طـائـر الـهـامـة

 

جميل الدويهي

 

 

 

منشورات دار أبعاد الجديد

 

جميع الحقوق محفوظة

 

 

"تدهشني الكتابة، لأنّ لها صوتاً كنحيب الاشجار، بيد أنَّنـي لا أتقنها. أصنعها كما يصنعون رغيفاً من الجوع إلى الرغيف. وفي ساعات مليئة بالسخرية، أتحوَّل إلى معجزة، فأجمع شتات عمري على صفحة من غبار. في يدي ارتعاشة، وفي شفتـيَّ ملح، فمن أين تأتي الأفكار، والأفكار زجاج محطَّم؟ وكيف لمجنون أن يفصح عن ثورة جنونه؟ نعم... مجنون يتكلَّم، والجنون مثبت بشهادة من طبيب... لا تجادلوا مجنوناً فيغلبكم، ولا تشتموه فيقبض على أعناقكم... نصيحتـي لكم أن تصالحوا مجنوناً، وأن تفاوضوه لتنجوا بأنفسكم من حكمته. المجانين لا يقرأون ولا يكتبون، ولكنَّهم يجيدون قتل الحروف وهي في مهدها. فدعوا الحروف نائمة في خوابي العصور، لكي لا يدوس عليها المخبولون بأحذيتهم."

(من أفكار فؤاد السرنوك)

 

سلوى الدروبي تقف وراء النافذة المفتوحة على أفق أغبر.

في الغابة القريبة كانت الأشجار السمراء تتعانق، فتكاد رؤوسها تخترق غيمة رماديَّة كبيرة، هي آخر ما تركته العاصفة على جبين السماء. ووراء الأشجار جبال مكسوَّة بحبر أخضر.

الرياح ما زالت تبعثر الأوراق الصفراء، وقد أفلتتها الأغصان كأطفال هاربين، قبل أن تغيب الشمس.

تلك الأوراق الذابلة هي صدى لعمر يعدو في الفراغ، كأنَّه يسابق خيولاً برِّيَّة. عمر كان يتهادى على أنشودة حلم، لكنَّه وقع فجأة من يد القدر، فتحطَّم.

خلف النافذة عينان زائغتان على دهشة. جمرتان باردتان، تسألان بصمت، لكنَّ الأسئلة صعبة في عالم متناقض، والمشاهد المحفورة في الذاكرة أصبحت رجالاً ونساء يتزوَّجون وينجبون قبائل من غبار ورمــاد. إنَّ الأسئلة هـي الغياب، والغياب مـأساة، والمأساة خطيئة، والخطيئة موت، وهي الشكُّ، والشكُّ انتحار للعقل واحتضار للشجاعة.

"هل أنتِ امرأة جبانة؟"

لا... فالشريعةُ الأزليَّةُ لا تُسامحُ الجبناء، الذين يتعثَّرون في خطاهم عندما يسيرون في قلب الإعصار، ولا الخائفين الذين يسرقون أكياس الحنطة من مخازن المدينة، ثمَّ يرمون بها تحت جسرٍ مهجور خوفاً من العقابِ والندم.

خمسة عشر عاماً، والموتى لا يتحدَّثون. ويا ليت الأرض تعود في دورانها إلى الوراء! مرَّة واحدة في الدهر تعود... فكأنَّ شيئاً لم يكن، وتلك الحرب التـي أشعلت حرائق في الأرواح ليتها كانت وهماً عابراً في بال، أو هاجساً مخيفاً ما لبث أن امَّحى عند طلوع الصباح! لكنَّ الحروب تترك أجنحة مخضَّبة بالدماء عند كلِّ باب، وأعراساً مذبوحة في الشوارع، ورجالاً ماردين يحملون الجروح في ضمائرهم، ويطلقون الرصاص في البراءة. البراءة وحدها هي ضريبة الدم.

"وأنتَ يا فؤاد السرنوك. ما كنتَ إلاَّ واحداً من هؤلاء. علَّموك في أقبية موحشة، واقتادوك إلى فعل الخطيئة لكي تقتصَّ من زهرة بنفسج. على أدراج الملوك أقسمت بأن تثأر ممَّن يسيرون في عكس الريح. وماذا كان سلاحكَ سوى قلب أعمى ليس فيه للرحمة مكان؟! في مساء لا ضوء فيه ولا صوت، قتلتَ سعيد الدروبي، وهو لم يرتكب في حقِّ شريعتك أيَّ ذنب... عامل في مطحنة كان يصنع للأطفال الجياع طحيناً... أجهزتَ عليه في معبده، وكان أعزل. ظنَّ انَّك إنسان آخر لا يعرفه. تخلَّيت عن ذاكرتك، فشوَّهت ذاكرته، وكشفت عن وجه مستعار، فعاجلك بنظرة عجب ودهشة، لكنَّ يدك كانت أسرع من الحيرة. أغرزت في لحمه رصاصة قاتلة، فأخذ يصرخ ويستغيث، وليس في كفِِّه غير طائر من الدم. كان يضمُّ أصابعه فوق جرح مفتوح، وينظر إليك بعينين مستغيثتين. كان يريد أن يقول: ماذا فعلت لك؟ وكنت تقول: أنت خالفت إرادة السماء فحقٌّ أن تموت... "

"في تلك اللحظة لم يكن مفيداً أن يتكلَّم أحد، فعندما ينشب الموت أظفاره، لا تعرف الضحيَّة مـن أين تبدأ. النهاية وحدهــا تقرَِّر أنَّ الكلام لا يجدي، ولا يعيد رصاصة إلى بندقيَّة..."

"وبينما كنَّا نبكي، ونقفل آخر باب على حبَّة قمح يعتصرها الحزن، كنتم في قريتكم تحتفلون، وتطلقون الرصاص في الفراغ. كيف تطلقون الرصاص هباء، وأنتم تؤمنون بأنَّ كلَّ طلقة هي أثمن من حرف في كتاب؟ وكان هناك رجال يرقصون على الطريق، ووجوههم طافحة بالعتمة. بيوتكم كانت كجناح غراب، كبقايا نار على جبل، كثوب أسود على جسد امرأة ثكلى... خمسة عشر عاماً مضت، ولم تمضِ... وفي كلِّ عشيَّة أفكِّر بسعيد، فأراه عائداً من عمله وغبار القمح على ردائه المبعثر في الهواء... كان يضحك عند دخوله من الباب، ويجلس خلف هذه النافذة، فأعدُّ له كوباً من الشاي، ليشربه بصمت وهو يبتسم... كان واحداً من الأنبياء، لكنَّ الكتب القديمة لم تذكر عنه شيئاً، لأنَّه قصير القامة، هزيل، ينحدر شارباه إلى الأسفل كسطرينِ مهمَلين. لقد ولد فقيراً، وعاش فقيراً على حدود الغابة، حيث العطر والنقاء. وكنت أنا ثروته: امرأة أحبَّتْه وأخلصت له، وأنجبت له ابناً وحيداً... كيف تقتل، يا فؤاد، رجلاً لا يتكلَّم؟ ألم يكن قاسياً عليك حين لم يتفوَّه بحرف واحد؟! كان مشدوهاً إلى آخر حدود الصمت، وكان يظنُّ أنَّ البندقيَّة في يدِك لُعبة للأطفال، وأنَّك تمزح. الأنقياء يعتقدون أنَّ السلاح لا يقتل، والمجرمون لا يعرفون أنَّ صمت الضحيَّة رصاصة في القلب..."

النافذة مفتوحة إلى أبعد من الذكريات. وعلى مسافة أمتار قليلة، هناك عند طرف الغابة، ترتعش الريح مرَّة أخرى، وينحدر الظلام كعجوز تائه، ليحطَّ بين القامات المديدة من أشجار السنديان، والخرنوب، والإجاص البرِّيِّ، وتسود رهبة رهيبة على الأمكنة القليلة التـي لم تختفِ بعد تحت رداء الديجور الزاحف. وتخترق معبد الطبيعة المقدَّس صيحة يُطلقها طائر غاضب، فتردِّد جنبات الأرض صداه المزعج، وتفرُّ طيور أخرى أقلُّ سواداً، ثمَّ تغيب سريعاً.

هذا الطائر يخرج عند كلِّ غياب، ليصيح من عطش السنوات الماضية. خمسة عشر عاماً تبدَّدت، وهو لا يهتدي إلى قطرة ماء يرتوي منها. لقد تحجَّرت عظامه، ويبس الدم في عروقه، وانطفأ النور في بؤبؤيه الصغيرين، بَيد أنَّه لم يتعب من الصياح في كلِّ مساء، وكأنَّـه يقول: اسقوني، اسقوني!

يتحوَّل الفضاء رويداً رويداً إلى كاهن أسير، وتتلألا نجوم قليلة في جبَّته الواسعة، فتقفل سلوى الدروبي نافذتها لكي لا تدخل إليها أشباح الليل، فالبيت وحيد عند حافَّة الغابة، ومشهد الغابة في الليل مرعب.

لقد عمَّر سعيد الدروبي هذا البيت من عرق يديه. وكانت الأرض في هذه الناحية زهيدة الثمن، فباع سيَّارة قديمة كان يمتلكها، واقترض بعض الما، لكي يبني منزلاً للأسرة. وبعد ذلك بقليل، استأجر مطحنة، وراح يعمل فيها من الفجر إلى النجر، ليؤمِّن القوت لزوجته وولده الصغير. لم يرَ أحدٌ من أهل القرية سعيداً يغيب عن العمل إلاَّ في الأعياد المهمَّة. وكثيراً ما كان يتأخَّر في مطحنته إلى الليل، فكانت سلوى ترسل إليه مع ابنمها الصغير بعض الطعام والشراب، لكي يتناول الرجل عشاءه بين الأكياس المكدَّسة.

وعندما نشبت الحرب، تغيَّر الواقع السكَّانيُّ في قرية "غابة الخرُّوب"، فرحلت عنها جماعة من الناس، ووفد آخرون من قرية "الدهيبة" المجاورة، وسكن الحقد في عقول الجهلاء وقلوب الغاوين من أبناء القريتين، اللتين كانتا في الماضي مضرب المثل في المحبَّة والتآخي. وكان سكَّانهما يتبادلون الزيارات، ويتشاركون التقاليد والعادات الموروثة، ويتقاسمون مشاعر الفرح والحزن. وقد تصاهر أبناء القريتين، ولم يفكّر أحد منهم بأن يقتنـي سلاحاً. غير أنَّ بعض الغرباء الذين قدموا من مناطق بعيدة، أخذوا يثيرون القلاقل، ويُوغرون الصدور، ويصوِّرون للسذَّج أنَّ قتل الآخر واجب مقدَّس تفرضه الشرائع والأديان. وكانت شرارة النزاع العثور على رجل من قرية "الدهيبة" مقتولاً في الأحراج، فشاع بين الناس أنَّ أبناء "غابة الخرُّوب" هم من ارتكبوا الجريمة الفظيعة. وكردَّة فعل، كَمَنَ رجال من أقرباء القتيل لمزارعين عائدين من حقولهم عند أطراف "غابة الخرُّوب"، فأطلقوا عليهم النار، وكتبوا بدماء القتلى على صخرة مجاورة: "الموت لمن اعتدى". وكانت تلك العبارة صرخة مدوِّية، انشقَّ لها باطن الأرض، وانفتحت القبور على مصراعيها لتستقبل الشهـداء المحمولين على أكتاف الشهداء.

ولم تكن تلك الحال مقتصرة فقط على القريتين، فقد فارت الجروح على امتداد الوطن، ولم يعد للانسان من معنى سوى انتمائه إلى تلك الفئة المسلَّحة أو تلك... أمَّا المحايدون، جبناء كانوا أم حكماء، فمصيرهم اللعنة الأبديَّة، فمَن لم يلوِّث يديه بالدم يصبح خائناً للدم والتراب، ومن لم يشرب من كؤوس خيانته للإله الواحد، غضبت منه الآلهة، ورمته في الأبديَّة المظلمة حيث البكاء وصريف الأسنان. إنَّ السلاح، والسلاح وحده، زينة الرجال، وإذا لم يجد الرجل سلاحاً، فليذهب إلى المعركة وليضرب رؤوس الأعداء بحذائه.

وكان سعيد الدروبي واحداً من رعاديد كثيرين. فقد كان همُّه الوحيد أن ينجِّي عائلته من أتون الفوضى وعبث الأقدار. وكان لسذاجته، يعتقد أنَّه بمنأى عن النار المندلعة في الأحياء، وخلف المتاريس، فالبراءة خادعة لأصحابها، وخائنة لمَن لا يجيدون الخيانة.

ذات مرَّة قال سعيد لزوجته:

لا تخافي! فليس من عدوٍّ لنا سوى الشيطان... مهما حدث من قتل ودمار، فلن يعتدي علينا أحد... نحن أناسٌ أبرياء، وجميع سكَّان "الدهيبة" يعرفوننـي، ويعتبروننـي واحداً منهم.

قالت له سلوى من غير أن تفكِّر:

أخشى يا سعيد، أن تنفتح أبواب جهنَّم على مصراعيها، فلقد أصبح الأب يقتل ابنه، والمرأة تأكل أولادها...

وحدث ما كانت سلوى تخشاه، فقد فتحت عينيها ذات يوم على الحقيقة التـي تكرهها: سعيد الدروبي مقتول في مطحنته.

كان يوم مقتل الدروبي يوماً ضارباً في الألم والمرارة، فلم يكن أحد يتصوَّر أنَّ الرجل البريء الذي يشبه الطفولة سينهار على مذبح الجنون والتوحُّش.

الهـواء كـان مالحـاً في ذلك اليوم، والأجساد المتدفِّقة تحت الشمس كانت تتصبَّب عرقاً وسخطاً، والأفواه تحترق بألف لعنة ولعنة:

لعنات على الدخيل الذي أعطى السلاح للقاتل، وأوصاه بأن ينفِّذ جريمته بدم بارد...

ولعنات على العصر الذي غمرته العتمة، واسودَّ فيه النور...

ولعنات على اليد التـي امتدَّت لتكسر الجسر بين القلب والقلب...

ولعنات على الخطيئة المولودة من رحم الخطيئة...

ولعنات لعنات على الروح الشرِّيرة التـي أغرقت الوجود في نحيب امرأة أرملة ارتداها السواد، ويتيم لبسته الوحدة وسكينة قاحلة.

"لماذا قتلوا سعيد الدروبي؟"

سؤال طرحته الألسنة كما تطرح الأرض غبارها في الرياح، وحارت فيه العقول حيرة لا تُطاق. كان البعض يقول: إنَّ أهل "الدهيبة" تآمروا مع فؤاد السرنوك على قتل سعيد. وقال آخرون:

تعدَّدت الأسباب، والموت واحد، لكنَّ أهل "الدهيبة" جبناء، فقد غدروا برجل مسكين وأعزل... لو كانوا رجالاً فعلاً، لكانوا قاتلونا وحهاً لوجه، وتعلّموا من شجاعتنا كيف يكون القتال!

وفؤاد السرنوك من أبناء "الدهيبة"، وقد تزوَّج بامرأة من "غابة الخرُّوب"، وعاش معها في قريته. وكان فؤاد إنساناً متهوِّراً، لا يحسب لأمر حساباً... وعُرف عنه أنَّه كان شديد العصبيَّة، ولا يخشى أحداً، وكثيراً ما كان يتشاجر مع جيرانه لأسباب تافهة... وما إن اشتعلت الحرب، حتَّى اشترى بندقيَّة حربيَّة، وأخذ يتباهى بحملها على أعين الجميع. ويقول الناس في القريتين إنَّ الحرب هي التـي زادته فساداً، وحوَّلته من رجل مشاغب في مجتمعه إلى قاتل هارب من صوت ضميره.

والسرنوك واحد من المقاتلين المحظوظين، الذين لم يسقطوا في ساحة الوغى، فقد كان قائداً لمجموعة من الشبَّان الذين أغوتهم الحرب، ورأوا في حمل السلاح تعبيراً عن رجولة ورباطة جأش. وتنقَّل من موقع إلى موقع بين القريتين، فأصيب مرَّة في ظهره ومرَّة أخرى في ساقه اليمنى، وبعد كلِّ مرَّة كان يعود إلى موقعه أكثر تصميماً على القتال، ورغبة في إثبات ذاته كمحارب شجاع.

ولم يحسب الرجل حساباً للغد، كما أنَّه لم يتوقَّع للحرب أن تنتهي ذات يوم، وأنَّ السلاح مهما طغى، فستحطِّمه الذات عندما تنظر إلى مرآتها.

والذين يعرفون السرنوك منذ صغرِه، يقولون إنَّه كان يتعلَّم في مدرسة القرية، ولم يكن ينقصه الذكاء، بل كانت تميِّزه عن التلاميذ الآخرين براعته في الكتابة، وعندما أصبح فتى، كان يكتب القصص المضحكة، والخواطر، وبعض الغزل. وأكثر من هذا أنَّ معلِّميه كانوا يختارونه لكي يُلقي الخُطَبَ في المناسبات والأعياد. وكلُّ ذلك تغيَّر فجأة، فسرعان ما تحوَّل السرنوك إلى إنسان مُهمِل، بفعل معاشرته لطائفة من الشبَّان الضائعين، فكَرِهَ الدراسة، ومال إلى اللهو، ثمَّ ترك المدرسة وعمل كحارس لأحد المصانع في المدينة، حتَّى نشبت الحرب، وكان له نصيبٌ مرٌّ من غلالها.

بعد خمسة عشر عاماً، انتهت الحرب، وبقي السرنوك في "الدهيبة"، لا يزور "غابة الخرُّوب"، قرية زوجته... وأصيب الرجل بمرض عصبـيٍّ غامض، فكان أحياناًَ يُكلِّم نفسه، ويشير بيديه كأنَّه يتحدَّث إلى أحد. وكان يعود إلى صوابه ليوم أو يومين، فيبدو هادئاً، ولا يصدر منه أيُّ تصرُّف غريب، لكنَّ حاله كانت تنقلب فجأة، فإذا به يتفوَّه بعبارات غير مفهومة، ويطرح أسئلة، ويضحك ويبكي من غير سبب، ولا تفلح زوجته في فهم ما يدور في خاطره، كما لا ينجح الأطبَّاء في تشخيص مرضه، ووصف الدواء له.

لقد بات السرنوك أسيراً لحقبة سوداء، وحَكم على ذاته بالسجن المؤبَّد في شرنقة صغيرة. كانت ذكرياته تخاطبه، فيجيبها، ويفشل في إبعاد صورِها، ومشاهدها، وأصواتِها عن رأسه. وستبقى هذه الذكـريات الصاخبة على حصانِها الأسود، تطارده مــن مكان إلى مكان، فإلى أين يمكنه الفرار؟

... وستبقى سلوى الدروبي حاقدة على السرنوك ما دامت حيَّة. أمَّا رغبتها في الانتقام فلا ريب فيها. لقد حرمها من سعادة حياتها، ولم يترك لها سوى ابنٍ وحيدٍ تربِّيه بدموع العينين، وذكريات عذبة ومعذِّبة تطاردها أينما اتَّجهت، وبيتٍ يرتدي ثياب الحداد عند أطراف الغابة، حيث يصرخ طائر بصوته المرعب كلَّما عزفت ملائكة الليل.

"أقسم بروحك يا سعيد الدروبي، سوف أنتقم لك... من أجل موتك الذي بكت له أغصان الشجر، وعروق الزنابق... من أجل دمائك الطاهرة التـي امتزجت بتراب الغابة... من أجل الدهشة التـي كانت في عينيك وأنت تدخل إلى عالم مظلم... من أجل حياتك العظيمة في غيابك العظيم... من أجل رياض الذي كنت تحبُّه، وتتمنَّى أن تراه أباً لأحفادك... ومن أجل الأرض التـي غصَّت بموتك... من أجل كلِّ ذلك، سأنتقم لك."

كانت سلوى تتمتم بهذه الكلمات، وهي تبتعد بأفكارها عن جحافل الليل، وتتغطَّى برعشة داهمتها فجأة.

