شروط النشر: يسمح الدكتور جميل الدويهي باستخدام ما نسبته 15 في المئة من هذه المقالات في أيّ أعمال أكاديميّة أو ثقافيّة، من غير الحاجة إلى إذن بالنشر من الكاتب، بشرط التقيّد بذكر المصدر.

 

1- مَصــادر جبران الفكريَّة

مُصادفات أم اقتباسات؟

د. جميل الدويهي

 

من النادر أن تجد كاتباً أو مفكِّراً عربيّاً وصل إلى ما وصل إليه جبران خليل جبران من المجد والشهرة. فجبران عاش حياة أدبيَّة واجتماعيَّة وروحيَّة صاخبة، وترك آثاراً لا تُمحى في سجلِّ الثقافة الإنسانيَّة تدلُّ على عمق إبداعه ونظرته الثاقبة إلى الوجود والموجودات. ولكنَّ العديد من علامات التشابه بين جبران ومفكِّرين آخرين تطرح أكثر من علامة استفهام، وتجعلنا نتساءل: هل إنَّ تلك المتشابهات هي مصادفات متتالية أم هي اقتباسات ناتجة عن إعجاب وتأثُّر بمبدعين كبار سبقوه أو عاصروه؟

وقبل أن نحاول إلقاء الضوء على تلك المتشابهات علينا أن نخوض في فكر جبران القائم على أعمدة متعدِّدة، أهمُّها الحرِّيَّة، الحقوق الإنسانيَّة، العلاقة مع الله، الحياة والموت، الخير والشرّ. وقد ارتفعت هذه الأعمدة في العديد من كتبه: كالعواصف، والأرواح المتمرِّدة، والمجنون، والسابق، والتائه، والنبيّ، وحديقة النبيّ... ومن المعروف على نطاق واسع أنَّ جبران تأثَّر، حين كان يدرس الفنَّ في أوروبَّا، بالشاعر والرسَّام الإنكليزيّ ويليام بلايك، ويبدو هذا التأثُّر في العديد من اللوحات التي رسمها جبران وفيها مظاهر العري البشريّ، والحياة في عالم آخر، والتواصل بين الخالق والمخلوق. ومَن يتأمَّل رسوم بلايك ذات الهويَّة الدينيَّة ولوحات جبران يعثر على تشابه صارخ، على أنَّ لوحات بلايك أكثر نضجاً وقيمة فنِّيَّة. كما أنَّ جبران يُكثر من مظاهر العري في لوحاته، بينما بلايك يخفِّف قدر الإمكان من طبيعة الجسد الإنسانيِّ. وهناك دلائل كثيرة على معرفة جبران لبعض قصائد بلايك ورسومه في السنوات الأولى من هجرته إلى بوسطن، وتلك المعرفة لم تكن عميقة وكاملة. وقد اطَّلع جبران أكثر فأكثر على أعمال ويليام بلايك في باريس، وربَّما في مشغل النحاّت رودان.

إضافة إلى ما سبق، لا بدَّ لنا من أن نذكر أنَّ بلايك كان يحمل ألقاباً تتماشى وشهرته الواسعة، ومنها لقب "النبيّ". وقد نشر العديد من الكتُب تحت عنوان: Prophetic Books أي الكتب النبويَّة ضمّنها قصائد يرى فيها أنَّ الشاعر نبيٌّ ويستوحي رسائل رؤيويَّة. وزعم بلايك أنَّه في عمر مبكِّر قد ظهر له رأس الله داخل نافذة، كما رأى في الرابعة من عمره النبيَّ حزقيال تحت شجرة. وجبران نفسه أخبر ماري هاسكل أنَّه التقى بيسوع مرَّات في الشرق، وكان يصف لها ملامحه وهيئته وثيابه.

ويُشبه جبران بلايك في اعتماده على الإنجيل المقدَّس، وثورته على الكنيسة، وعلى القوانين الاجتماعيَّة الصارمة التي وضعتها الأنظمة. وكما استخدم بلايك مدينة غولغونوزا Golgonooza ليبثَّ فيها تعاليمه، استخدم جبران مدينة أورفليس (والمدينتان المزعومتان تعبِّران عن أورشليم الجديدة). ويُعتقد على نطاق واسع أنَّ جبران استوحى عنوان كتابه "دمعة وابتسامة" من شعر لويليام بلايك يقول فيه: "إنَّ ما كان تافهاً في عيون البشر قد يحرِّضني على الدمع والابتسام."

وبعد عودة جبران من باريس عام 1910، كتب قصيدة "المواكب" التي تَظهر فيها تأثيرات أوروبِّيَّة وشرقيَّة متعددِّدة، ففي البيت الذي يقول: "إنَّما الناس سطور كُتبت لكن بماء" يعيد جبران صياغة ما قاله الشاعر الإنكليزيّ جان كيتس قبل أن يموت: "أحفروا على لوح قبري: هنا يرقد شاعر كتب اسمه بماء." وكان جبران معجباً بكيتس فاسمعه يقول: " ولو علم كيتس، ذلك البلبل الصدَّاح، بأنَّ أناشيده لم تزل تبثُّ روح محبَّة الجمال في قلوب البشر لقال: أحفروا على لوح قبري: هنا بقايا مَن كُتب اسمه على أديم السماء بأحرف من نار."

كما تظهر في "المواكب" دعوة جبران للعودة إلى الغابة، وهي عودة سبقه إليها جان جاك روسو ثمَّ الرومنسيُّون في فرنسا تحديداً، فاسمع جبران:

"هل تخذتَ الغاب مثلي منزلاً دون القصور؟" وكأنَّه ترك المدينة وذهب ليعيش في الغابة، مع أنَّه لم يغادر المدينة إلاَّ لماماً. وهذه الدعوة غير المنسجمة مع الذات تتوازى مع حنين روسُّو إلى الغابة حيث البراءة والسلام والحُبّ، فروسّو يعتقد أنَّ الإنسان كان بريئاً عندما كان يعيش في الغابة، ولكنَّ التحوُّل الأعمى إلى المدينة ألغى كلَّ نوع من أنواع الحُبِّ والولاء. وقد دأب الرومنطيقيُّون فيما بعد على تقديس الغابة، كما فعل لامرتين في قصيدة "العزلة"، وأبو القاسم الشابِّيّ في قصيدة "الغاب"، على أنَّ هذه الدعوات للعودة إلى أحضان الطبيعة لم تكن جدِّيَّة، إذ أنَّ أحداً من الرومنطيقيِّين لم يترك المدينة ويتوجَّه إلى الغابة إلاَّ في أوقات قصيرة ومحدَّدة، وطلباً للراحة.

أمَّا رمز الناي الذي يتكرَّر في قصيدة "المواكب"، فهو تعبير عن الحياة المستمرَّة، فالنغمة المتواصلة للناي توحي باستمرار الحياة والخلود، بينما ترمز الآلات المتقطِّعة كالبيانو إلى الحياة المتقطِّعة التي يكتنفها الحزن والمرض القلق والموت. ولعلَّ قول جبران:

"أعطِني الناي وغنِّ فالغنا سرّ الخلود

وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود"

هو خير دليل على صحَّة ما نقول، فالناي - كما يظهر من الألفاظ - يرتبط بالخلود، والبقاء وعدم الفناء. وقد سبق جبران إلى استخدام الناي جلال الدين الرومي، لكنَّ الناي عند الرومي يدلُّ على الرومي نفسه الذي يئنُّ لبعده عن محبوبه:

"استمع إلى الناي كيف يقصّ حكايته

إنَّه يشكو آلام الفراق...
اسمع الناي معرباً عن شكواه
بعد أن بات نائياً:

"مُذ قُطعتُ من منبت الغاب

والناس رجالاً ونساء يبكون لبكائي...
بعد صحبي ما ضقت طعم الرقاد..."

فالناي عند جبران هو الخلود، والناي عند الرومي هو الصوفيُّ الحزين. وتُوحي الترجمة العربيَّة لعنوان قصيدة الرومي : "أنين الناي" بأنَّ جبران استوحى قوله: "وأنين الناي يبقى" من شعر الرومي، وهذا التشابه قد يكون تورداً في الأفكار.

ومن الرومنطيقيِّين أيضاً استوحى جبران نظرته إلى الخير والشرّ، إذ يعتبر أنَّ الإنسان خيِّر ولا يفعل الشرّ إلاَّ إذا جاع أو عطش: "إنَّ الخير إذا جاع يسعى إلى الطعام ولو في الكهوف المظلمة وإذا عطش فإنَّه يشرب من المياه المنتنة الراكدة". فالرومنطيقيُّون يسامحون الخطأة والمجرمين ويُدافعون عنهم عملاً بقول السيِّد المسيح: "لا تدينوا لئلاَّ تُدانوا". أمَّا المرأة الزانية (مرتا البانيَّة) فيدافع عنها جبران ويختلق لها الأعذار الاجتماعيَّة كما فعل فيكتور هيجو في مسرحيَّته "ماريون دي لورم"، وفي "البؤساء" حيث اعتبر أنَّ المرأة (فانتين) اضطرَّت لبيع جسدها بسبب الجوع والحاجة واضطرارها للبقاء على قيد الحياة مع أولادها. وهذه النظرة لا تختلف عن نظرة جبران في مقالته الشهيرة "الخير والشرّ" حيث يعزو تحوُّل الإنسان من "خيِّر" إلى "خيِّر متألِّم" إلى الحاجة والظروف الاجتماعيَّة التي تضغط عليه.

وفي كتابه الشهير "النبيّ" يظهر تأثير الفيلسوف الألمانيّ فريدريك نيتشه جليّاً، وفي مواضع كثيرة، حيث يحتقر جبران الضعفاء، فيقول: "اليوم صرت أرى ضعفكم فترتعش نفسي اشمئزازاً وتنقبض ازدراء... أنا أكرهكم يا بني أمِّي لأَّنَّكم تكرهون المجد والعظمة." وادِّعاء جبران النبوءة ما هو إلاَّ تعظيم للذات التي يمكن أن تصير ذاتاً نبيَّة تعظ الناس ثمَّ تعود إلى "الجزيرة"، تماماً كما فعل نيتشه في "هكذا تكلَّم زرادشت" ثمَّ عاد إلى "جزُره السعيدة". وكما يودِّع نيتشه تلاميذه يودِّع جبران أهل أورفليس قائلاً: "إنِّي عائد إليكم مرَّة ثانية". وهذا الشغف بالعودة أي اللاموت يتكرَّر في "حديقة النبيّ": "سأحيا وراء الموت، وسأغنِّي في أسماعكم، حين تأخذني أمواج البحر عائداً إلى أعماق الخضمّ الأعظم. سأجلس إلى موائدكم من غير جسد، وسأذهب معكم إلى حقولكم روحاً خفيَّة، وسآتي إليكم وأنتم حول مواقدكم ضيفاً لا ترونه. إنَّ الموت لا يغيِّر شيئاً سوى الأقنعة التي تغطِّي وجوهنا."

وفي "حديقة النبيّ" - كما في "النبيّ" و"يسوع ابن الإنسان"- تأثيرات مسيحيَّة مهمَّة، حيث يتَّخذ "المصطفى" أي جبران نفسه تلاميذ يعِظهم ويخاطبهم ويرسلهم في كلِّ اتِّجاه، كما فعل المسيح قبل الصلب، وهؤلاء التلاميذ يبكون على المصطفى كما بكى تلاميذ المسيح. فاسمع جبران يوصي تلاميذه قائلاً: "إذا سرقوكم، وكذِبوا عليكم، وخانوكم، وعاملوكم بقسوة، وسجنوكم ثمَّ سخروا منكم، فانظروا من أعلى ذواتكم الكبرى وابتسموا، لأنَّكم تعلمون أنَّ الربيع سيأتي إلى حديقتكم لكي يرقص بين أوراقها..." وهذا الكلام يذكِّرنا بقول المسيح: "طوبى لكم إذا عيَّروكم وطردوكم وقالوا عنكم كلَّ كلمة شرِّيرة من أجلي كاذبين. افرحوا وتهلَّلوا لأنَّ أجركم عظيم في السموات..."

ونحن نعرف أنَّ جبران كان شغوفاً بالمسيح على الرغم من عدم اكتراثه بالطقوس المسيحيَّة، وكان يتمثَّل نفسه مصلوباً كالسيِّد المسيح. وهو يخاطب تلاميذه في "حديقة النبيّ" مرّات كثيرة قائلاً: "الحقّ أقول لكم". وهي الجملة التي كان يستخدمها السيِّد المسيح لمخاطبة الناس. وفي "النبيّ" تمثِّل قصيدة "المحبَّة" ترجمة ذاتيَّة لنصّ المحبَّة في إنجيل القدِّيس يوحنَّا.

