة اللويزة 8/7/2012

 

 

 

إلى شاعر الأجيال سعيد عقل في مئويّته لجميل الدويهي
قصيدة من عيون الشعر العربيّ وديباجة الشعر العموديّ

د. يوسف فرج عاد

الأنوار- الثلاثاء 20 تشرين الثاني 2012

 

من يقرأ قصيدة الدكتور جميل الدويهي في سعيد عقل ير أنّها لا أحلى ولا أبهى. فسعيد عقل والمجد توأمان. سعيد عقل والشعر ينبوع فيّاض. والشعر حوله له هالة واحترام.
إلى شاعر الأجيال سعيد عقل في مئويّته قصيدة تبرز المجد الذي وصل إليه سعيد عقل في فضاءات الشعر، عبر عطاءاته الراقية التي لا تحدّ. شعر صاف منقّى سطّره جميل الدويهي في مطوّلة شعريّة من عشر صفحات، هي من عيون الشعر العربيّ ، وديباجة الشعر العموديّ. شعر قد يكون من بين القصائد التي قد تنصف سعيد عقل، الشاعر الكبير، الذي لم يتّسع لشعره الكون، ولم تحدّه السماء. إنّه الإبداع والابتداع في عالم الشعر، بعد أن نفذ الشعر من مستشعريه يوم نحن أحوج إلى من يحلّ محلّ سعيد عقل، وقد لا يحلّ أحد مكانه لأنّه وسع المدى.
جمالات وإغراءات
ويطلّ جميل الدويهي بقصيدته السعقليّة بما تتمتّع به من جمالات في معانيها، وإغراءات في تراكيبها، فتنقلك من عالم الواقع إلى عالم الخيال، وترتقي بك إلى السموات العلى حيث المجد والسحر.
جميل الدويهي وسعيد عقل توأم القصيدة العربيّة نظرًا للسهولة في طرح الأفكار، لشدّ قارئها وسحره وإغرائه لمتابعة القراءة، لأنّ الكلام جميل، وقلّ من جاء بمثله. نؤكّد على ذلك، بقوله:
أنت البدعت سماءً لا حدود لها/وفي يديك شراع الريح والمطر/أنت السكبت ربيعًا في حدائقنا/وبعدك الناس ما قالوا وما شعروا/قدموس أنت على الأمواج تسبقه/إلى العطاء الذي في الحبر يختصر/وهانبال الذي في صور تشبهه/لكنّ سيفك لا طعن ولا شرر
وهل أجمل من القول الذي يكرّس الشاعر على أنّه فريد عصره بحيث بدع سماء، وفي يديه شراع الريح والمطر والربيع، وهل أجمل من هذا وأكمل أن يكون سيّد العطاء، ويوضع بين العظماء، لا بل يقدّم عليهم بما خطّ حبره، من سحر غزا البشريّة، وفكر هدى وسما، ووصل إلى أربع جهات الكون، مفتتحًا الحدود، قاطعًا المسافات، ناقلاً الجمالات، حاملاً الأفكار، معطيًا ممّا لم يقدر عليه الآخرون من عليّة القوم، فكنت السبّاق إلى بذل المكنون، وصقل الكلم والجمال في لوحات من الكمال عزّزها جميل الدويهي بشعره المتعالي في صراع الفكر والكمال بما يشدّ لما في شعره من كمال، بحيث جعله كلّ شيء: السماء والماء والشمس والقمر والهواء.
حبّ متدفّق
وقد يكون ذلك قليل على ما أعطاه سعيد عقل من نثر وشعر، في مؤلّفات عديدة غزت العقول والقلوب، وسحرت الألباب، ولما كسا شعره من حبّ متدفّق لوطنه، ولأرز بلاده وجباله حبّ ما بعده حبّ جعله يتمسّك ببلاده، ويدعو الناس إلى ذلك: وأنت قلت: هنا تبقى منازلنا/في الصخر ما همّنا إن بيتنا الخطر.