سكبت فنجان قهوة، وراحت ترتشفه ببطء. سمعت وقع أقدام في الخارج، ثمَّ طرقاً خفيفاً على الباب، فسألت:

- مَن؟

- أنا شفيق...

- لحظة! سأفتح لك الباب...

كان شفيق في الماضي صديقاً حميماً لسعيد الدروبي، تعلَّما معاً في مدرسة القرية الصغيرة، ثمَّ توجَّه كلٌّ منهما إلى عمله. ولم تفرِّق الأيَّام بين الصديقين بعد أن كبرا وتزوَّجا. وليس صدفة غريبة أن يكون شفيق الشاهد الوحيد على مقتل الدروبي... فقد كان يتردَّد إلى المطحنة، خصوصاً في المساء، حيث يتجاذب مع سعيد أطراف الحديث عن العمل، والقرية، وأخبار الحرب التي تدور على كلِّ شفة ولسان.

ولا يزال شفيق إلى اليوم يتذكَّر بأسى جريمة اغتيال سعيد، ويصفها بدقَّة واختصار، وكأنَّها حصلت منذ لحظة:

"لقد تلاسن سعيد الدروبي وفؤاد السرنوك، بعد أن طلب الأخير أن يشتري كيساً من الطحين، فاستمهله الدروبي بضعة أيَّام، لأنَّ الطحين قليل، فأصرَّ السرنوك على طلبه، ورفع صوته مهدِّداً ومتوعِّداً... وبعد شجار صاخب، أطلق فؤاد من بندقيَّته رصاصة واحدة، أصابت الدروبي في رأسه، وأودت به."

ويدأب شفيق على زيارة سلوى، وهي لا تمانع في ذلك... بل هي ترتاح لرؤيته، كما أنَّه لا يتردَّد في مساعدتها عندما تحتاج إلى شيء... ولم تفكِّر سلوى يوماً في أنَّ شفيق قد يحاول أن يتقرَّب منها، فهو متزوِّج، وله ثلاثة أولاد، جميعهم متزوِّجون. ولا يبدو عليه أنَّه من صنف الرجال الذين يسعون إلى علاقات مشبوهة.

هذه المرَّة، لاحظت أنَّه مرتبك. كان في عينيه كلام

يصرخُ عالياً، فسألته:

هل هناك خطب؟

أجاب باضطراب بالغ:

ليس من شيء مهمٍّ... ربَّما ليس عليَّ... ليس عليَّ... أن أزوركم بعد الآن.

- ماذا جرى؟ أخبرني... هل ضايقتُك في أمر؟

- لا شيء... لم يحدث شيء... أنتِ تعرفين يا سلوى أنَّ الأقدار قد تسوق المرء إلى حيث لا يريد أن يكون...

- لم أفهم...

- سأكون صريحاً معكِ هذه المرَّة. إنَّ الأمر يتعلَّق بنا... أنا وأنتِ.

- أنا وأنت؟!

انطبعت على وجه سلوى علامة استفهام كبيرة، لكنَّها ابتسمت فجأة، كأنَّها تشجِّع محدِّثها على الإفصاح عن نفسه... قال لها بدون تردُّد:

مهما كان المرء قويّاً، فإنَّه لا يقوى دائماً على التحكَّم بمشاعره. إنَّ مشاعرنا قد تكون أسيافاً مصلتة على مصائرنا.

- المشاعر... هي القوَّة التـي تحرِّك سفن الذات في بحر مجهول.

- أنتِ على حقٍّ. فالحبُّ والحقد، والسلام والحرب، والعدل والظلم، كلُّها تخضع للمشاعر... ولا أريد أن تحكمي عليَّ بالموت، إذا كنت مهزوماً وضعيفاً أمام مشاعري...

اقترب شفيق من سلوى أكثر، وطفح وجهه باحمرار غريب، فسألها:

هل تقرئين شيئاً في ملامحي؟ لقد كنت دائماً صديقاً وفيّاً لهذه الأسرة، ونجحت في إخفاء ما يجول في صدري، لكي لا أخدش هذا الوفاء. أمَّا بعد هذه السنين الطويلة، فلا يمكننـي أن أكذب على نفسي أكثر. أنت يا سلوى... أنتِ جمرة في قلبـي، وجرح عميق في ضميري... كنتُ أحياناً أرتدي قناعاً لكي أغطِّي جنوني... وهل لقناع أن يخبِّئ النار المشتعلة في أرجاء الكون؟

وضعت سلوى يدها على فم شفيق، وبدا عليها أنَّها لا تصدِّق ما يقول. همست له:

اسكت... لقد فهمت ماذا تعنيه، وليس عليك أن تتألَّم إلى هذا الحدِّ... لن تتغيَّر نظرتي إليك...

- ألن تحتقري جرأتي على قول الحقيقة؟

- أبداً... أبداً... لقد أصبحت أحترمك أكثر، بيد أنَّنـي نذرت نفسي لرياض، وأعتقد أنَّ ما أفعله منذ مقتل سعيد هو رسالتـي في الوجود.

- أنتِ امرأة جميلة، ويجب أن يكون للحُبِّ فعل في حياتك.

- صحيح. لقد لجمت عاطفتـي، وتخلَّيت عن قلبـي وروحي في سبيل ولدي... إنَّه أملي الوحيد، والوصيَّة التـي تركها لي زوجي... وكم أنا مسرورة لأنَّ رياض تخرَّج طبيباً أفتخر به!

اغرورقت عينا سلوى بالدموع، بينما كان شفيق ضائعاً، يبحث عن كلمات يداوي بها جرحاً عميقاً:

اعذرينـي يا سلوى لأنَّنـي مزَّقت القناع الخبيث... ربَّما كان من الأفضل أن أبقي العاصفة محبوسة في قمقم السكون. إنَّ من الحقائق ما يثير الفوضى والدمار...

- أؤكِّد لك مرَّة أخرى أنَّنـي ما زلت أحترمك. وأرجو ألاَّ تنفض يديك من صداقتنا بسبب ما حدث اليوم...

- لن أفعل... لن أفعل... هل تسمحين لي بالمغادرة الآن؟ بلِّغي سلامي... بلِّغي سلامي إلى رياض.

خرج شفيق من بيت سلوى الدروبي، لا يلوي على شيء. كان يفتِّش عن طريق توصله إلى مكان، لكنَّ جميع الطرق أقفلت في وجهه. وكان يبحث عن قطرة ماء يروي بها غليله بعد أن ابتلع جسراً من الخيبة، وحرائق من الهزيمة، إلاَّ أنَّ الينابيع غارت في الأرض، ويبست عروقها... لقد أشعل عود ثقاب في كرامته، وليته لم يفعل ذلك! ليت هذا اليوم لم يكن في الأيَّام! وليته كان جباناً أو أخرس، فلم ينطق بما نطقت به شفتاه! صحيح أنَّ القدر يدفع بالإنسان إلى حيث لا يريد، لكنَّه فوق ذلك يشرِّده في الدروب الخطيرة، ويملأ حياته ندماً عصيّاً على النسيان.

 

^^^

 

"نسيت كيف أجمع الكلمات في جُملة. الأمِّيَّة أعمتنـي. ومنذ سنوات لم أكتب غير السكوت... كنت صغيراً عندما كتبت شيئاً جميلاً، برغم الفقر الذي كان يتأكَّل حياتي... كانت ثيابي قديمة، وحذائي كان يتسرَّب إليه الماء، وتخرج منه المسامير، فتغرز في أصابعي، ويفور منها الدم. وكنت أتساءل: كيف يكتب إنسان كلمة وقدماه في الماء؟

عمَّ أكتب، وأنا زهيد في العمر؟! لا أرجو أن يقرأ أحد ما كتبته، فقد يتَّهمونني بأنَّنـي نصبت الفاعل، ورفعت المفعول به. لا أستطيع التمييز بين كلمة وكلمة، وبينـي وبين الظلال، فأنا مارد مقيَّد في كيس... صحيح... صحيح... أنا العدم، وأنا الخطيئة، فما أعظم مساوئي!"

(من أفكار فؤاد السرنوك)

 

بيت فؤاد السرنوك في قرية "الدهيبة" متواضع، تكاد أعمدته تتداعى، وأمامه فوضى: برميل قديم للمياه، وكلب مربوط إلى شجرة، وحجارة مبعثرة في حديقة مهملة، نبتت في جوانبها أشواك وزهور برِّيَّة. وزوجة السرنوك، هدى، في حركة دائمة. فهي منشغلة في غسيل الثياب. لا تكاد تدخل إلى البيت حتَّى تعود وتخرج منه، ثمَّ تلقي نظرة على زوجها، وهو ساكن لا يفعل شيئاً.

كان السرنوك جالساً تحت العريشة، وأمامه طاولة صغيرة عليها قليل من الطعام والشراب، وفُتات من الخبز.

لقد أدمنَ الرجل على الضياع منذ زمن طويل، وأصبح يميل إلى الصمت والتأمُّل، بعدما أنهكته السنوات الماضية، وآلمَه جرح عميق في فؤاده. وإنَّ ما حدث له حالة طبيعيَّة أصابت كثيرين من الذين شاركوا في أعراس الدم... فبعد أن ينتهي الاحتفال، لا بدَّ من العودة إلى الذات، فتتكاثر الأسئلة، وتعجز العقول عن أجوبة لها، وبين الذكريات الصعبة والحاضر الأليم، تتردَّى الأرواح في جحيم العقاب، ويصرخ الإنسان الآخر في الإنسان: ماذا جنت يداي؟ وكيف تحوَّلتُ إلى وحش كاسر لا يرحم؟ وما هي المكافأة التـي حصلت عليها غير البؤس والعذاب؟

اليأس، والغضب، والهذيان، والجنون، والصداع، والخوف، والانتحار هي المظاهر الأكثر انتشاراً بعد انتهاء الحروب... بل هي الأجوبة التـي يمكن أن يطمئنَّ إليها الخاسرون بعد أن تصطدم عقولهم بفراغ، فتتعطَّل.

كان السرنوك هادئاً في ذلك اليوم، فلم يتكلَّم كثيراً. وعلى الرغم من ذلك، فإنَّ أفكاره كانت تسرح في الفضاء، وتتحدّث بلغة غامضة. دنَت منه زوجته، وقالت له:

إلى أين أنت ذاهب في خيالك؟

أجابها ببرودة:

إلى أبعد حدود الصمت... السكوت يغرقني في النسيان.

- ماذا تريد أن تنسى؟ لقد حدث ذلك منذ زمن طويل.

- كيف تمُحى صورة موجودة في إطار؟

-علينا أن نحطِّم الإطار...

- قد يبدو تحطيم الإطار سهلاً عند كثيرين من الناس، ولكن هل يدري أحد أنَّ الإطار نفسه أبلغ من الصورة وممَّا

فيها من أشكال وأصوات؟

- إنَّك تنطق بالصواب...

- لقد ذاب الإطار والصورة في أعماق روحي، فكيف أفصل الهواء عن السماء، والمطر عن العاصفة؟

هزَّت المرأة برأسها، وهي تعبِّر عن ألم دفين، فتابع السرنوك حديثه:

لماذا يدخل اللصُّ إلى خزانة الثياب، ليسرق خيط الأمل؟ ولماذا ينتقم المطر من فراشة بريئة؟ وهل تعيد الصلاة روحاً إلى جسد بارد... بارد كالثلج؟

- كفاك شعوراً بالذنب، فقد يؤدِّي بك الأسى إلى القضاء على نفسك!

- دعينـي أتذكَّر: موسيقى ناي من فم حزين. آه كم أشتاق إلى تلك الموسيقى تصرخ في فضاء الوجود! موسيقى لا تنقطع، ولا تنتهي إلى زوال... كنت أعبد ذلك النغم، يتصاعد من نافذة مفتوحة للشمس، وأتمنَّى ألاَّ يصمت العازف المبدع... لكنَّه صمتَ فجأة ذات يوم، فحزنت وقلت في نفسي: لعلَّ العازف مريض. ولم أتوقَّع أن أشاهد نعشاً صغيراً أبيض ممدَّداً على عربة في الشارع... لم أتوقَّع أن تغلق أبواب الحياة على ناي كئيب... ولم يعد للحياة من معنى... ركضتُ إلى الشارع ملهوفاً، وأنا أبكي. كان الجميع صامتين، مقيَّدين بسلاسل الغربة. سمعت عيونهم تسأل وهم ينظرون إليَّ مشدوهين: مَن يكون هذا الشابُّ الذي لا نعرفه؟... صرختُ في الجموع، ولم يجبنـي أحد. مشوا جميعاً خلف الجنازة، وبقيت أنا وحدي أغسل التراب بدموعي، وأسأل الرياح الهاربة: كيف تموت طفلة مُقْعَدة كانت تعزف لي، وكنت أحبُّها؟... بعد ذلك بوقت قصير، لم يعد للناس، والقِيم، والحضارة من معنى. تحوَّلت إلى امرئ قاسٍ يكره الوجود... ولو كنتِ مكاني يا هدى، لكرهت الوجود أيضاً...

-إنَّ قلبـي يتمزَّق عليك، ويحزُّ في نفسي أنَّ جميع الناس يحاكمونك بغير شفقة...

لم تكمل هدى كلامها، حتَّى توقَّفت سيَّارة أمام البيت.

"عادت سعاد من العمل." تمتمت هدى، ونهضت لتستقبل ابنتها.

كانت سعاد مرهَقة، لكنَّها لا تبدي شكوى، فقد حصلت منذ شهر على وظيفة متواضعة في متجر للألبسة. وبالرغم من العمل المضنـي، فإنَّها راضية بما خطَّته يد القدر، لأنَّها تستطيع، بما تحصل عليه من أجر بسيط، أن تساعد أسرتها، خصوصاً أنَّ والدها لم يعد قادراً على العمل منذ مدَّة طويلة، بسبب حالته النفسيَّة.

كانت سعاد فيما مضى، تدْرس الأدب الفرنسيَّ في الجامعة، لكنَّها انقطعت عن الدراسة، لصعوبات مادِّيَّة، وبسبب عدم قدرتها على المزاوجة بين الجامعة والعمل.

ألقت الفتاة التحيَّة على والديها، ثمَّ دخلت إلى البيت، فلحقت بها الأمُّ، لتساعدها في تحضير طعامها. كانت سعاد تغنِّي بصوت خافت لكنَّه جميل، فعاجلتها هدى بالقول:

يبدو أنَّ العصفورة مزهوَّة بالربيع.

توقَّفت سعاد عن الغناء، ونظرت إلى أمِّها قائلة:

الربيع في قلوبنا، ونحن نصنعه.

- بعض الناس يعيشون دائماً في الخريف، ولا يطيقون الخروج من خلف جدرانه.

- لعلَّهم يعشقون الرومنطيقيَّة، ويتغنَّون باصفرار الطبيعة، ونحيب الغابات.

- أما كنتِ تقرئين بعض أشعار هيجو؟

- أحبُّ لغته، ويعتصرني الأسى لرؤيته يتألَّم.

- عندما كنتُ في المدرسة، كنت معجبة برومنسيَّة جبران، فقد مزجها بفرح وطمأنينة، وأستغرب كيف أنَّه وصف نفسه بالمجنون.

-مِن العقلاء مَن لا يعرفون أنَّهم مجانين، أمَّا المجانين، فهم أقرب منَّا إلى المجهول. وجبران، حسب اعتقادي، نعتَ نفسه بالجنون، لأنَّه يبصر في الظلام أكثر ممَّا يبصر الآخرون في ضوء النهار... إنّ الجنون عند العظماء هو ضرب من القداسة.

- أنت ترين أنَّ أغلب المجانين أصبحوا كذلك، لأنَّ العقلاء رفضوا الاعتراف بعبقريَّتهم!

- هذا ما كنت أقوله بالضبط. إنَّ بعض المجانين عباقرة

ولو أنكر العقلاء فضلهم على الحياة.

- الحديث معكِ ممتع يا ابنتي. وكم يؤلمنـي أنَّكِ توقَّفتِ عن الدراسة!

- لا تقلقي... سأعود إلى الجامعة في يوم من الأيَّام.

ظهرت على وجه الأمِّ لمحة من الأسى، فراحت تتأمَّل ابنتها. وبعد برهة، توجَّهت إلى الخارج، فلم تجد زوجها. كان يخبط في القرية بقدمتين ثقيلتين، ويتحدَّث إلى نفسه. وكان الأولاد الصغار يفرُّون منه، معتقدين أنَّه سيقبض على أعناقهم. أمَّا الكبار، فكانوا يرمقونه بنظرات لا تخلو من السخرية، ويقول بعضهم لبعض:

مسكين فؤاد السرنوك! لقد كان في الماضي رجلاً لا كالرجال، ومقاتلاً شجاعاً... أمَّا الآن، فهو نكرة من النكرات، ولعنة من لعنات القدر.

ويتمتم آخرون:

إنَّه الندم، يأكل قلبه، ويعتصر وجوده، فلعنة هابيل، ستظلُّ تلاحقه إلى القبر، وستكون أيَّامه جحيماً، طالما هو على قيد الحياة.

 

ولو سمع فؤاد ما كانوا يقولون، لكان استعاد وعيه، وصرخ بهم غاضباً:

أيُّها الأشقياء الملاعين، لقد كنتم بالأمس تحتفلون بقوَّتي، وتمجِّدون بطولتـي، لأنَّنـي كنت أحارب عنكم، وأنتم قابعون في الزوايا. وبعد أن انتهت الحرب، أعملتم سكاكينكم في ظهري... فما أنتم سوى أشرار، وناكرين للجميل يرتدون ثياب الحملان البريئة... بل أنتم جبناء، إذ تباركون السيف الذي يدافع عنكم، ثمَّ تشتمونه حين يعود إلى غمده.

 

^ ^ ^

 

سلوى خلف النافذة المطلَّة على الغابة، والطائر العطِش نفسه يظهر كخيط من دخان، وبسرعة الضوء يرتفع في الفضاء، فيثبت برهة فوق رؤوس الأشجار، مرفرفاً بجناحين داكنين، ويصيح صيحته المرعبة.

هذا الطائر ليس مـــن جسد وروح. إنَّه وهـــم يتراءى للمرأة، بل هو صورة عن نفسها المضطربة، التـي ترتعش في قفص ضيِّق، وتغالب الحدود لتنطلق إلى البعيد، معبِّرة عـن غضب خانق، ورغبة في الثأر.

تمتمت سلوى كمن يتحدَّث في أحلامه:

سأسقيك أيُّها الطائر المسكين. من خوابي الزمن المرِّ سأسقيك... من مياه البحيرة الراكدة سأسقيك... فانتظرْني قليلاً ... قليلاً بعد... ولا تخف من أن تعطش إلى أبد الدهور! سأفتح لك النافذة وأتركك تحطُّ على يديَّ، فأستمع إلى شكواك.

هبَّ الهواء عتيّاً على الغابة، فنزل الطائر ليحطّ بين أغصان الشربين. وسرعان ما اختلط صياحه بصياح طائر آخر، اتَّخذ موطنه في الشجرة ذاتها، وقد هاله أن يرى طائراً غريباً يزاحمه على مملكته، فنشبت بينهما معركة قاسية، لم تدم إلاَّ دقيقة، خرج منها صاحب المكان خائباً، يبحث عن مملكة أخرى أكثر سلاماً وأمناً، فيما ارتفع المعتدي في الفضاء مزهوّاً بقوَّته، ومعلناً انتصاره على غريمه الضعيف. إنَّها معركة الحياة والموت، بين كلِّ ما في الكون من متناقضات: بين الجبَّار والهزيل، والظالم والمظلوم، والغنـيِّ والفقير، والكبير والصغير. كـمـا فـي فضـاء الطيور كذلك على الأرض.