ومن الديانة الزرادشتيَّة (الفارسيَّة القديمة) يأخذ جبران لفظة "المطرة"، والمطرة أو المترا في كتاب "النبيّ" هي المرأة التي تسأله فيجيب، بل هي تجريداً ماري هاسكل. وإذا عدنا إلى الديانة الزرادشتيَّة تجد أنَّ الميثرا Mithra إله ذو طبيعة عادلة، فهو الذي يحافظ على الحقيقة، ويحمي القطعان والحصاد ومصادر المياه. وقد خاطب جبران المطرة أيضاً في "حديقة النبي" فكتبها بالإنكليزيَّة Mist:

أيَّتها المطرة، يا أختي المطرة،

أنا وأنتِ الآن واحد

فأنا لم أعد نفسي

إنَّ الجدران سقطت

والسلاسل تقطَّعت

وقد ارتفعتُ إليك مطرة

ومعاً سنطفو في البحر...

 

من الواضح أنَّ جبران هنا لا يخاطب قطرة الماء، بل يخاطب امرأة سيتَّحد معها وسيتَّجهان معاً إلى الله-البحر الأعظم. إنَّها الميثرا – ماري هاسكل.

ومن الهندوسيَّة والبوذيَّة يأخذ جبران عقيدة التقمُّص، فهو يؤمن بأنَّ الإنسان يولد سبع مرَّات حتَّى يصل إلى الله. وفي النصّ الأوَّل من كتاب "المجنون" وعنوانه: "كيف أصبحت مجنوناً" يخبر جبران أنَّه أفاق من نوم طويل فوجد أنَّ أقنعته السبعة التي تقنَّع بها في حيواته السابقة قد سُرقت، فأخذ يركض في الشوارع ويصيح: اللصوص الملاعين سرقوا أقنعتي، فأخذ الناس يهربون منه. وكان هناك شابٌّ واقفاً على سطح منزله فأصبح يقول: أنظروا أيّها الناس، إنَّ هذا الرجل (جبران) مجنون، فنظر جبران إلى الشابّ فرأى الشمس، ولم يعد في حاجة إلى أقنعته.

إنَّ شرح هذا النصّ الرمزيّ القصير يؤكِّد رؤية جبران للحياة سبع مرَّات وصولاً إلى الشمس أي الله. وقد أخبر جبران ماري هاسكل عام 1911 أنَّه وُلد عدّة مرّات في سورية، وفي إيطاليا، واليونان، ومصر، والعراق والهند وإيران. كما أخبرها أنَّه أنجز واحدة من لوحاته وكتب قصيدة مشهورة وهو طفل صغير، بمعنى أنَّه كان يتقن الرسم والشعر من حيوات سابقة. ووردت فكرة التقمُّص في العديد من كتابات جبران، وأشهرها كتاب "السابق" الذي يركِّز في مجمله على هذا المعتقد، فيبدو جبران كائناً خالداً لا يموت بانتهاء عمره. ولسنا ندري لماذا اختار جبران أن يكون عدد حالات التقمُّص سبعاً، ولكنَّنا نعلم أنَّه تعرَّف بالتقمُّص عندما سكنت أسرته الفقيرة، أوَّل وصولها إلى الولايات المتَّحدة، في الحيِّ الصينيّ بمدينة بوسطن، حيث سمع بالتقمُّص من أترابه الصينيِّين والهنود. وقد سبق جبران إلى فكرة التقمُّص أبو الشعر الأميركيّ والت ويتمان (فلسفة الخلوديَّة) الذي يعتقد أنَّ الإنسان يتقمَّص إلى ما لا نهاية. كما أنَّ نيتشه آمن بأنَّ عجلة الكون تدور إلى الأبد، وحياة الإنسان تعود إلى ربيعها كما في الطبيعة حيث لا انتهاء. ووردت فكرة التقمُّص عند ميلتون الذي اطَّلع جبران على بعض أفكاره، وكذلك عند أمرسون تحت عنوان The Over-Soul أي ما فوق الروح.

أمَّا توحُّد الإنسان مع الله في نهاية رحلته الكونيَّة، فليس جديداً في الثقافات الشرقيَّة، حيث نجد الحلاّج وجلال الدين الرومي والسهروردي وغيرهم من الصوفيِّين يؤمنون باتِّحاد الخالق مع المخلوق: الحلوليَّة Pantheism. وانتقلت هذه الفكرة إلى سبينوزا وغوته. وعن هذا الاتِّحاد يعبِّر جبران في "حفَّار القبور" (العواصف) بقوله:

"أنا ربُّ نفسي، ولدت في كلّ مكان، وفي كلِّ زمان."

وفي "حفَّار القبور" أيضاً يرى جبران "أنَّ بليَّة الأبناء في هبات الآباء، ومَن لا يحرم نفسه من عطايا آبائه وأجداده يظلُّ عبد الأموات حتَّى يصير من الأموات". وهذه النظرة تشبه نظرة أبي العلاء المعرِّي في قوله: "هذا جناهُ أبي عليَّ وما جنيت على أحد". فأبو العلاء يلوم والده لأنَّه أعطاه الحياة وهي بليَّة وصلت إليه ولم يرتكب أيَّ خطيئة لكي يُعاقب بها. وكان جبران معجباً بأبي العلاء المعرِّي، وقد بنى جبران أقصوصة على قول أبي العلاء:

"ولمَّا رأيت الجهل في الناس فاشياً تجاهلتُ حتَّى قيل إنِي جاهلُ."

والأقصوصة التي جاءت في كتاب "المجنون" بعنوان "الملك الحكيم" تتحدَّث عن ساحرة جاءت إلى إحدى المدن وألقت في بئر المدينة قطرات من سائل عجيب، فشرب الناس من الماء وجُنّوا . أمَّا ملك المدينة فلم يشرب وظلَّ عاقلاً، فاحتجّ الناس وتظاهروا، واتَّهموه بالجنون، فاضطرّ أن يشرب من البئر ليصير مثلهم، فسكنوا واعتبروه عاقلاً. القصة نفسها هي أسطورة قديمة قد يكون منشؤها التيبت. وأعاد توفيق الحكيم صياغتها في مسرحيته "نهر الجنون" كما كتبها باولو كويلو في روايته "فيرونيكا تقرر أن تموت". 

تشبه دعوة جبران إلى العدميَّة في "حفَّار القبور" و"جمال الموت" دعوة أبي العلاء الذي يعتبر أنَّ الناس لا يستحقُّون الحياة، فاسمع جبران الشبح يقول لجبران الثاني (انفصام الشخصيّة):

"اتَّخذْ حفر القبور صناعة تريح الأحياء من جُثث الأموات المكردسة حول منازلهم ومحاكمهم ومعابدهم."

فالناس في نظر جبران أموات منذ الولادة وينتظرون من يدفنهم.

وفي "حفَّار القبور" نفسها اتّجاه دادائيّ فوضويّ، إذ يطلب الشبح من جبران أن يطلِّق زوجته ويتزوَّج صبيَّة من الجنّ لا تُرى ولا تُلمس، كي تنقرض الإنسانيَّة، بينما يكون دور جبران في النصّ أن يدافع عن القيَم التي تحكم المجتمع. ثمّ يسأله الشبح عن دينه، فيجيب جبران بأنَّه يؤمن بالله ويكرم الأنبياء ويحبّ الفضيلة وله رجاء بالآخرة، فينتفض الشبح قائلاً: "هذه ألفاظ رتَّبتها الأجيال الغابرة ووضعها الاقتباس بين شفتيك." وهذا الكلام يشبه كلام تريستان تزارا زعيم المدرسة الدادائيَّة الذي يعتبر أنَّ القيَم جميعاً كانت في أزمنة سابقة حاجات إنسانيَّة، أمَّا الآن فلا بدّ من هدمها وتكنيسها. ونحن نعرف أنَّ المدرسة الدادائيَّة فرضت نفسها في أوروبّا وأميركا بين عامي 1916 و 1921. ولا ريب في أنَّ شظايا تعاليمها وصلت إلى جبران الذي كتب العواصف عام 1920، أي في ذروة انتشار الدادائيّة. ويمكننا إدراج قضايا الجنون التي دمغت كثيراً من كتابات جبران تحت مسمَّى الدادائيّة، فإنَّ كثيراً من الدادائيِّين كانوا يقومون بتصرّفات مجنونة (أرثر كرافان وجاك فاشيه وسلفادور دالي...)، كما أنَّ الدادائيَّة نفسها دُعيت بالمدرسة المجنونة، حيث أنَّ المنطق في مفهومها هو تعقيد وخطأ. ففي الجنون طريقة للإبداع، وفي رفض جميع القوانين وتحطيم الحواجز ردٌّ مناسب على الحرب (الحرب العالميَّة الأولى). يقول تريستان تزارا في موضوع الجنون:

"فليصرخ كل إنسان: هناك عمل تهديميّ، سلبيّ، جبّار يجب إنجازه، يجب الكنس، التنظيف. إنّ طهارة الفرد تبزغ بعد حالة الجنون، الجنون العدوانيّ، الشامل، الذي يصيب عالماً تُرك بين أيدي قطَّاع طرق يمزِّقون ويدمِّرون القرون" (بيان دادا 1918).

وجبران عندما يقول: "أبناؤكم ليسوا لكم"، وعندما يرفض القوانين التي تدين المجرم، وحين ينتقد الدين، ويسامح المرأة الزانية، ويدعو إلى الثورة على التقاليد الجامدة، إنَّما يناقض المنطق المعروف لدى الناس منذ قديم العصور. ولعلَّ شخصيَّة الشبح التي يراها جبران في "حفَّار القبور" تُشابه تلك الشخصيَّات التي اخترعها الكاتب الدادائيُّ الأميركيّ هوارد فيليب لاف كرافت H. P. Lovecraft الذي كان يخترع شخصيَّات مرعبة تثير الفزع تستولي على الأرض وتقتل الناس والحضارة. وقد عاصر جبران هذا الكاتب وقرأ له على الأرجح.

وهكذا نرى أنَّ جبران خليل جبران قد استوحى واقتبس من مصادر متعدِّدة، ولكنَّ ذلك في نظرنا لا يأتي في إطار السرقات الأدبيَّة كما يحلو للبعض أن يتَّهمه، بل في إطار التأثُّر المنطقيّ، في أجواء هيمنت عليها المذاهب الأدبيَّة، والحركات الاجتماعيَّة والسياسيَّة. فقد عاش جبران في الولايات المتّحدة في زمن مليء بالتناقضات: الرأسماليَّة والشيوعيَّة، القديم والجديد، الدين والكفر، التقليد والثورة. وشهدَ الحرب العالميَّة الأولى وتداعياتها، وخبرَ ردَّات الفعل المختلفة. وكانت الأجواء الثقافيَّة مشحونة في تلك الفترة، وبرزت مفاهيم غير مألوفة وثورات دينيَّة واقتصاديَّة وروحيَّة، فلم يكن ممكناً أن يعزل نفسه عن تلك الظروف. وفي اعتقادنا المتواضع أنَّ تلك التأثيرات على ضخامتها لم تهيمن على فكر الكاتب، فبدا مستقلاًّ، وقدَّم كمّاً هائلاً من الأعمال المحترَمة التي عبَّرت عن شخصيَّته وأكَّدت فرادته ونبوغه. وإذا وضعنا في الميزان ما قدَّمه جبران من أفكار جديدة وما اقتبسه، تغْلب كفَّة الجديد والمبتكر على المقتبَس، وإذا كان في الناس مَن يصرُّ على رؤية العكس، فمن المؤكَّد أنَّه لا يحبُّ جبران ويريد انتقاده بأيِّ ثمن، أو أنَّه ينظر إلى أعماله بعين واحدة.

