انتقل رياض من بيت سالم إلى فندق صغير غير بعيد عن المستشفى الذي يعمل فيه. وكم كانت دهشته كبيرة عندما زاره شفيق في غرفته، فاستقبله رياض بحفاوة، واعتذر منه، لأنَّ الفندق متواضع، والغرفة التـي يقيم فيها صغيرة جدّاً. ابتسم شفيق، وقال:

لا تهتمَّ، لن أمكث طويلاً... لقد جئت لكي أطمئنَّ على حالك، وأعبِّر لك عن امتعاضي ممَّا حصل... لقد أزعجنـي أنَّك تركت البيت...

أجاب الشابُّ مرتبكاً:

كيف عرفت أنَّنـي أقيم هنا؟!

وقع السؤال على شفيق ثقيلاً ومُحرِجاً، فتردَّد ثمَّ أجاب:

التقيت بعمِّك سالم... فأخبرني بأنَّك أقمت عنده، ثمَّ انتقلت إلى هنا... هل أنت بخير؟

- الحمد لله... لكنَّنـي أشعر بالوحدة... ويراودني خوفٌ على أمِّي... ولا أعرف كيف يمكنها أن تهتمَّ بأمورها...

- أنت على حقٍّ... وقد يكون في غير مصلحتـي أن أتدخَّل في موضوع عائليٍّ، بيد أنَّنـي في الوقت نفسه، أعتبر نفسي بمثابة صديق للأسرة، ويحقُّ لي أن أكون منزعجاً من هذه الأزمة...

سكت شفيق، وهو يراقب محدِّثه باهتمام، وكأنَّه يطلب منه إذناً بمتابعة حديثه. فما كان من رياض إلاَّ أن هزَّ برأسه، وأشار بيده إلى شفيق، هامساً:

إنَّها امرأة عظيمة جدّاً، وقد عانت الكثير بعد مقتل والدي، لكي نبقى على قيد الحياة... أنا أقدِّر ما فعلتْه من أعماق فؤادي، وأنحنـي لأقبِّل يد المرأة العظيمة التـي كان لها فضل عليَّ.

- هي عظيمة فعلاً... وإنَّها غاضبة لأنَّ سعاد هي ابنة القاتل...

امتعض رياض من تعابير شفيق، ولكنَّه حافظ على هدوئه ورباطة جأشه، فيما كان شفيق يمسح عن جبينه عرقاً متصبِّباً، ويقول:

- سعاد غير مخطئة... غير مخطئة طبعاً، لكنَّ المجتمع له حكم آخر...

ظلَّ رياض ساكتاً، كأنَّه لا يسمع ما يقوله الرجل. كان على يقين بأنَّ أمَّه هي التـي دفعت بشفيق لكي يأتي إليه، ويحاول إقناعه بالتخلِّي عن سعاد كثمن للعودة إلى البيت. نعم، فإنَّ سلوى لا تستطيع أن تقبل بامرأة في بيتها هي ابنة قاتل زوجها... فالدم الذي أهرقه الجلاَّد على مذبح البراءة لا يغسله مطر النسيان...

قال رياض كأنَّه يفيق من غياب:

متى كان المجتمع صالحاً، والبشر أتقياء؟ ومتى كان الله خاضعاً لما يمليه عليه الناس؟... إنَّ الشريعة الحقيقيَّة ليست موجودة في الأفكار، والتقاليد الموروثة... والرجل المؤمن لا يسمح لأحد بأن يأخذ شريعته منِّه.

كان كلام رياض قاطعاً وقويّاً، فلم يجد شفيق عبارة واحدة

تنجده، فتبعثرت أفكاره وتبدَّدت كالرياح. لقد جاء إلى الفندق متأبِّطاً شرَّه، وراغباً في إعادة الزمن إلى الوراء، فإذا به يعود من معركته بخفَّي حنين. أفهمه رياض من خلال نظرات حادَّة أنَّ الموضوع انتهى، وأنَّ الوقت غير ملائم للنقاش في كرويَّة الأرض. وعندما كان شفيق يعبُر المسافة القريبة التـي تفصله عن الباب، كانت خناجر الضغينة تتكسَّر في يديه، ولا يبقى منها غير الصدى.

ظلَّ رياض وحيداً، يعبر الفضاءات الواسعة بجناحين، ويهبط عند نجمة بعيدة. أخذ نفساً عميقاً، ثمَّ جال ببصره في الغرفة، فلم يبصر فيها إلاَّ أشياء مصنوعة من الخشب، والحديد، وآنية فخَّاريَّة لا روح فيها... وعلى النافذة القريبة منه، عند متناول يده، تفتَّحت زهرة بيضاء، أقحوانة بلون الثلج، في وسطها اصفرار جميل. تلك الزهرة لم تكن ههنا بالأمس، ولعلَّها تفتَّحت في أحلامه. خاف أن تخاف منه، فجمد لكي لا تذبل، ويفقد الصباحُ رائحة الولادة. الزهرة هي سعاد، ولذلك اطمأنَّ، وسار إليها ببطء وهدوء. فتح النافذة، فارتقصت أوراق الزهرة، وفاح منها عبير طيِّب. شرَّعَ يديه ليعانقها كأيِّ عاشق مجنون. كان يدفعه صراخ قلبه، ويقوده شوقٌ لا حدود له. سمع صُراخ بائع في الشارع، فعاد إلى وعيه، وترك الزهرة وشأنها، لكي تتمايل في أحضان الهواء الطليق، وتنفض على خيوط النَّهار قطرات من دموع الفرح. كانت الزهرة وحيدة أمامه في خجلها، ورقَّتها، وشبابها... في سكونها... وفي صراخها المكبوت...

هو أحبَّ هذه الزهرة، وسيحبُّها. سيسكب من ماء عينيها على عطش الحقول، وسيجعل من ضفائرها أرجوحة للشموس. سيرافقها في هروبها من الخرائب الحجريَّة إلى حدائق الغناء والصلاة. وسيدخل معها إلى ملكوت الحبِّ، فقيرين إلاَّ من الإيمان بالمحبَّة، والمحبَّة رداء للقداسة... نعم، عندما يرى سعاد سيقول لها إنَّ حبَّه سيضع حجراً على نعش الحقد، ويكسر شوكة السلاح، ويوقف الليلَ الزَّاحفَ بقدمين من حديد... حبُّه سيصنع كلَّ ذلك، وسيكون شمعة مضيئة في معبد الحلم والحقيقة.

في أصيل ذلك اليوم، خطر لرياض أن يزور العمَّ سالم في منزله. ابتسم العمُّ لابن أخيه، وهتف له:

مرحباً يا رياض... لقد جعلت البيت فارغاً، وتركتنـي خلف جدران السأم والرتابة...