فرِحتْ سلوى لفرح الطائر الذي يتراءى كلَّ يوم، ورأت في انتصاره انتصاراً للقوَّة؛ ففي رأيِها أنَّ المتردِّد الجبان هو الخاسر في النهاية، وعلى كرامته ستعبر خيول الرياح، فتهشِّمها وترمي بها في الفراغ. أمَّا المرأة التي سلبتها العصور فيضاً من جبروتها تحت شعارات كاذبة، كالحنان، والرقَّة، والعذوبة... فقد عادت إليها جرأتها، وامَّحت صورة الهرَّة المرتعدة من وقع أقدام العابرين، لتحلَّ محلَّها صورة اللبوءة المرعبة التي تخيف الرجال، فيهربون من أمام سطوتها. نعم، لم تعد سلوى تلك المرأة التي تسير في آخر القافلة، وتسقط من التعب، فيهبُّ الرجالُ إلى نجدتها. إنَّ في نفسها الآن قوَّة تتمرَّد على قوَّة الذكور، هي قوَّة الطائر الذي يعتصره الجرح، فيرفرف عالياً، ويضرب الشمس بجناحيه.

لم تكن سلوى قاسية في الماضي، لكنَّ خسارتها الجسيمة بموت زوجها، فتحت عينيها على دروب صعبة... لقد جاهدت كالأبطال، لكي تعيل ولدها الوحيد، فاشتغلت في مصنع للأحذية، ثمَّ ما لبث المصنع أن أقفل أبوابه، فاستأجرت حانوتاً صغيراً في القرية، وكان كلُّ همِّها أن يتحقَّق طموحها، فيصبح ابنها طبيباً مشهوراً، تعتزُّ به أمام الناس. أمَّا حقدها على فؤاد السرنوك، فلا يضاهيه حقد على الإطلاق، فقد خطف الرجل أحلامها إلى جزيرة الفناء، وفرَّ تحت جناح الظلام، تاركاً لها إرثاً من المعاناة، وثياباً سوداء ترتديها لأعوام، ولا تخلعها إلاَّ بعد إلحاح من أقرباء زوجها.

أسدل الليل ستائـره على الغابة، ولم يعد مــن أثــر للطائرالمتمرِّد، فأوصدت المرأة نافذتها، وجلست على مقعد الذكرى تتصفَّح في أوراق الماضي، وتنصت إلى صدى الأيَّام المتراكضة.

خطرت لها فكرة جعلتها تطمئنُّ وترتاح إلى حين، فتحدَّثت إلى نفسها قائلة:

من أجل عينيك يا سلوى يحمل شفيق الجمر على راحتيه... لقد جاءكِ بالأمس مستعطفاً، وزاحفاً على التراب، وكانت في قلبه لواعج الحبِّ والرغبة... كلمة واحدة منك... كلمة واحدة فقط تجعله طوعَ يديكِ، فاغتنمي الفرصة، وليكن ما يجب أن يكون.

خافت المرأة من كلامها، فدبَّت قشعريرة في جسدها، وأجابت نفسها:

لكنَّ الرجل متزوِّج، وامرأته فاضلة لا تستحقُّ المعاملة السيِّئة... ماذا دهاكِ يا سلوى، لكي تتحوَّلي إلى سيِّدة شرِّيرة، تضرم النار في بيوت الآخرين، وتفرح لرؤية الدمار؟!

اهتزَّت سلوى في مقعدها، ونظرت إلى سقف الغرفة، كأنَّها تريد وحياً من السماء، ثمَّ فكَّرت:

قد يكون شفيق مشروع خيانة لزوجته، لكن لا يجب أن

يتورَّط في قضيَّة لا تخصُّه... فاحذري يا سلوى، لكي لا تنقلب الأمور وبالاً، وتفلت العواقب من عقالها، فتطال الأبرياء!

لم تنقطع أفكار المرأة، إلاَّ عندما توقَّفت سيَّارة أمام المنزل، وتلاشى هديرها... بعد قليل، دخل رياض، والإرهاق بادٍ على محيَّاه. كان شاحباً قليلاً، وفي نظراته ما يوحي بأنَّ يومه لم يكن على ما يرام. بادرته أمُّه بالقول:

كيف كان نهارك؟

أجابها من غير ابتسامة:

لابأس. كان يوماً غريباً فعلاً.

- ماذا حدث؟

هزَّ رياض برأسه، وآثر الصمت، إلاَّ أنَّ نظرات أمِّه الثاقبة كانت تلاحقه، وترسم في الفضاء الصغير علامات استفهام لا تنقطع.

لم يكن من عادة رياض أن يخبِّئ سرّاً عن أمِّه، ولم تكن هي تقبل بأن يُخفى عنها أمر في المنزل، فمن حقِّها معرفة كلِّ الأسرار والحقائق. وكان ابنها يرغب في أن تكون حياته ملكاً له فقط، لكنَّه في كثير من الأحيان كان يرضخ لإلحاحها، ويروي لها فصولاً مملَّة من فصول العمل، والصداقات، والزيارات. وكانت هي لا تشعر بالقنوط من هذه الفصول المتشابهة، بل كانت تصغي إلى كلِّ كلمة يقولها، وتسجِّلها في ذاكرتها العجيبة.

هذه المرَّة حاول أن يهرب من إصرارها، ولم يكن لديه سبيل للنجاة، فالمرأة ذات نظرات مخيفة، توحي دائماً لمن يخالف إرادتها بأنَّه قد يتعرَّض للعقاب والمساءلة، أو قد يعرِّضها هي لأزمة نفسيَّة حادَّة، لن تشفى منها إلاَّ بعد حين.

قال لها بصوت مجهَد:

خرجتُ من المستشفى باكراً لزيارة بعض الأصدقاء، وما إن وصلت إلى مفترق "الدهيبة" حتَّى رأيت حشداً من الناس في وسط الطريق... كان بعضهم يصيح، ويركض في كلِّ اتِّجاه. ومن بين الجمع رأيت سيَّارة منقلبة على جانب الطريق، ورجالاً يحاولون فتح أحد أبوابها...

ارتاح رياض من الكلام، ثمَّ تابع، وهو يخلع سترته، ويحلُّ ربطة عنقه:

لا يمكنك أن تقدِّري مَن كان في السيَّارة؟

- هل هو قريب لنا؟

- كانت ابنة فؤاد السرنوك...

بدا على سلوى اهتمام بالخبر، وارتسم فرح مفاجئ على محيَّاها، ثمَّ صاحت بغبطة:

هل ماتت؟

- كلاَّ. لقد أصيبت بجروح خطيرة، ونُقلت إلى المستشفى... كان عليَّ أن أرافقها بنفسي إلى هناك، وأهتمَّ بتضميد جروحها.

صرخت سلوى بهلع:

هل أصابك مسٌّ من الجنون؟! إنَّ فؤاد السرنوك هو قاتل أبيك، وأنت تضمِّد جراح ابنته!

- أنا طبيب يا أمِّي، والطبيب لديه رسالةٌ إنسانيَّة... الأطبَّاء في الحروب يعالجون أعداءهم...

- لا تقل هذا! إنَّ السرنوك مجرم خطير، ولم يكن والدك عدوّاً له، بل كان رجلاً طيِّباً يحبُّه جميع الناس، ولم يؤذِ أحداً في حياته...

- وما هو ذنب ابنة السرنوك إن كان والدها مجرماً قاتلاً؟!

- الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون... ثمَّ نحن لنا ثأر مع بيت السرنوك!

- لا تقولي ذلك أمامي! فإنَّ الإنسان لا يورث الشرَّ لأبنائه... قد يكون الأبناء أكثر نبلاً من آبائهم... ما ذنب سعاد لكي تدفع ثمن جريمة ارتكبها والدها؟! الشرُّ فقط هو الذي يجعل الناس ينتقمون من الأشرار.

صفنت سلوى قليلاً، وكأنَّ كلام رياض أثَّر في موقفها المتطرِّف، ولكنَّ غريزة الانتقام غلبت على عقلها، فانتفضت من هدوئها، كأنَّها ترفض أيَّ شكل من أشكال الغفران، فصاحت:

لا أستطيع أبداً نسيان تلك اللحظة التـي جاءني فيها خبر موت والدك المفاجئ... لقد انهارت في تلك اللحظة الداكنة أرض وسماء، وخرجت الكواكب من مداراتها... لم أصدِّق الخبر في بادئ الأمر، لأنَّنـي لم أكن أعتقد أنَّ الدروبي قد يقتله أحد... طِيبة سعيد لا ينبغي أن يخترقها رصاص... وفي النهاية، كان الخبر صحيحاً، مثل الماء والهواء... لمستُ وجهه بطرف أصابعي لأتأكَّد من أنَّه هو. كان وديعاً كأحلام الفقراء، وكان مشتاقاً إلى بيته، وينتظر أن أرتِّب المائدة، لنأكل معاً خبز الحياة... كنتَ آنذاك فتى صغيراً، فمِنْ أين لك أن تعرف كيف تتهدَّم قلعة، وتندثر حكاية مضيئة؟!... حملتُ موت أبيك حريقاً في ضلوعي، وهذا الحريق لن تطفئه مياه البحار قبل أن أرى القاتل، وهو يصرخ تحت مطرقة العقاب... من العار أن تغرق الشمس في الأفق البعيد، وفي الأرض عدالة لم تتحقَّق بعد.

- هوِّني عليكِ يا والدتي... النسيان كفيل بمداواة الجروح. وليس علينا أن نتساوى مع القاتل.

- هل تستخدم النسيان لمعالجة المرضى؟!

- بالطبع لا. إنَّنـي أتحدَّث عن الجروح النفسيَّة والألم، فإذا لم نغفر أخطاء البشر، أصبح العالم غابة للثأر، وتحوَّل الإنسان أيضاً إلى طائرٍ مفترسٍ...

- ربَّما تكون محقّاً في كلامِك، غير أنَّك لا تعرف كم أعاني، بسبب عدم قدرتي على النسيان، فهل هناك دواء ينفعنـي؟ هل لديك شمعة أضيئها في نفسي؟ فأنا ضائعة في ظلام القبور...

- كان والدي رجلاً طيِّباً، ولا أعتقد أنَّه راغب في الانتقام من أحد... الرجل الطيِّب هو البحر الذي يطوي في أعماقه كلَّ الصخب والمأساة.

- وأنت، ماذا ستفعل غداً؟ هل ستزور سعاد في المستشفى؟ أم ستذهب إلى منزلها بعد أن تتعافى، حاملاً إليها باقة ورود؟ أرجوك يا رياض، يجب أن تضع حدّاً لأفكارك النبيلة، فهؤلاء القوم لا يفهمون لغة السلام. إنَّهم لم يبدوا أسفاً لقتلهم رجلاً مسكيناً... هل تعدني بأنَّك لن تزور سعاد بعد الآن؟

لم يكن رياض يفكِّر يوماً في لقاء سعاد، وهو ليس الطبيب المكلَّف بمعالجتها في المستشفى. إنَّ اهتمامه بالفتاة كان نابعاً من طيبته وإيمانه بأنَّ البشر أخوة، مهما عظمت بينهم الفوارق. بل إنَّه يشعر بالسرور والمتعة، لأنَّه استطاع أن يتخطَّى غريزة الانتقام، ويثبت أنَّه إنسان رحوم وقادر على المسامحة.

قال لأمِّه، وهو يهزُّ برأسه موافقاً على كلامها:

أعدك بأنَّنـي لن أزور سعاد، ولن أسأل عنها، فهل هذا يشعرك بالاطمئنان؟

- حسناً تفعل، فإنَّ أشدَّ ما يؤلمنـي هو أن أراك تنقذها من الألم، وتساعدها على تخطِّي معاناتها، فيما والدها يسرح ويمرح على أنقاض مأساتنا.

دخل رياض إلى غرفته، فيما كانت أمُّه تسترق النظر إلى النافذة المطلَّة على الغابة، لعلَّها تسمع صدى لطائر الهامة، لكنَّه كان صامتاً على غير عادته، فهل كان صمته المفاجئ دليلاً على أنَّه غادر الغابة إلى مكان آخر؟ أم إنَّه تعب من صياحه، فتدثَّر بمطر السكوت، قبل أن يولد ربيع جديد، وترفل الأشجار بحلَّةٍ من الأضواء واللون؟

 

^ ^ ^

 

المطر ينهمر غزيراً غزيراً، ورياض يقود سيَّارته على الطريق إلى المستشفى، فلا يكاد يرى من خلال خيوط الماء الفضِّيَّة المتَشابكة سوى لمسافة قريبة.

لمع البرق، فانشقَّ ثوب السماء بغضب، ثمَّ زلزلت رعدة في الأفق البعيد، فارتعشت الأشجار، وتغيَّرت معالم الأرض.

عندما دخل رياض إلى مكتبه، كان عليه أن يطمئنَّ على سعاد من الممرِّضات، فأجبنَه بأنَّها استفاقت من غيبوبتها، وهي تسأل بين الحين والآخر عن الرجل الذي رافقها في سيَّارة الإسعاف إلى المستشفى. وأخبرنَه أيضاً أنَّ سعاد تبيَّنت ملامحه بصعوبة، على الرغم من ألمها بعد الحادث، وقالت لهنَّ إنَّه شابٌّ نحيل، وكان يرتدي بذلة رماديَّة، وربطة عنق لا تتذكَّر منها سوى لون أخضر طفيف. وعندما أعلمت إحدى الممرِّضات سعاد بأنَّ الذي رافقها إلى المستشفى كان الطبيب رياض الدروبي، انقبض وجه الفتاة، واتَّسعت حدقتاها من الدهشة.

ابتسم رياض عندما سمع أقوال الممرِّضات، واعتبر أنَّ ما رأينَه من تصرُّف سعاد لم يكن إلاَّ من باب التوهُّم، فلا شيء يجعل تلك الفتاة تتفاجأ من ذكر اسمه أمامها. ولم تكن الممرِّضات على علم بما حدث في الماضي بين الأسرتين، فأغلبهنَّ من خارج المنطقة، أمَّا اللواتي يعرفنَ بقصَّة مقتل سعيد الدروبي، فقد همسنَ بها سرّاً إلى زميلاتهنَّ.

في ذلك الوقت، كانت سعاد في غرفتها مع والدتها، وبعض من أقاربها. وقد دأب الأقرباء على زيارتها في ساعات المساء، أمَّا في الصباح والليل، فكانت الغرفة تخلو إلاَّ من حركة الممرِّضات.

كانت سعاد في سريرها ما تزال تتخبَّط في حيرتها، وتفكِّر في تصرُّف رياض. متسائلة بإلحاح:

هل يكون الشابُّ قد علم بأنَّنـي ابنة فؤاد السرنوك؟!

وكانت تجيب نفسها قائلة:

لعلَّه لم يعلم بحقيقتـي، ولو فعل ذلك، لما تجرَّأ على الاقتراب منِّي.

لم يمضِ وقت طويل، حتَّى تلاشت جميع تلك الأفكار، وأصبحت في خبر كان، فقد دخل رياض ذات صباح إلى الغرفة، وكان مرِحاً، ومنفرِج الأسارير، وكأنَّه يحاول أن يزيل غمامة من الذهول امتدَّت كذراعين كبيرتين فوق المكان.

- هل أنتِ بخير؟

لم تعرف سعاد كيف يجب أن تتصرَّف، فقد كانت زيارته كحدِّ السيف، قاطعة بين الأمس واليوم، بين الموت والحياة، وكان وجوده قريباً منها يوحي بشيء من الطمأنينة الممزوجة بالريبة والحذر.

إنَّ تلك الزيارة ما هي إلاّ رمز من رموز المسامحة بين البشر... والعظماء فقط يعرفون كيف يقطِّبون الجروح بخيوط النسيان، ويدوسون بأقدامهم على قامة الليل، أمَّا أصحاب النفوس الضعيفة، فيأسرون أرواحهم في زنازين الحقد، ويأكلون خبزاً يابساً على مائدة الأحزان والذكرى، فيجوعون ويعطشون.

كانت إطلالة رياض بمثابة كوكب يدور في سماء الله الواسعة، فكيف لسعاد أن تقاوم ضوءاً يبهر الأنظار، وهو يدخل إليها من نافذة الأمل المفتوحة على مصراعين؟

إنَّها أضعف من أن تقول حرفاً واحداً، فالحروف تجمَّدت،

وتلبَّدت مثل غيوم في فمها. كان صمتها مُرّاً، وكلامها، لو نطقت، أشدَّ مرارة، فآثرت أن ترمقه بعينين خافتتين، كمنارة على شاطئ مهجور. ولو كانت لها الجرأة والقوَّة، لنهضت من فراشها، لكي تقبِّله في يديه، وتمسح بدموعها أصابعه النحيلة، فهو الآن قدِّيس، والصلوات لا تتَّسع لحضوره. لكنَّها أيضاً فضَّلت الصمت، فكيف يمكن لعصفورة مكسورة الجناحين أن تغنِّي للربيع؟ وكيف تتغلَّب على أوجاعها، لتهمس على مسمع منه بكلمة اعتذار، قد لا تكون كافية، لكنَّها رسالة محبَّة وكفى؟ ومن أين لها الجرأة على مواجهته، وهي تحمل إرث الآباء المخضَّب، وليس مسموحاً لها أن ترمي بهذا الإرث في هاوية اللاوجود؟

أعاد السؤال:

هل أنتِ بخير؟

- نعم... نعم، أنا بخير، ولا أعرف كيف يمكننـي أن أشكركَ على ما فعلت.

انحدرت دمعة على خدِّها الشاحب، فمسحتها بيد مضطربة، وقالت وهي تكاد تختنق بكلماتها:

هل عرفتَنـي؟

أجابها، وهو يبتسم:

بالطبع عرفتكِ... أنتِ سعاد... الحمد لله على العناية التي أنقذتكِ من الموت.

- الصوابُ هو أنَّ العناية الإلهيَّة أرسلتْك، لكي تكون بجانبـي وأنا على وشك الموت.

- المهمُّ أنَّكِ نجوتِ من الحادث... لقد أبلغنـي طبيبك بأنَّ حالتك تتحسَّن باستمرار، وقد لا تمضي أيَّام قليلة، حتَّى يسمح لكِ بالعودة إلى البيت... الطبيب في الحقيقة هو أنتِ، والأطبَّاء الآخرون لا يفعلون شيئاً سوى أنَّهم يضمِّدون الجراح، ولكنَّهم لا يملكون القدرة على شفائها.

فوجئت سعاد بتواضع محدِّثها، فهو، كما يبدو، ليس من صنف الأطبَّاء الذين يعتقدون أنَّهم يصنعون المعجزات. إنَّه يدرك أنَّ عقله أداة صغيرة تحرِّكها إرادة الخالق، وتستخدمها من أجل غاية نبيلة.

استأذنَ رياض، وقال:

سأراكِ في الغد.

خرج من الغرفة مسرعاً، ولعلَّه كان يخشى أن يأتي أحد من أهل الفتاة، فيجده عندها.

وفي اليوم التالي، وصلت هديَّة إلى سعاد: باقة ورد ملوَّنة، ولم يكن عليها اسم المرسل، ما عدا بطاقة صغيرة كُتب عليها:

"إلى سعاد، عربون محبَّة... مع التمنِّيات أن يكون شفاؤها العاجل مصدر سعادة لجميع من يعرفونها."

فهمت الفتاةُ على الفور أنَّ من أرسل باقة الورد هو رياض، ولم يشأ أن يكتب اسمه على البطاقة، تفادياً لإحراج الفتاة أمام أهلها. أمَّا هي، فلمعت ابتسامة في وجهها، وتمنَّت لو أنَّها تستطيع أن تعبِّر له عن اعتزازها بروحه الإنسانيَّة، فلقد أعطاها درساً في الحوار بين البشر، وجعلها تؤمن بأنَّ الأجيال الجديدة قادرة على محو آثار الماضي، وتحويل بقع الدم إلى ورود مفعمة بالعبير والجمال.

وتمنَّت الفتاة أيضاً أن يزورها رياض في اليوم التالي. وفي المقابل، كان هو ينتظر بفارغ الصبر أن تخلو الغرفة من الزائرين، فيذهب لرؤيتها. وقد شعر في الساعات القليلة الماضية بأنَّ هناك رابطاً عميقاً يجذبه إليها، وكانت هي مأخوذة بشخصيَّته، إلاَّ أنَّها كانت تطرح على ذاتها أسئلة متتالية:

ماذا سيحدث عندما أعود إلى البيت؟ هل سيظلُّ هو مهتمّاً برؤيتـي؟ أم سيمضي كلٌّ منَّا في طريقه، وكأنَّ شيئاً لم يكن؟...