____________________________________________________________

 

2- دراسة تحليليَّة للقصيدة "اليتيمة":

أقرب إلى الجاهليِّين وطريقة ذي الرمَّة

بقلم د. جميل الدويهي

 

تعدَّدت الآراء وتنوَّعت في شأن القصيدة "اليتيمة"، التي تُنسَبُ غالباً إلى دوقلة المنبجيّ، وهو شاعر مغمور، لا نكاد نعرف عنه سوى النزر اليسير. وقد أصابت هذه القصيدة شهرة ضربت الآفاق، حتَّى عُثر على مخطوط لها في الهند. وتجري بعض أبيات القصيدة على ألسنة الناس من غير أن يعرفوا مَن هو قائلها، مثل:

"فالوجه مثل الصبح مُبيضٌّ والفرع مثل الليل مسودُّ

ضدّانِ لما استجمعا حسُنا والضدُّ يظهر حُسنه الضدُ."

وقد سمِّيت القصيدة باليتيمة لأنَّ شاعرها لم يقل سواها في حياته، أو لم يُذكر له سواها، وقيل إنَّها يتيمة لشدَّة جمالها وروعة وصفها للمرأة. فما هي القصَّة المتداولة عن هذه القصيدة؟ وهل هي قصَّة منطقيَّة؟ وهل صحيح أنَّ دوقلة المنبجيّ هو بطلها؟

تتحدَّث القصَّة عن ملكة (أو أميرة) جميلة من بلاد اليمن اسمها دعد، وقد آلت على نفسها أن لا تتزوج من رجل إلاَّ إذا كان أفضل منها فصاحة وبياناً، فقصدها العديد من الشعراء، وأسمعوها ما نظموا من قصائد في مدحها ووصف جمالها، فلم يعجبها أحد. ووصل خبر تلك الملكة إلى شاعرنا، فنظم فيها قصيدة من حوالي ستِّين بيتاً، وامتطى بعيره قاصداً بلاد اليمن، فمرَّ في بعض قبائل العرب، فاستضافه رجل آخر، فروى المنبجيّ لصاحب الدار قصَّة الملكة وقرأ عليه القصيدة، فحفظها الرجل الآخر، وقرَّر أن يقتل الشاعر، ويزعم أنَّه هو الذي نظم القصيدة، وهكذا كان. وقضى الشاعر نحبه غدراً، وذهب السارق إلى الملكة، فألقى القصيدة أمامها، فعرفت أنَّه القاتل، وأمرت بقتله.

ولكن كيف عرفت المرأة أنَّ الذي قال فيها شعراً ليس هو الشاعر الحقيقيّ؟

يُقال: إنَّ الشاعر الأصليّ انتبه إلى أنَّ مضيفه يضمر له شرّاً، فأضاف إلى قصيدته بعض الأبيات التي تفضحه، ومنها:

إن تُتهمي فتهامةٌ وطني أو تُنجدي، إنَّ الهوى نَجْدُ

و

يا ليت شعري بعد ذلكم ومصير كل مؤمَلٍ لحد
أصريع كَلْمٍ أم صريع ردى؟ أردى وليس من الردى بُدُّ.

ويتَّضح من كلام الشاعر أنَّه من تهامة أو من نجد، بينما سارق القصيدة، فقد سألته دعد: من أين أنت؟ فأجاب: من العراق. كما أنَّ الشاعر يلمح في نهاية القصيدة إلى الموت، وكأنَّه يعطي إشارة إلى دعد بأنَّ الرجل الآخر اغتاله، وأخذ القصيدة منه.

وفي دراستنا للقصيدة، سنحاول إلقاء الضوء على بنيتها الفنّيَّة، وعلى نقاط الضعف في القصَّة التي تتَّصل بالقصيدة اليتيمة، وكذلك على نسبتها إلى دوقلة المنبجيّ أو غيره من الشعراء. وسنبدأ أوَّلاً بعرض القصيدة كاملة:

هَل بِالطُلولِ لِسائِل رَدُّ؟ أَم هَل لَها بِتَكَلُّم عَهدُ؟
درسَ الجَديدُ جَديدَ مَعهَدِها فَكَأَنَّما هو رَيطَةٌ جُردُ
مِن طولِ ما تَبكي الغيومُ عَلى عَرَصاتِها وَيُقَهقِهُ الرَعدُ
وَتُلِثُّ سارِيَةٌ وَغادِيَةٌ وَيَكُرُّ نَحسٌ خَلفَهُ سَعدُ
تَلقى شَآمِيَةٌ يَمانِيَةً لَهُما بِمَورِد ثرِّها سَردُ

فَكَسَت مواطرها ظَواهِرَها نَوراً كَأَنَّ زُهاءَهُ بُردُ

تندي فَيَسري نَسجُها زرَداً واهي العُرى ويغرُّهُ عقد
فَوَقَفت أسألها وَلَيسَ بِها إِلّا المَها وَنَقانِقٌ رُبدُ
وَمُكَدَّمٌ في عانَةٍ جزأت حَتّى يُهَيِّجَ شَأوَها الوِردُ
فتناثرت دِرَرُ الشُؤونِ عَلى خَدّى كَما يَتَناثَرُ العِقدُ
أَو نَضحُ عَزلاءِ الشَعيبِ وَقَد راحَ العَسيف بِملئِها يَعدو
لَهَفي عَلى دَعدٍ وَما حفَلت إِلّا بحرِّ تلَهُّفي دَعدُ

بَيضاءُ قَد لَبِسَ الأَديمُ أديـ م الحُسنِ فهو لِجِلدِها جِلدُ
وَيَزينُ فَودَيها إِذا حَسَرَت ضافي الغَدائِرِ فاحِمٌ جَعدُ
فَالوَجهُ مثل الصُبحِ مبيضٌ والفَرعُ مِثلَ اللَيلِ مُسوَدُّ
ضِدّانِ لِما اسْتُجْمِعا حَسُنا والضِدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضِدُّ
وَجَبينُها صَلتٌ وَحاجِبها شَختُ المَخَطِّ أَزَجُّ مُمتَدُّ
وَكَأَنَّها وَسنى إِذا نَظَرَت أَو مُدنَفٌ لَمّا يُفِق بَعدُ
بِفتورِ عَينٍ ما بِها رَمَدٌ وَبِها تُداوى الأَعيُنُ الرُمدُ
وَتُريكَ عِرنيناً به شَمَمٌ وتُريك خَدّاً لَونُهُ الوَردُ
وَتُجيلُ مِسواكَ الأَراكِ عَلى رَتلٍ كَأَنَّ رُضابَهُ الشَهدُ
والجِيدُ منها جيدُ جازئةٍ تعطو إذا ما طالها المَردُ
وَكَأَنَّما سُقِيَت تَرائِبُها وَالنَحرُ ماءَ الحُسنِ إِذ تَبدو
وَاِمتَدَّ مِن أَعضادِها قَصَبٌ فَعمٌ زهتهُ مَرافِقٌ دُردُ
وَلَها بَنانٌ لَو أَرَدتَ لَهُ عَقداً بِكَفِّكَ أَمكَنُ العَقدُ
وَالمِعصمان فَما يُرى لَهُما مِن نَعمَةٍ وَبَضاضَةٍ زَندُ
وَالبَطنُ مَطوِيٌّ كَما طُوِيَت بيضُ الرِياطِ يَصونُها المَلدُ
وَبِخَصرِها هَيَفٌ يُزَيِّنُهُ فَإِذا تَنوءُ يَكادُ يَنقَدُّ

ولها هنٌ رابٍ مجسته وعر المسالك، حشوه وقـْد

فإذا طعنتَ، طعنت في لبدٍ وإذا نزعت يكاد ينسد

وَالتَفَّ فَخذاها وَفَوقَهُما كَفَلٌ كدِعصِ الرمل مُشتَدُّ
فَنهوضُها مَثنىً إِذا نَهَضت مِن ثِقلَهِ وَقُعودها فَردُ
وَالساقِ خَرعَبَةٌ مُنَعَّمَةٌ عَبِلَت فَطَوقُ الحَجلِ مُنسَدُّ
وَالكَعبُ أَدرَمُ لا يَبينُ لَهُ حَجمً وَلَيسَ لِرَأسِهِ حَدُّ
وَمَشَت عَلى قَدمَينِ خُصِّرتا واُلينَتا فَتَكامَلَ القَدُّ
إِن لَم يَكُن وَصلٌ لَدَيكِ لَنا يَشفي الصَبابَةَ فَليَكُن وَعدُ
قَد كانَ أَورَقَ وَصلَكُم زَمَناً فَذَوَى الوِصال وَأَورَقَ الصَدُّ
لِلَّهِ أشواقي إِذا نَزَحَت دارٌ بِنا ونوىً بِكُم تَعدو
إِن تُتهِمي فَتَهامَةٌ وَطني أَو تُنجِدي يكنِ الهَوى نَجدُ
وَزَعَمتِ أَنَّكِ تضمُرينَ لَنا وُدّاً فَهَلّا يَنفَعُ الوُدّ؟
وَإِذا المُحِبُّ شَكا الصُدودَ فلَم يُعطَف عَلَيهِ فَقَتلُهُ عَمدُ
تَختَصُّها بِالحُبِّ وُهيَ على ما لا نُحِبُّ فَهكَذا الوَجدُ
أوَ ما تَرى طِمرَيَّ بَينَهُما رَجُلٌ أَلَحَّ بِهَزلِهِ الجِدُّ
فَالسَيفُ يَقطَعُ وَهُوَ ذو صَدَأٍ وَالنَصلُ يَفري الهامَ لا الغِمدُ
هَل تَنفَعَنَّ السَيفَ حِليَتُهُ يَومَ الجِلادِ إِذا نَبا الحَدُّ؟
وَلَقَد عَلِمتِ بِأَنَّني رَجُلٌ في الصالِحاتِ أَروحُ أَو أَغدو
بَردٌ عَلى الأَدنى وَمَرحَمَةٌ وَعَلى الحَوادِثِ مارِنٌ جَلدُ
مَنَعَ المَطامِعَ أن تُثَلِّمَني أَنّي لِمَعوَلِها صَفاً صَلدُ
فَأَظلُّ حُرّاً مِن مَذّلَّتِها والحُرُّ حينَ يُطيعُها عَبدُ
آلَيتُ أَمدَحُ مقرفاً أبَداً يَبقى المَديحُ وَيَذهَبُ الرفدُ
هَيهاتَ يأبى ذاكَ لي سَلَفٌ خَمَدوا وَلَم يَخمُد لَهُم مَجدُ
وَالجَدُّ حارثُ وَالبَنون هُمُ فَزَكا البَنون وَأَنجَبَ الجَدُّ
ولَئِن قَفَوتُ حَميدَ فَعلِهِمُ بِذَميم فِعلي إِنَّني وَغدُ
أَجمِل إِذا طالبتَ في طَلَبٍ فَالجِدُّ يُغني عَنكَ لا الجَدُّ
وإذا صَبَرتَ لجهد نازلةٍ فكأنّه ما مَسَّكَ الجَهدُ
وَطَريدِ لَيلٍ قادهُ سَغَبٌ وَهناً إِلَيَّ وَساقَهُ بَردُ
أَوسَعتُ جُهدَ بَشاشَةٍ وَقِرىً وَعَلى الكَريمِ لِضَيفِهِ الجُهدُ
فَتَصَرَّمَ المَشتي وَمَنزِلُهُ رَحبٌ لَدَيَّ وَعَيشُهُ رَغدُ
ثُمَّ انثنى وَرِداوُّهُ نِعَمٌ أَسدَيتُها وَرِدائِيَ الحَمدُ
لِيَكُن لَدَيكَ لِسائِلٍ فَرَجٌ إِن لِم يَكُن فَليَحسُن الرَدُّ
يا لَيتَ شِعري بَعدَ ذَلِكُمُ ومحارُ كُلِّ مُؤَمِّلٍ لَحدُ
أَصَريعُ كَلمٍ أَم صَريعُ ضنى أَودى فَلَيسَ مِنَ الرَدى بُدُّ.

1- في البنية الفنِّيَّة: تبدو بنية القصيدة غير متماسكة، حيث أنَّها تبدأ بالوقوف على الأطلال (12 بيتاً)، ثمَّ تنتقل إلى التغزُّل بدعد (23 بيتاً)، فالحديث عن الوجد والحبّ (10 أبيات)، فالفخر بالذات (14 بيتاً)، فموضوع تمنِّي اللقاء (بيت واحد) وأخيراً الموت (بيتان). وهذا التنوُع في المواضيع كان شائعاً في العصر الجاهليّ، وانتقل إلى الشعر في العصر الأمويّ. وعندما ثار الشعراء في العصر العبَّاسيّ على نمطيَّة القصيدة القديمة، ومنهم بشَّار بن برد، ومسلم بن الوليد، وأبو نوَّاس، ظلَّ قليل منهم يبدأ بالوقوف على الأطلال، كما فعل البحتريّ في قصيدته التي مطلعها:

كم من وقوفٍ على الأطلال والدمَنِ لم يُشفِ من بُرحاء الشوقِ ذا شجَنِ.