قال رياض لعمِّه وهو يعانقه بحرارة:

كيف حالك يا عمِّي؟

-الحمد لله... الحمد لله... أخبرني عنك... هل عادت المياه إلى مجاريها؟

-الوقت كفيل بمداواة الجروح...

- هكذا كان يقول أبوك دائماً... لم يكن شيء يبعث فيه الصعف والخمول... آه... كم أتذكَّره في الليل والنهار! لقد كان من خيرة الناس في هذه المنطقة...

-كانت ضريبة الحرب ثقيلة علينا، ولا نزال تدفعها إلى الآن.

-أنت كنت صغيراً عندما نشبت الحرب... لقد خسرتُ من جرَّائها جميع ما كنت أملك، فاضطررت إلى مغادرة البلاد... كان الناس ينتقمون من إله الناس، والأبرياء هم الذين دفعوا ثمن الخلاف بين الأرض والسماء.

لمعت مقلتا العمِّ سالم، ثمَّ ابتسم وقال بحزن عميق:

فقدتُ والدك... وفقدت أيضاً المرأة التـي كنت أحبُّها. كنَّا بريئين معاً كحمامتين في فضاء أزرق... إنَّ القدر يا بنـيَّ عدوٌّ للمساكين وطيِّبي القلوب...

-ألم تحبَّ امرأة أخرى بعد ذلك؟

-كلاَّ، فالحبَّ الحقيقيَّ أيقونة لا تصدأ.

- فهمت ما تعنيه... لكنَّك رجلٌ مكافح، وقد تمكَّنت من اجتياز المراحل الصعبة...

- نعم... لقد عملت بجدٍّ لكي أعيد بناء هذا البيت... فالله لا يجبُُّ المستسلمين، والشجاعة هي السحر الذي يصنع النسيان.

- استمتعت بكلامك يا عمِّي... وأعدك بأنَّنـي سأزورك حين تسنح لي الفرصة... أو عندما أحتاج إلى حكمتِك...

-أبيعك كيساً من الحكمة بدينار... هل يعجبك هذا؟

ضحك سالم، وضحك رياض معه. وعندما غادر الشابُّ عائداً إلى الفندق، كانت كلمات عمِّه لا تزال ترنُّ في أذنيه. يا له من رجل مكافح أشبعته الحياة خبزاً يابساً، وتجربة مرَّة! والعمُّ سالم يشبه الكثيرين من أهل المنطقة، الذين اقتحمت الحرب منازلهم، فاقتلعت أبوابها ونوافذها، وأحرقت محتوياتها، ومَن لم يمُت منهم برصاصة أو طعنة، آثر الهروب والسلامة... وبالرغم من ذلك، فقد تخطَّى الناس ظروف الحرب، وعادوا إلى حياتهم، وكأنَّ شيئاً لم يكن، وبقي آخرون يتحرَّقون في نيران الذكريات، ويلتفُّون بالأحزان والسواد.

لقد انتهت الحرب، كما انتهت حرب داحس والغبراء من قبل... ومع ذلك، فأنَّ الأسد الرهيص ما زال منتظراً، ودخان الحرائق ما برح يتصاعد في السماء، وصدى الخيولِ الجامحة يُسمع في الزَّوايا، والسَّاحات، والدُّروب. الحرب هي الخطيئة المميتة التـي لن يغفر إله ما أنزلته من الآلام والمآسي، بل هي دليلٌ قاطع على وحشيَّة الانسان، وبدائيَّته، وخضوعه للعقل، وتجرُّده من العاطفة... العقل هو الآلة الهدَّامة التـي تفلت من كلِّ الضَّوابط، فتقتل، وتجرح، وتُشرِّد. أمَّا العاطفة، فهي منبع الصدق والحكمة. هي الجُرأة على التَّسامح، والشَّفقة على فقير عار، والشَّجاعة على تحرير العبيد من عبوديَّتهم... وهي المحبَّة للإنسان مهما كان لونه، أو دينه، أو مُعتقَده. العقل يُمسك بالبشر من آذانهم، ويدفع بهم دفعاً إلى معركة الوجود، والقلب يأخذ بيد المرء، ويقوده إلى مسالك الحبِّ والفضيلة. وكم هو جميل أن ينسجم العقل والقلب في نغم واحد فيه الجمال والسلام والإبداع!

عبرت خيول الزمن بسرعة، وتراكضت الأيَّام، ورياض لا يسمع شيئاً عن سعاد، فقد انقطعت أخبارها. وجد رياض نفسه ضائعاً في محيط من الشكوك والهواجس، فحملته قدماه من غير أن يدري على طريق خال من الناس... كان الهواء خفيفاً يحمل رائحة الأمواج إلى رئتيه، وطيور النورس أجواق في حفلة نهاريَّة. وصل إلى رمال الشاطئ، وراح يقرأ بصمت كتاب الموج المحدِّث عن أسرار الوجود. كلُّ موجة تحمل خبراً. أخبار لا تنتهي، وبائع الأخبار ذو رداء أزرق وفم مالح.

كان بعض الصبيةِ يراقبون طيَّاراتهم الورقيَّة، لكنَّ الفتى الذي كان يحلم بأن يطير، لم يكن هناك. سأل رياض عنه، فأجابه الصبية:

لقد وجد والده عملاً في الخارج، فهاجرت الأسرة... نعم هاجرت، كما هاجر المئات من الناس، بحثاً عن وظيفة، أو عن أوطان جديدة، يؤمِّنون فيها لقمة العيش بشرف وكرامة، بعيداً عن التسوُّلِ والذُّلِّ، وتقبيل الأيدي...

حزن رياض لمصير الفتى... ورياض نفسه فقد العديد من زملائه، ممَّن أغوتهم الغربة، فتركوا منازلهم وأحِبَّتهم، وسكنوا في عناوين مجهولة، وشوارع مظلمة. كتبوا له عن تجاربهم الصعبة، وعن حزنهم لمغادرة الأهل... ولكن ماذا كانوا سيفعلون في وطن، لا تُعطى فيه الوظيفة إلاَّ للمحسوبين على هذا النائب أو ذاك الوزير؟

قوم من الجهلة يقودون جهلة آخرين، ويتحكَّمون بمصائرهم، بل عميٌ يقودون ذوي بصائر، فيضلُّون معاً، ويصلون إلأى جنازات.

كان رياض يتمنَّى لو أنَّ جيل الشباب ينقضُّ على أطلال الأمس، وأعمدته الباردة، فينتزعها من أمكنتها، ويرمي بها في الغياهب. وكان يؤلمه أن يرى العدل في بلاده واقفاً على قارعة، يمدُّ يده الكئيبة جائعاً، متسوِّلاً، فلا يسمعه أو يراه أحد.