وكم كانت فرحتها عارمة، عندما دخل رياض إلى غرفتها مرّة ثانية، فأعطاها رقم هاتفه في المستشفى، وطلب إليها بإلحاح أن تتَّصل به، كلَّما وجدت نفسها بحاجة إلى صديق تشكو همومها إليه!

كان رياض، في الوقت نفسه، يشعر بكثير من الندم، لأنَّه كذب على أمِّه، ووعدها بعدم زيارة سعاد، غير أنَّ الكذب في هذه الحال ليس خطيئة مميتة، طالما أنَّه يقوم بواجبه كطبيب أوَّلاً، ويتبع نداء قلبه بخطى متسارعة، لا يستطيع مقاومتها، مهما كان عظيم الإرادة. وقد عزم على عدم إبلاغ والدته بما جرى له مع سعاد، تفادياً للعواقب، فالمرأة راغبة في الثأر، ولو استطاعت أن تحقِّق هذه الرغبة بيديها العاريتين لما تأخَّرت لحظة واحدة.

عادت سعاد إلى بيتها، بعد أن تماثلت للشفاء، وخفَّت آلامها... وحاولت أن تُقنع نفسها بأنَّ لقاءها برياض كان لقاء عابراً فرضته ظروف معيَّنة.

مرَّت الأيّام ثقيلة، والفتاة غير قادرة على التنكُّر لعواطفها... كانت تشتاق إلى رياض، وتتمنَّى رؤيته والتحدُّث إليه، ولكنْ ما هي الوسيلة إلى ذلك، وبين بيته وبيتها جبال من الدخان، وحقول مليئة بالشوك واليباس؟!

أرادت أن تتَّصل بــه، فلم تقوَ على ذلك. وكان قلبها يدعــوهــا إلى التخلِّي عن كبريائها، أمَّا عقلها، فكان راضخاً للقيم الاجتماعيَّة البالية، التـي تحرِّم على الأنثى أن تبادر إلى الإفصاح عن مكنونات نفسهـا، وخلجـات مشاعـرهــا. وذات يــوم، انتصـرت جرأتها على

التقاليد المصطنعة. اتَّصلت به، فانساب إليها صوته رقيقاً وادعاً:

كنت أنتظر بفارغ الصبر أن تتَّصلي بي... كيف أصبحتِ؟

- أنا بخير، وأنت؟

- الحمد لله، اشتقت إليكِ...

- أصحيح ما تقول؟

- لو لم يكن ما أقوله صحيحاً، هل كان يصدر منِّي؟

- وأنا أيضاً اشتقت إليك... لقد عوَّدتنـي على الصدق، وأخرجتنـي من أقبية الجمود إلى فضاء الحرِّيَّة.

- كم أودُّ أن أراكِ في أقرب فرصة ممكنة!

- إنَّنـي خائفة,,.

- ولماذا تخافين؟ أبسبب الماضي؟!

- نعم. لست واثقة من أنَّنا سنستطيع مواجهة الحقيقة.

- الحقيقة بسيطة، وهي أنَّ الأبناء ليسوا مسؤولين عن أخطاء ذويهم. أنــا وأنت كنَّا صغيرين، بل كنَّا ملاكين، لا يعرفــان أنَّ الشرَّ مولود من أب وأمٍّ.

- هذا صحيح، وربَّما لا نزال ملاكين...

- أعتقد يــا سعاد، أنَّ علينا أن نلتقي، لكي تتمكَّنـي من قراءتي جيِّداً... إنَّ قلبـي صفحة بيضاء، لم تكتب الضغينة حرفاً واحداً عليها... ويمكننا معاً أن نتجاوز حرائق الأمس، ونخطو إلى عصر الطفولة والبراءة... البراءة وحدها هي التـي تعرف الله، وتنشرُ فضائله بين البشر.

- هل تريد أن نلتقي غداً؟

- لا ريب في ذلك. هناك مطعم صغير على الشاطئ... "مطعم الخيمة"، فما رأيك في أن نتناول الطعام هناك؟

- بعد الخامسة... سأكون قد أنهيت عملي، هل يناسبك الموعد؟

- بالطبع، إنَّه وقت مناسب لي أيضاً. فلا تتأخَّري!

في اليوم التالي، حضرت سعاد إلى المطعم، وكان رياض ينتظرها في زاوية بعيدة عن العيون، فخفَّت إليه مبتسمة وراضية. كان وجهها مشرقاً، وقد رآه في الأيَّام الماضية شاحباً. صافحته بحرارة، ثمَّ جلست قبالته بصمت. كانت نظراتهما تتحدَّث، وتوحي، وترسم معالم الطريق.

قال لها، وهو يغرق في الكرسيِّ:

ألا تحبِّين منظر البحر عند المساء؟

- أحبُّه أحياناً، فأنا لست رومنطيقيَّة إلى هذا الحدِّ... بل إنَّنـي لا أميل إلى سوداويَّة الرومنطيقيِّين، وعذاباتهم المتشابهة.

- الرومنطيقيُّون يقدِّسون الماضي، وذكريات الحبِّ المؤلمة... وأنا أرفض الماضي إذا كان يبعث على القنوط والألم.

- هل تتوقَّع أن نلتقي دائماً؟

- ماذا يمنع أن نلتقي؟!

- ربَّما تمنعنا التقاليد التـي توارثها الأبناء عن الآباء... أنت تعرف ماذا أقصد...

- علينا أن نتفاءل بالخير. أنظري إلى البحر كيف يتجدَّد باستمرار، وإلى الطبيعة التـي لا تستقرُّ على حال. هل هناك شيء في هذا الكون يرضى بالجمود والتحجُّر؟

- كلامُك يفرحنـي، ويبدِّد خوفي.

- لا تقولي إنَّك خائفة من المستقبل. المستقبل نحن نصنعه بأنفسنا، بإرادتنا المتحرِّرة من قيود الشرِّ والبغض.

- صحيح، ولكن هل إرادتنا نحن هي التـي تسيِّرُنا؟ أم إرادة الآخرين علينا؟

- هذا ما يجب أن نصحِّحه فوراً. ينبغي أن نضع حدّاً لإرادة المجتمع التـي تسعى إلى إخضاع مصائرنا، خصوصاً عندما يكون هناك صراع حادٌّ بين الأفكار الجامدة والأفكار المتغيِّرة.

صمت رياض قليلاً، ثمَّ قال:

نسينا المائدة... هل... هل أطعمكِ بيدي؟

تعجَّبت سعاد من كلامه، وقالت:

أنت تمزح...

- إذن عليك أن تبدئي بتناول الطعام، وسأنتهز الفرصة لكي أجعل هذه المناسبة لا تُنسى...

- ماذا ستفعل؟

- سأطلب منكِ أن تشربي قليلاً من كوب العصير.

رفعت سعاد كوب العصير إلى فمها، وأخذت رشفة منه، ثمَّ همَّت بوضعه على الطاولة، فأخذه رياض من يدها، وشرب منه أيضاً. احمرَّ وجه الفتاة، وفهمت ماذا يعنـي بذلك.

قال لها، وهو يبحر في وجهها الطليق:

فعلتُ ذلك من أجل خلودنا.

- أنت تريد أن نبقى على الوفاء، كصديقين... أليس كذلك؟

- يمكن للمشاعر فقط أن تجيب عن سؤال كهذا، فماذا تقول مشاعرُكِ؟

- لستُ أدري، لكنَّها المرَّة الأولى التـي أتوقَّع فيها أنّ أعيش طويلاً...

- وأنا أيضاً أرمي بكلِّ أوراقي الصفراء على قارعةٍ وأتجدَّد. أرجوكِ يا سعاد، لا تخافي بعد الآن. يجب أن تحطِّمي قيود الأمس، وتؤمنـي بأنَّ الشمس تشرق من قلوب الناس، وليس من غرائزهم القبيحة.

- أنت محقٌّ فعلاً، ولكنَّي أشعر بالخجل أمام طيبة قلبِك، ورجاحة عقلِك...

- أنا لا أتوقَّع من الجيل الماضي، الذي يتحمَّل المسؤوليَّة الكاملة عن تدمير وطن، أن يكون مسؤولاً عن خلق حياة جديدة، فتعالي نذرف دمعة على قبور الأحياء، ودعيهم ليشربوا كأساً على مذابح رغباتهم، فإنَّ من فقد النعمة والرجاء لن يعطيهما للآخرين.

-إنَّني أشفق على نفسي عندما أستمع إلى رجل لا يقوى على السير، يحاضر في غزو الكواكب... إنَّ الذين فاتهم القطار لا يُحسنون إصلاح المحطَّة، والذين ينتظرون على حافَّة القبر لا يصنعون الولادة...

كان الحديث بين الشابَّين طويلاً، طويلاً، عبرا فيه بحاراً أكبر بكثير من البحر الذي يمتدُّ أمامهما، وسكنا في جزر أبعد من الخيال.

تشابكت يداهما كطفلين صغيرين يسيران تحت السماء، وعندما غسلت الأمواج أقدامهما، ورقصت الشمس في غلالة من الحرير الأرجوانيِّ، كتب رياض على رمال الشاطئ: "أحبُّكِ يا سعاد". أمَّا هي، فقد رقصت دمعة فرح في جفنها الرقيق، وطلبت منه أن يعيد الكتابة على جذع شجرة قريبة، خوفاً من أن تغمر الأموج الكلمات، وتمحوها في غفلة عين، فتصبح الخلجات ناراً منطفئة.

عند شاطئ البحـرِ، وفي ذلك المساء الجميل، لمحت سعاد فتى يُمسِك بيده خيطاً نحيلاً، ويُراقب طيَّارته الورقيَّة، وهي تطير إلى حدود المجرَّات. ابتسمت للفتى، وسألته:

ألا تخاف، وأنت وحيد على هذا الشاطئ؟

لم يجب عن سؤالها، بل ظلَّت عيناه مسمَّرتين في الخيط الـذي يفصل الأرض عن السماء. كان عنده طموح إلى أن يجعل طيَّارته الورقيَّة تصل إلى فضاء لم يحلم به بشر من قبل، فالأرض التـي يعيش عليها ما عادت ملكاً له، إنَّما هي ملك لأناس آخرين، خيَّمت العتمة على قلوبهم، وأطبقَت أجنحة قاتمة على خيالاتهم.

قالت سعاد للفتى، بينما كان رياض يُراقب موجة تتكسَّر، ثمَّ تعود لتولد من ذاتها:

هل لديكَ حلم؟

عند ذلك، صرف اهتمامه عن طيَّارته، وقال:

أحلامي كهذه الأجنحة المُرفرفة... كهذا النسيم الذي يهدهد الأشجار... وكتلك الأمواج التـي لا تعرف هدوءاً.

-الأحلام البريئة هي رفيقة العاشقين، والشُّعراء، وطيِّبـي القلوب... هل تذهب إلى المدرسة؟

- نعم، وعندي شغف بالقراءة.

- أنت شاعر صغير، وأتوقَّع أن تصبح شاعراً كبيراً في يوم من الأيَّام.

حزِن الفتى، وقال:

أبي يريدني أن أكون مهندساً. هل تعرفين كم يستغرق من الوقت صُنع طائرة من الحديد تحملني إلى القمر؟! في الأحلام يمكننـي أن أصل إلى أيِّ كوكب في لمح البصر، ولذلك أحبُّ طيَّارتي الورقيَّة أكثر من أيِّ اختراع آخر.

- صحيح... صحيح، فالطيَّارة هي تعبير عن الحلم، والفرق شاسع بين الأحلام التـي تصنع المعجزة، والعقول التـي تصنع الحقيقة.

كانت سعاد تتمنَّى لو استمع رياض إلى حديث الفتى، الذي كان لا يزال ممسكاً بالخيط، وكأنَّه ممسك برمق، فرياض كان منشغلاً بتأمُّل البحر، وما فيه من غرابة وابتعاد.

مشى رياض وسعاد على الشاطئ، هائمين في الأحلام إلى ما وراء المحيط. كانا يعبران على بساط الروح، ويتعانقان عند الغروب، ويشعران بالبرد، فيجدان في تلك اللحظات دفئاً أقوى بكثير من دفء الشمس.

وعندما غادر الشابَّان رمال الشاطئ، وابتعد كلٌّ منهما في طريق، اكتشفا أنَّ الحياة فارغة من أيِّ معنى، وأنَّ ما يُعطي للكون لوناً جميلاً هو الحبُّ، ولا شيء سواه.

لم يغفُ رياض تلك الليلة، ولم نغفُ سعاد أيضاً. فإذا أغمضت عين، صرخ الشَّوق في الضلوعِ، كما تصرخ القبلة الأولى على رصيف الزمن.

وكان صباح غريب، فيهِ زمهرير، وقلق، وعذاب، وضَياع.

لاحظت هدى السرنوك أنَّ ابنتها شاردة، فحاولت أن تعرف منها سبب شرودهـا، لكنَّ الفتاة أحجمت عــن الكلام، وأخبرت أمَّها بأنَّ كلَّ شيء على ما يُرام.

نظرت سعاد إلى ساعة يدها، وقالت:

عليَّ أن أذهب إلى العملِ. سأتأخَّر قليلاً في المساء، لأنَّ صاحب المتجر سيُقيم حفلة صغيرة للموظَّفين.

ما كادت سعاد تخطو خطوتين، لتغادر المنزل، حتَّى خرج والدُها، واستوقفها، قائلاً:

هل تقلِّيننـي معكِِ؟

تعجَّبت الفتاةُ وسألته:

إلى أين؟

- إلى أيِّ مكان... لقد سئمت هذه القرية، وناسها، وهواءها، وأشعر بأنَّ قلبـي ينقبض يوماً بعد يوم...

رمقت سعاد أمَّها بنظرة ذات معنى، وكأنَّها تحاول أن تعرف منها ما الذي خطر في ذهن والدها، لكي يطلب منها أن تخرجه من القرية... قال لها بهدوء:

أريد أن أتحدَّث إليكِ يا سعاد.

-إليَّ أنا؟!

-نعم... إليكِ... يجب أن أوضِح بعض الأمور...

حدَّقت سعاد في البعيد، وراحت تفكِّر في أمر والدها. فهو رجل تائه في الحياة، ومن النادر أن تراه متوازناً في تصرُّفاته ولغته...

حسناً... حسناً...

قالت الفتاة، وهي تتباطأ في سيرها، لكي يلحق بها والدها إلى السيَّارة. وفي الطريق، تحدَّث إليها بوعي مفاجئ، وأخبرها عن مقتل سعيد الدروبي، وكانت هي صامتة، لا تقاطعه، لكي لا تفسد عليه متعة الكلام.

كانت في ضميره لطخة سوداء، يريد أن يمحوها، ولم يكن على الفتاة إلاَّ أن تتعجَّب، وتصمت.

إنَّ مقتل سعيد الدروبي أزمــة في حياة الأسرة. وهــذه الأزمـــة لا تلبث أن تتجدَّد كلَّما اعتقد أحد أنَّها ستنتهي بمرور الأيَّام.

قال فؤاد السرنوك:

اسمعي يا ابنتي. أنتِ الوحيدة التـي تستطيع تصديق ما أقول. لقد أخبرتُ أمَّكِ بما حدث حقيقة، فتظاهرت بالعطف عليَّ، وأنا لا أريد ذلك. أريد أن أعيد الزمن إلى الوراء قليلاً، وأعيد ترتيب الأشياء، لا كما يرتِّبها شاهد زور، بل كما تظهرها العدالة... يقولون في القرية إنَّنـي فاقد لعقلي، وإنَّنـي أهذي في كثير من الأحيان. هذا ما فرضه عليَّ القدر. القدر لقمة مالحة. القدر فأس حطَّاب تنهال على جذوعنا. القدر حجر بارد على مائدة الجياع. وأنا، فؤاد نجيب السرنوك، رجل جائع، يريد أن يأكل من خبز التقدمة، وليَفْنَ العالم من الجوع. لقد جاء دوري، لكي أنتقم من أكذوبة الوجود، فالسنوات التـي مرَّت كانت مريضة، ومشؤومة، وخالية من كلِّ بريق. كان صوت القتيل يطاردني في الأحلام، فأعجز عن الهروب منه. وكانت الذكرى ناراً على جبل، فمَن يطفئ النار، وينقذني من عذابها؟ أنا لم أقتل سعيد الدروبي، وليذهب القاتل إلى الجحيم! هذه هي حقيقتـي المُرَّة، بل هي القصَّة الواقعيَّة التـي عجزت الأجيال عن سردها... الناس في محكمة لا تقفل أبوابها، ويريدون لكلِّ ضحيَّةٍ متَّهَماً، وأنا كنت المتَّهم الوحيد... أنزلينـي... أنزلينـي هنا، قرب الحانوت، سأشتري بعض الطعام... طعام للمتَّهم الوحيد، فقد تعبتُ من المرافعة، وعجزتْ قدماي عن الحركة، بعد أن سمعتُ القاضي يتلو عليَّ حكم الإعدام... صرختُ للقاضي، ولكم جميعاً: أنا بريء من الجريمة، ولكنَّكم لا تسمعون... أنزلينـي هنا... لقد سئمت من الرحلة!

كانت تلك آخر الكلمات التـي قالها فؤاد السرنوك، قبل أن يترجَّل من السيَّارة. كانت ابنته متأثِّرة، لكنَّها لم تصدِّق ما قاله، فالناس جميعاً يشهدون على أنَّه القاتل. وقد أرادت أن تسأله: من هو قايين العصر يا أبي؟ فانفلتَ من تحت أنظارها قبل أن تنفلت الكلمات من عقالها. وعادت هي إلى شيء من السخرية والشفقة على والد مسكين يعيش في الخيال، ويعتقد أنَّ ما يتمنَّى وجوده هو الموجود فعلاً. بائس هو ومحكوم عليه بالعذاب المؤبَّد، فمن يصدِّقه بعد أن أصبحت قصَّته مع آل الدروبي على كلِّ شفة؟ ومن يثق به، وهو مهمل كعشبة على حائط، وكحرف مبهم في نصٍّ هزيل؟

تابعت الفتاة طريقها، وكان والدها ما زال يتمتم، ويلهث كحصان متعب، لا يقوى على متابعة السير في صحراء العمر.

وصلت سعاد في سيَّارتها إلى مفترق بين القريتين، وعلى جانب الطريق، من جهة الغرب، كانت تمتدُّ الغابة سوداء كدخان حريق.

قرَّرت الفتاة أن تكسر الحاجز النفسيَّ الذي يفصــلها عن "غابة الخرُّوب"، فقد كانت تخشى دائماً أن تطأ قدماها تراب تلك القرية، وكان هناك حائط من الدم يرتفع بين عالمين، غير أنَّها الآن أكثر قرباً من البراءة، ومن الحبِّ، فعلاقتها برياض أثمرت عهداً جديداً، زالت منه رائحة البارود، وحلَّ مكانها عبير الزنبق البرِّيِّ، ونسائم الربيع.

كانت السيَّارةُ تتقدَّم رويداً رويداً على جانب الغابة، حيث تلتفُّ الطريق في حركة دائريَّة واسعة، فتقترب البيوت البيضاء، لتصبح على مرمى حجر. بيوت مرصوفة كأبيات شعر، وفي الأفق الضيِّق بعض صدى لحركة وأصوات.

ظهر في الغابة جسد يتحرَّك... لعلَّه حطَّاب يبحث عن شجرة لا تستحقُّ الحياة، أو صيَّاد يطارد حيواناً برِّيّاً... لكنَّ الجسد هو امرأة... امرأة تنظر بين الأشجار، وتلاحق شبحاً هارباً... وحيدة وحيدة بين قبائل الشربين، وأغصان تتمدَّد في الفضاء كأجساد مصلوبة تنتظر القيامة.

كانت عينا المرأة مصوَّبتين إلى فوق، إلى سطوح الأشجار، مصباحين منطفئين، ليس فيهما سوى التمرُّد والانتظار. وأصابعها النحيلة بحَّارة في محيط مجهول، وقد التصقت بثيابها أوراق يابسة، وبقايا أشواك متناثرة...