أمَّا لغة اليتيمة فليست فريدة من نوعها، ونحن نخالف أغلب الدارسين الذين اعتبروا أنَّ اليتيمة سمِّيت بهذا الاسم لأنَّها يتيمة في جماليَّتها ولطافة تراكيبها. وتشكيكنا في هذه الجماليَّة ينطلق من عاملين اثنين:

-لأنَّ الوصف مادِّيٌّ في الغالب، تنقصه حرارة العواطف، ومسحة الحبِّ الصادق، كقوله:

وَالتَفَّ فَخذاها وَفَوقَهُما كَفَلٌ كدِعصِ الرمل مُشتَدُّ

-ولأنَّ الشاعر كتب عن امرأة لم يعرفها، ولم يرها، فجاء شعره تمثيليّاً باهتاً، غير إيحائيّ، كقوله:

وَزَعَمتِ أَنَّكِ تضمُرينَ لَنا وُدّاً فَهَلّا يَنفَعُ الوُدّ؟

والمعروف أنَّ دعد لم تزعم قطُّ أنَّها تضمر الودَّ للشاعر، فكيف يطالبها بالحفاظ على وعدها؟

وقد تكون جماليَّة القصيدة في مواضع محدَّدة متأتِّية من دقَّة الوصف الذي استخدمه الشاعر في وصف دعد من رأسها حتَّى أخمص قدميها، حتَّى أنَّه وصف أعضاءَها الخفيَّة:

ولها هنٌ راب مجسَّته وعر المسالك، حشوه وقـْد

فإذا طعنتَ، طعنت في لبدٍ وإذا نزعت يكاد ينسدُّ.

وكذلك تأتي الجماليَّة من بعض الأبيات الأخرى التي حفظها الناس على مرِّ العصور:

ضِدّانِ لِما اسْتُجْمِعا حَسُنا والضِدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضِدّ.

أمَّا الركاكة فتبدو في مواضع أخرى، كقوله:

فَالسَيفُ يَقطَعُ وَهُوَ ذو صَدَأٍ وَالنَصلُ يَفري الهامَ لا الغِمدُ

فماذا قال الشاعر من جديد في هذا؟ وهل من أحد لا يعلم أنَّ السيف يقطع وهو ذو صدإ؟ وهل غريب القول: إنَّ السيف يقطع الرأس من الجسد، بينما الغمد لا يقطع؟ وفي رأينا المتواضع إنَّ هذا الكلام غير مستملح، ولا يحتمل التكذيب، ولا يحرِّك المخيِّلة. والأمر نفسه في قول الشاعر:

وَمَشَت عَلى قَدمَينِ خُصِّرتا واُلينَتا فَتَكامَلَ القَدُّ. فالقول: "مشت على قدمين" حشو لفظيٌّ لا طائل منه، إذ من المعروف أنَّ الإنسان السويَّ يمشي على قدمين وليس على أقدام أربع.

أمَّا قوله:

أَوسَعتُ جُهدَ بَشاشَةٍ وَقِرىً وَعَلى الكَريمِ لِضَيفِهِ الجُهدُ
فَتَصَرَّمَ المَشتي وَمَنزِلُهُ رَحبٌ لَدَيَّ وَعَيشُهُ رَغدُ... ففيه تكرار ممجوج لإحدى القيَم الشائعة في العصر الجاهليّ، وهي حسن الضيافة، من غير إضافة أو تحسين أو تجميل، فمثله مثل قول طرفة في معلَّقته:

ولست بحلاّل التلاع مخافة ولكن إذا يسترفد القوم أرفد.

غير أنَّ كلام طرفة أكثر تركيزاً، وقد استطاع أن يقول في بيت واحد ما قاله شاعرنا في بيتين اثنين.

2-نقاط الضعف في القصَّة المرتبطة بالقصيدة: يبدو لنا أنَّ القصَّة المرتبطة بالقصيدة تحتوي على كثير من نقاط الضعف، بحيث أنَّها لا تصدَّق، فمَّن هي دعد الملكة في اليمن التي لم نعرف عنها شيئاً، مع أنَّ التراث العربيَّ حافل بالقصص عن اليمن وملوكها، وأخبارها، وغرائب سكَّانها، والكوارث التي حلَّت بها منذ الجاهليَّة الأولى؟ وما قصَّة "سدّ مأرب" وقصَّة "بلقيس ملكة سبأ" إلاَّ من الدلائل الواضحة على اهتمام المؤرِّخين العرب بأحوال اليمن وقصصه. ثمَّ كيف يجرؤ شاعر على أن يصف ملكة من الملكات بهذا الوصف الفاضح:
ولها هنٌ رابٍ مجسته وعر المسالك، حشوه وقـْد

فإذا طعنتَ، طعنت في لبدٍ وإذا نزعت يكاد ينسد

وَالتَفَّ فَخذاها وَفَوقَهُما كَفَلٌ كدِعصِ الرمل مُشتَدّ...؟

إنَّ الشاعر يعرف أنَّ وصف العضو التناسليّ للمرأة، وفخذيها العاريتين، ومؤخِّرتها الشديدة التي كدعص الرمل، لن يقوده إلى الزواج منها، بل سيقوده إلى الهلاك، كما حدث مع العديد من الشعراء الماجنين.

إضافة إلى ذلك، كيف استطاع الرجل الذي سرق القصيدة أن يحفظها بهذه السرعة وهي من ستِّين بيتاً؟ ولنفترض أنَّ الشاعر ألقاها ثلاث مرَّات أمام مضيفه، فهل ذلك يكفي لكي يحفظها؟ ولماذا يخبر الشاعر مضيفه عن أمر يخصُّه، وهو يعرف أنَّ ذلك قد يكلِّفه حياته؟ وأخيراً وليس آخراً، كيف عرف الشاعر أنَّ الرجل الآخر سيقتله، فأضاف أبياتاً ليفضحه؟ ولماذا لم يهرب بعد أن اكتشف ما يخبِّئه الرجل له؟

أمَّا النقطة الأهمّ فهي قول الشاعر:

إن تُتهِمي فَتَهامَةٌ وَطني أَو تُنجِدي إنَّ الهَوى نجدُ...

إنَّ ذكر تهامة ونجد لا يفيد في التعريف بهويَّة المنبجيّ، فتهامة ونجد منطقتان في الجزيرة العربيَّة، بينما الشاعر المفترض (دوقلة المنبجيّ) هو من حلب في الشام. وكان يمكنه أن يقول في القصيدة:

إن تشأمي، فالشام لي وطنٌ... إلخ.

أو

إن تشأمي، فالشام أرض أبي...

إنَّ شاعراً أجاد في وصف المرأة لن يكون صعباً عليه أن يضيف إلى القصيدة ما يدلُّ عليه أو على المكان الذي جاء منه، بدلاً من أن يضع نسبتين (تهامة ونجد) لا تدلاَّن عليه مطلقاً. ونحن نعرف أنَّ دوقلة عاش في منبج ودمشق ثمَّ في بغداد، ولا تروي المصادر القليلة التي تحدَّثت عنه أنَّه عاش في تهامة أو نجد.

وفي اعتقادنا أنَّ الرجل الذي سرق القصيدة كان يمكنه أن يحذف منها الأبيات التي قد توقعه في مأزق، فمن لديه قدر من العقل ليحفظ قصيدة من ستِّين بيتاً في فترة وجيزة، لن يكون صعباً عليه أن يحذف البيت الذي يدلُّ على أنَّه ليس من العراق (وهو من العراق).

3-في نسبة القصيدة: تبدو نسبة القصيدة إلى دوقلة المنبجي ضعيفة أيضاً، والقصيدة نُسبت إلى أكثر من أربعين شاعراً، منهم العكّوك، وأبو الشيص، وديك الجنّ الحمصيّ، وذو الرمَّة، فمَن هم هؤلاء الشعراء؟ وماذا نعرف عنهم؟

العكّوك هو شاعر عبّاسيّ أعمى، أسود البشرة، انصرف إلى المديح، ويقال إنَّ الخليفة المأمون قتله أو مات بطريقة طبيعيَّة. ولم نقع في ديوان العكّوك إلاَّ على النزر القليل من الغزل.

فإذا كان صحيحاً أنَّ دعد كانت موجودة في العصر العبَّاسيّ، وهو أمر مستبعد جدّاً، فإنَّ من غير المألوف أن يذهب إليها العكّوك، ليطلب يدها بناء على قصيدة في مدحها ووصف جمالها، والمعروف أنَّ العكّوك قتل على يد المأمون أو مات حتف أنفه.

لنقرأ من قصيدة العكّوك الهجائيَّة: يا بائع الزيت:

يا بائع الزيت عرِّج غير مرموقِ لتشغلنَّ عن الأرطالِ والسوقِ

من رام شتمك لم ينزع إلى كذبٍ في مُنتماك وأبداهُ بتحقيقِ

أبوك عبدٌ، وللأمِّ التي فلقت عن أمِّ رأسك هَنٌّ غير محلوقِ

إن أنتَ عدَّدتَ أصلاً لا تُسَبُّ به يوماً، فأمُّك منِّي ذاتُ تطليقِ...

الله أنشاك من نَوكٍ ومن كذبٍ لا تُعطفنَّ إلى لؤمٍ لمخلوقِ

ماذا يقول امرؤٌ غشَّاك مِدحتُه إلاَّ ابن زانيةٍ أو فرخُ زنديقِ؟

على الرغم من أنَّ لغة العكّوك مقذعة شاتمة، فإنَّ فيها من السهولة اللفظيَّة ما يُغني عن القواميس، بينما لغة "اليتيمة" فصعبة نافرة: ريطة، عرصات، نقانق، ربد، دعص، خرعبة، أدرم...

أمَّا أبو الشيص، فهو شاعر عبّاسيّ أيضاً، عاصر أبا نوَّاس، ومدح وتغزَّل فأجاد، وقد عَمي في آخر حياته. قال عنه الجاحظ:كان أحسن خلق الله إنشاداً، ما رأيت مثله بدويّاً ولا حضريّاً. قتله المأمون وكان عجوزاً، ومن شعره:

وقفَ الهوى بي حيث أنت فليس لي متـأخّـرٌعـنـه ولا مـتـقـدّمُ

أجد المـلامة فـي هـواك لـذيذةً حُبّاً لذكرك، فليلـمْـنـي الـلُـوَّم

أشبهت أعدائي فصرتُ أحـبـُّهـم إذ كان حظِّي منك حظِّي منـهـمُ...

بهذه اللغة العذبة يتكلَّم أبو الشيص، حتَّى قيل إنَّ أبا نوَّاس سرق منه وصارحه بذلك. ومن المعروف أنَّ الشعر العبَّاسيَّ اشتهر برقَّته وعذوبة ألفاظه، وطلاوة معانيه، فأين منه شعر "اليتيمة" وأغلبه حوشيّ مستغرب؟

ومن المستهجن فعلاً نسبة اليتيمة إلى ديك الجنّ الحمصيّ، وهو شاعر عبّاسيٌّ ماجن، عشق امرأة مسيحيَّة تدعى ورد حتَّى الجنون، ثمَّ تزوَّجها وذبحها بحدّ السيف لشدّة غيرته عليها، فضرب به المثل في الغيرة على المرأة.

أمَّا ذو الرمَّة فشاعر أمويٌّ بدويّ عاصر الفرزدق وجرير، وكان من عشَّاق العرب المشهورين، حيث أخَذتْ فتاة تدعى ميَّة بنت مقاتل عقله، وكان دميماً، قصير القامة، ومات في الأربعين من عمره، ومن يقرأ قصيدته الرائعة التي مطلعها: ما بال عينيك منها الماء ينسكب؟ يجد فيها وصفاً دقيقاً لميَّة يكاد يُقارب وصف شاعرنا لدعد، فنسبة اليتيمة إلى ذي الرمَّة أقرب إلى المنطق من نسبتها لأيِّ شاعر آخر. والمعروف أنَّ لغة ذي الرمَّة وحشيَّة جاهليَّة جافَّة، لا تختلف عن اللغة المستخدَمة في "اليتيمة".