 

^^^

 

"سلام عليك أيُّها الحقد... وسلام عليكَ أيُّها العزف الأعمى في شارع المطر. سأرتدي ثيابي وأخرج من هذه الجثث القديمة. سأخلع باب الكلمات، فالكلمات سكاكين على سطور... وسأقول للناس الذين يكرهوننـي: أنا قتلت حقدكم، وحطَّمت أصابع الليل... منذ أعوام وأنا أنتظر عربة لتأخذني إلى جسر الضياء، لكنَّ السائق يشرب على الرصيف. خذوني إلى السائق لأتشاجر معه، لأزلزل الأرض تحت قدميه، ولأنشب أظافري في ابتسامته الصفراء. رجل مريض... يرافقني من مكان إلى مكان، ولا أعرف كيف يرتِّب الأمكنة والعناوين. وحين أسأله: ما شأني وهؤلاء الناس؟ يقول: هم البحر وأنت المركب... فأصرخ أمامه: غلط... إنَّنا في كابوس... أنت لست حقيقة، وأنا والناس لم نكن يوماً حقيقة. عليَّ أن أكون البحر وأنتم جميعاً مراكب... هكذا يمكن أن أكون واحداً لا أكثر... وأصبح جفافاً خلال عصور.”

(من أفكار فؤاد السرنوك)

كانت سلوى مستلقية على سريرها بعد الظهر، وقد أحسَّت بصداع، فأغمضت عينيها من تعب، ورأت حلماً غريباً، فحاولت أن تهرب منه إلى اليقظة:

"كانت تنظر من النافذة إلى الغابة القريبة، علَّها تقع على الطائر الغائب، وبدا لها أنَّه صُرع في إحدى معاركه مع طائر آخر، فالغابة منزل الشرور، والأظافر الحاقدة، والقلوب العمياء. الغابة هي عالم الأشباح المتمرِّدة، وقد لفظتها أجسادُها في ظلال الأشجار الداكنة. الغابة صراخُ الأجيال الماردة في ليل يطول.

كان الغابُ ساكناً، لا صوتَ فيه. وأيدي أشجار الشربين تعلو إلى غيمة بيضاء، لتفرش عليها بساطاً من العتمة.

تدثَّرت سلوى بنسمة باردة جاءت من البعيد، وفتحت عينيها جيِّداً، فرأت ذلك الطائر يطرق على زجاج النافذة بمنقاره، فتفتح له، وهي سعيدة مثل طفل نزق. رنَّت ضحكتها في أرجاء المنزل. ضحكة عاتية كسواعد الحطَّابين... كهدير العاصفة في الأزقَّة الموبوءة. نزل الطائر على يدها، وحدَّق في وجهها. كان وجهها طافحاً بالسعادة، فانقضَّ الطائر عليه وراح يضربه بمنقاده. يضربه حتَّى العظام، فيفور الدم ويغطِّي الجدران والأرض. دم كثير كينبوع، وأحمر قاتم كشفق الخريف.

صرختْ من الألم، فلم يسمع صراخها أحد. تخلَّعت الأبواب والنوافذ، ودخلت إلى البيت طيور أخرى، فأصبح الجوُّ أسود. وكانت هي تدور على نفسها، وتحاول بيدين ضعيفتين إبعاد الطيور. وبعد لحظة، لم تعد ترى شيئاً. ولم تعد تسمع إلاََّ رفيف أجنحة، وصخب مناقيد.

أرادت أن تركض نحو الباب، فعلقت رجلاها بصمغ. من أين جاء الصمغ إلى أرضيَّة المنزل؟ ولماذا لا تستطيع أن تخطو خطوة إلى الأمام لكي تنقذ نفسها؟ وكيف تضاءلت قوَّتها، وانهار جبروتها، وأحسَّت بمرارة في شفتيها، وفي حلقها، ثمَّ انقطع صوتها؟"

أفاقت المرأة من النوم، وهي تتنفَّس بصعوبة، وكان الخوف يحفر على ملامحها خطوطاً عمياء. شربت قليلاً من الماء لتطفئ بركان العطش، وحدَّقت في العالم، فوجدته خالياً إلاَّ من صدى يتردَّد بين الأشجار السوداء، وحفيف النسائم على الأوراق المرتعشة.

تركت سريرها، وسارت في المنزل بحذر، فهي خائفة من أن تعلق رجلاها بصمغ، أو أن تهاجمها أطيار مختبئة تحت المقاعد.

وقعت عيناها على صورة زوجها، فتراءت لها في لحظات مسرعة كلُّ مآسي الماضي، من مقتل سعيد، إلى صراعها مع وحوش الأقدار، حين كان الرغيف يؤخذ من براثن الوجود بدموع المآقي وسهر العيون، وكانت اللقمة مغامرة في وادي الألم. امرأة وحيدة في زمن وحيد، ومرير، وعارٍ... لا شمعة تنيره، ولا طريق فيه يوصل إلى مكان. غير أنَّ القوَّة في الذات هي المجذاف إلى البحر البعيد، وعندما يتصوَّر المرء أنْ ليس بإمكانه النجاة من الإعصار، فقد يجد خشبة عائمة يتشبَّث بها، وينجح في الوصول إلى الشاطئ.

تمتمت المرأة وكأنَّها تتحدَّث إلى أحد: "الحياة ناقصة من غيرك يا سعيد، لكنَّها تجري إلى الأمام، في عجلة ورهبة. وقبل أن يجفَّ حبر الغيوم عن صفحة السماء، قد يدخل السارق ليلاً، فكيف أستطيع بعد ذاك أن أراك في الخلود ويداي فارغتان؟

عليَّ أن أشبع الطائر لكي لا يهاجمنـي بشراسة الجياع، ويرمينـي جثَّة بلا حراك... ومَن هُم الطيور الآخرون، غير الناس الذين يرمقونني بنظرات اللوم والتشفِّي، ويسألون بشفاه جافَّة ومالحة: أهكذا ينتهي وجود ولا يكون له ثمن؟

فوق رأسي فضاءات من الظلام، متكاثفة... سماء فوق سماء، وأثواب حالكة فوق أثواب حالكة. وأسأل في حقول الصقيع عن ذرَّة سعادة، فلا أجد. لقد أصبح الكون شحَّاذاً دامع المقلتين يبحث عن باب مفتوح، وصار النهارُ خائفاً من خطاه، غريباً في الغرباء.”

أجهشت المرأة بالبكاء، والتفتت إلى صورة زوجها الراحل، فبدا معاتباً لها على حاضرها المقيت، لكنَّها تسلَّحت بقوَّة مفاجئة لتحدِّي ذك العتاب.