ينطلق الشاعر من عظمة سعيد عقل بالخلق والابتداع، غير أنّه يهبط به إلى المقارنات بالعظماء، فالعظماء قد يكونون دون الابتداع، وهو، وقد ابتدع، فالمقارنات تصغّره، فهو خارج عن المقارنات، هو الكمال، أو صنو الكمال، فلا قدموس ولا هومير ولا سقراط يقارنون به. ذلك أنّه الواحد الأوحد ص3، وقد جاءت الاقتباسات لتؤكّد هذه العظمة الفريدة المعطاء: في رندلى الروح ما غنت وما عشقت/إلاّ العيون التي في طرفها حور/وأعطيتك الروح فانطق أيّها الحجر ص5.
يكشف جميل الدويهي أنّ سعيد عقل نُقد على لبنانيّته في يوم من الأيّام، غير أنّ من يُكفّر ليس بكافر، فهي التهمة توجّه إلى العظماء، فحبّه شعّ إلى الأقطار العربيّة جميعها، فأحبّها، وأكّد ذلك بأنّ غنى الشام وفلسطين ومكّة، غير مفرّق بين بلد وآخر، وبين مدينة ومدينة، فنبضه نبض العرب الأقحاح من غير أن يضوع في جمالات لبنان وأرزه وحسب، فكان للبنان والعرب على حدّ سواء: غنيت مكّة والتاريخ يشهد أنّ/ دين يفرّق بين الناس ينتحر ص6
النجم والفرقد الوقّاد
يرى جميل الدويهي أنّ سعيد عقل جعل من لبنان النجم والفرقد الوقّاد يوم حاول بعضهم أن يدمّره، فيفرّق أبناءه في سائر أرجاء الدنيا: أبناؤنا ما وراء البحر قد نزلوا/لولا العذاب ولولا اليأس ما هجرواص5. ويظلّ سعيد عقل المشعل، فلن يُهزم، وسيظلّ صانع التاريخ، ومعقلن الناس، ومزحلن العرب، وملبنن العالم، يقتدي به النابهون، ما همّهم زلّة قدم، أو خسارة معركة، فبلادنا كطائر الفينيق تنهض من بين الرماد وتنطلق، فبلادنا ما خلت من السعقليّين العاملين أبدًا ودومًا، ليبقى لبنان في مصاف الرقى والنجم والسهى. ويظلّ الفكر في سموّه، ويبقى الزمان شاهدًا عليه، وتظلّ القيم ما بقي كون، وما بقيت حياة نبّاضة في دماء الرجال، ويظلّ الشعر شاهدّا على كمال وعلى جمال ما دام نبض ينبض، وروح تشتعل في جسد: يفنى الزمان ويبقى ذكرهم أبدًا/والحبّ يبقى كما الشعر الذي سطروا.
منتهى التعظيم والإجلال
يصل جميل الدويهي إلى مكان يرى أنّ الكون بلا سعيد عقل فناء، وهذا لعمري منتهى التعظيم والإجلال لما في روح المؤلّف من حبّ مضواع لشاعرنا الكبير سعيد عقل، وهذا قليل على من أوصلنا إلى أبعاد الكون كلّها.
عصرنا ننتسب إليه، ونردّد: نحن نعيش في عصر سعيد عقل: وعش طويلاً فما التاريخ مكتمل/إلاّ بمن صنعوا التاريخ وابتكروا/فالشمس من بعدهم شمس مطأطأة/والكون من بعدهم كالرمل يندثر
إنّ قصيدة جميل الدويهي في سعيد عقل هي من عيون الشعر، ومن نبض القلب، هي الحياة كلّها، والفرح والربيع والخريف والشتاء، هي كلّ من يتوق إلى كمال وجمال يتضوّع في الكون ويحيي العالم.