تلك المرأة مشتاقة إلى جناحين سوداوين يقرعان على صدر النهار، وإلى غضب فاحش يطرق الأبواب الموصدة، ويجرح بريشة حالكة وجه النور، فطائر الهامة غائب منذ مدَّة، ولا يُسمع له رفيف أو صياح كافر. وهي لا تفهم كيف يكون في الجوِّ سكون. إنَّها رسولة حاقدة، فكرها من تراب، ويداها مفتوحتان مثل شبَّاكين مخلَّعين تحت أعشاش البوم. هشَّمت جذعاً صبيّاً بأظافرها، فسال منه دمع أزرق، وتمنَّت لو أنَّ لديها قوَّة، فتسحق الغابة غصناً غصناً، أو تطلق من شفتيها صاعقة، فتشعل الأرض والسماء!

"أين الطائر الذي أحبُّ؟ أين الثروة التـي أشتهي؟ وأين البراثن المتوحِّشة التـي تشعرني بالألم والسعادة؟”... أين هو طائر الأحلام المخيفة؟... لقد سلَّمتُ إليه نفسي، وتركته يمسح ريشه بأجفاني، ويبعثر همومه على وسادتي. في خيالي رأيته، وفرحت به، وعانقته، ورميت به على سجَّادة ملوَّنة. أقفلتُ عليه النوافذ لكي لا يبتعد عنِّي... وفي غفلة من الزمن، حطَّم الشتاء بمنقاده، وأخذ معه قارورة الضوء، وأهملنـي كركامٍ على الدروب."

بعد قليل، خرجت المرأة من الغابة مهزومة، مجرَّحة الأنامل، وعلى شفتيها لون الرماد. رأت السيَّارة متوقِّفة على الطريق، فانتصبت أمامها كمارد بغيض.

حبست سعاد أنفاسها، وأرادت أن ترجـع إلى الـوراء، غـير أنَّ المــرأة انسحبت مبتعدة، مبتعدة في المدى المفتوح.

"إنَّها سلوى." قالت سعاد لنفسها، وهي تبتلع دهشة كبيرة... ولكنْ مــاذا تفعل سلوى في الغابة؟! وهل عرفتْ أنَّ ابنة فؤاد السرنوك كانت في السيَّارة؟

غابت الفتاة في زحام الأسئلة، وهي تنطلق مسرعة من المكان. عندما وصلت إلى عملها، كانت تحبس غصَّة، وفي مقلتيها غابتان من قلق وحيرة.

 

 

^ ^ ^

 

"أكبر أنا، كمرض في جسد... ولن يزورني الأقارب ليشفقوا عليَّ. سيضحكون من سذاجتـي، ويسألون امرأتي بكثير من الخبث: هل زوجكِ موجود؟... هم يعتقدون أنَّ المحو أفضل من الكتابة، فرجل مثلي يجب أن يُنسى... رجل مثلي عليه أن يكون عشبة في حقل بعيد... أن يصلِّي باكياً، وتذوب ركبتاه من الركوع. هم لا يعرفون أنَّ المعابد أصبحت بغير سكَّانها منذ أن بدأت فصول الضباب. لقد فرَّت الحقيقة من الحقيقة، وأصبح كلُّ شيء ظلاَّ لشيء. وأصبحت أنا روحاً باردة في عالم الأرواح... انتهى زمن الكلمات... وعليَّ أن أخبِّئ وجهي، لكي لا يرى أحد أنَّنـي ولدت في زمن ما... فأنا رماد الخيبة، وشجرة الخيانة. كلُّ القبور أنا، وكلُّ صراخ الأموات."

(من أفكار فؤاد السرنوك)

 

كبر الفتى الذي كان مع طيَّارته عند الشاطئ. كبر بضعة أيَّام أخرى، ولم يعرف إذا كان سيرى طيَّارته تحطُّ على قمر بعيد.

لقد ولد هذا الفتى من الصُّدفَة العابرة، غير أنَّه وُلد أيضاً من هدير الأمواج، ومن أجنحة النورس، وسكن في رمال السؤال: هل بَعد الوجود وجود؟

كان يتمنَّى أن يكتشف أناساً في عالم بعيد، لا يعرفون الخطيئة ولا تعرفهم، فقد هزلت قدماه من الوقوف على الرمال، وهو ينظر إلى الهواء، والشمس والغيوم.

فجأة، ظهرت طيَّارة أخرى في الأفق. طيَّارة لمغامر آخر. أخذت تقترب من طيَّارته. كانت الرياح تقودها، فدنت أكثر فأكثر. تعانق الخَيطان، وتصارعا قليلاً، ثمَّ انحدرت الطيَّارتان في دوران مذهِل. كانتا تدوران أسرع من الأرض، فيُسمعُ لهبوطهما نحيب. ثمَّ اصطدمتا بالأشجار كنجمتين باليتين.

جلس الفتى على أنقاض طيَّارته، وفي وجهه أسى. كان يثرثر بكلمات قليلة، ثمَّ يبتسم لأنَّ كلَّ الأشياء محكومة بالنهاية، وعليه أن يعود إلى بيته، فيصنع آلة أخرى... آلة من نار ونور، تنتصر على الزوال، وتجعل من كلِّ موت بداية.

وفي مكان آخر، في قرية "الدهيبة" كان هناك رجل محكوم بالانكسار، يقتات من خزف الماضي، ويبكي على حطام. إنَّه فؤاد السرنوك... كان في المقهى أناس قليلون، وهو يتهالك على كرسيٍّ عجوز يدخِّن ويشرب قهوته. نفخ من دخان تبغه في الفضاء. ثمَّ تجمَّد في مكانه، كشمع قديم في متحف. كان على مقربة منه رجل آخر، لعلَّه أصغر سنّاً منه، فسأله فؤاد:

هل أعنـي لك شيئاً؟

قال الآخر، وهو لم يقرِّب فنجان قهوته إلى شفتيه:

لماذا تسألنـي سؤالاً كهذا؟!

- رأيتك تحدِّق بي. هل تعرفنـي؟

- أعرفك طبعاً. أنت فؤاد... فؤاد السرنوك.

- وماذا تريد منِّي؟

- ما بالك يا رجل؟ هل ترغب في أن نتشاجر؟

- نعم، هذا ما كنت أقصده؟ هل أنت متزوِّج؟

- كلاَّ.

- إذا كنت غير متزوِّج، فلن تبكي عليك امرأةٌ إذا ضربتُك ضرباً موجِعاً، وتركتُك تئنُّ وتستجدي الرحمة.

- وما الذي يوحي إليك بأنَّك لن تكون أنت ضحيَّة لقساوتي؟ أغرب من وجهي أيُّها الرجل العجوز!

- تنعتنـي بالعجوز لأنَّنـي وُلدت قبل أن تولد... فهل كنتَ عجوزاً لو أنجبتْك امرأةٌ قبلي؟ وهل كنتَ أشجع منِّي عندما دافعتُ عن كرامة أبيك، بينما كان هو يرتعد تحت السرير؟

- أبي ليس جباناً، غير أنَّه لم يقتل أحداً...

-تبّاً له! لم يقتل أحداً، لأنَّ أحداً لم يهاجمه في فراشه. كان أبوك يختبئ كهرِّ خائف. وكنت أحارب من أجل وطن أبيك وأمثاله... واليوم، اليوم فقط... بعد أن هدأت المعركة، وانطفأت نار الأحقاد العمياء، أصبحتُ أنا لقمةً سائغة في أفواهكم، وأصبح والدك وأمثاله شرفاء ومسالمين... إنَّكم في نظري خَونة، لا تستحقُّون لعنة في وجوهكم.

وقف السرنوك مارداً خلف ظلِّه الطويل، وجحظت عيناه، وجاش فيهما إعصار من لهب، ثمَّ قلب الطاولة وما عليها. وأخذ الكرسيَّ، فرفعه إلى فوق رأسه. ولاذ الرجل الآخر بالفرار.

خرج السرنوك إلى ضوء شحيح، يسحب رجليه سحباً على الرصيف المبتلِّ بالمطر. تدثَّر بزفرة، وجاهد كثيراً لكي يصل إلى منزله، فارتمى على أريكة، وغطَّ... وبعد أن أفاق من نومه، لاحظت زوجته جُرحاً بسيطاً على يده، فسألته عنه، فقال لها:

لا تهتمِّي... كنت سأضرب رجلاً جباناً، لكنَّ الله أنقذه من يدي.

قالت المرأة بصوت خفيض:

ألا تكفينا متاعبنا؟

- معكِ حقٌّ... متاعبنا كثيرة جدّاً، فلماذا نزيد عليها؟ الناس طيِّبون... الناس طيِّبون... أعدك بأنَّنـي لن أتشاجر مع أحد بعد الآن. السلام شيء جميل، ويشعرني بفرح في أعماق نفسي... لقد رأيت في أحلامي سلاماً... كان شيخاً طاعناً في السنّ، ويتوكَّأ على عصا. أحببته، أشفقت عليه لأنَّه يعرج، وساعدته لكي يمشي... وبعد ذلك فقط عرفت أنَّ الأحلام أبلغ من اليقظة. يجب أن ينام المرء قليلاً بعد، لكي يبتعد عن الناس، ولا يسمع كلامهم... كلامهم وحوش في غابة.

- كلُّ إنسان معرَّض للخطإ والصواب، وعليه أن يتغلَّب على أخطائه.

- أنا أفعل ذلك الآن. أليس ذلك ما تريدينه؟ لقد كبرتُ، وأصبحت أقوى على المواجهة. سأواجه نفسي، وأغتسل بندى الصباح، فأغفر خطيئتـي في معبد الآلهة...

- لكنَّك تغضب أيضاً. وعندما يغضب المرء، يتخلَّى عن قراره، ويضعه في يد الصدفة.

- أنتِ تعرفين أنَّ حياتي كانت صعبة... منذ طفولتـي واجهت مصائب كالجبال، وحزنت كثيراً لأنَّ الموت كان قاسياً على قلبـي. وفي الحرب، تمرَّدت على ضعفي، وحاولت اغتصاب هويَّة جديدة، ممهورة بالدم والعرق.

- الحرب تثبت أنَّ الإنسان غير جدير بالحياة... الحمد لله... لقد انتهت تلك الحقبة، وغاب طائر البوم عن شبابيك القرى...

- لكنَّ الذكـرى تبقى سكِّّيناً على عنق الـحـاضـر... أنـا أثرثر أحياناً لكي يختفي الزمن كلُّه في لحظة واحدة... هل تثرثرين معي؟ يجب أن يكون لكلِّ واحد منَّا جسد غير جسده، يطير به إلى ما فوق الغيوم... فيدوس عليها، وكأنَّها زجاج يتحطَّم... قد لا ينفع تحطُّم الزجاج دفعة واحدة... وقد لا يفيدنا نحن أن نقطع المسافة بين الأرض والسماء... ينبغي أن نتمهَّل، لكي لا يمحونا الفراغ.

صمتَ فؤاد السرنوك برهة ثمَّ قال:

سأخبرك بسرٍّ. أنا أكتب أحلامي على أوراق. مَن يدري؟ فقد أصبح مشهوراً ذات يوم... وقد يشتري أفكاري تاجر مُولَع بجمع التُّحف القديمة. لغتـي ضعيفة، لكنَّنـي أعبِّر عن ذاتي بقليل من الحبر، وكثير من قتل الذات.

 

^ ^ ^

 

في بيت الدروبي كلام خطير: "رياض يحبُّ ابنة فؤاد السرنوك."

نزل الخبر كنيزَك على جسد سلوى، فانعقد لسانها، واشتعلت بلاد في جسدها... لا مكان للحبِّ في أقبية الثأر والانتقام. ولا غفران لذنوب القتلة في العهد القديم.

"علينا أن نفعل شيئاً، قبل أن تصير الحقيقة غراب شؤم على السطوح... علينا أن نرجم الأطفال العراة على أسرَّة الولادة."

صرخَت سلوى بصوت مبحوح، واختنقت.

خفَّ إليها شفيق، محاولاً أن يعيدها إلى الحياة. حمل إليها كأس ماء، وسكبها على فمها، فانتفضت على الكرسيِّ كعصفور جريح. حدَّقت في سقف الغرفة، فرأت خيوطاً متشابكة من النور تذهب في كلِّ اتِّجاه. انكمشت أصابع يديها كعنكبوت تواجه الموت، ثمَّ قالت:

لا يعقل أن يحدث ذلك، وأنا على قيد الحياة.

قال شفيق بصوت قويٍّ:

أنا مستعدٌّ لأن أفعل ما تشائين.

- أشكرك يا شفيق، يجب أن نراقب، ونعرف ماذا يجري بينهما...

- سأراقبهما، وأنقل إليكِ التفاصيل... إنَّهما يتقابلان عند شاطئ البحر، وقد رآهما صيَّاد من "غابة الخرُّوب"... سأكون هناك في المساء، وأرصد كلَّ حركة يقومان بها، لكي تكوني أنتِ راضية... هل أنتِ راضية؟

- إيَّاكَ أن تخبر أحداً بما تفعله!

- وأنتِ أيضاً... لقد سألتْنـي زوجتـي عمَّا يحدث بيننا، فتجاهلتُ سؤالها... إنَّها تتدخَّل في كلِّ الأمور...

- هل من المعقول أن يكون رياض قد أوقع نفسه في هذه الورطة؟!

- سعاد هي التـي أوقعته، لعلَّها فتاة لعوب!

سكتت المرأة هنيهة، ثمَّ أردفت:

صدمة ما بعدها صدمة!... كيف يتنكَّر واحدٌ لمقتل والده، ويقع في حبِّ امرأة هي عدوٌّ من أعدائه؟... ينبغي أن تذهب الآن، فقد يأتي رياض في أيَّة لحظة...

- إنَّنـي خائف عليكِ...

-لا تقلق... أنا بخير... وعندما يعود رياض، سيكون لي حديث معه.

غادر شفيق منزل آل الدروبي، وأفكار شرِّيرة تسابقه في الطريق. كان مغتبطاً لأنَّه كشف الغطاء عن العلاقة بين الشابِّ والفتاة، واعتقد أنَّه في مقابل ذلك، سيتمكَّن من الحصول على صيد ثمين، هو قلب سلوى.

إنَّ سلوى أكبر سنّاً من زوجته وردة، لكنَّها أنضرُ وأجمل. فوردة في نظره امرأة من شتاء وصقيع. وردة من غير عبير... شاحبة كفضَّة في مغارة مهجورة.

كان مشفِقاً بعض الشيء على وردة، المرأة المتعبة، المتهالكة، المتوتِّرة دائماً. وقد جعل منها الشقاء عود حطب يابساً، فاصفرَّ شعورها، وتجعَّدت أفكارُها، ولم تعد تنفع إلاَّ كصورة من الأمس معلَّقة في حائط.

وكان شفيق يدرك في قرارة نفسه أنَّه مسؤول عن الانحطاط الذي وصلت إليه زوجته، فهو لم يوفِّر لها حياة مريحة، بل اعتبرها آلة في مصنع، ولا يتذكَّر أنَّه أعانها مرَّة واحــدة على فعل شيء، بل كانت هي مَن يعاونه، ويوفِّر له كلَّ ما يتمنَّاه.

وفي اللحظة الحاضرة، يدور صراع حادٌّ بين المرأتين: وردة وسلوى... واحدة لا يكاد يشعر بوجودها، وأخرى يهيم بها عشقاً، حتَّى يكاد يفقد صوابه، ويغامر بكلِّ ما يملكه من كرامة وحياء عند قدميها...

وبينما كان شفيق يهيم في الطريق، كان رياض وجهاً لوجه مع أمِّه الثائرة. أقفل أذنيه لكي لا يستمع إلى فحيحها، غير أنَّه أقفل أيضاً كلَّ باب للتفاوض. لم ينكر علاقته بسعاد، وقال بحزم:

الحبُّ ليس عبداً لأحكام موضوعة، ولا لأعراف جائرة...

صرخت سلوى بعنف:

أصبحت شاعراً... وتتحدَّث عن الحبِّ؟!كيف تجرؤ على الحبِّ إذا كانت فيه رائحة دخان؟

- تقصدين مقتل أبي... كان ذلك في عصر مضى، وأنا أعيش لعصر مختلف.

- إذا كنت تبحث عن زمن يتناقض مع أزمنتـي، فلا تعد إلى منزل يجمعنا معاً. هذا منزل أبيك، وأنا أمتلكه...

- أفهمُ منكِ أنَّ البيت الذي لأبي ليس بأبواب كثيرة...

- إنَّ له باباً واحداً، فإذا أصررت على قتل أبيك مرَّتين، لا تطرق يدك على هذا الباب أبداً.

- أنا مستعدٌّ لدفع الثمن...

- ثمن ماذا؟ أهو ثَمن ابنة الخطيئة والموت؟

- لا تقولي عن سعاد مثل هذا الكلام، وأنتِ لا تعرفينها...

- أعرفها صورة مصغَّرة عن والدها المجرم.

- هي لم تقتل أحداً، بل هي وريثة الماضي الذي جعلها ضحيَّة إثم لم تقترفه...

- الذين يرثون الماضي يموتون في الحاضر.

-كلاَّ... فإنَّ الذين يرثون الماضي، يرثون ما فيه من ألم لا ينتهي.

- أنت مصرٌّ إذن على البقاء معها!

- وهل كنتِ تعتقدين أنَّ خطاباً منكِ سيجعلنـي أرضخ كالعبيد لإرادة ليست إرادتي.

- من أين جئت بهذه السخرية المفاجئة؟!

- لست ساخراً منكِ، بل من التقاليد البغيضة، التـي جعلتكِ لقمة في فم الثأر، وأسَرَتكِ خلف أسوار من الحجر... إذا كنتِ تريدين الانتقام، فاذهبي إلى بيت السرنوك، واقتلي الرجل بيديكِ، فماذا ستجْنين من وراء ذلك؟!

- السرنوك... يا له من رجل فاقد لصوابه!

- ماذا تقصدين إذن؟ التنكيل بابنته وهي بريئة من أيِّ ذنب؟

-أترى؟ أنت المأسور في الحبِّ كالأعمى الذي يخبط خبط عشواء، فيدوس بقدمين ثقيلتين على كتب الشرائع، ويهدم بمطرقة النسيان صروح الذكريات.

- أشفق عليكِ يا أمِّي، وأعرف كم أنتِ مخلصة لأبي! وفي الوقت عينه، لا أعتقد أنَّ الدروبي القتيل سيكون مغتبطاً إذا تخلَّيتُ عن سعاد. لماذا لا تسألينه، وانتِ تتخيَّلين طيفه في أرجاء هذا البيت؟ سيجيبك قائلاً: "أنا في غاية السرور، لأنَّ ولدي الوحيد لديه صديقة رائعة، وهو يشعر بالفرح معها"... أنتِ لن تتجرَّئي على سؤاله، لأنَّ طائر الهامة أخفى بجناحيه الرماديَّين حقيقة أبي وطهارة قلبه...

 

انتفختْ وجنتا سلوى، واحمرَّت عيناها، واصطكَّت ركبتاها. فقد كانت تتوقَّع كلَّ شيء إلاَّّ أن يقف رياض أمامها، ويجادلها بجرأة نادرة. أرادت أن تبكي، إلاَّ أنَّ البكاء تعبير عن الهزيمة، وهي لا ترغب في أن ترى نفسها مكسورة، بينما هي تتسلَّح بقوَّة خفيَّة، تدفع بها إلى الجنون والعبث، وتجعل منها مارداً في وجه الخوف...

كانت تعتقد أنَّ رياض سيكون إلى جانبها، فإذا به يميل إلى الجانب الآخر، وهكذا أصبحت امرأة وحيدة، لن تستطيع أن تقاتل كالرجال، فتذبح البراءة على عتبة الضغينة، وتخضِّب النهار بلون الشقائق المجروحة.

مَن لها بعد الآن سوى شفيق؟ ذلك الرجل الساذج، الغارق حتَّى أذنيه في بحر من الوهم والطفولة... شفيق هو الرهان الكبير على المواجهة، وهو الوسيلة، والحصان المتوحِّش، والأداة الجارحة التـي ستضع حدّاً فاصلاً بين النعم واللا. أمَّا أنت يا رياض، فحشرة مؤذية تدبُّ على الأرض، وتأكل من فتات الموائد. أنت اللصُّ الذي يسرق النور من المعبد، وأنت الخيبة الكبرى التـي لطَّخت بالدموع صفحات العمر.