 

^^^

 

كانت سعاد تقود سيَّارتها عائدة إلى منزلها أثناء الليل، فتجاوزتها سيَّارة مسرعة، لتسدَّ عليها الطريق، ثمَّ نزل من السيَّارة الثانية رجل مقنَّع، فانهال على الفتاة ضرباً، وهي تصرخ وتستغيث، فلا يجيبها إلاَّ الفراغ.

ضجَّ الناس بخبر الاعتداء على سعاد، وتوافد بعضهم إلى منزل آل السرنوك ليطمئنُّوا على صحَّة الفتاة، التـي كانت مصابة ببعض الجروح في وجهها. وشاعت رواية واحدة عن الحادث، وهي أنَّه فصل من فصول العداء القائم بين عائلتـي السرنوك والدروبي، ولكنْ مَن هو الفاعل؟ هذا هو السؤال الخطير الذي لم يعثر له أحد إلى جواب.

عند سرير سعاد، كانت هدى ترنو إلى وجه ابنتها، ودمعة صامتة على جفنِها الأزرق. سألتها بهمس لطيف:

هل تريدين شيئاً؟

- شكراً لكِ... شكراً لله الذي أنقذني من براثن ذلك الحيوان المفترس...

- هل تظنِّين أنَّه من آل الدروبي؟

- لا أعتقد ذلك، فالرجل الوحيد الذي قد يفكِّّر في الثأر من والدي هو رياض... وأنا أعرف أنَّه رجل مسالم، ويكره الحقد بين البشر...

- هل اتَّصل بكِ؟

- لا... فقد أخطأتُ في حقِّه...

- تلك حماقة. لماذا تفعلين هذا؟!نحن نصنع الحياة ونجعلها حديقة إذا شئنا... مَن سيبدأ ثورة على الموت والرعب إن لم تبدأ الثورة من هنا؟

- ووالدي... ماذا سيكون موقفه من علاقتـي برجل من آل الدروبي؟

- ألا تعلمين أنَّ والدَك يعيش بين جدران اليأس والندم؟... والدكِ يتصرَّف وكأنَّه غائب عن الوعي، ويتخبَّط في مجاهل الحياة، فاقداً لطريقه، وغير مدرك لما يفعله...

- إنَّه واحد من الناس الذين أخاف منهم...

- هل أنتِ مجنونة؟ يمكنكِ أن تهربي مع رياض إلى أبعد جزيرة في المحيط... مَن يستطيع أن يلحق بكما إلى هناك؟... اسمعي يا ابنتـي... إنَّ الحبَّ الذي يجمعكما هو الطريق الوحيد لعودة الروح إلى مَن فقدوا أرواحهم...

- أنتِ تسهِّلين عليَّ الأمور...

- صحيح، فأنا لا أريد لكِ غير السعادة...

-هل عرفتِ الحبَّ يا أمِّي؟

أخذت هدى نفَساً عميقاً، وراحت تقلِّب صفحات من ذكرياتها... ثمَّ قالت:

نعم أحببتُ... أحببت والدَكِ، وكنتُ أعرف أنَّه يرى فيَّ صورة لفتاة كان يحبُّها وهو فتى صغير... وقد حزِن لموتِها من جرَّاء مرض... كانت فتاة مُقْعَدة، وتعزف الموسيقى... وفي ريعان شبابه أحبَّنـي، وكان هناك رجل آخر ينافسه على قلبـي، هو شفيق... أنتِ تعرفين شفيق... رجل فارغ، ويعتقد أنَّه مسلَّط على النساء...

- شفيق... ليس غيره؟...

- نعم... شفيق... وقد كرهته من أوَّل لقاء بسبب غروره،

وسوء تصرُّفه.

فكَّرت سعاد قليلاً، وحدَّقت في سقف الغرفة، بينما كانت هـدى تنصرف، وهـي تحمل صينيَّة عليها كأس فارغة، وبعض قطع الحلوى الصغيرة...

بعد قليل دخل فؤاد السرنوك ليطمئنَّ على ابنته. قال لها بنبرة صاخبة:

ليتنـي أعرف من فعل بكِ هذا لأنتقم منه شرَّ انتقام!

-دعكَ من هذا. لن ننتقم من أحد...

-هل نسمح لأحد بالاعتداء علينا، ونسكت؟ نحن آل السرنوك...

تضايقت سعاد، وهزَّت برأسها قائلة:

نحن لا نعيش في عصور القبائل... أفهمتَ ماذا أقصد؟ لعلَّ رجال الشرطة سيعثرون على الجاني ويعاقبونه...

 

^ ^ ^

 

"القتلة كثيرون لكنَّ القاتل واحد. الموتى أكثر من القبور، والهواء يحملهم إلى أبعد من الموت. وعلى الرغم من عددهم، فإنَّ المقتول واحد. الحرب ليست بين البشر، بل هي بين آلهة. وأنا أريد من الآلهة أن تتحارب، لكي تميِّز بين الثأر والغفران. غداً ستنقضُّ العاصفة على شجرة، فتعرِّيها، لكنَّ العاصفة كانت عارية قبل أن تولد. الشجرة إذن إله التمرُّد، والعاصفة ضحيَّة. هكذا يقول الأنبياء ويصدقون. وهكذا أنتصر أنا، لأنَّنـي ولدت من الخطيئة وبكيت عليها في مهدِها. لكنَّنـي أمام الخطيئة إله قويٌّ، وليس عليَّ إلاَّ أن أتجرَّد من الذكريات، فالذكريات جريمة. الذكريات تعطينـي حبلاً لأقتل نفسي. وعليَّ أن أقتل الذكريات قبل أن أموت بدقيقة واحدة."

(من أفكار فؤاد السرنوك)

عاد رياض من زيارة إلى أحد المستشفيات في البقاع، فتوجَّه إلى الفندق حيث مكث قليلاً، ثمَّ قصد مستشفى المنطقة، حيث علم من إحدى الممرِّضات بأنَّ الفتاة التـي رافقها ذات يوم إلى المستشفى، قد تعرَّضت للضرب على يد مجهول.

أسرع رياض إلى مكتبه، ليتَّصل بسعاد. كان قلبه يقفز في صدره، وعقله في حالة من الجنون... انتابه خوف وهو يبحث عن رقم هاتفها... وكان يرجو ألاَّ يصطدم بصوت والدها، فيخيب أمله، ويزيد عذابه. ولكنَّ رغبته في الحديث إلى سعاد كانت أكبر من مشاعر الخوف والحذر. ردَّت هي، فعادت إليه روحه، وعجزت الكلمات القليلة التـي تفوَّه بها عن تصوير ما في داخله من شوق، وحبٍّ، وخوف، وغضب...