ويبقى أن نحلِّل نسبة اليتيمة إلى دوقلة المنبجيّ، وقد نسبها إليه ابن خير الأندلسيّ في كتابه الفهرست، كما نسبها إليه ابن ثعلب. ودوقلة هو الحسين بن محمَّد المنبجي، أو هو في مصادر أخرى يحيى بن نزار بن سويد المنبجي، وكنيته أبو الفضل. ولد سنة 486 للهجرة، ثمَّ انتقل إلى دمشق فعاش فيها فترة، ثمَّ عاش في بغداد حتَّى وفاته في العام 554 للهجرة.

ولسنا نعرف عن هذا الشاعر أيَّ شيء آخر، سوى اتّصاله بالأمير نور الدين زنكي ومدحه له، ولكنَّنا لم نقع له على أيِّ قصيدة سوى "اليتيمة" التي نشكِّك في نسبتها إليه، للأسباب الآتية:

-إنَّ دوقلة المنبجيّ عاش في بداية القرن الحادي عشر الميلادي، الذي تؤرَّخ به بواكير عصر الإنحطاط، ولسنا نسمع شيئاً عن ملكة في اليمن في ذلك الزمن غير البعيد عن زمننا، فلو كانت دعد موجودة، لكان المؤرِّخون العرب كتبوا عنها، إذ أنَّ التدوين بدأ في العصر العبّاسيّ ولم ينتهِ في عصر الانحطاط.

-إنَّ دوقلة المنبجيّ لم يكتب سوى اليتيمة كما يقول المؤرِّخون، فأين قصائده الأخرى التي مدح بها نور الدين زنكي؟ إنَّنا نشكُّ في أنَّ تلك القصائد لم تصل إلينا أبداً لا عن طريق التدوين ولا عن طريق الرواية أيضاً.

-نشكُّ أيضاً في أنَّ شاعراً عاش في عصر الانحطاط قد كتب شعراً ينتمي إلى العصر الجاهليّ، وخصوصاً في موضوع الوقوف على الأطلال، حيث بدأ هذا النوع يتلاشى في العصر العبّاسيّ، ما عدا قلَّة من شعراء البادية، الذين اختصروا في بكائهم على الأطلال في بيت أو بيتين، أمَّا دوقلة، فقد خصَّص 12 بيتاً للوقوف على الأطلال، وكأنَّه شاعر جاهليّ، أو أمويٌّ في أبعد تقدير. وقد ذهب الألوسيّ في "بلوغ الأرب" إلى أنَّ اليتيمة قيلت في العصر الجاهليّ، ومثله فعل جرجي زيدان في مجلَّة "الهلال".

وفي المحصِّلة، يبدو من المستبعد جدّاً أن يكون دوقلة المنبجيّ هو الذي قال اليتيمة، أمَّا نسبتها إلى العصر الأمويّ، وإلى ذي الرمّة بالذات، فهي أقرب إلى التصديق، حيث أنَّ قصيدة ذي الرمّة: ما بال عينيك منها الدمع ينسكب؟ هي أكثر القصائد قرباً من اليتيمة، فالتشابه بينهما صارخ سواء من حيث استخدام الألفاظ الحوشيَّة الصعبة، أو من حيث الوصف الدقيق للمرأة:

برّاقةُ الجيدِ واللَبّات واضحة ٌ كأنَّها ظبيةٌ أفضى بها لببُ
بين النَّهارِ وبينَ اللّيلِ من عقدٍ عَلَى جَوَانِبِهِ الأْسْبَاطُ وَالْهَدَبْ
عَجْزَاءُ مَمْكُورَة ٌ خُمْصَانَةٌ قَلِقٌ عَنْهَا الْوِشَاحُ وَتَمَّ الْجسْمُ وَالْقَصَبُ
زينُ الثّيابِ وإنْ أثوابُها استُلبتْ فوقَ الحشيَّةِ يوماً زانها السَّلبُ
تريكَ سُنَّةَ وجهٍ غيرَ مقرفةٍ مَلْسَاءَ لَيْس بِهَا خَالٌ وَلاَ نَدَبُ
إذا أخو لذَّةِ الدَّنيا تبطـَّنها والبيتُ فوقهما باللَّيلِ محتجبُ
سافتْ بطيِّبةِ العرنينِ مارنُها بِالْمِسْكِ والْعَنْبرِ الْهِنْدِيّ مُخْتَضِبُ
تَزْدَادُ لِلْعَيْنِ إِبْهَاجاً إِذَا سَفَرَتْ وتحرجُ العينُ فيها حينَ تنتقبُ
لمياءُ في شفتيها حوَّةٌ لعسٌ وفي اللِّثاتِ وفي أنيابِها شنبُ
كَحْلآءُ فِي بَرَجٍ صَفْرَاءُ فِي نَعَجٍ كأنَّها فضَّة ٌ قدْ مسَّها ذهبُ
وَالْقُرْطُ فِي حُرَّةِ الذّفْرَى مُعَلَّقَة ٌ تباعدَ الحبلُ منهُ فهوَ يضطربُ...

والمعروف أنَّ ذا الرمّة كان شاعراً أمويّاً جاهليَّ المذهب والصناعة، وقد عابه الكثيرون لتأخُّره عن اللحاق بركاب العصر، وعودته المتكرِّرة إلى طريقة الجاهليِّين. على أنَّنا نؤكِّد على أنَّ ذا الرمَّة لا علاقة له بدعد لا من قريب ولا من بعيد، فعصر الملوك انتهى في بداءة العصر الإسلاميّ. وقد يكون ذو الرمَّة أنشد القصيدة في محبوبته ميَّة، واستبدل الاسم بدعد، لما في "اليتيمة" من الغزل الإباحيّ. وما يوحي لنا بهذا هو عدم وجود أيّ إشارة في القصيدة تدلّ على أنّ دعد هي ملكة أو أميرة أو ذات جاه. ومن عادة الشعراء المادحين أو يضمِّنوا في قصائدهم ما يدلُّ على عظمة الممدوح، خصوصاً إذا كان ملكاً أو أميراً. فقد اختفى من القصيدة موضوع المديح، فإذا بالشاعر يفتخر بنفسه، ولا يقول شيئاً عن صفات الممدوح، وهذا الأمر غير مألوف في القصائد الموجَّهة إلى عظماء القوم. ومن الناحية النفسيَّة، يبدو أمراً طبيعيّاً ان يستخدم المرء طريقة المديح لاجتذاب الممدوح إليه، فكيف إذا كان قاصداً الزواج؟

وإذا كان دوقلة المنبجيّ هو الذي نظم اليتيمة، فقد يكون شاعراً مغموراً فعلاً، أعجب بطريقة الجاهليِّين، فأراد السير على نهجهم، أو أعجبته قصيدة ذي الرمَّة، فقلَّدها في زمن متأخِّر، كما يفعل أيُّ شاعر معجب بالمتنبِّي أو أبي نوَّاس في عصرنا هذا. وقد تكون اليتيمة نُظمت في العصر الجاهليّ، حيث أنَّ وجود ملكة في اليمن، قبل عصور الخلافة، أمر ممكن، أو لعلَّ أحداً غير معروف نظم "اليتيمة" في أيِّ عصر من العصور الأدبيَّة، وربطها بقصَّة خياليَّة عن الملكة "دعد" كما في قصص "ألف ليلة وليلة".

______________________________________________________________________________

3- هل كلمة "الله" ملك لأحد؟ المنشأ والأصول في عصور قبل الاسلام/ د. جميل الدويهي

 

وصل الجدال حول ملكيَّة كلمة الله (عزّ وجلّ) إلى حدود لا تُصدِّق، بل هي أقرب إلى الخيال والكوميديا، حيث دخلت الكلمة إلى قوس المحاكم، وتبارى في الدفاع عنها المحامون وجهابذة القانون، بل سقط قتلى وجرحى، ودُمِّرت ممتلكات بسببها، فهل كلمة الله موضوع قانونيّ؟ وهل يمكن لفئة من الناس أن تدَّعي أنَّ استخدام  لفظ الجلالة منوط بها دون سواها؟

إنَّ مصادرة كلمة الله ولو بالطرق القانونيَّة، إنَّما تخالف أبسط قواعد المنطق والتاريخ، أمَّا الأحكام الصادرة بخصوصها فمن شأنها أن تعرِّض الحقيقة للخطر، وتعيدنا إلى عصور الظلام والاستبداد وحصريّة الحقوق العامّة، كأن يقال مثلاً إنّ اسم العلم "موسى" ملك لطائفة معينة، فليس للطوائف الأخرى الحقّ في استخدامه، أو يقال إنَّ الإنجيل المقدّس ملك حصريّ للطوائف المسيحيّة، ولا يحقّ لغيرهم اقتناؤه أو قراءته، أو أن يقال إنَّ الوصايا العشر إنَّما هي فقط من مقتنيات إسرائيل ولا يمكن لغير الإسرائيليِّين التقيّد بها. 

لقد كانت كلمة الله معروفة في الديانات القديمة، ولكنَّها كانت تُلفظ بشكل آخر، تبعاً للغة المتداولة في العصور الغابرة، فكلمة "إيل" عند الفينيقيِّين كانت تعني الإله الأكبر، وكذلك عند جيرانهم العبرانيّين. وكانت لفظة "إيل" في المدن الفينيقيّة كصور وصيدا وأوغاريت تشير إلى عظيم الآلهة في مجتمع متعدّد الآلهة، فالفرق بيننا وبين الفينيقيّين أنّ إيل هو إله متسلّط وقادر بين مجموعة من الآلهة، بينما الله عندنا فواحد أحد لا شريك له في الألوهة.

المعنى إذن تغيَّر لكنّ اللفظة لم تتغيّر، وقد جاء في قاموس "لسان العرب" أنّ إيل اسم الله تعالى بالعبرانيّة أو السريانيّة، كما جاء في "القاموس المحيط" أنّ إيل بالكسر اسم الله تعالى.

 ومن الأسماء المرتبطة بكلمة "إيل" جبرائيل (في القرآن الكريم جبريل)، ومعناها رجل الله أو قوَّة الله وجبروته، وميخائيل (في القرآن الكريم ميكائيل) ومعناها من مثل الله؟ وإسرائيل ومعناها عبد الله، ويُقصد بها يعقوب بن اسحق بن ابراهيم عليهم السلام، وإيلات، واللات (صنم عند عرب الجاهليّة). وكانت المعابد في فينيقيا تُدعى "بيت إيل" أي منزل الإله. وجاء في قصيدة فينيقيّة عُثر عليها في أوغاريت: 

إذّاك نزل الإله اللطيف الرحيم إيل/ عن سدّة عرشه/  وجلس على الأرض... 

فكما يبدو من النصّ المقتضب أنّ الإله إيل كان إلهاً لطيفاً، ورحيماً، وله عرش. وهذه الصفات الثلاث (اللطف، والرحمة، والجلوس على العرش) هي من الصفات التي ما نزال نعرفها إلى يومنا هذا.

ومن الصفات الأخرى التي كان الفينيقيّون يؤمنون بأنّ الإله إيل يتميّز بها: أبو البشر، إله الدهر، ربّ الزمن، إله الآلهة أو كبير الآلهة أو خالق الآلهة، خالق الأرض، الحكيم، العاقل، المحبّ... إلخ.  

ولا ريب في أنّ لفظة "إيل" هي ذاتها لفظة "إنليل" في الديانة السومريّة القديمة، ومعنى "إنليل" السماوي الذي يسكن في أعالي الكون. وكان الفينيقيّون والسومريّون يتشاركون في العديد من السمات التي يختصّ بها كبير الآلهة سواء أكان إيل أو إنليل.

ولكي لا يُقال إنَّنا نعتمد فقط على اثنتين من أقدم الديانات المعروفة لكي نبرهن أنَّ أصل كلمة الله هو "إيل"، لا بدّ لنا من أن نعتمد على الديانة اليهوديَّة التي وردت فيها ألفاظ كثيرة تشير إلى إيل تحديداً ومن غير تردّد، فـ"إيل إيلواه" في اللغة العبريّة تُرجمت إلى العربيّة: الله القدير والقويّ، و"إيلوهيم" تُرجمت: الله الخالق القدير، و"إيل شدّاي" تُرجمت الله القدير، و"يهوه إيلوهيم" تُرجمت: الربّ الإله، و"إيل إيليون" تُرجمت: الله العالي، و"إيل روي" تُرجمت: إله الرؤية،  و"إيل عولام" تُرجمت: الله الأزليّ، و"إيل جبهور" تُرجمت: الله القدير.