قالت سلوى لابنها، وهي تحزم أمرها:

إذا كنتَ مصرّاً على التحدِّي، فأنت الخاسر في النهاية. لا ينتصر في معركة الحياة إلاَّ الأسد الرهيص الذي ينقضُّ على أعدائه، وعليك أن تختار بين أمرين: إمَّا البقاء في بيت الدروبي، خاضعاً لتقاليده وقيَمه، وإمَّا لن يكون لك مكان تحت سقفه.

- إنَّ عدالة أبي واسعة، وبلاده واسعة أيضاً. لا مجال عندي للمساومة على حقِّي كإنسان، وإذا كان البقاء هنا يعنـي الرضوخ، فإنِّي أرفضه رفضاً قاطعاً.

توجَّه رياض توّاً إلى غرفته، فحزم ثيابه في حقيبة كبيرة، ونقلها بسرعة إلى السيَّارة.

كان يمعن في الصمتِ والتأمُّل، غيرَ عالم بالجهة التـي سيتوجَّه إليها، وفي أعماق ذاته كان راضياً، لأنَّه لم يتنازل عن حقِّه، أمام امرأة طغى الحقد عليها، وحوَّلها إلى جثَّة هامدة.

خرج من بيته على عجل، وكان يشعر بأنَّه ركام على رصيف، وصغيرٌ كطيور الحقل، غير أنَّ الطيور لها مَن يطعمها، ويُؤويها، وينسج لها ثياباً لكي لا تموت في برد الشتاء. خطرت له فكرة، وهو حائرٌ في الطريق: "لماذا لا أتوجَّه إلى بيت عمِّي سالم؟... نعم، إنَّه رجل طيِّبٌ، ولن يرفض استقبالي بضعة أيَّام، ريثما أجد مكاناً أسكن فيه..."

والعمُّ سالم أخٌ لسعيد الدروبي من أمٍّ ثانية، وكان في الماضي صاحب تجارة واسعة، لكنَّه خسر تجارته في الحرب، كما خسر امرأة كان يحبُّها، فلم يتزوَّج بعد ذلك... ويقيم العمُّ سالم وحيداً في بيت حجريٍّ من طابقين، ويعتاش من بيع الأواني المنزليَّة في متجر صغير.

فرِح العمُّ سالم برؤية رياض زائراً له، ففتح يديه، وعانقه ببشاشة، وعندما لاحظ علامات الحزن بادية على محيَّا الشابِّ، أجلسه بقربه تحت شجرة برتقال خضراء، وسأله عن حاله، فلم يفصح رياض عن مكنونات صدره في بادئ الأمر، لكنَّ مضيفه ألحَّ في السؤال، فروى له بعض التفاصيل التـي حدثت معه في الأيَّام الماضية.

أخذ سالم نفساً عميقاً، وقال:

أنظر إلى هذا البيت يا رياض... إنَّه كبير جدّاً، وأنا أشعر فيه بالضجر والقنوط... يمكنك أن تقيم في الطابق الثاني، ولن يزعجك أحدٌ هنا... ماذا قلت؟ أأنت راضٍ؟

انفرجت أسارير الشابِّ، وقال:

شكراً لك يا عمِّي... شكراً... وأعدك بأنَّنـي سأجد منزلاً أستأجره في أقرب فرصة...

-لا تقل ذلك يا بنـيَّ؟! أنت في بيتِك... وأنا في حاجة إلى أحدٍ يؤانسنـي في وحدتي... هيَّا... خذ الحقيبة التـي تحملها إلى الطابق الثاني... أنت تعرف المكان، فتصرَّفْ وكأنَّك في منزلك.

نزل رياض في ضيافة عمِّه أيَّاماً معدودة، واستمتع برفقته. وعلى الرغم من الارتياح الذي أحسَّ به الشابُّ في بيت مضيفه، كان طيف سعاد يطارده، وصوتها العذب يتسلَّل إليه من البعيد، فيخفِّف عنه. وعندما التقى الحبيبان ذات مساء عند الشاطئ، أعربت له عن أسفها لأنَّ ما حدث كان بسببها، وقالت:

لم يعد ممكناً أن نختبئ بعد الآن خلف أصابعنا، ويجب أن نعترف بأنَّنا معاً في قلب العاصفة، وعلينا أن ننحنـي، أو نَسقط ورقتين يابستين على الرصيف...

- إذا كنت راغبة في تضميد جروحي، فلا تتحدَّثي عن الخوف من المجهول، والاستسلام لسطوة الآخرين. إنَّ جذوة نار صغيرة يمكنها أن تشعل مدينة...

- أنت تعلم كم أحبُّك، ولست أرضى أن يبعدني أحد عنك، لكنْ... لكنْ دعْنا نفعل شيئاً لكي نجنِّب أنفسنا الأذى.

- لن أمثِّل على أحد أدواراً ليست لي، فالذين يحملون وجوهاً مستعارة لا يختلفون عن الموتى...

- وهل تعتقد أنَّ مَن لعنوا الصباح يمكنهم أن يقطفوا زهرة من بستانه؟! إنَّهم لا يفهمون لغة الجمال، وقد حرمهم الله من تنشُّق العبير، ومعانقة الفجر الطالع...

- لذلك علينا أن نواجههم بلغة الحبِّ الصارخ، فهناك مطرقة واحدة لتحطيم صروح الجهل، وعلينا أن ننزلها على آلهته القديمة، ونحظر على الناس عبادة الأوثان.

اقترب رياض من سعاد أكثر، وهمس لها:

إذا كنتِ ضعيفة، فلا تحملي سلاحاً معي، ولا تخوضي معركتـي.

- لست ضعيفة، بل أنا في قلق وعذاب...

- يجب أن تكوني قويَّة، لأنَّ أعداءنا من نحت العصور البائدة، وقلوبهم من حديد... وأنا وأنتِ لنا الحياة، حديقة زاهية بالألوان، ومدينة مشرَّعة الأبواب على النور والفضاء.

- سأفعل ما أريد، وسأبقى معك رمزاً للجيل الجديد الذي يكره الضغينة، ويغنِّي أناشيد النهار، ويُجرِّد السيف على الأحقاد...

أطبق جناحان من الصمت على الحبيبين، وخلا الشاطئ إلاَّ من هدير الأمواج وصراخ النورس، ثمَّ قالت سعاد:

لم أكن أتوقَّع أن يكون الحبُّ مأساويّاً إلى هذه الدرجة. حبٌّ متوَّج بالأشواك، وممهور برائحة البارود...

- أعتذر يا سعاد... ليتنـي أستطيع أن أغيِّر الواقع، فأشعرك بالسعادة التـي تنتظرينها!

- إنَّنـي في غاية السعادة، ولا أشكو إلاَّ من رؤيتك تتألَّم.

- إطمئنِّي بالاً... لا بدَّ لليل أن ينتهي، ولن يطول غياب الصباح.

غادرت سعاد في ذلك المساء، وهي في عجلة من أمرها. كانت تائهة بين قوَّتين، إحداهما تضربها كصاعقة، فتهدُّ كيانها، وأخرى من كواكب منطفئة ترمي بها في أحضان العتمة بين السموات السبع.

لقد كذبت على رياض، ومثَّلت دوراً بشعاً. أمَّا في قرارة نفسها، فكانت تريد أن تقطع علاقتها به، خوفاً عليه من المعاناة، وخوفاً على نفسها من شظايا المأساة التي قد لا ترحم أحداً. بكت لأنَّها أسمعته كلاماً جميلاً، لكي لا تجرحه، ولم تكن لديها الشجاعة الكافية لتصارحه بحقيقة نفسها. إنَّها جبانة، ومخادعة، ولا ينبغي أن تكون حبيبة لرجل مثله، رجل يسير على جراحه، ويتمرَّد في وجه التمرُّد.

 

^ ^ ^

انتقل رياض من بيت سالم إلى فندق صغير غير بعيد عن المستشفى الذي يعمل فيه. وكم كانت دهشته كبيرة عندما زاره شفيق في غرفته، فاستقبله رياض بحفاوة، واعتذر منه، لأنَّ الفندق متواضع، والغرفة التـي يقيم فيها صغيرة جدّاً. ابتسم شفيق، وقال:

لا تهتمَّ، لن أمكث طويلاً... لقد جئت لكي أطمئنَّ على حالك، وأعبِّر لك عن امتعاضي ممَّا حصل... لقد أزعجنـي أنَّك تركت البيت...

أجاب الشابُّ مرتبكاً:

كيف عرفت أنَّنـي أقيم هنا؟!

وقع السؤال على شفيق ثقيلاً ومُحرِجاً، فتردَّد ثمَّ أجاب:

التقيت بعمِّك سالم... فأخبرني بأنَّك أقمت عنده، ثمَّ انتقلت إلى هنا... هل أنت بخير؟

- الحمد لله... لكنَّنـي أشعر بالوحدة... ويراودني خوفٌ على أمِّي... ولا أعرف كيف يمكنها أن تهتمَّ بأمورها...

- أنت على حقٍّ... وقد يكون في غير مصلحتـي أن أتدخَّل في موضوع عائليٍّ، بيد أنَّنـي في الوقت نفسه، أعتبر نفسي بمثابة صديق للأسرة، ويحقُّ لي أن أكون منزعجاً من هذه الأزمة...

سكت شفيق، وهو يراقب محدِّثه باهتمام، وكأنَّه يطلب منه إذناً بمتابعة حديثه. فما كان من رياض إلاَّ أن هزَّ برأسه، وأشار بيده إلى شفيق، هامساً:

إنَّها امرأة عظيمة جدّاً، وقد عانت الكثير بعد مقتل والدي، لكي نبقى على قيد الحياة... أنا أقدِّر ما فعلتْه من أعماق فؤادي، وأنحنـي لأقبِّل يد المرأة العظيمة التـي كان لها فضل عليَّ.

- هي عظيمة فعلاً... وإنَّها غاضبة لأنَّ سعاد هي ابنة القاتل...

امتعض رياض من تعابير شفيق، ولكنَّه حافظ على هدوئه ورباطة جأشه، فيما كان شفيق يمسح عن جبينه عرقاً متصبِّباً، ويقول:

- سعاد غير مخطئة... غير مخطئة طبعاً، لكنَّ المجتمع له حكم آخر...

ظلَّ رياض ساكتاً، كأنَّه لا يسمع ما يقوله الرجل. كان على يقين بأنَّ أمَّه هي التـي دفعت بشفيق لكي يأتي إليه، ويحاول إقناعه بالتخلِّي عن سعاد كثمن للعودة إلى البيت. نعم، فإنَّ سلوى لا تستطيع أن تقبل بامرأة في بيتها هي ابنة قاتل زوجها... فالدم الذي أهرقه الجلاَّد على مذبح البراءة لا يغسله مطر النسيان...

قال رياض كأنَّه يفيق من غياب:

متى كان المجتمع صالحاً، والبشر أتقياء؟ ومتى كان الله خاضعاً لما يمليه عليه الناس؟... إنَّ الشريعة الحقيقيَّة ليست موجودة في الأفكار، والتقاليد الموروثة... والرجل المؤمن لا يسمح لأحد بأن يأخذ شريعته منِّه.

كان كلام رياض قاطعاً وقويّاً، فلم يجد شفيق عبارة واحدة

تنجده، فتبعثرت أفكاره وتبدَّدت كالرياح. لقد جاء إلى الفندق متأبِّطاً شرَّه، وراغباً في إعادة الزمن إلى الوراء، فإذا به يعود من معركته بخفَّي حنين. أفهمه رياض من خلال نظرات حادَّة أنَّ الموضوع انتهى، وأنَّ الوقت غير ملائم للنقاش في كرويَّة الأرض. وعندما كان شفيق يعبُر المسافة القريبة التـي تفصله عن الباب، كانت خناجر الضغينة تتكسَّر في يديه، ولا يبقى منها غير الصدى.

ظلَّ رياض وحيداً، يعبر الفضاءات الواسعة بجناحين، ويهبط عند نجمة بعيدة. أخذ نفساً عميقاً، ثمَّ جال ببصره في الغرفة، فلم يبصر فيها إلاَّ أشياء مصنوعة من الخشب، والحديد، وآنية فخَّاريَّة لا روح فيها... وعلى النافذة القريبة منه، عند متناول يده، تفتَّحت زهرة بيضاء، أقحوانة بلون الثلج، في وسطها اصفرار جميل. تلك الزهرة لم تكن ههنا بالأمس، ولعلَّها تفتَّحت في أحلامه. خاف أن تخاف منه، فجمد لكي لا تذبل، ويفقد الصباحُ رائحة الولادة. الزهرة هي سعاد، ولذلك اطمأنَّ، وسار إليها ببطء وهدوء. فتح النافذة، فارتقصت أوراق الزهرة، وفاح منها عبير طيِّب. شرَّعَ يديه ليعانقها كأيِّ عاشق مجنون. كان يدفعه صراخ قلبه، ويقوده شوقٌ لا حدود له. سمع صُراخ بائع في الشارع، فعاد إلى وعيه، وترك الزهرة وشأنها، لكي تتمايل في أحضان الهواء الطليق، وتنفض على خيوط النَّهار قطرات من دموع الفرح. كانت الزهرة وحيدة أمامه في خجلها، ورقَّتها، وشبابها... في سكونها... وفي صراخها المكبوت...

هو أحبَّ هذه الزهرة، وسيحبُّها. سيسكب من ماء عينيها على عطش الحقول، وسيجعل من ضفائرها أرجوحة للشموس. سيرافقها في هروبها من الخرائب الحجريَّة إلى حدائق الغناء والصلاة. وسيدخل معها إلى ملكوت الحبِّ، فقيرين إلاَّ من الإيمان بالمحبَّة، والمحبَّة رداء للقداسة... نعم، عندما يرى سعاد سيقول لها إنَّ حبَّه سيضع حجراً على نعش الحقد، ويكسر شوكة السلاح، ويوقف الليلَ الزَّاحفَ بقدمين من حديد... حبُّه سيصنع كلَّ ذلك، وسيكون شمعة مضيئة في معبد الحلم والحقيقة.

في أصيل ذلك اليوم، خطر لرياض أن يزور العمَّ سالم في منزله. ابتسم العمُّ لابن أخيه، وهتف له:

مرحباً يا رياض... لقد جعلت البيت فارغاً، وتركتنـي خلف جدران السأم والرتابة...

قال رياض لعمِّه وهو يعانقه بحرارة:

كيف حالك يا عمِّي؟

-الحمد لله... الحمد لله... أخبرني عنك... هل عادت المياه إلى مجاريها؟

-الوقت كفيل بمداواة الجروح...

- هكذا كان يقول أبوك دائماً... لم يكن شيء يبعث فيه الصعف والخمول... آه... كم أتذكَّره في الليل والنهار! لقد كان من خيرة الناس في هذه المنطقة...

-كانت ضريبة الحرب ثقيلة علينا، ولا نزال تدفعها إلى الآن.

-أنت كنت صغيراً عندما نشبت الحرب... لقد خسرتُ من جرَّائها جميع ما كنت أملك، فاضطررت إلى مغادرة البلاد... كان الناس ينتقمون من إله الناس، والأبرياء هم الذين دفعوا ثمن الخلاف بين الأرض والسماء.

لمعت مقلتا العمِّ سالم، ثمَّ ابتسم وقال بحزن عميق:

فقدتُ والدك... وفقدت أيضاً المرأة التـي كنت أحبُّها. كنَّا بريئين معاً كحمامتين في فضاء أزرق... إنَّ القدر يا بنـيَّ عدوٌّ للمساكين وطيِّبي القلوب...

-ألم تحبَّ امرأة أخرى بعد ذلك؟

-كلاَّ، فالحبَّ الحقيقيَّ أيقونة لا تصدأ.

- فهمت ما تعنيه... لكنَّك رجلٌ مكافح، وقد تمكَّنت من اجتياز المراحل الصعبة...

- نعم... لقد عملت بجدٍّ لكي أعيد بناء هذا البيت... فالله لا يجبُُّ المستسلمين، والشجاعة هي السحر الذي يصنع النسيان.

- استمتعت بكلامك يا عمِّي... وأعدك بأنَّنـي سأزورك حين تسنح لي الفرصة... أو عندما أحتاج إلى حكمتِك...

-أبيعك كيساً من الحكمة بدينار... هل يعجبك هذا؟

ضحك سالم، وضحك رياض معه. وعندما غادر الشابُّ عائداً إلى الفندق، كانت كلمات عمِّه لا تزال ترنُّ في أذنيه. يا له من رجل مكافح أشبعته الحياة خبزاً يابساً، وتجربة مرَّة! والعمُّ سالم يشبه الكثيرين من أهل المنطقة، الذين اقتحمت الحرب منازلهم، فاقتلعت أبوابها ونوافذها، وأحرقت محتوياتها، ومَن لم يمُت منهم برصاصة أو طعنة، آثر الهروب والسلامة... وبالرغم من ذلك، فقد تخطَّى الناس ظروف الحرب، وعادوا إلى حياتهم، وكأنَّ شيئاً لم يكن، وبقي آخرون يتحرَّقون في نيران الذكريات، ويلتفُّون بالأحزان والسواد.

لقد انتهت الحرب، كما انتهت حرب داحس والغبراء من قبل... ومع ذلك، فأنَّ الأسد الرهيص ما زال منتظراً، ودخان الحرائق ما برح يتصاعد في السماء، وصدى الخيولِ الجامحة يُسمع في الزَّوايا، والسَّاحات، والدُّروب. الحرب هي الخطيئة المميتة التـي لن يغفر إله ما أنزلته من الآلام والمآسي، بل هي دليلٌ قاطع على وحشيَّة الانسان، وبدائيَّته، وخضوعه للعقل، وتجرُّده من العاطفة... العقل هو الآلة الهدَّامة التـي تفلت من كلِّ الضَّوابط، فتقتل، وتجرح، وتُشرِّد. أمَّا العاطفة، فهي منبع الصدق والحكمة. هي الجُرأة على التَّسامح، والشَّفقة على فقير عار، والشَّجاعة على تحرير العبيد من عبوديَّتهم... وهي المحبَّة للإنسان مهما كان لونه، أو دينه، أو مُعتقَده. العقل يُمسك بالبشر من آذانهم، ويدفع بهم دفعاً إلى معركة الوجود، والقلب يأخذ بيد المرء، ويقوده إلى مسالك الحبِّ والفضيلة. وكم هو جميل أن ينسجم العقل والقلب في نغم واحد فيه الجمال والسلام والإبداع!

عبرت خيول الزمن بسرعة، وتراكضت الأيَّام، ورياض لا يسمع شيئاً عن سعاد، فقد انقطعت أخبارها. وجد رياض نفسه ضائعاً في محيط من الشكوك والهواجس، فحملته قدماه من غير أن يدري على طريق خال من الناس... كان الهواء خفيفاً يحمل رائحة الأمواج إلى رئتيه، وطيور النورس أجواق في حفلة نهاريَّة. وصل إلى رمال الشاطئ، وراح يقرأ بصمت كتاب الموج المحدِّث عن أسرار الوجود. كلُّ موجة تحمل خبراً. أخبار لا تنتهي، وبائع الأخبار ذو رداء أزرق وفم مالح.

كان بعض الصبيةِ يراقبون طيَّاراتهم الورقيَّة، لكنَّ الفتى الذي كان يحلم بأن يطير، لم يكن هناك. سأل رياض عنه، فأجابه الصبية:

لقد وجد والده عملاً في الخارج، فهاجرت الأسرة... نعم هاجرت، كما هاجر المئات من الناس، بحثاً عن وظيفة، أو عن أوطان جديدة، يؤمِّنون فيها لقمة العيش بشرف وكرامة، بعيداً عن التسوُّلِ والذُّلِّ، وتقبيل الأيدي...