وبعد أن اطمأنَّ إلى حالتها، همس لها من بعيد: "أريد أن أراكِ..." فطلبت منه أن يستكين، ومن أين له أن يأتي بالسكون، وكلُّ ما حوله صاخب صاخب؟

ظلَّ رياض وحيداً وشاحباً في ذلك النهار، لا رفيق له سوى أفكار مشوَّشة، ونار متأجِّجة في صدره. زاره عمُّه على حين غرَّة، وفي فمه كلام. قال سالم:

أريد أن أوضح لك شيئاً مهمّاً... يتعلَّق بمستقبلِك... ألن تطلب منِّي الحكمة؟

-بلى... أطلبها...

-وهل تعدني بأن تصدِّقني؟

- أصدِّقك طبعاً... أنت تقول الحقيقة.

نظر العمُّ سالم يميناً وشمالاً، ثمَّ همس لرياض:

عندي حدس بأنَّ فؤاد السرنوك لم يقتل أخي...

- ما الذي يجعلك تفكِّر في ذلك الآن؟

- لا أدري... لقد كنت دائماً أعتقد أنَّ ما حدث كان لعبة خبيثة... غير أنَّنـي لم أكن قادراً على إثبات ذلك...

-ولماذا تبوح به بعد سنوات طويلة؟

-إنَّنـي خائف على الحبُّ، وأخشى أن يفقده أحد غيري... لا تتراجع خطوة واحدة إلى الوراء مهما كانت التضحيات... أنت وسعاد قادران على تحطيم القيَم البائدة، التـي مسخت الإنسان وحوَّلته إلى شيطان... اسمع يا بنيّ... عليك أن تحقَّق الأحلام الجميلة، وتدوس على الموت بقدميك... لا تدع الموت يسرق أحلامك... لقد هزمنـي القدر الأعمى، وأخذ منِّي امرأة أحبُّها، فبكيت في مأتمي، ورفضت بعد ذلك أن أتزوَّج من امرأة لا أحبُّها... صعب على المرء أن يتزوَّج كما تفعل الحيوانات البرِّيَّة، وينجب أولاداً ليسوا له... هل أنا واضح في كلامي؟ إنَّ الحقد الذي بين عائلتـي السرنوك والدروبي يجب أن ينتهي...

 

^ ^ ^

 

عاد شفيق إلى منزله في المساء، وكانت زوجته وردة تسقي بعض النباتات الخضراء على الشرفة. وما إن سمعت الباب ينفتح، حتَّى خفَّت إلى زوجها، تأخذ من يديه بعض الأغراض التـي اشتراها من السوق. كانت مكفهرَّة الوجه، لا يبدو عليها شيء من السعادة. سألها عن حالها، فأجابت:

أنا بخير... وماذا ينقصنـي؟!

قالت ذلك ببعض السخرية، فالتفت إليها، وقال:

أراكِ تُضمرين شيئاً...

- لماذا تقول ذلك؟ ألا تراني واضحة كالشمس؟

- لنكن صريحَين يا وردة. أنتِ لا تحترميننـي...

- كيف عرفتَ ذلك؟ هل أسأت إليك مرَّة؟

- أبداً. أنتِ امرأة صالحة...

- إذن تعترف بأنَّ الذي أخطأ هو أنت؟

- بماذا أخطأت؟

- عاملتَنـي كجارية... كأجيرة في منزلك... صحيح؟

- هل فعلتُ ذلك حقّاً؟

- طبعاً، وأنت تتظاهر بأنَّك لا تعلم بما يعلمه الآخرون... فإذا سألتك: أين كنت الآن؟ وأنا أعلم أين كنت، ستجيبنـي بأنَّك كنت في السوق... أنت تخضعني للبراهين الدامغة، إذ يبدو من الأغراض التـي تحملها أنَّك كنت في السوق، فهل يشتري المرء أشياء من الغابة؟!

- سخريتكِ لاذعة. أتريدين القتال؟

- أليس من الأفضل أن نكون ساخرين، بدلاً من أن نكون مخادعين؟

- هل أنا مخادع؟

- أنت غير مخادع إذا صارحتَنـي بأنَّك كنتَ في بيت سلوى، ألم تكن هناك؟

- سلوى أرملةٌ مسكينة، وزوجها كان صديقي، وأنا أزورُها محبَّة به لا أكثر.

- لديَّ شعور بأنَّ سلوى هي امرأة أخرى في حياتِك، وأنت تحبُّ النساء، وتعتقد أنَّهنَّ خادمات للرجل... أليس هذا ما تعتقده؟

كان شفيق حانقاً، إلاَّ أنَّه تظاهــر بالبرودة، وانصــرف إلى المطبخ، فلاحقه صوتها إلى هناك:

لعلَّك جائع... هناك طعام من البارحة... كنت منشغلة في غسيل الثياب...

سكتت المرأة قليلاً، ثمَّ سألت زوجها بصوت مرتفع:

هل سمعت بما حدث لابنة فؤاد السرنوك؟

-جميع أبناء المنطقة يثرثرون في هذا الموضوع... مسكينة!... الأبناء يدفعون الضريبة عن آبائهم...

تظاهرت وردة بأنَّها غير مبالية، وخرجت إلى الشرفة. كانت الشمس تخلع رداءها لتسبح في مياه البحر، وارتمت غيمة رماديَّة على صفحة السماء، فانتحر الضوء، ومرَّ الأصيلُ بعربته المطهَّمة، ليكتب آخر كلمة في كتاب ذلك اليوم.

 

^ ^ ^

 

وصل رياض على حين غرَّة إلى منزل فؤاد السرنوك. حاملاً باقة ورد بيضاء، وعندما فتحت هدى له الباب، لم تصدِّق أنَّها تراه. التفتت يميناً وشمالاً. لم يكن زوجها في البيت، فقد خرج منذ مدَّة ولم يعد.

قال رياض من غير ترُّد:

هذه الورود البيضاء لسعاد. هل هي بخير؟

- نعم... نعم... إنَّها بخير... هل تتوقَّع زيارتك؟

- يبدو ذلك... إذا كنتِ لا تسمحين لي بالدخول، فسأعود على أعقابي...

- أهلاً... تفضَّل... لقد فاجأتَنـي بقدومِك...

- أعتذر... كنت قلقاً على سعاد...

- انتظر قليلاً... سأعلمها بحضورِك...

- شكراً لكِ.

غابت المرأة دقيقة، ثمَّ عادت وسعاد معها تسير ببطء، وعلى وجهها آثار كدمات.

كانت الفتاة مبتسمة، على الرغم من بعض الألم الذي تشعر به...

قالت بسرعة:

زيارة غير متوقَّعة!

خرجت الأمُّ لتعدَّ القهوة، وجلس رياض على كرسيٍّ بجانب سعاد، فوضع يده بيدها، وهو يقول:

الحمد لله على السلامة...

