قصيدة

وقلتُ: أحبُّكِ (من ديوان: وقلت: أحبُّكِ)

الدكتور جميل ميلاد الدويهي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المنفَى تحت الشمسِ، وأنتِ ظـلٌّ في شمس المنفى، يـا شجـرَ الوزَّالِ، ويا ورداً في أعراس القلبِ. أقولُ: أحبُّكِ؟ لم يحدثْ أبداً أنْ صار الحبُّ طقوساً، أدخُلُها تحت المطرِ المتساقطِ من عينِي. أدخلها في رئَتِيْ ملحٌ، في شفـتَيَّ رمـادٌ، في جسَدي بـردٌ يشبهُني. عمَّرتُكِ فوقَ حُطامي شيئاً مثلَ المعبدِ، مثل المـدُنِ الحـجـريَّة في عصـر الإغـريقِ، ولم أسألْ: كـم شعـبـاً أنتِ؟ وكم وطناً؟ لا وقـتَ لتعـداد السكَّانِ، فإنِّي مشغـولٌ في ركـضي مــن حـُزن الأيَّـام إليكِ، ولا أتـوقَّـعُ منـكِ سوى ترتيبي كي أصبـحَ إنساناً مألـوفاً. كادت عاصفةُ الرملِ تشوِّه صوتي، أصـبحتُ الحـطبَ الخائفَ من توقيع النارِ

ومن عزفِ الأمطارِ،

وأصبحتُ الوجهَ القبليَّ

من الإعصارِ،

غضبتُ،

تعبتُ،

وصلَّيتُ على جسدي المنهارِ ...

وقلتُ : أحبُّكِ.

سوف أظلُّ أحبُّكِ مثل الطفلِ، ففي عمري المـتـقـدِّمِ لا أحتاجُ إلى نارٍ تشعلني بعد هطول الثلجِ. تعالي نمشي في ظلِّ الصمتِ المفروض علينا، لا تلزمنا لغةٌ كي نقرأ حرفاً أو حرفينِ، وكي نتـعــانــقَ في شكلٍ رمــزيٍّ، لا يــفـهـمـه إنسانٌ. أعلنتُ الحـرب عليكِ، فإنَّ الحبَّ هو الفصلُ الأحلى في مذبحةٍ لا ينــجو منها أحدٌ. إنَّي لا أعرف ذاتي إلاَّ في الرقص على الجمرِ،

وفي تهديم العصرِ،

ولستُ أحاول

أن أعطيكِ سماء الفجرِ،

ولا مـــاء الينبوعِ، ولا أعــطي لـــربــيــع الأرضِ صـفــاتٍ منكِ، خرجتُ على النمط الشعريِّ السائدِ، ألغيتُ المألــوفَ، لأنَّكِ أنتِ المــطرُ،

القدرُ

السفرُ

العمرُ الهاربُ تحتَ جناح الخوفِ

وأنتِ الرعدُ،

البردُ،

وأنتِ الموتُ بحدِّ السيفِ،

وقلتُ: أحبُّكِ.

 

سوف نكونُ معاً. أخـضـعـتُ البحرَ... وقفتُ أمام الموجِ وقلتُ: أنا البحَّارُ، وقلبي يأخذني فـوق الأمـواجِ. ولولا ضـعــتُ، فسوف تخلِّصني أطيارُ البحرِ. سأجلسُ عند البابِ البحريِّ طويلاً، حتَّى يــنـهمرَ المطرُ الصيفيُّ. وسوف أراكِ على صُوَرِ الجدرانِ، أهذا الوجهُ أنا أم أنتِ؟ وهل أنتِ الجسدُ المتبقِّي من ظلٍّ؟ هل أنتِ الجــمرةُ بعد النارِ؟ بحثت عن الأصلِ المفقــودِ، ولم أتغيَّرْ، إنِّي قـــبـــلَ الوقتِ وبعدَ الوقتِ أحبُّكِ. حيثُ نكون معاً يــرتــقـصُ الشجرُ العالي تحتَ الشمسِ، يـعـودُ الكحلُ إلى عيـنيكِ، وينفتحُ الثوبُ الزهريُّ على الإبداعِ الأحلى من أحلام النـومِ. ويــــومَ أحـــدِّق فيكِ، أرى جُـزءاً منِّي لا أعـرفه، ( إنَّ المنــفيَّ كثيراً ما ينسى جـــزءاً مـــن قـــامتـهِ في أرضٍ مـا)... والمنفى تشويهٌ للـذاتِ، فردِّيني مثل العصفور إلى بيتي... سافرتُ كثيراً، وتعذَّبتُ

ومن سفرِ المجهولِ تعبتُ...

ولكنْ عن وطني ما غابتْ

أفكاري ، وأنا ما غبتُ،

فقد أحببتكِ مُذ أحببتُ،

وحتَّى الموتِ أظلُّ أحبُّكِ...

حتَّى الموتِ أقاتلُ من أجلِ تُرابي، المجبولِ بصوت الفلاَّحـينَ، المزروعِ طيوباً، وضِياءْ

وأسيرُ بشعبي نحو الفجرِ، فقد طالت أظـفــار الليلِ، ومـــرَّت أزمنةٌ مــــن دون هَــــواءْ

وسأبني بحُـطــــامــــــي وطناً تـتغنَّى فيه عصَافير الشجــرِ البرِّيِّ، وتملأهُ رقصاً وغِناء

سأغنَّي بالصوت العالي: شعبي الإنسانُ، فإنْ ضــــاع الإنسانُ يُخيِّمْ فـوق الأرضِ بكــاءْ

سأظلُّ أحبُّكِ، لو قالـــــــــــــوا: وجهي غلطٌ، شكلي فخَّـارٌ، عقلي مـــن رَمـــلٍ، وهباءْ...

لو صار دمي نهراً، فقتالي عرسٌ، وسقوطي مجدٌ يرفعني مثلَ الماردِ في صَـفِّ الشهَـداءْ.

 

… من أوَّل يومٍ في عمري مارستُ الحبَّ، وكنتُ أكنِّس فيءَ الورق اليابسِ عن وجهي، وأطلُّ عليكِ من التعبِ الموكولِ إليَّ، وأصرخُ: "يا امرأتي"، فيطير حمَامٌ في الأيَّامِ، ويجري نهرٌ من قصبٍ فوق حروفي. وكبرتُ لأنِّي نوعٌ من شجرٍ يمشي، وينامُ، ويقرأ فـعل الريحِ. وذات مساءٍ، علَّقتُ القمر الفضِّيَّ على شُبَّاك الغيمِ، وأوصدتُ الزمن المفتوح على الأحزانِ، فصادفتُ سطوحاً تهربُ منِّي، وحقولاً تزرعها الخيلُ صهيلاً... أعلنتُ رحيلي، ووراء البيتِ الخشبيِّ تركتُ سماءً من ذهبِ الأشعارِ، وكان دمي حبراً يتساقطُ في خطوتهِ الأولى فوقَ العشْبِ، ويكتب:

كنتُ أحبُّكِ،

سوف أحبُّكِ...