حزن رياض لمصير الفتى... ورياض نفسه فقد العديد من زملائه، ممَّن أغوتهم الغربة، فتركوا منازلهم وأحِبَّتهم، وسكنوا في عناوين مجهولة، وشوارع مظلمة. كتبوا له عن تجاربهم الصعبة، وعن حزنهم لمغادرة الأهل... ولكن ماذا كانوا سيفعلون في وطن، لا تُعطى فيه الوظيفة إلاَّ للمحسوبين على هذا النائب أو ذاك الوزير؟

قوم من الجهلة يقودون جهلة آخرين، ويتحكَّمون بمصائرهم، بل عميٌ يقودون ذوي بصائر، فيضلُّون معاً، ويصلون إلأى جنازات.

كان رياض يتمنَّى لو أنَّ جيل الشباب ينقضُّ على أطلال الأمس، وأعمدته الباردة، فينتزعها من أمكنتها، ويرمي بها في الغياهب. وكان يؤلمه أن يرى العدل في بلاده واقفاً على قارعة، يمدُّ يده الكئيبة جائعاً، متسوِّلاً، فلا يسمعه أو يراه أحد.

 

^^^

 

"سلام عليك أيُّها الحقد... وسلام عليكَ أيُّها العزف الأعمى في شارع المطر. سأرتدي ثيابي وأخرج من هذه الجثث القديمة. سأخلع باب الكلمات، فالكلمات سكاكين على سطور... وسأقول للناس الذين يكرهوننـي: أنا قتلت حقدكم، وحطَّمت أصابع الليل... منذ أعوام وأنا أنتظر عربة لتأخذني إلى جسر الضياء، لكنَّ السائق يشرب على الرصيف. خذوني إلى السائق لأتشاجر معه، لأزلزل الأرض تحت قدميه، ولأنشب أظافري في ابتسامته الصفراء. رجل مريض... يرافقني من مكان إلى مكان، ولا أعرف كيف يرتِّب الأمكنة والعناوين. وحين أسأله: ما شأني وهؤلاء الناس؟ يقول: هم البحر وأنت المركب... فأصرخ أمامه: غلط... إنَّنا في كابوس... أنت لست حقيقة، وأنا والناس لم نكن يوماً حقيقة. عليَّ أن أكون البحر وأنتم جميعاً مراكب... هكذا يمكن أن أكون واحداً لا أكثر... وأصبح جفافاً خلال عصور.”

(من أفكار فؤاد السرنوك)

كانت سلوى مستلقية على سريرها بعد الظهر، وقد أحسَّت بصداع، فأغمضت عينيها من تعب، ورأت حلماً غريباً، فحاولت أن تهرب منه إلى اليقظة:

"كانت تنظر من النافذة إلى الغابة القريبة، علَّها تقع على الطائر الغائب، وبدا لها أنَّه صُرع في إحدى معاركه مع طائر آخر، فالغابة منزل الشرور، والأظافر الحاقدة، والقلوب العمياء. الغابة هي عالم الأشباح المتمرِّدة، وقد لفظتها أجسادُها في ظلال الأشجار الداكنة. الغابة صراخُ الأجيال الماردة في ليل يطول.

كان الغابُ ساكناً، لا صوتَ فيه. وأيدي أشجار الشربين تعلو إلى غيمة بيضاء، لتفرش عليها بساطاً من العتمة.

تدثَّرت سلوى بنسمة باردة جاءت من البعيد، وفتحت عينيها جيِّداً، فرأت ذلك الطائر يطرق على زجاج النافذة بمنقاره، فتفتح له، وهي سعيدة مثل طفل نزق. رنَّت ضحكتها في أرجاء المنزل. ضحكة عاتية كسواعد الحطَّابين... كهدير العاصفة في الأزقَّة الموبوءة. نزل الطائر على يدها، وحدَّق في وجهها. كان وجهها طافحاً بالسعادة، فانقضَّ الطائر عليه وراح يضربه بمنقاده. يضربه حتَّى العظام، فيفور الدم ويغطِّي الجدران والأرض. دم كثير كينبوع، وأحمر قاتم كشفق الخريف.

صرختْ من الألم، فلم يسمع صراخها أحد. تخلَّعت الأبواب والنوافذ، ودخلت إلى البيت طيور أخرى، فأصبح الجوُّ أسود. وكانت هي تدور على نفسها، وتحاول بيدين ضعيفتين إبعاد الطيور. وبعد لحظة، لم تعد ترى شيئاً. ولم تعد تسمع إلاََّ رفيف أجنحة، وصخب مناقيد.

أرادت أن تركض نحو الباب، فعلقت رجلاها بصمغ. من أين جاء الصمغ إلى أرضيَّة المنزل؟ ولماذا لا تستطيع أن تخطو خطوة إلى الأمام لكي تنقذ نفسها؟ وكيف تضاءلت قوَّتها، وانهار جبروتها، وأحسَّت بمرارة في شفتيها، وفي حلقها، ثمَّ انقطع صوتها؟"

أفاقت المرأة من النوم، وهي تتنفَّس بصعوبة، وكان الخوف يحفر على ملامحها خطوطاً عمياء. شربت قليلاً من الماء لتطفئ بركان العطش، وحدَّقت في العالم، فوجدته خالياً إلاَّ من صدى يتردَّد بين الأشجار السوداء، وحفيف النسائم على الأوراق المرتعشة.

تركت سريرها، وسارت في المنزل بحذر، فهي خائفة من أن تعلق رجلاها بصمغ، أو أن تهاجمها أطيار مختبئة تحت المقاعد.

وقعت عيناها على صورة زوجها، فتراءت لها في لحظات مسرعة كلُّ مآسي الماضي، من مقتل سعيد، إلى صراعها مع وحوش الأقدار، حين كان الرغيف يؤخذ من براثن الوجود بدموع المآقي وسهر العيون، وكانت اللقمة مغامرة في وادي الألم. امرأة وحيدة في زمن وحيد، ومرير، وعارٍ... لا شمعة تنيره، ولا طريق فيه يوصل إلى مكان. غير أنَّ القوَّة في الذات هي المجذاف إلى البحر البعيد، وعندما يتصوَّر المرء أنْ ليس بإمكانه النجاة من الإعصار، فقد يجد خشبة عائمة يتشبَّث بها، وينجح في الوصول إلى الشاطئ.

تمتمت المرأة وكأنَّها تتحدَّث إلى أحد: "الحياة ناقصة من غيرك يا سعيد، لكنَّها تجري إلى الأمام، في عجلة ورهبة. وقبل أن يجفَّ حبر الغيوم عن صفحة السماء، قد يدخل السارق ليلاً، فكيف أستطيع بعد ذاك أن أراك في الخلود ويداي فارغتان؟

عليَّ أن أشبع الطائر لكي لا يهاجمنـي بشراسة الجياع، ويرمينـي جثَّة بلا حراك... ومَن هُم الطيور الآخرون، غير الناس الذين يرمقونني بنظرات اللوم والتشفِّي، ويسألون بشفاه جافَّة ومالحة: أهكذا ينتهي وجود ولا يكون له ثمن؟

فوق رأسي فضاءات من الظلام، متكاثفة... سماء فوق سماء، وأثواب حالكة فوق أثواب حالكة. وأسأل في حقول الصقيع عن ذرَّة سعادة، فلا أجد. لقد أصبح الكون شحَّاذاً دامع المقلتين يبحث عن باب مفتوح، وصار النهارُ خائفاً من خطاه، غريباً في الغرباء.”

أجهشت المرأة بالبكاء، والتفتت إلى صورة زوجها الراحل، فبدا معاتباً لها على حاضرها المقيت، لكنَّها تسلَّحت بقوَّة مفاجئة لتحدِّي ذك العتاب.

 

^^^

 

كانت سعاد تقود سيَّارتها عائدة إلى منزلها أثناء الليل، فتجاوزتها سيَّارة مسرعة، لتسدَّ عليها الطريق، ثمَّ نزل من السيَّارة الثانية رجل مقنَّع، فانهال على الفتاة ضرباً، وهي تصرخ وتستغيث، فلا يجيبها إلاَّ الفراغ.

ضجَّ الناس بخبر الاعتداء على سعاد، وتوافد بعضهم إلى منزل آل السرنوك ليطمئنُّوا على صحَّة الفتاة، التـي كانت مصابة ببعض الجروح في وجهها. وشاعت رواية واحدة عن الحادث، وهي أنَّه فصل من فصول العداء القائم بين عائلتـي السرنوك والدروبي، ولكنْ مَن هو الفاعل؟ هذا هو السؤال الخطير الذي لم يعثر له أحد إلى جواب.

عند سرير سعاد، كانت هدى ترنو إلى وجه ابنتها، ودمعة صامتة على جفنِها الأزرق. سألتها بهمس لطيف:

هل تريدين شيئاً؟

- شكراً لكِ... شكراً لله الذي أنقذني من براثن ذلك الحيوان المفترس...

- هل تظنِّين أنَّه من آل الدروبي؟

- لا أعتقد ذلك، فالرجل الوحيد الذي قد يفكِّّر في الثأر من والدي هو رياض... وأنا أعرف أنَّه رجل مسالم، ويكره الحقد بين البشر...

- هل اتَّصل بكِ؟

- لا... فقد أخطأتُ في حقِّه...

- تلك حماقة. لماذا تفعلين هذا؟!نحن نصنع الحياة ونجعلها حديقة إذا شئنا... مَن سيبدأ ثورة على الموت والرعب إن لم تبدأ الثورة من هنا؟

- ووالدي... ماذا سيكون موقفه من علاقتـي برجل من آل الدروبي؟

- ألا تعلمين أنَّ والدَك يعيش بين جدران اليأس والندم؟... والدكِ يتصرَّف وكأنَّه غائب عن الوعي، ويتخبَّط في مجاهل الحياة، فاقداً لطريقه، وغير مدرك لما يفعله...

- إنَّه واحد من الناس الذين أخاف منهم...

- هل أنتِ مجنونة؟ يمكنكِ أن تهربي مع رياض إلى أبعد جزيرة في المحيط... مَن يستطيع أن يلحق بكما إلى هناك؟... اسمعي يا ابنتـي... إنَّ الحبَّ الذي يجمعكما هو الطريق الوحيد لعودة الروح إلى مَن فقدوا أرواحهم...

- أنتِ تسهِّلين عليَّ الأمور...

- صحيح، فأنا لا أريد لكِ غير السعادة...

-هل عرفتِ الحبَّ يا أمِّي؟

أخذت هدى نفَساً عميقاً، وراحت تقلِّب صفحات من ذكرياتها... ثمَّ قالت:

نعم أحببتُ... أحببت والدَكِ، وكنتُ أعرف أنَّه يرى فيَّ صورة لفتاة كان يحبُّها وهو فتى صغير... وقد حزِن لموتِها من جرَّاء مرض... كانت فتاة مُقْعَدة، وتعزف الموسيقى... وفي ريعان شبابه أحبَّنـي، وكان هناك رجل آخر ينافسه على قلبـي، هو شفيق... أنتِ تعرفين شفيق... رجل فارغ، ويعتقد أنَّه مسلَّط على النساء...

- شفيق... ليس غيره؟...

- نعم... شفيق... وقد كرهته من أوَّل لقاء بسبب غروره،

وسوء تصرُّفه.

فكَّرت سعاد قليلاً، وحدَّقت في سقف الغرفة، بينما كانت هـدى تنصرف، وهـي تحمل صينيَّة عليها كأس فارغة، وبعض قطع الحلوى الصغيرة...

بعد قليل دخل فؤاد السرنوك ليطمئنَّ على ابنته. قال لها بنبرة صاخبة:

ليتنـي أعرف من فعل بكِ هذا لأنتقم منه شرَّ انتقام!

-دعكَ من هذا. لن ننتقم من أحد...

-هل نسمح لأحد بالاعتداء علينا، ونسكت؟ نحن آل السرنوك...

تضايقت سعاد، وهزَّت برأسها قائلة:

نحن لا نعيش في عصور القبائل... أفهمتَ ماذا أقصد؟ لعلَّ رجال الشرطة سيعثرون على الجاني ويعاقبونه...

 

^ ^ ^

 

"القتلة كثيرون لكنَّ القاتل واحد. الموتى أكثر من القبور، والهواء يحملهم إلى أبعد من الموت. وعلى الرغم من عددهم، فإنَّ المقتول واحد. الحرب ليست بين البشر، بل هي بين آلهة. وأنا أريد من الآلهة أن تتحارب، لكي تميِّز بين الثأر والغفران. غداً ستنقضُّ العاصفة على شجرة، فتعرِّيها، لكنَّ العاصفة كانت عارية قبل أن تولد. الشجرة إذن إله التمرُّد، والعاصفة ضحيَّة. هكذا يقول الأنبياء ويصدقون. وهكذا أنتصر أنا، لأنَّنـي ولدت من الخطيئة وبكيت عليها في مهدِها. لكنَّنـي أمام الخطيئة إله قويٌّ، وليس عليَّ إلاَّ أن أتجرَّد من الذكريات، فالذكريات جريمة. الذكريات تعطينـي حبلاً لأقتل نفسي. وعليَّ أن أقتل الذكريات قبل أن أموت بدقيقة واحدة."

(من أفكار فؤاد السرنوك)

 

 

عاد رياض من زيارة إلى أحد المستشفيات في البقاع، فتوجَّه إلى الفندق حيث مكث قليلاً، ثمَّ قصد مستشفى المنطقة، حيث علم من إحدى الممرِّضات بأنَّ الفتاة التـي رافقها ذات يوم إلى المستشفى، قد تعرَّضت للضرب على يد مجهول.

أسرع رياض إلى مكتبه، ليتَّصل بسعاد. كان قلبه يقفز في صدره، وعقله في حالة من الجنون... انتابه خوف وهو يبحث عن رقم هاتفها... وكان يرجو ألاَّ يصطدم بصوت والدها، فيخيب أمله، ويزيد عذابه. ولكنَّ رغبته في الحديث إلى سعاد كانت أكبر من مشاعر الخوف والحذر. ردَّت هي، فعادت إليه روحه، وعجزت الكلمات القليلة التـي تفوَّه بها عن تصوير ما في داخله من شوق، وحبٍّ، وخوف، وغضب...

وبعد أن اطمأنَّ إلى حالتها، همس لها من بعيد: "أريد أن أراكِ..." فطلبت منه أن يستكين، ومن أين له أن يأتي بالسكون، وكلُّ ما حوله صاخب صاخب؟

ظلَّ رياض وحيداً وشاحباً في ذلك النهار، لا رفيق له سوى أفكار مشوَّشة، ونار متأجِّجة في صدره. زاره عمُّه على حين غرَّة، وفي فمه كلام. قال سالم:

أريد أن أوضح لك شيئاً مهمّاً... يتعلَّق بمستقبلِك... ألن تطلب منِّي الحكمة؟

-بلى... أطلبها...

-وهل تعدني بأن تصدِّقني؟

- أصدِّقك طبعاً... أنت تقول الحقيقة.

نظر العمُّ سالم يميناً وشمالاً، ثمَّ همس لرياض:

عندي حدس بأنَّ فؤاد السرنوك لم يقتل أخي...

- ما الذي يجعلك تفكِّر في ذلك الآن؟

- لا أدري... لقد كنت دائماً أعتقد أنَّ ما حدث كان لعبة خبيثة... غير أنَّنـي لم أكن قادراً على إثبات ذلك...

-ولماذا تبوح به بعد سنوات طويلة؟

-إنَّنـي خائف على الحبُّ، وأخشى أن يفقده أحد غيري... لا تتراجع خطوة واحدة إلى الوراء مهما كانت التضحيات... أنت وسعاد قادران على تحطيم القيَم البائدة، التـي مسخت الإنسان وحوَّلته إلى شيطان... اسمع يا بنيّ... عليك أن تحقَّق الأحلام الجميلة، وتدوس على الموت بقدميك... لا تدع الموت يسرق أحلامك... لقد هزمنـي القدر الأعمى، وأخذ منِّي امرأة أحبُّها، فبكيت في مأتمي، ورفضت بعد ذلك أن أتزوَّج من امرأة لا أحبُّها... صعب على المرء أن يتزوَّج كما تفعل الحيوانات البرِّيَّة، وينجب أولاداً ليسوا له... هل أنا واضح في كلامي؟ إنَّ الحقد الذي بين عائلتـي السرنوك والدروبي يجب أن ينتهي...

 

^ ^ ^

 

عاد شفيق إلى منزله في المساء، وكانت زوجته وردة تسقي بعض النباتات الخضراء على الشرفة. وما إن سمعت الباب ينفتح، حتَّى خفَّت إلى زوجها، تأخذ من يديه بعض الأغراض التـي اشتراها من السوق. كانت مكفهرَّة الوجه، لا يبدو عليها شيء من السعادة. سألها عن حالها، فأجابت:

أنا بخير... وماذا ينقصنـي؟!

قالت ذلك ببعض السخرية، فالتفت إليها، وقال:

أراكِ تُضمرين شيئاً...

- لماذا تقول ذلك؟ ألا تراني واضحة كالشمس؟

- لنكن صريحَين يا وردة. أنتِ لا تحترميننـي...

- كيف عرفتَ ذلك؟ هل أسأت إليك مرَّة؟

- أبداً. أنتِ امرأة صالحة...

- إذن تعترف بأنَّ الذي أخطأ هو أنت؟

- بماذا أخطأت؟

- عاملتَنـي كجارية... كأجيرة في منزلك... صحيح؟

- هل فعلتُ ذلك حقّاً؟

- طبعاً، وأنت تتظاهر بأنَّك لا تعلم بما يعلمه الآخرون... فإذا سألتك: أين كنت الآن؟ وأنا أعلم أين كنت، ستجيبنـي بأنَّك كنت في السوق... أنت تخضعني للبراهين الدامغة، إذ يبدو من الأغراض التـي تحملها أنَّك كنت في السوق، فهل يشتري المرء أشياء من الغابة؟!

- سخريتكِ لاذعة. أتريدين القتال؟

- أليس من الأفضل أن نكون ساخرين، بدلاً من أن نكون مخادعين؟

- هل أنا مخادع؟

- أنت غير مخادع إذا صارحتَنـي بأنَّك كنتَ في بيت سلوى، ألم تكن هناك؟

- سلوى أرملةٌ مسكينة، وزوجها كان صديقي، وأنا أزورُها محبَّة به لا أكثر.

- لديَّ شعور بأنَّ سلوى هي امرأة أخرى في حياتِك، وأنت تحبُّ النساء، وتعتقد أنَّهنَّ خادمات للرجل... أليس هذا ما تعتقده؟

كان شفيق حانقاً، إلاَّ أنَّه تظاهــر بالبرودة، وانصــرف إلى المطبخ، فلاحقه صوتها إلى هناك:

لعلَّك جائع... هناك طعام من البارحة... كنت منشغلة في غسيل الثياب...

سكتت المرأة قليلاً، ثمَّ سألت زوجها بصوت مرتفع:

هل سمعت بما حدث لابنة فؤاد السرنوك؟

-جميع أبناء المنطقة يثرثرون في هذا الموضوع... مسكينة!... الأبناء يدفعون الضريبة عن آبائهم...

تظاهرت وردة بأنَّها غير مبالية، وخرجت إلى الشرفة. كانت الشمس تخلع رداءها لتسبح في مياه البحر، وارتمت غيمة رماديَّة على صفحة السماء، فانتحر الضوء، ومرَّ الأصيلُ بعربته المطهَّمة، ليكتب آخر كلمة في كتاب ذلك اليوم.

 

^ ^ ^

 

وصل رياض على حين غرَّة إلى منزل فؤاد السرنوك. حاملاً باقة ورد بيضاء، وعندما فتحت هدى له الباب، لم تصدِّق أنَّها تراه. التفتت يميناً وشمالاً. لم يكن زوجها في البيت، فقد خرج منذ مدَّة ولم يعد.

قال رياض من غير ترُّد:

هذه الورود البيضاء لسعاد. هل هي بخير؟

- نعم... نعم... إنَّها بخير... هل تتوقَّع زيارتك؟

- يبدو ذلك... إذا كنتِ لا تسمحين لي بالدخول، فسأعود على أعقابي...

- أهلاً... تفضَّل... لقد فاجأتَنـي بقدومِك...