 

^^^

 

 

إلى الشاعر الكبير سعيد عقل في يوم رقاده

للشاعر الدكتور جميل الدويهي

 

تداعت عروشُ الفكرِ، وانهارَ معبَدُ

وطار جَناحٌ في العناوينِ أسودُ،

وضجّت خيولُ الموتِ في كلِّ ساحةٍ

كأنّي بها من بعضها تتولّدُ... 

وحين يطولُ المبدِعون سكوتُهم،

فنحنُ جميعاً في المدى نتشرّدُ

ونبكي علينا، إذ فقدنا وجودَنا

ولم يبق إلا صرخةٌ تتردّدُ... 

وإن صَحّ أنّ الموتَ يمحو بكفِّه

فأنتَ الذي في موتِه يتمرَّدُ

وإنّ جبالاً في السماءِ رؤوسُها

تظلّ طِوالاً، والأعاصير ترعُدُ

وإن بحاراً لا تجفّ مياهُها

وإنّ هديرَ الشعر لا يتبدّدُ... 

 

يقولونَ: قد غطّى الضبابُ مدينةً

وما ظلّ في الشرقِ البعيد مُغرِّدُ

وكانت له في كلِّ فجرٍ قصيدةٌ

إليها يتوقُ العاشقُ المتوجّدُ

صروحاً بناها، فالعواميدُ مرمرٌ،

وقاماتُ شعرٍ في المدى تتصعّدُ

ونحْتٌ بإزميل الخيالِ، فوَردةٌ

على شَعر "يارا"، وهْي تجري وتقعدُ

وشالٌ رقيقٌ حول خصرٍ مُراهقٍ

يتيه على الدنيا، ولا يتقيَّدُ

وغمزٌ إلى العشّاقِ يمضي بحدِّه

فهل من نجاةٍ، وهْو سيفٌ مُهنَّدُ؟

إذا قيل شعرٌ، قيل: أنت كبيرُه

فأنتَ على عرش الكتابةِ سيِّدُ

ملأتَ كؤوس الحبِّ خمراً عتيقةً،

بها رِندلى جُنّت، وأرهقَها الدَّدُ

وأطلعتَ من لبنانَ كوناً، فما له

حدودٌ، سوى الفكرِ الذي يتوقّدُ... 

وكم من صغيرٍ قد رماكَ بسهمِه

وفي ظنِّه أن العماليقَ تسجُدُ... 

وكم من قصيرٍ لاعبَ السيفَ لحظةً

وعند النزالِ انهار، وارتجفت يدُ

فأين اكتشافُ البُعدِ؟ أين قصيدةٌ

من السحرِ، ليست تَشتَهي وتقلِّدُ؟

مساكينُ كانوا يذهبون إلى الوغى

وأفراسُهم فوق الميادين تجْمدُ... 

ولم يكتبوا شعراً يليقُ بشاعرٍ

وما رصّعوا بيتاً يعانقهُ الغدُ... 

يسيرون تيهاً، والبلاءُ بلاؤهم

وأشعارُهم في السوق لحمٌ مقدّدُ

ففي كلٍّ تاريخ مسيحٌ مخادعٌ

وفي كلِّ عصرٍ مدّعٍ "يتبغْددُ" 

قليلٌ حماةُ الدارِ، والقول سائرٌ: 

لغيرِ الرماحِ البيضِ ما كان سُؤدَدُ. 

 

ومَن قال إنّ الموتَ ما أخطأ الفتى؟

ومن قال إنّ القبر حبسٌ مؤبَّدٌ؟

صغيرٌ مكانُ النعشِ، والبَدعُ واسعٌ

فهل ينطوي في عتمةِ الأرض فرقَدُ؟

من الناسِ من كانت ظلالاً حياتُهم

ومنهم كبارٌ في الزمانِ تمجّدوا... 

ومنهم على حصدِ الرياحِ تهافتوا

ومنهم على غزو النجوم تعوّدوا... 

فيا عقلُ، أنتَ النارُ بين ضلوعِنا،

فلا تنطفي يوماً، ولا نحن نَبرُدُ... 

وما زحلةٌ إلاّ عروسٌ تمايلت

على النهر، والأطيارُ في الحور تُنشِدُ

تعودُ إليها متعباً، وتضمُّها،

وقبرُكَ مكتوبٌ عليه: "مُخلّدُ"... 

 

سعيدُ، بكاكَ الغيمُ، والثلجُ هاطلٌ

ونعشُكَ في البهو الحزينِ مُمدّدُ

وصارت من الزلزال في الأرض نكبةٌ

فلم يبقَ مرفوعاً بناءٌ معمَّدُ... 

ولكن تمهّل، أنت لست براحلٍ

فروحُك أنغامٌ، وبيتُك مقصَد

ونحنُ جميعاً من قوافيك نغتَني

ولولاك ما كنّا الصباح نُهدهِدُ... 

فيا سيّدي، يا من أضاءَ مدينتي

بنورٍ إذا أطفأتُه يتجدّدُ... 

سقتْك الغوادي يا حَبيباً مودّعاً

ويبقى لنا قبل المواعيدِ مَوعدُ. 

 

سيدني في 1-12-2014