وإذا ذهبنا إلى الجزيرة العربيّة وعصر ما قبل الإسلام (يُسمّى اصطلاحاً بالعصر الجاهليّ)، نجد أنَّ لفظة "الله" كانت منتشرة بكثرة في أسماء الأعلام، وفي الشعر، وفي أحاديث العامّة بطبيعة الحال. وليس جديداً أن يُقال إنّ اللفظة ذاتها المحرّفة من "إيل" كانت معروفة في أوساط المسيحيِّين، واليهود، والصابئة والحنفيّة والوثنيّين على حدّ سواء. ولم يكن الإسلام معروفاً في تلك المرحلة. وقد عثرنا في أسماء الشعراء الذين عاشوا قبل الإسلام على نِسب وردت فيها كلمة "الله"، فأميّة بن أبي الصلت، وهو شاعر معروف ينتسب إلى جدّه عبد الله بن أبي ربيعة، والنابغة الجعدي هو قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة، وأعشى باهلة هو عامر بن الحارث بن رياح بن عبد الله بن زيد بن عمرو بن سلامة...  ومن الشعراء الآخرين الذين وردت كلمة الله في أسمائهم: الأصمّ الكلبي، جذيمة الأبرش، ذو الكفّ الأشلّ، زهير بن جناب بن عبدالله بن كنانة، ويزيد بن عبد الله بن سفيان، وحاتم الطائيّ المشهور بكرمه وشعره هو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج، وأخو حاتم الطائيّ من الرضاعة هو عبد الله الثقفي، وزوجة حاتم هي ماوية بنت عبد الله. 

جميع الأسماء التي ذكرنا تدلّ على أنّ لفظة "الله" كانت معروفة بل شائعة في عصر ما قبل الإسلام. وليس غريباً أن يكون اسم والد النبي محمد (صلعم) عبد الله بن عبد المطلب.

كما وردت لفظة الله في كثير من الشعر الذي قيل قبل الإسلام، فها هو زهير بن أبي سلمى يقول في معلّقته الشهيرة:

ولا تكتمنّ الله ما في نفوسكم            ليخفى، ومهما يكتم الله يعلمِ

يؤخَّر فيوضَع في كتاب، فيّدّخر        ليوم الحساب، أو يعجّل فينقمِ...

ويصف زهير رجلاً كريماً يُدعى هرم بن سنان فيقول:

فلو لم يكن في كفِّه غير نفسه         لجادَ بها، فليتّقِ الله سائله...

إنَّ شاعر الحوليّات يستخدم كلمة "الله" بدلالتها المعروفة في عصره، كما يشير إلى حقائق دينيّة مفادها أنّ الإنسان لا يستطيع أن يخفي شيئاً عن الله، لأنّ الله يعلم الخفايا، والله يسجِّل في كتاب ما يفعله الإنسان، فيحاسبه في يوم الحساب، أو ينتقم منه في الحال. وهذه المفاهيم الدينيّة التي يذكرها زهير ما زالت معرفة لدى الناس إلى يومنا هذا.

والملك الضلّيل امرؤ القيس يذكر كلمة الله في شعره فيقول:

أرى إبَلي والحمد لله أصبحت            ثقالاً إذا ما استقبلتْها صعودُها

ويقول النابغة الذبياني:

حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبة             وليس وراء الله للمرء مذهب

ويقول حاتم الطائيّ:

لحى الله صعلوكاً مُناه وهمُّه            من العيش أن يلقى لبوساً ومَطعما

ويقول أيضاً:

أأفضح جارتي وأخون جاري؟        معاذ الله أفعل ما حييتُ.

من الواضح إذن أنّ كلمة الله كانت كثيرة التداول في أزمنة سبقت الإسلام، وقد تكون تسرّبت إلى المجتمع آنذاك من الديانتين اليهوديّة والمسيحيّة، أو أنَّها كانت متوارَثة من عصور سبقت الديانتين، وبقي الناس يستخدمونها  إلى جانب عبادتهم للأصنام. ونحن نعرف أنَّ الشاعر زهير بن أبي سلمى كان وثنيّاً (البعض يعتقد أنَّه حنفيّ من أتباع ابراهيم عليه السلام)*، وقصّة إسلام ابنه كعب مشهورة في التاريخ، فقد فضَّل كعب أن يظلّ طويلاً على دين أبيه (الوثنيّة)، قبل أن يعلن إسلامه. فكيف يكون زهير قد جمع إلى جانب وثنيّته اعتقاده بأنَّ الله يعلم كلّ شيء وأنّ لديه كتاباً يسجّل فيه ما يفعله الناس لكي يحاسبهم آجلاً أم عاجلاً؟ 

بعد هذا العرض التاريخيّ لاستخدام كلمة الله، بدءاً بالديانات القديمة، وانتهاء بعصر ما قبل الإسلام، يبدو لنا أنَّ لفظة "الله" هي لفظة عالميَّة Universal، غير محدّدة في إطار تاريخيّ أو جغرافيّ، وليست مسجّلة حصريّاً كمُلك لأيّ طائفة أو اتّجاه. وقد تتغيّر اللفظة: God أو Dieu، لكنّ الأساس هو أن يظلّ استخدامها حقّاً مشروعاً لجميع الناس، وإلاّ فنحن على حافّة عصر استبداديّ قد تُصادَر فيه الشمس أو يُحجَب الهواء.

______________________

*نرى أنّ زهيراً بن أبي سلمى لم يكن حنفيّاً، بل كان وثنيّاً، اعتماداً على أبيات بعث بها ابنه بجير (وكان قد أسلم) إلى ابنه الآخر كعب الذي رفض أن يُسلم، فقال:

من مُبْلغٌ كعباً فهل لك في التي               تلوم عليها باطلاً وهي أحزمُ

إلى الله لا العزى ولا اللات وحده            فتنجو إذا كان النجاء وتسلم

لدى يومِ لا ينجو وليس بمُفلتٍ               من الناس إلاَّ طاهرُ القلب مُسلم

فدين زهيرٍ وهو لا شيء دينُه               ودينُ أبي سلمى عليَّ محرَّم.

 

يتّضح من الأبيات أنّ دين زهير بن أبي سلمى كان لا شيء في نظر ابنه المسلم، ويَذكر اللات والعزّى وهما صنمان معروفان قبل الإسلام، وذكرهما في المناسبة يتناقض مع إحتمال أن يكون زهير حنفيّاً. لكنَّنا لا ننكر إطلاقاً أن يكون زهير قد عرف الحنفيّة في حياته الطويلة.

تعليقات على المقال:

محمد اسماعيل ـ صنعاء اليمن يقول...

يسلم قلمك.. مقال رائع جداً، واكاديمي جداً، ومقنع جداً، ويجب ترجمته الى الماليزية بغية استخدامه كحجة دامغة في محكمة الاستئناف التي ستنظر بالدعوى المقامة من أقليات مسيحية ضد الأغلبية المسلمة التي لا أتمنى، لا أنا ولا غيري من المسلمين الشرفاء، أن ننتمي اليها. هي ضالة وتقود الكون الى ضلال.
د. جميل الدويهي. أكرر يسلم قلمك

 

سهيلة المصطفى ـ الاسكندرية ـ مصر يقول...

مقال رصين ومقنع، نقلته الى صفحتي على الفايس بوك لتعم المعرفة بين الوجوه الكالحة من ماليزيين وغيرهم.
د. جميل الدويهي عرف كيف يكون محامي دفاع ناجح ليس عن الأقليات المسيحية، بل عن الله نفسه، جل جلاله، وعمّت محبته. له مني التحية.

 

د. جميل الدويهي يقول...

الأخ العزيز محمّد اسماعيل،
شكراً لك على رسالتك الطيّبة، وليس غريباً عنك هذا الانفتاح الفكريّ، وأنت ابن اليمن السعيد، المجيد في التاريخ، ومنبع الفروسيّة والشعر. أمّا الدين يا أخي، فهو ديننا جميعاً، ونحن لا نفرّق، فالله خلقنا من شعوب وقبائل، ولو شاء لجعلنا أمّة واحدة. نحن ندافع عن الحقيقة والحقّ، ونرفض التعصّب من أيّ جهة أتى.
لك منِّي أجمل تحيّة. وإلى أصدقائنا في اليمن: حيّاكم الله.
جميل

 

د. جميل الدويهي يقول...

الأخت العزيزة سهيلة المصطفى،
شكراً لكِ على رسالتك اللطيفة، وكم أنا سعيد لأنَّكِ شاركتني في نظرتي العادلة إلى القضيّة، فنحن جميعاً أبناء الله، وهناك مَن يسعون للتفريق بيننا من أجل خراب العالم، وهم من جميع الطوائف. وإنَّني في مقالتي أدافع عن الحقّ والحقيقة، وأرجو من الله عزّ وجلّ أن يحفظك، ويحفظ مصر الغالية علينا جميعاً من كلِّ شرّ.
لكِ أجمل تحيّة، وللحبيبة مصر سلام من لبنان الذي يحبّها ويحبُّكم إلى الأبد.
جميل

 

 

 

 

 

 

 

 

________________________________________________________________________________________

4- المدينة والقرية في أدب فؤاد سليمان

الدكتور جميل الدويهي

 

توطئة- أسباب الهجرة من القرية إلى المدينة:

تُعتبر الهجرة من القرية إلى المدينة شكلاً من أشكال الانتقال الداخليِّ أو الهجرة الداخليَّة، وهي هجرة لا تتخطَّى حدود الوطن الواحد. وفي لبنان تتمركز أغلب المدن الكبيرة على الساحل، كبيروت، طرابلس، وصيدا وصور، ولذلك كانت هذه المدن مركز استقطاب لوفود المهاجرين من القُرى، لأسباب وظروف كثيرة، أهمُّها الظروف الاقتصاديَّة، التي تتمثَّل بالفقر وضيق اليد، فالقرية في الغالب ذات إنتاج ضئيل، لا يكاد يكفي المزارع الفلاَّح ليقوم بواجب إعالة الأسرة، فيضطرُّ إلى مغادرة أرضه أو مهنته التقليديَّة إلى المدينة، بحثاً عن وسائل أفضل للحياة، كالعمل في المصانع، أو البناء، أو التجارة. ويمكن أن نذكر إلى جانب الظروف الاقتصاديَّة الضاغطة ظروفاً أخرى ومنها "اعتبارات الهروب من وضاعة الحال، والتطلُّع إلى إظهار التفوُّق الاجتماعيِّ، واللحاق باللذين سبقوا." (عطا لله، 1973، ص 53)، فأسباب الهجرة اللبنانيَّة "اقتصاديَّة وديموغرافيَّة واجتماعيَّة (عطا لله، 1973، ص 51)

وبما أنَّ مدينة بيروت هي عاصمة لبنان، ومركز الثقل الاقتصاديِّ والسياسيِّ والماليِّ فيه، فقد كان بديهيّاً أن تتوجَّه أنظار المهاجرين من القرى إلى هذه المدينة الكبيرة، أملاً في تحقيق طموحات لم يتمكَّنوا من تحقيقها في الأرياف. ومن جرَّاء هذا الواقع، تدهورت القرية اللبنانيَّة، كما تدهورت بعض المدن الصغيرة التي تقع في داخل لبنان، وأصبحت بيروت والمدن الساحليَّة الأصغر مساحة ونشاطاً تستوعب تدريجيّاً أعداداً متزايدة من المهاجرين.