هزَّت الفتاة برأسها، وقالت:

لقد مررتُ في تجربة صعبة...

- المهمُّ أن تكوني بخير... جئت إلى هنا من أجلِك، ولكي أكون صادقاً مع نفسي ومع إيماني في الحياة.

- ألم تخف من أحد؟

- لماذا أخاف؟ إنَّ الماضي أصبح جثَّة هامدة ومدفونة في التراب، ولن أعود إليه أبداً... سألتقي مع آل السرنوك كما يلتقي الأبطال، وأعلن التمرُّدَ على الحقد الذي يدمِّر... فإنَّ الله خلقنا من أجل هدف عظيم، وهذا الهدف هو ما يميِّزنا عن أطيار الحقول، ووحوش الغابة...

- أريد منك أن تسامحني على كلِّ شيء، فقد أخطأت إليك عندما أشعرتك بأنَّ قلبي يهتف لك... كان ذلك وهماً طائشاً...

- ماذا يعني هذا؟! أكنتِ تكذبين عليَّ؟!

- عندما يتحوَّل الغرام إلى ثأر، ماذا يبقى من القلب؟

-هل تظنِّين أنَّني أثأر منكِ، وأنتِ لستِ مذنبة في شيء؟

- لكنَّ طائر الهامة يصيح من ركام الأمس، ويحلِّق بجناحين سوداوين في سماء الحاضر.

- لا يا سعاد... لا... نحن لا نصغي إلى صوت الوهم، ولا نرضخ إلاَّ لمشيئة الله والخير الذي في نفوسنا...

- انتهى الأمر يا رياض... انتهت فصول المسرحيَّة. انا لا أحبُّك. لا يمكنني أن أحبَّ رجلاً يضمر أهله عداوة لأهلي...

هزَّ رياض برأسه بعد أن أعيته الحيلة، فقد وجد أنَّ سعاد تعرَّضت لهزيمة نكراء، ورضخت للقدر الظالم الذي لا يرحم الضعفاء. لم تكن قيَّة كما أرادها أن تكون، وعلى الرغم من ذلك، فقد وضع يده في يدها وشدَّ عليها، فتلثمت، وقالت بصوت متقطِّع:

أنت رجل نبيل... ولا أستحقُّ أن أكون معك...

خطفت الفتاة يدها من يد رياض، فاستعادها بقوَّة، وهمس بدفء:

لستُ عاتباً أبداً، ولا ألومكِ على شيء، ولكن اعلمي أنَّ كلمة واحدة قلتها لكِ لن تتغيَّر... ولكي أثبت ذلك، أنا مستعدٌّ لأن أطلبكِ للزواج حالاً...

غمرت سعاد عاصفة، هي مزيج من الذهول والحنان، وأرادت أن تنهض من مكانها لترتمي على كتف رياض، فما استطاعت...

دخلتْ هدى تحمل صينيَّة القهوة. فوضعتها على منضدة صغيرة، وخرجت مسرعة.

كانت الأمُّ تريد لسعاد أن تنجرف إلى نهر الحبِّ، فلولا الحبُّ لفقدت الإنسانيَّة وهجها العظيم، وتحوَّلت إلى مصباح منطفئ.

هكذا تفهم هدى الحياة، ولا تفهم كيف يكون زواج الجثث المتحجِّرة، والأرواح الجامدة...الحبُّ في نظرها أعظم القيَم، وبه تتفاهم الأرواح وتتعانق... وإذا انتصر الحبُّ تكون هدى قد انتصرت، فهي تعارض أيَّ قرار تتَّخذه سعاد، ولا ينسجم مع قلبها.

 

^ ^ ^

 

تزوَّج رياض وسعاد، في احتفال بسيط، غابت عنه سلوى، وكانت هديَّة العمِّ سالم مبلغاً كبيراً من المال، وعلَّل ذلك بأنَّ ابن أخيه هو وريثه الوحيد... وانتقل العروسان للعيش في منزل صغير اشتراه رياض، يقع بين "الدهيبة" و "غابة الخرُّوب".

وقع خبر الزواج على سلوى وقع الزلزال، فاستعانت بشفيق، وبكت أمامه كطفل صغير، فأخذها بين ذراعيه، وأخذ يقبِّلها، ويهدِّئ مــن روعها. قالت بألم وقسوة:

يجب أن تقتل تلك الحقيرة، فينجو رياض من شرِّها، ويعود إلى الطاعة...

- سأفعل... أعدكِ بأنَّنـي سأفعل.

خرج شفيق من منزل آل الدروبي... أمَّا سلوى، فانفلتت إلى حديد النافذة، ومن هناك رمقت الغابة بنظرة حادَّة، فسمعت صراخ طائر يصمُّ الآذان، لكنَّها لم ترَه. أزاحت الستارة البيضاء، لتبحر في رحلة بين ظلام قلبها وظلام الغابة...

وبينما كان شفيق يسير في الطريق الضيِّقة، متوجِّهاً إلى خارج القرية، كانت زوجته وردة في سيَّارة أجرة، تراقبه عن بعد.

قالت لسائق السيَّارة:

كن حذراً، ولا تدعه يشعر بأنَّنا وراءَه...

 

^ ^ ^

 

... سعاد وحدها في البيت، فقد مضى رياض إلى عمله باكراً. أحسَّت بغثيان، ودُوار مفاجئ، وكادت تسقط على الأرض. وبعد فترة قصيرة من الراحة، عادت إلى طبيعتها، فذهبت لكي تعمل في المطبخ بتأنٍّ شديد، ولم تشأ أن تتَّصل برياض لتخبره بما شعرت به من إرهاق.

وكانت هدى قد وعدت ابنتها بزيارة صباحيَّة، لكنَّها تأخَّرت في المجيء.

نظرت سعاد إلى تلفاز صغير في غرفة الجلوس المفتوحة على المطبخ، فرأت واحداً من أمراء الحرب السابقين يتحدَّث إلى الأجيال الجديدة، ويحاضر في مواضيع الحرِّيَّة، والمساواة وحقوق الإنسان.

أحسَّت المرأة بالخجل، وبالإشفاق على هذا الرجل الذي عاد إلى الظهور بحلَّة جديدة، ليخدع البشر، ويخدِّرهم بكلامه المعسول. وأشفقت أيضاً على هؤلاء الناس الذين يصدِّقون ولا يصْدُقون. يعيشون في اليأس والفقر والمرض، ويحصلون على الدواء من اليد التـي أصابتهم بالوباء... لقد أفلح أمراء الحرب في سياسة الابتزاز اللطيف لأبناء الرعيَّة، فأيديهم ممدودة ولا تعطي أكثر ممَّا تأخذ، وعلى المرء أن يشعر بالذلِّ والهوان من أجل وظيفة، أو علاج أو خدمة في دوائر الدولة. وتحوَّلت القصور التـي ارتفعت على عظام الخليقة إلى مزارات يوميَّة لطالبـي كسرة خبز، يأكلونها بعد أن يمرِّغوا جباههم في الوحول، وربَّما يُطردون عن الأبواب طرداً، ثمَّ يعودون بعد يوم أو يومين إلى الأبواب ذاتها، سائلين ومتسوِّلين.