- أعتذر... كنت قلقاً على سعاد...

- انتظر قليلاً... سأعلمها بحضورِك...

- شكراً لكِ.

غابت المرأة دقيقة، ثمَّ عادت وسعاد معها تسير ببطء، وعلى وجهها آثار كدمات.

كانت الفتاة مبتسمة، على الرغم من بعض الألم الذي تشعر به...

قالت بسرعة:

زيارة غير متوقَّعة!

خرجت الأمُّ لتعدَّ القهوة، وجلس رياض على كرسيٍّ بجانب سعاد، فوضع يده بيدها، وهو يقول:

الحمد لله على السلامة...

هزَّت الفتاة برأسها، وقالت:

لقد مررتُ في تجربة صعبة...

- المهمُّ أن تكوني بخير... جئت إلى هنا من أجلِك، ولكي أكون صادقاً مع نفسي ومع إيماني في الحياة.

- ألم تخف من أحد؟

- لماذا أخاف؟ إنَّ الماضي أصبح جثَّة هامدة ومدفونة في التراب، ولن أعود إليه أبداً... سألتقي مع آل السرنوك كما يلتقي الأبطال، وأعلن التمرُّدَ على الحقد الذي يدمِّر... فإنَّ الله خلقنا من أجل هدف عظيم، وهذا الهدف هو ما يميِّزنا عن أطيار الحقول، ووحوش الغابة...

- أريد منك أن تسامحني على كلِّ شيء، فقد أخطأت إليك عندما أشعرتك بأنَّ قلبي يهتف لك... كان ذلك وهماً طائشاً...

- ماذا يعني هذا؟! أكنتِ تكذبين عليَّ؟!

- عندما يتحوَّل الغرام إلى ثأر، ماذا يبقى من القلب؟

-هل تظنِّين أنَّني أثأر منكِ، وأنتِ لستِ مذنبة في شيء؟

- لكنَّ طائر الهامة يصيح من ركام الأمس، ويحلِّق بجناحين سوداوين في سماء الحاضر.

- لا يا سعاد... لا... نحن لا نصغي إلى صوت الوهم، ولا نرضخ إلاَّ لمشيئة الله والخير الذي في نفوسنا...

- انتهى الأمر يا رياض... انتهت فصول المسرحيَّة. انا لا أحبُّك. لا يمكنني أن أحبَّ رجلاً يضمر أهله عداوة لأهلي...

هزَّ رياض برأسه بعد أن أعيته الحيلة، فقد وجد أنَّ سعاد تعرَّضت لهزيمة نكراء، ورضخت للقدر الظالم الذي لا يرحم الضعفاء. لم تكن قيَّة كما أرادها أن تكون، وعلى الرغم من ذلك، فقد وضع يده في يدها وشدَّ عليها، فتلثمت، وقالت بصوت متقطِّع:

أنت رجل نبيل... ولا أستحقُّ أن أكون معك...

خطفت الفتاة يدها من يد رياض، فاستعادها بقوَّة، وهمس بدفء:

لستُ عاتباً أبداً، ولا ألومكِ على شيء، ولكن اعلمي أنَّ كلمة واحدة قلتها لكِ لن تتغيَّر... ولكي أثبت ذلك، أنا مستعدٌّ لأن أطلبكِ للزواج حالاً...

غمرت سعاد عاصفة، هي مزيج من الذهول والحنان، وأرادت أن تنهض من مكانها لترتمي على كتف رياض، فما استطاعت...

دخلتْ هدى تحمل صينيَّة القهوة. فوضعتها على منضدة صغيرة، وخرجت مسرعة.

كانت الأمُّ تريد لسعاد أن تنجرف إلى نهر الحبِّ، فلولا الحبُّ لفقدت الإنسانيَّة وهجها العظيم، وتحوَّلت إلى مصباح منطفئ.

هكذا تفهم هدى الحياة، ولا تفهم كيف يكون زواج الجثث المتحجِّرة، والأرواح الجامدة...الحبُّ في نظرها أعظم القيَم، وبه تتفاهم الأرواح وتتعانق... وإذا انتصر الحبُّ تكون هدى قد انتصرت، فهي تعارض أيَّ قرار تتَّخذه سعاد، ولا ينسجم مع قلبها.

 

^ ^ ^

 

تزوَّج رياض وسعاد، في احتفال بسيط، غابت عنه سلوى، وكانت هديَّة العمِّ سالم مبلغاً كبيراً من المال، وعلَّل ذلك بأنَّ ابن أخيه هو وريثه الوحيد... وانتقل العروسان للعيش في منزل صغير اشتراه رياض، يقع بين "الدهيبة" و "غابة الخرُّوب".

وقع خبر الزواج على سلوى وقع الزلزال، فاستعانت بشفيق، وبكت أمامه كطفل صغير، فأخذها بين ذراعيه، وأخذ يقبِّلها، ويهدِّئ مــن روعها. قالت بألم وقسوة:

يجب أن تقتل تلك الحقيرة، فينجو رياض من شرِّها، ويعود إلى الطاعة...

- سأفعل... أعدكِ بأنَّنـي سأفعل.

خرج شفيق من منزل آل الدروبي... أمَّا سلوى، فانفلتت إلى حديد النافذة، ومن هناك رمقت الغابة بنظرة حادَّة، فسمعت صراخ طائر يصمُّ الآذان، لكنَّها لم ترَه. أزاحت الستارة البيضاء، لتبحر في رحلة بين ظلام قلبها وظلام الغابة...

وبينما كان شفيق يسير في الطريق الضيِّقة، متوجِّهاً إلى خارج القرية، كانت زوجته وردة في سيَّارة أجرة، تراقبه عن بعد.

قالت لسائق السيَّارة:

كن حذراً، ولا تدعه يشعر بأنَّنا وراءَه...

 

^ ^ ^

 

... سعاد وحدها في البيت، فقد مضى رياض إلى عمله باكراً. أحسَّت بغثيان، ودُوار مفاجئ، وكادت تسقط على الأرض. وبعد فترة قصيرة من الراحة، عادت إلى طبيعتها، فذهبت لكي تعمل في المطبخ بتأنٍّ شديد، ولم تشأ أن تتَّصل برياض لتخبره بما شعرت به من إرهاق.

وكانت هدى قد وعدت ابنتها بزيارة صباحيَّة، لكنَّها تأخَّرت في المجيء.

نظرت سعاد إلى تلفاز صغير في غرفة الجلوس المفتوحة على المطبخ، فرأت واحداً من أمراء الحرب السابقين يتحدَّث إلى الأجيال الجديدة، ويحاضر في مواضيع الحرِّيَّة، والمساواة وحقوق الإنسان.

أحسَّت المرأة بالخجل، وبالإشفاق على هذا الرجل الذي عاد إلى الظهور بحلَّة جديدة، ليخدع البشر، ويخدِّرهم بكلامه المعسول. وأشفقت أيضاً على هؤلاء الناس الذين يصدِّقون ولا يصْدُقون. يعيشون في اليأس والفقر والمرض، ويحصلون على الدواء من اليد التـي أصابتهم بالوباء... لقد أفلح أمراء الحرب في سياسة الابتزاز اللطيف لأبناء الرعيَّة، فأيديهم ممدودة ولا تعطي أكثر ممَّا تأخذ، وعلى المرء أن يشعر بالذلِّ والهوان من أجل وظيفة، أو علاج أو خدمة في دوائر الدولة. وتحوَّلت القصور التـي ارتفعت على عظام الخليقة إلى مزارات يوميَّة لطالبـي كسرة خبز، يأكلونها بعد أن يمرِّغوا جباههم في الوحول، وربَّما يُطردون عن الأبواب طرداً، ثمَّ يعودون بعد يوم أو يومين إلى الأبواب ذاتها، سائلين ومتسوِّلين.

وفي البيوت الصغيرة والمقاهي والمطاعم، تلوك الأفواه عبارات السخط والغضب، وترتفع الحناجر باللعنة على أصحاب الضمائر السوداء، ولكنْ ما تلبث تلك العاصفة أن تهدأ، فتضجّ الشوارع بصيحات الولاء والتمجيد، وتغطِّي الجدران صُور الملوك الذين يمكنهم أن يكونوا في كلِّ هيئة يشاؤونها... ويمكنهم أيضاً أن يحتقروا الحقيقة، ويزعموا أنَّهم يدافعون عنها.

لقد بالغ هؤلاء في التمثيل حتَّى أصبحوا شخصيَّات على مسرح، فيَضحكون من غير سبب، ويُضحكون من ينظر إليهم. وقد خاضوا حروباً، وقتلوا، ودمَّروا المنازل... وأصبحوا أغنياء في غمضة عين، ولا يسألهم قاض في محكمة العدل: من أين لكم هذا؟ وحين انتهت الحرب، خلعوا جلودهم، وتستَّروا بربطات عنق فاخرة، وتحوَّلت مهمَّتهم من السفك والتدمير، وتعليق الجثث على الأعمدة، إلى تحقيق السعادة الأبديَّة، فأخذوا يتمثَّلون بأفلاطون وأحفاده من الفلاسفة المثاليِّين في التبشير بالخير والحقِّ، وفي إصلاح العالم الذي أفسدوه وجعلوه ركاماً فوق ركام.

تنفَّست المرأة بعمق، وأحسَّت بالعطف على أبناء الحياة، فقد ولدوا بغير أرواح، وعاشوا من غير أصوات، ومشوا مثل هياكل عظميَّة في الدروب. وكان الورثة يراقبون مطارح الولادة، ويقتلون كلَّ طفل في عينيه بريق من نور، وكلَّ طفلة تبتسم لغد جميل... الورثة كانوا يمدِّدون الأجسام على أسرَّة، فيقطعون الأعناق الطويلة، والألسنة التي يمكنها أن تنطق بالحقِّ، فلم ينجُ إلاَّ القليل من المحظوظين الذين تفتَّحت عقولهم فيما بعد، وأصبحت أفكارهم منارات للثورة والتغيير.

أطفأت سعاد التلفاز، لكي تعود إلى طبيعتها، وتهدأ نفسها المتوتِّرة. وما هي غير لحظة، حتَّى سمعت جلبة في الحديقة.

كان رياض قد أقفل البوَّابة الخارجيَّة، ولم تكن تتوقَّع أنَّ المجرم قد يدخل من الباب وهو موصد. وها هو يضرب ثانية، وقصده في هذه المرَّة أن يقتل سعاد في عقر دارها.

دخل رجل مقنَّع إلى البيت، وفي يده سكِّين، وبينما سعاد تنظر من النافذة إلى الحديقة، كان هو وراءها، فعاجلها بضربة على رأسها، فسقطت مغشيّاً عليها. قيَّدها إلى أريكة، وغطَّى فمها بخرقة سوداء، وجلس قبالتها على كرسيٍّ هزَّاز، يراقبها إلى أن تستعيد وعيها. وما إن فتحت عينيها، حتَّى وجدته أمامها، فذُعرت، واختنقت صرختها. حاولت أن تتفلَّت من قيودها، فما أفلحت.

قال لها بهدوء:

حان موعد الحساب... وسيكون عسيراً هذه المرَّة... ولن تفلتـي من قبضتـي. أنت عصفورة أسيرة تحت جناحَي غُراب، ولا يستطيع فؤاد السرنوك أن ينقذكِ من القدر المحتوم...

قال الرجل المقنَّع ذلك، ومشى إلى المطبخ، فابتلع شربة ماء، ثمَّ أخذ عود ثقاب، فأضرم النار في المنزل.

أرادت سعاد أن تستغيث، فلم يخرج صوتها، وغابت مرَّة أخرى عن وعيها.

وفيما كان الرجل يفرُّ هارباً، كان رجال الشرطة في انتظاره، فطعن أحدهم بسكِّين في يده، لكنَّهم تمكَّنوا من القبض عليه. وعندما كُشف عن وجهه، تبيَّن أنَّه شفيق...

كانت وردة منقبضة، تنظر إلى زوجها وهو يصعد مرغماً إلى سيَّارة مصفَّحة... لقد كانت تلاحقه منذ أن خرج من بيت سلوى الدروبي، وحين رأته يقفز من فوق السياج، متسلِّلاً إلى منزل رياض، تراءى لها أنَّه يضمر الشرَّ، فاتَّصلت بالشرطة، وأبلغتهم بأمره.

أُخرِجت سعاد من المنزل بسرعة، وأطفئت النيران.

وبعد قليل، وصل رياض، ومعه هدى السرنوك، فهلعا هلعاً شديداً، لكنَّهما اطمأنَّا إلى أنَّ سعاد بخير.

وكان على شفتـي رياض سؤال صعب:

"لماذا يريد شفيق أن يقتل سعاد؟"

لم ينتظر طويلاً لكي يحصل على جواب، فسرعان ما أخبرت وردة رجال الشرطة بأنَّ زوجها لم يهاجم سعاد من تلقاء نفسه، بل كان له شريك يحرِّضه، ويقف وراءه... أمَّا الحقيقة الخطيرة التي باحت بها المرأة، فهي أنَّ فؤاد السرنوك ليس القاتل لسعيد الدروبي، فمن أطلق النار في ذلك اليوم المشؤوم هو زوجها.

كانت الحيرة غابة في العيون، وناراً على الشفاه المرتعشة التي داهمتها زرقة مريرة.

صاحت هدى السرنوك لتقطع حبل الوجوم:

هل صدَّقتم أنَّ زوجي بريء؟

وتابعت وردة كلامها، فقالت:

يوم قُتل سعيد الدروبي، عاد شفيق إلى المنزل وهو يرتجف. كان لونه أصفر، وعلى شفتيه كلام يشبه الهذيان. أخبرني بأنَّه قتل سعيد الدروبي بطريق الخطأ... صدِّقوني... عندما تشاجر فؤاد السرنوك وسعيد الدروبي لم يكن فؤاد يحمل سلاحاً... كانت بندقيَّته إلى جانب الحائط... وكان شفيق في المطحنة يشاهد ما يجري بين الرجلين، فخطر له أن يرفع البندقيَّة ويلوِّح بها في وجه فؤاد السرنوك بقصد تخويفه، فانطلقت رصاصة منها، وأصابت سعيداً في رأسه، فسقط مضرَّجاً بدمه، وفرَّ فؤاد من المكان خوفاً من أن تكون الرصاصة الثانية من نصيبه...

توقَّفت وردة عن الكلام، بينما الجميع في استغراب شديد... ثمَّ أردفت قائلة:

أقسم لكم... هذه هي القصَّة التـي سمعتها من فم شفيق... وفي أزمنة الحرب يخلط الناس بين الشرِّ والخير، وبين الحقِّ والباطل... كان شفيق يريد أن يعترف بما جنته يداه منذ اليوم الأوَّل، لكنَّه خاف وارتعد. فقرَّر أن يلصق الجريمة بفؤاد السرنوك... وكان سهلاً على الناس أن يصدِّقوا زعمه... لأنَّ السرنوك كان يتباهى أمام رفاق السلاح من أبناء قريته بأنَّه قتل رجلاً من "غابة الخرُّوب"... ولعلَّه كان يريد أن يظهر نفسه بمظهر البطل... وعندما عاد إلى ضميره، كانت الحقيقة مدفونة في مقبرة واحدة مع القتيل...

قالت هدى بصوت خافت، وهي لا تخفي أسى يكتنف محيَّاها:

صدقتِ أيَّتها السيِّدة... فما الذي أراده زوجي من ادِّعاء جريمة لم يرتكبها؟... وبعد ذلك تحوَّل الكذب بسحر ساحر إلى حقيقة دامغة... وحين أصيب ؤاد بأزمة نفسيَّة، لم يعد مؤهَّلاً للإدلاء بشهادته في محكمة العدالة...

كادت المرأة تجهش بالبكاء، فاقتربت منها وردة، وهمست لها برفق:

سامحيني... لقد كنت أعرف القصَّة كاملة، ولكنَّني لم أرَّأ على قول الصدق... كان شفيق سيقتلنـي لو تفوَّهتُ بحرف واحد.

قالت هدى السرنوك:

إنَّ زوجي بريء من دم الرجل... وعلى الرغم من أنَّه لم يعد يكترث بالحياة، فقد أخبر البعض بما حدث حقيقة... وقد يكون صرخ بذلك، فلم يصغِ أحدٌ إلى روايته...

هزَّت وردة برأسها وقالت بألم وحسرة:

صحيح... أشهد أنَّ زوجك بريء، وأنَّ زوجي هو الشرِّير... وبعد الاعتداء الوَّل على سعاد، لاحظت بقعة دم على قميصه... سألته عنها، فقال لي إنَّ زميلاً له في العمل أصيب في حادث، وقد ساعد على نقله إلى المستشى... وهذا ما دفع بي إلى الشكِّ ومراقبته، ثمَّ الإبلاغ عنه.

 

^ ^ ^

 

"جريمة هي الذاكرة، مقتلة الحروف. أحمل نعش الذاكرة وأسير تحت المطر. من يتبعني إلى سكوتي؟ مَن يحمل معي صناديق العتمة؟ مائدتي جوع، وحياتي رصيف، فتعالوا أيُّها السكارى لكي نفترش ما تبقَّى من فتات العمر. تعالوا أيُّها المتسوِّلون لكي نقرع أجراس القيامة. وتعالوا يا ماردي العصور، لنسكب على نعوشكم آخر دمعة، فالآن تنتصر الوردة على السكِّين... أمَّا الأجساد التـي غطَّاها التراب، فتصير حديقة لأطفال المواعيد.

لم يعد للموت مقعد، ولا لطيور الظلام غصن في غابة. لقد عبرنا على الخيل من الليل إلى النهار، وماتت كلُّ الكلمات الحمراء."

(من أفكار فؤاد السرنوك)

 

فقدت سعاد جنينها الأوَّل، بسبب ما واجهته من صدمة عنيفة، وحَكمت المحكمة على شفيق بالسجن عشرين عاماً بتُهم تتراوح بين التهديد بالقتل، ومحاولة القتل العمد، والاعتداء بالضرب، والتسبُّب في موت جنين، والتآمر لإحراق ممتلكات خاصَّة، وطعن شرطيٍّ. وحُكم أيضاً على سلوى بالسجن خمس سنوات بتهمة التحريض على القتل. وانتقلت أسرة رياض الدروبي للسكن في بيروت، حيث عمل رياض طبيباً في المستشفى الجامعيِّ. وبعد بضع سنوات، كان لدى الزوجين الشابَّين ثلاثة أولاد. وما زال رياض وسعاد يعلِّمان أولادهما على الإيمان بالله، وحبِّ الحياة والناس، والتسامح، والمساواة، والفضائل السامية.

وتعرَّضت سلوى، وهي في السجن، لأزمة قلبيَّة حادَّة، فنُقلت إلى المستشفى. وقد طلبت أن ترى ابنها الوحيد، قبل أن تموت. لكنَّها فارقت الحياة، بينما هو في طريقه إليها.

 

                                                                                         انتهت

 

من إصدارات المؤلِّف:

 

عودة الطائر الأزرق- شعر

وجهان لمدينة واحدة - شعر

تقاسيم شرقيَّة لرقصة الفجر - شعر

وقلت: أحبُّكِ - شعر

قصائد من عصور الحبِّ - شعر

أهل الظلام - قصص قصيرة

من أجل الوردة - قصص قصيرة

الذئب والبحيرة - رواية

البطريرك اسطفان الدويهي من قمم إهدن إلى قمم القداسة (باللغة الإنكليزيَّة مع رُبى الدويهي)

في معبد الروح (كتاب فكريّ فلسفيّ)

نظرة في تاريخ إهدن- أشهر المعارك الإهدنيّة في التاريخ (باللغة الإنكليزيّة)

لا تفكّري صار الهوى ذكرى (شعر باللغة العاميَّة اللبنانيّة)

مجموعة "أقرأ بفرح" القصصيَّة للأطفال. صدر منها عن دار أبعاد الجديد - بيروت: الأحلام الغالية، العازفة شهرزاد، العجوز والفتى إبراهيم، صندوق الذهب، بديع الزمان وطائر الصخور العالية، زهرة الممالك، العودة إلى الجذور، وثمن الوفاء.