ولا يمكن فصل طائفة المتعلِّمين في القرى عن طائفة غير المتعلِّمين، في سعيهم الدؤوب للخروج من شرنقة الفقر،

ومحدوديَّة الإنتاج، إلى فضاء أوسع هو فضاء المدينة. ويعتقد المتعلِّم أنَّ المدينة قد توفِّر له مجالاً أوسع للحصول على تعليم أفضل، بحيث أنَّ مدارس القرية ابتدائيَّة في الغالب، كما يعتقد بأنَّ الإقامة في مدينة قد تهيِّئ له سبل الحصول على لقمة العيش الكريمة، إذ يمكنه أن يعمل كمظَّف في الدوائر الحكوميَّة، أو في القطاع الخاصِّ، أو في المطابع، أو في الصحافة. وهذا ما حدث للعديد من الكتَّاب اللبنانيِّين الذين لم تتسنَّ لهم مغادرة لبنان إلى الدول القريبة أو البعيدة، ففضَّلوا الهجرة الداخليَّة نحو المدينة، ومنهم أمين نخله الذي "انسلخ عن جوِّه الريفيِّ الذي تغنَّى به فيما بعد (شعراً ونثراً) كما بالحبيبة، ليقيم في بيروت ويُكمل دراسته الثانويَّة في الكلِّيَّة البطريركيَّة، بعد نهاية الحرب العالميَّة الأولى." (جبر، 2006، ص 8). ومثل أمين نخله فعل سعيد عقل الذي ترك زحلة متوجِّهاً إلى بيروت في أوائل الثلاثينات من القرن الماضي، وأمين تقيِّ الدين الذي انتقل من الشوف إلى بيروت لكي يتابع دراسته في مدرسة الحكمة، وكان له من العمر تسع سنوات فقط. أمَّا أديبنا فؤاد سليمان، فقد غادر قريته فيع في شمال لبنان إلى طرابلس، عام 1923، وكان في الثانية عشرة من عمره، حيث تابع دراسته في معهد "الفرير"، ومن ثمَّ انتقل إلى بيروت، ليدرِّس الأدب العربيَّ في المعهد الشرقيِّ. وبعد ذلك آثر البقاء في بيروت، لتوفُّر فرص العمل، فقد عمل مدرِّساً في الجامعة الأميركيَّة حتَّى وفاته، كما كتب في العديد من الصحف والمجلاَّت، كجريدة "النهار"، ومجلَّة "صوت المرأة".

لقد وفَّرت بيروت لأديبنا المناخ الثقافيَّ، والظروف العمليَّة التي مكَّنته من تحقيق ذاته كأديب وشاعر، وناشط سياسيٍّ واجتماعيّ، ولكنَّه ظلَّ يحنُّ إلى قريته فيع، وكانت هجرته بمثابة جرح بليغ في أعماق نفسه، فهو بعيد عن ملاعب الطفولة بجسده فقط، ولكنَّه قريب منها بالروح والعقل، إذ لا تفارق خياله تلك الأمكنة الرحبة التي عاش فيها طفولته، فظلَّ يستعيدها، ويناجيها، وينقلها إلينا حيَّة ناطقة في أدبه.

وعندما نبحث في أدب فؤاد سليمان، لا بدَّ لنا من أن نشعر بمعاناته كمهاجر، وبشوقه إلى الريف الذي فارقه في ريعان الصبا. ونحن في بحثنا سنحاول إلقاء الضوء على التعارض العميق بين القرية والمدينة في أدب فؤاد سليمان، وعلى الأزمة النفسيَّة العميقة التي نتجت عن الغربة، معتمدين على النقد الاجتماعيِّ، الذي يركِّز على الروابط الوثيقة بين النصِّ والمجتمع، وعلى "روية الأدب على أنَّه انعكاس للظروف الاجتماعيَّة للأديب" (هويدي، 1426 هـ، ص97). وقد قسمنا بحثنا إلى قسمين هما: تصادم المعالم في القرية والمدينة، وانعكاس الغربة على الذات الشاعرة- المنحى الرومنسيّ.

1-تصادم المعالم في القرية والمدينة:

لا شكَّ في أنَّ الهجرة من مكان إلى آخر تصدم الذات، إذ تختلف المعالم، والأمكنة، والأسماء، والمشاهد، والصور، وأساليب الحياة والسلوك، ويعمل الواقع جاهداً من أجل تفريغ الذاكرة من عناصرها الموروثة، لتحلَّ محلَّها عناصر جديدة. لكنَّ هذه العمليَّة التغييريَّة الهادمة لا تنجح إلى حدٍّ بعيد، فالإنسان لا يستطيع أن يغادر ذاكرته نهائيّاً، ولذلك تبقى الموروثات محفورة في الذات، ولا يقوى عليها الزمن. وهذه الحقيقة هي التي أشار إليها علماء النفس عندما تحدَّثوا عن العقل الباطنيِّ، الذي يخزِّن الأشياء، ويوضِّبها بطريقة متينة، بحيث تصمد في مكانها أمام رياح التغيير، والظروف الضاغطة، وقد النسيان بعض هذه الأشياء، غير أنَّ تلك ذكريات أخرى تبقى عالقة في اللاشعور، فـ"الأفكار تروح وتجيء في الوعي، بحيث توصف أنَّها في حالة انتقاليَّة، إلاَّ أنَّ كثيراً من أفكارنا يمكنها في ظروف خاصَّة أن تعود فتصبح مادَّة للعقل الواعي." (مْلاهي، 1962، ص 24)، وقد أدَّت شخصيَّة المدينة، بأبنيتها العالية، وشوارعها الكبيرة، وحركتها، وضجيجها، وآلاتها إلى تحريك الذاكرة عند فؤاد سليمان، وإلى ردَّة فعله العكسيَّة المناقضة لما يراه ويعيشه، فكان عليه أن ينتقل بين الحين والآخر للعيش في نطاق الأفكار الماضية، ويحاول جاهداً تشويه صورة المدينة التي شوَّهته، وكأنَّه يثأر من ذاته لذاته، ويعيد التأكيد على إيمانه بهويَّته الريفيَّة. فكيف رسم أديبنا هذا التناقض العميق بين مكانين مختلفين، واحد ينتمي إليه جغرافيّاً، والآخر ينتمي إليه ذهنيّاً، ويشدِّد على الارتباط به إلى النهاية؟

يعبِّر فؤاد سليمان في كتابيه "درب القمر" و"تمُّوزيَّات" عن الفوارق الهائلة بين عالمين: عالم القرية- البراءة، وعالم المدينة - الشرّ. وتطالعنا في كتاباته صور القرية الجميلة في مقابل صور ضبابيَّة من المدينة؛ ففي مستهلِّ كتابه "درب القمر" يحشد الكاتب مجموعة من العناصر القرويَّة البسيطة: الجرار الحمر، الخدود الحمر بلون التفَّاح، الغناء والحداء، القمر، الدروب، والصبيَّة الحلوة... (سليمان، درب القمر، ص 1-2)، ثمَّ ينتقل إلى ألفاظ وتراكيب مناقضة لها تماماً مثل: درب القمر حفيت درب القمر فيها، مرآة تنطفئ، حجارة، تراب (درب القمر، ص 5)... فإذا تمعَّنَّا في دلالات الألفاظ وجدنا أنَّ المجموعة الأولى المعبِّرة عن حبِّه للقرية، إنَّما تعبِّر في الوقت ذاته عن الخير، والجمال، والسعادة، والنور، بينما تعبِّر ألفاظ الغربة عن الفقر، والانطفاء، والركام.

ويتكرَّر التعارض كلَّما قرأنا نصّاً لفؤاد سليمان يتناول فيه القرية والمدينة، ففي مقالة بعنوان "طفولتي"، يبدأ سليمان كلامه بالإشارة إلى الاختلاف بينه وبين الآخرين: "تذكرون من طفولتكم أيُّها الناس درباً ضيِّقة مكتنفة بالضباب "مغبَّشة"... وأنا أذكر من طفولتي فسحة من الزمن، عميقة كالزمن، ما زلت حتَّى اليوم ألعب في جنباتها مع أترابي." (درب القمر، ص 13)

إنَّ الناس الذين يتوجَّه إليهم بالحديث هنا ليسوا إلاَّ أناس المدينة، وهو إنسان القرية، والدروب في المدينة ذات لون ضبابيٍّ "مغبَّش"، فهي مادَّة مرئيَّة، ولها مظهر ملموس، أمَّا دربه في القرية فهي فسحة من الزمن، والزمن لا شكل له ولا لون، هو روح تمتدُّ عميقاً في الذات، فيتوحَّد الإنسان مع المكان والزمان معاً. ولذلك عندما يعود الكاتب (مجازاً) إلى قريته كهارب من كلاليب المدينة، تعود إليه حياته التي يحبُّها، وكنوزه المخبوءة منذ عهد طويل: اللوز، التفَّاح، الزعرور، البيت، الأمّ والمدرسة. غير أنَّه يستفيق فجأة من أحلامه الكاذبة، فيكتشف أنَّه في المدينة يعيش ويعاني. وفي خضمِّ هذا الضياع بين الأمس واليوم، يبدو فؤاد سليمان "شبيهاً بجيل الشباب الحائر بين مكانين وزمانين، أي شاهداً على نهاية مرحلة ما ومعترفاً بها وبعجزه عن إحداث أيِّ تغيير في مسار الأمور." (القصَّيفي، 2012، ص 1)

مَن يراقب الألفاظ التي يستخدمها الكاتب في موضوع المدينة، لا بدَّ وأن يرى فيها كثيراً من الجفاف، والسواد، والألم، ففي نصّ بعنوان "طفولتي" (درب القمر، ص 13)، نقع على ألفاظ قاتمة: إسفلت، قرش، كلاليب، ظلمات... وفي الوقت نفسه يكتشف المتمعِّن في النصّ أنَّ هناك إنساناً آخر مجهولاً يمشي معه في المدينة، على الطريق ذاتها، فمن يكون يا ترى؟ ولماذا يرافقه؟ وماذا يريد منه؟ إنَّه بالتأكيد الطفل الذي كان هو بالأمس البعيد، وما زال يصرخ في داخله، فما هو الآن في الحقيقة إلاَّ طفل كبير انسلخ عن طفولته الحقيقيَّة، وخسر كثيراً من سعادته وآماله. وبكلمة أخرى، إنَّ الطفل الذي يسير إلى جانبه، هو روحه المشتاقة إلى مكان الولادة، التوَّاقة للعودة إلى الجذور والأصل. وفي هذا المعنى يقول رفيق المعلوف: "إنَّه الشاعر الطفل الذي وجد نفسه في زحمة المدينة، وزيف المدينة، فحنَّ إلى مواطن الطهر، ومراتع السلام والأمن." (درب القمر، ص 121، قسم: أقوال في فؤاد سليمان)

وتكثر في أدب فؤاد سليمان صورة "الدرب": "دروبنا في الجبل حكايات... واحدة للجرار الحمر"(درب القمر، ص 1)، و "الدروب لا بحَّة فيها ولا غنَّة فتى قويّ." (درب القمر، ص 31)، وعلى الرغم من انَّه لا يقارن بطريقة مباشرة بين دروب القرية، ودروب المدينة، فإنَّ المتلقِّي يعمد إلى هذه المقارنة بصورة آليَّة، فالدرب في القرية هي رمز للبياض، والطريق في المدينة سوداء... والدرب في الريف صغيرة يعبرها الفلاَّحون والرعاة والبسطاء من الناس، بينما الطريق بعيدة وواسعة تعبرها العربات المسرعة. الدرب هي البراءة والطفولة والذكريات، والطريق هي الزمن الراهن المليء بالعذاب والقلق. والدرب في القرية توصل إلى الحبيبة والأمِّ والجدَّة والبيت، أمَّا الطريق السوداء المعبَّدة فلا تؤدِّي سوى للواقع المرير. وهكذا تنتقل الدرب من كيانها الجغرافيٍّ إلى كيان رامز لكثير من المعاني: الطبيعة، جماعة الناس، التاريخ، الولادة، البراءة، البياض والطهر، والوصول إلى المرتجى، في مقابل كيان أسود ينذر بالويل والخوف، ويحمل صاحبه إلى الأزمنة الصعبة.

ويمضي الكاتب في تصوير تمزُّقه الموجع بين واقعين يعيشهما في آن واحد، ففي مقالة بعنوان "موكب التائهين" يصوِّر نفسه ضائعاً في مدينة السراديب المعتمة، فيحشد ألفاظاً متقاربة، تؤكِّد على التنازع الصارخ بين القرية والمدينة: "ما زالت نفسي تضحك يا أخي، تضحك وتبكي، تجدُّ وتهزل، تولول وتغنِّي" (درب القمر، ص 51).