وفي البيوت الصغيرة والمقاهي والمطاعم، تلوك الأفواه عبارات السخط والغضب، وترتفع الحناجر باللعنة على أصحاب الضمائر السوداء، ولكنْ ما تلبث تلك العاصفة أن تهدأ، فتضجّ الشوارع بصيحات الولاء والتمجيد، وتغطِّي الجدران صُور الملوك الذين يمكنهم أن يكونوا في كلِّ هيئة يشاؤونها... ويمكنهم أيضاً أن يحتقروا الحقيقة، ويزعموا أنَّهم يدافعون عنها.

لقد بالغ هؤلاء في التمثيل حتَّى أصبحوا شخصيَّات على مسرح، فيَضحكون من غير سبب، ويُضحكون من ينظر إليهم. وقد خاضوا حروباً، وقتلوا، ودمَّروا المنازل... وأصبحوا أغنياء في غمضة عين، ولا يسألهم قاض في محكمة العدل: من أين لكم هذا؟ وحين انتهت الحرب، خلعوا جلودهم، وتستَّروا بربطات عنق فاخرة، وتحوَّلت مهمَّتهم من السفك والتدمير، وتعليق الجثث على الأعمدة، إلى تحقيق السعادة الأبديَّة، فأخذوا يتمثَّلون بأفلاطون وأحفاده من الفلاسفة المثاليِّين في التبشير بالخير والحقِّ، وفي إصلاح العالم الذي أفسدوه وجعلوه ركاماً فوق ركام.

تنفَّست المرأة بعمق، وأحسَّت بالعطف على أبناء الحياة، فقد ولدوا بغير أرواح، وعاشوا من غير أصوات، ومشوا مثل هياكل عظميَّة في الدروب. وكان الورثة يراقبون مطارح الولادة، ويقتلون كلَّ طفل في عينيه بريق من نور، وكلَّ طفلة تبتسم لغد جميل... الورثة كانوا يمدِّدون الأجسام على أسرَّة، فيقطعون الأعناق الطويلة، والألسنة التي يمكنها أن تنطق بالحقِّ، فلم ينجُ إلاَّ القليل من المحظوظين الذين تفتَّحت عقولهم فيما بعد، وأصبحت أفكارهم منارات للثورة والتغيير.

أطفأت سعاد التلفاز، لكي تعود إلى طبيعتها، وتهدأ نفسها المتوتِّرة. وما هي غير لحظة، حتَّى سمعت جلبة في الحديقة.

كان رياض قد أقفل البوَّابة الخارجيَّة، ولم تكن تتوقَّع أنَّ المجرم قد يدخل من الباب وهو موصد. وها هو يضرب ثانية، وقصده في هذه المرَّة أن يقتل سعاد في عقر دارها.

دخل رجل مقنَّع إلى البيت، وفي يده سكِّين، وبينما سعاد تنظر من النافذة إلى الحديقة، كان هو وراءها، فعاجلها بضربة على رأسها، فسقطت مغشيّاً عليها. قيَّدها إلى أريكة، وغطَّى فمها بخرقة سوداء، وجلس قبالتها على كرسيٍّ هزَّاز، يراقبها إلى أن تستعيد وعيها. وما إن فتحت عينيها، حتَّى وجدته أمامها، فذُعرت، واختنقت صرختها. حاولت أن تتفلَّت من قيودها، فما أفلحت.

قال لها بهدوء:

حان موعد الحساب... وسيكون عسيراً هذه المرَّة... ولن تفلتـي من قبضتـي. أنت عصفورة أسيرة تحت جناحَي غُراب، ولا يستطيع فؤاد السرنوك أن ينقذكِ من القدر المحتوم...

قال الرجل المقنَّع ذلك، ومشى إلى المطبخ، فابتلع شربة ماء، ثمَّ أخذ عود ثقاب، فأضرم النار في المنزل.

أرادت سعاد أن تستغيث، فلم يخرج صوتها، وغابت مرَّة أخرى عن وعيها.

وفيما كان الرجل يفرُّ هارباً، كان رجال الشرطة في انتظاره، فطعن أحدهم بسكِّين في يده، لكنَّهم تمكَّنوا من القبض عليه. وعندما كُشف عن وجهه، تبيَّن أنَّه شفيق...

كانت وردة منقبضة، تنظر إلى زوجها وهو يصعد مرغماً إلى سيَّارة مصفَّحة... لقد كانت تلاحقه منذ أن خرج من بيت سلوى الدروبي، وحين رأته يقفز من فوق السياج، متسلِّلاً إلى منزل رياض، تراءى لها أنَّه يضمر الشرَّ، فاتَّصلت بالشرطة، وأبلغتهم بأمره.

أُخرِجت سعاد من المنزل بسرعة، وأطفئت النيران.

وبعد قليل، وصل رياض، ومعه هدى السرنوك، فهلعا هلعاً شديداً، لكنَّهما اطمأنَّا إلى أنَّ سعاد بخير.

وكان على شفتـي رياض سؤال صعب:

"لماذا يريد شفيق أن يقتل سعاد؟"

لم ينتظر طويلاً لكي يحصل على جواب، فسرعان ما أخبرت وردة رجال الشرطة بأنَّ زوجها لم يهاجم سعاد من تلقاء نفسه، بل كان له شريك يحرِّضه، ويقف وراءه... أمَّا الحقيقة الخطيرة التي باحت بها المرأة، فهي أنَّ فؤاد السرنوك ليس القاتل لسعيد الدروبي، فمن أطلق النار في ذلك اليوم المشؤوم هو زوجها.

كانت الحيرة غابة في العيون، وناراً على الشفاه المرتعشة التي داهمتها زرقة مريرة.

صاحت هدى السرنوك لتقطع حبل الوجوم:

هل صدَّقتم أنَّ زوجي بريء؟

وتابعت وردة كلامها، فقالت:

يوم قُتل سعيد الدروبي، عاد شفيق إلى المنزل وهو يرتجف. كان لونه أصفر، وعلى شفتيه كلام يشبه الهذيان. أخبرني بأنَّه قتل سعيد الدروبي بطريق الخطأ... صدِّقوني... عندما تشاجر فؤاد السرنوك وسعيد الدروبي لم يكن فؤاد يحمل سلاحاً... كانت بندقيَّته إلى جانب الحائط... وكان شفيق في المطحنة يشاهد ما يجري بين الرجلين، فخطر له أن يرفع البندقيَّة ويلوِّح بها في وجه فؤاد السرنوك بقصد تخويفه، فانطلقت رصاصة منها، وأصابت سعيداً في رأسه، فسقط مضرَّجاً بدمه، وفرَّ فؤاد من المكان خوفاً من أن تكون الرصاصة الثانية من نصيبه...

توقَّفت وردة عن الكلام، بينما الجميع في استغراب شديد... ثمَّ أردفت قائلة:

أقسم لكم... هذه هي القصَّة التـي سمعتها من فم شفيق... وفي أزمنة الحرب يخلط الناس بين الشرِّ والخير، وبين الحقِّ والباطل... كان شفيق يريد أن يعترف بما جنته يداه منذ اليوم الأوَّل، لكنَّه خاف وارتعد. فقرَّر أن يلصق الجريمة بفؤاد السرنوك... وكان سهلاً على الناس أن يصدِّقوا زعمه... لأنَّ السرنوك كان يتباهى أمام رفاق السلاح من أبناء قريته بأنَّه قتل رجلاً من "غابة الخرُّوب"... ولعلَّه كان يريد أن يظهر نفسه بمظهر البطل... وعندما عاد إلى ضميره، كانت الحقيقة مدفونة في مقبرة واحدة مع القتيل...

قالت هدى بصوت خافت، وهي لا تخفي أسى يكتنف محيَّاها:

صدقتِ أيَّتها السيِّدة... فما الذي أراده زوجي من ادِّعاء جريمة لم يرتكبها؟... وبعد ذلك تحوَّل الكذب بسحر ساحر إلى حقيقة دامغة... وحين أصيب ؤاد بأزمة نفسيَّة، لم يعد مؤهَّلاً للإدلاء بشهادته في محكمة العدالة...

كادت المرأة تجهش بالبكاء، فاقتربت منها وردة، وهمست لها برفق:

سامحيني... لقد كنت أعرف القصَّة كاملة، ولكنَّني لم أرَّأ على قول الصدق... كان شفيق سيقتلنـي لو تفوَّهتُ بحرف واحد.

قالت هدى السرنوك:

إنَّ زوجي بريء من دم الرجل... وعلى الرغم من أنَّه لم يعد يكترث بالحياة، فقد أخبر البعض بما حدث حقيقة... وقد يكون صرخ بذلك، فلم يصغِ أحدٌ إلى روايته...

هزَّت وردة برأسها وقالت بألم وحسرة:

صحيح... أشهد أنَّ زوجك بريء، وأنَّ زوجي هو الشرِّير... وبعد الاعتداء الوَّل على سعاد، لاحظت بقعة دم على قميصه... سألته عنها، فقال لي إنَّ زميلاً له في العمل أصيب في حادث، وقد ساعد على نقله إلى المستشى... وهذا ما دفع بي إلى الشكِّ ومراقبته، ثمَّ الإبلاغ عنه.

 

^ ^ ^

 

"جريمة هي الذاكرة، مقتلة الحروف. أحمل نعش الذاكرة وأسير تحت المطر. من يتبعني إلى سكوتي؟ مَن يحمل معي صناديق العتمة؟ مائدتي جوع، وحياتي رصيف، فتعالوا أيُّها السكارى لكي نفترش ما تبقَّى من فتات العمر. تعالوا أيُّها المتسوِّلون لكي نقرع أجراس القيامة. وتعالوا يا ماردي العصور، لنسكب على نعوشكم آخر دمعة، فالآن تنتصر الوردة على السكِّين... أمَّا الأجساد التـي غطَّاها التراب، فتصير حديقة لأطفال المواعيد.

لم يعد للموت مقعد، ولا لطيور الظلام غصن في غابة. لقد عبرنا على الخيل من الليل إلى النهار، وماتت كلُّ الكلمات الحمراء."

(من أفكار فؤاد السرنوك)

 

فقدت سعاد جنينها الأوَّل، بسبب ما واجهته من صدمة عنيفة، وحَكمت المحكمة على شفيق بالسجن عشرين عاماً بتُهم تتراوح بين التهديد بالقتل، ومحاولة القتل العمد، والاعتداء بالضرب، والتسبُّب في موت جنين، والتآمر لإحراق ممتلكات خاصَّة، وطعن شرطيٍّ. وحُكم أيضاً على سلوى بالسجن خمس سنوات بتهمة التحريض على القتل. وانتقلت أسرة رياض الدروبي للسكن في بيروت، حيث عمل رياض طبيباً في المستشفى الجامعيِّ. وبعد بضع سنوات، كان لدى الزوجين الشابَّين ثلاثة أولاد. وما زال رياض وسعاد يعلِّمان أولادهما على الإيمان بالله، وحبِّ الحياة والناس، والتسامح، والمساواة، والفضائل السامية.

وتعرَّضت سلوى، وهي في السجن، لأزمة قلبيَّة حادَّة، فنُقلت إلى المستشفى. وقد طلبت أن ترى ابنها الوحيد، قبل أن تموت. لكنَّها فارقت الحياة، بينما هو في طريقه إليها.

 

                                                                                         انتهت

 

من إصدارات المؤلِّف:

 

عودة الطائر الأزرق- شعر

وجهان لمدينة واحدة - شعر

تقاسيم شرقيَّة لرقصة الفجر - شعر

وقلت: أحبُّكِ - شعر

قصائد من عصور الحبِّ - شعر

أهل الظلام - قصص قصيرة

من أجل الوردة - قصص قصيرة

الذئب والبحيرة - رواية

البطريرك اسطفان الدويهي من قمم إهدن إلى قمم القداسة (باللغة الإنكليزيَّة مع رُبى الدويهي)

في معبد الروح (كتاب فكريّ فلسفيّ)

نظرة في تاريخ إهدن- أشهر المعارك الإهدنيّة في التاريخ (باللغة الإنكليزيّة)

لا تفكّري صار الهوى ذكرى (شعر باللغة العاميَّة اللبنانيّة)

مجموعة "أقرأ بفرح" القصصيَّة للأطفال. صدر منها عن دار أبعاد الجديد - بيروت: الأحلام الغالية، العازفة شهرزاد، العجوز والفتى إبراهيم، صندوق الذهب، بديع الزمان وطائر الصخور العالية، زهرة الممالك، العودة إلى الجذور، وثمن الوفاء.

 

 

قصّة "طائر الهامة" للأديب الهجريّ د. جميل الدويهي

منشورات دار أبعاد الجديد، بيروت،  2012

 PDFلقراءة القصّة كاملة أضغط على زر 

Copy of 15 Nov 2021.jpg