إنَّ الضحك والبكاء، والجدُّ والهزل، والولولة والغناء ما هي إلاَّ المشاعر المتناقضة التي تشدُّ بالكاتب صعوداً ونزولاً، فيعيش في ازدواجيَّة مقلقة، وانفصام نفسيٍّ مؤلم... فالألفاظ هنا تخدم المعنى، وتجعل المتلقِّي يدرك تلقائيّاً إلى أيِّ مدى يتمزَّق فؤاد سليمان في غربته، وتصطرع في نفسه الأحاسيس والهموم، ولعلَّنا إذا أخرجنا تلك الألفاظ من سياقها في الجُمل، ووضعناها في مجموعتين متقابلتين، لا نفقد المعنى الذي تعبِّر عنه... وهو ألم الكاتب في الغربة حتَّى يصل به الأمر إلى التطرُّف، فينـزل اللعنة على الضحكة والبكاء معاً: "ألا لعنة الله على الضحكة في شفتي وعلى الدمعة في عيني، ألا لعنة الله على الضاحكين والضاحكات، والباكين والباكيات من هؤلاء المائتين والمائتات." (درب القمر، ص 52)

ولا ريب في أنَّ هذه اللعنة هي ترجمة لفظيَّة لاستهجان فؤاد سليمان بجميع المشاعر التي تنتاب المرء في المدينة

العمياء، سواء أكانت هذه المشاعر حزناً أم فرحاً. ويجنح في تشاؤمه إلى حدِّ اعتبار جميع الناس في المدينة موتى، ويحتاجون إلى من يدفنهم، تماماً كما في "حفَّار القبور" عند جبران خليل جبران. فاسمعه يقول في مكان آخر: "أنا هنا في مدينة الأموات، أموت وأفنى تحت دواليب هذه البشريَّة السائرة على دواليب إلى القبر."(درب القمر، ص 53). ولكنَّ المقارنة بين فؤاد سليمان وجبران خليل جبران في موضوع قتل الناس" أو "موت الناس" لا يجب أن تكون مقارنة عشوائيَّة وغير مدروسة، فالأديبان يختلفان أيضاً، إذ نرى سليمان غاضباً على أهل المدينة الموتى، أمَّا جبران فعدميٌّ وغاضب على العالم برمَّته.

ولكي يظهر فؤاد سليمان التناقض الكبير بين القرية والمدينة، يستحضر في عدد من نصوصه جوقة من بلابل كانت تعيش في القرية، فيتحدَّث إليها في رمزيَّة عميقة. والبلبل تحديداً هو رمز للغناء العذب، والجمال، والانطلاق في فضاء الحرِّيَّة، بل هو جزء صغير من تلك القرية الجميلة التي غادرها، ورسول يأتي منها، فيقف عند شبَّاك الكاتب، وينثر عن جناحيه بعض أطيابها ورياحينها. ففي "البلابل الحمراء" ينـزل البلبل من القرية إلى المدينة، ومعه النور، والسنديان، والورد، والنرجس، والفتاة ذات الفستان الزهريِّ..."(درب القمر، ص 23)، ويصطدم ذلك البلبل بأشياء من المدينة لم يألفها: البكاء، الرفيف الموجع، حديد النافذة، المرايا المنطفئة... (درب القمر، ص 23 وما بعدها). ومرَّة أخرى يتوحَّد الآخر في الأنا، فيكون هذا البلبل الرسول الآتي من الريف هو نفسه الكاتب المتمزِّق، الذي يتحدَّث إلى ذاته العالقة في القرية، فيزور نفسه معاتباً، وسائلاً، ومحاوراً. ويتبدَّى في نهاية النصِّ أنَّ البلبل هو فعلاً الكاتب، فاسمعه يقول: "تكون البلابل الحمراء في ضيعتكم قد رحلت إلى أمكنة بعيدة بعيدة."(درب القمر، ص 25). فالكاتب هو البلبل الأحمر الذي رحل إلى مكان بعيد بعيد، وتوقَّف غناؤه، لأنَّ لا شيء في المدينة يوحي بالغناء والفرح.

ويعود البلبل نفسه إلى الظهور في نصوص أخرى، مثل: "شقائق النعمان"، فيقف على حديد النافذة، ويتحدَّث إلى الكاتب: "هذا البلبل على شبَّاك نافذتي، عرفته أمس... لقد فرَّ من ضيعتنا في الجبل."(تمُّوزيَّات، ص70). وفي نصّ بعنوان "خبَر من البلابل" يروي الكاتب أنَّ البلبل جاءه مع سنونوٍّ من الضيعة (تمُّوزيَّات، ص 71). وفي هذه النصوص جميعاً يكون البلبل رمزاً مفضَّلاً عند فؤاد سليمان، لأنَّه يحمل إليه الأخبار من أرض الطفولة، ويعزِّيه في لحظات الحزن، ويكون ذاته المقهورة التي تتحدَّث إليه أثناء غيابه عن الأرض الطيِّبة.

بهذه المشاعر المتناقضة يواجه فؤاد سليمان نفسه، فجميع الأشياء الثمينة التي كانت في متناول يده ضاعت منه: العناقيد، الزهور، الحقول، الدروب، وخيرات الأرض، والناس المباركون... كلُّهم رحلوا إلى غير رجعة، وسكنوا في مدينة سوداء، قاحلة، وليس فيها إلاَّ ضجيج المادَّة الذي لا يغني عن كنوز الروح.

وهكذا نجح أديبنا في توظيف اللغة، من ألفاظ متعارضة، ورموز معبِّرة، وتراكيب عميقة، ليضعنا في قلب المعنى الذي أرادنا أن نصل إليه، من غير جهد وتكلُّف، أو تحليل عميق، فأقام توازناً بين الشكل والمضمون، ليبلغ إلينا رسالة مفادها أنَّ الأرض أصبحت قاحلة في غيابه، وأنَّ قلبه مشتَّت في صحراء الدموع، حيث لا طريق للعودة، ولا دروب كدروب الريف يمكن أن تحمله إلى السعادة التي فقدها، فأصبح مهاجراً ومهجَّراً إلى نهاية الحياة، بل أصبح مهجوراً كتلك الأرض التي تركها، لا يزوره إلاَّ الفراغ، ولا يطفئ جروحه إلاَّ حفنة غالية من الذكريات.

2- انعكاس الغربة على الذات الشاعرة-المنحى الرومنسيّ:

نقصد بالروح الشاعرة تلك الروح المتأثِّرة، أو الذات المنفعلة أمام مشهد أو في مواجهة الواقع الصعب. ومن يقرأ فؤاد سليمان في نصوصه النثريَّة، يكتشف بسرعة أنَّه إنسان متألِّم وشفَّاف، ورقيق الفؤاد، إذ سرعان ما ينفعل في مواجهة الواقع. وقد وجد سليمان في المدينة مجالاً للعلم والوظيفة، وفي المقابل فقد كثيراً من القيَم التي نشأ عليها، فكان الفراق عنها بمثابة انكسار موجع، فعل فعله في الذات الشاعرة، أي الذات الغريبة عن المكان والزمان. ويصف أنطوان قازان فؤاد سليمان بالغريب: "وددت لو نذهب اليوم إلى فيع، لنتأكَّد من أرض هذا الغريب." (قازان، 1998،ص 74). وهذا الشعور بالغرابة يتأتَّى من حالة نفسيَّة تتصارع فيها مشاهد الماضي وأناسه وأدواته مع مشاهد غير مألوفة، وأناس جدد، يصفهم بأقبح النعوت، فهم التائهون، وهو يسير في موكبهم (درب القمر، ص 51)، وهم المائتون (درب القمر، ص 53)، وهو يضحك من سخافة هؤلاء (درب القمر، ص 52). وفي ذروة هذه المعاناة تفيض نصوص فؤاد سليمان بالدموع، فيبكي، ويستبكي: "أرى دمعة تجري فتجري دمعتي، ويصل إلى مسمعي ندب الحزانى فأندب."(درب القمر، ص 53).

وكأنَّ كاتبنا، في رحيله المتواصل، هو واحد من شعراء العرب القدامى الذين يقفون على أطلال الحبيبة، فتفيض مدامعهم، ويحملهم الشوق على أجنحة من نار. والحبيبة هنا هي القرية، وناسها، ومعالمها المحفورة في كيانه: "البيت الذي فوقها سكَّرت شبابيكه، راح أهله ولم يعودوا حتَّى اليوم." (درب القمر، ص 5) فمَن هم أهل البيت الذين راحوا؟ أليسوا هم الكاتب نفسه الذي يحمل خطايا الراحلين؟

هذا الشوق إلى القرية يقضُّ مضجعه، ويقابله في الوقت نفسه غضب على المدينة، هو غضب الانتقام من المكان، بل هو انتقام من الذات وتعذيب لها، عقاباً على مافعلته في غربتها، حتَّى أنَّ أشياء المدينة وأشكالها تبدو مستهجنة ومقبوحة في نظره: كلاليب، مقبرة الأحياء (درب القمر، ص 14-15)، والإسفلت المحموم، وسراديب الحياة المعتمة، مدينة الأموات، الخمَّارات والأوكار، ودواليب هذه البشريَّة (درب القمر، ص 51-53)، والمدينة العمياء، والقرش البغيّ، والرغيف الأسود (درب القمر، ص 27)

هذه النظرة السوداويَّة والرفضيَّة إلى أشياء المدينة تتوافق مع رفضيَّة الرومنسيِّين لمظاهر المدينة الزائفة، فهم يفضِّلون الغابات والقفار والبراري والأماكن المهجورة على الحياة الصاخبة والشوارع المزدحمة. وقد ذهب بعضهم إلى رفض وسائل التقدُّم بشكل صريح وصادم، فها هو جان جاك روسُّو، المهِّد الأوَّل للمذهب الرومنسيِّ ينعت الإنسان بأبشع النعوت بعد أن ترك الغابة وتوجَّه إلى المدينة، مدَّعياً أنَّ الأرض له: "إنَّ الإنسان الأوَّل الذي صادر قطعة من الأرض، وأخذها ملكاً له، قائلاً: هذه الأرض لي، كان هو المؤسِّس الحقيقيُّ لمجتمع المدينة... كونوا متأكِّدين من أنَّكم لن تصدِّقوا هذا المدَّعي الكاذب." (روسُّو، 2011، ص 75). وألفرد دوفينيي، أحد كبار الرومنسيِّين الفرنسيِّين، يروِّج في قصيدته "بيت الراعي" La Maison du Berger للحياة البدائيَّة البسيطة، ويرفض فكرة وجود القطار، لأنَّ هذه الآلة المزعجة تمثِّل التقدُّم، وتعارض الهدوء والاستقرار والعودة إلى الطبيعة (Simmano, 2008, p. 89).

ومن عناصر المدينة التي يطرحها فؤاد سليمان أمامنا، بشكل صادم، الانسان المدوَّد، الذي يراه كلَّ يوم في أفخم شوارع بيروت، "يمدُّ رجله المدوَّدة للناس، فيها جورة عميقة يجفل منها القلب، وتستحي العين، رجل مورَّمة، ثقيلة، مهترئة..." (تمُّوزيَّات، ص 57)

إنَّ تصوير الإنسان المدوَّد بهذه الطريقة المؤلمة ينمُّ عن شفقة وغضب في الوقت نفسه، شفقة على هذا الرجل المنطرح على التراب، يعاني الألم ولامبالاة العابرين، وغضب على مجتمع المدينة الذي لا يرحم أبناءه، بل يعاملهم بقسوة وفظاعة. فالإنسان المدوَّد ما هو إلاَّ المدينة المهترئة، تماماً كما كان "أحدب نوتردام" فيكتور هيجو رمزاً للإنسان المعاني في مدينة الإنسانيَّة القاسية.

واللافت أنَّ فؤاد سليمان لا يغيب عن أغلب النصوص التي كتبها عن القرية والمدينة، فعلى الرغم من وجود شخصيَّات أخرى، كالأمِّ والأب، والجدَّة، والحبيبة، والفلاَّح... فإنَّ أديبنا يبقى محور النصِّ، في ذاتيَّة عميقة. ولذلك تشيع في نصوصه ضمائر "الأنا"، وهذه "الأنا" هي ذات الرومنطيقيِّ الحالم، الذي لا يتعب من الكلام على ذاته، ومشاعره وصدمته في الحياة؛ فالرومنطيقيُّ هو محور العالم ومحور الكتابة في آن معاً، والـ "أنا أصبحت محور الكتابة التي تحوَّلت إلى ما يشبه البوح الصادق."(بطرس، 2005، ص 303)

وتصرخ الذاتيَّة عند فؤاد سليمان أمام المتلقِّي، وتدعوه لكي يشارك الكاتب معاناته في الغياب، سواء أكان النصُّ مقالة، أم وصفاً، أم سرداً، أم حواراً: " أنا أبكي كما أضحك... أسمع شهيقاً فأشهق، وأرى دمعة تجري فتجري دمعتي، ويصل إلى مسمعي ندب الحزانى فأندب" (درب القمر، ص 52)، و"سألني السنونوُّ: ماذا تفعل؟ لماذا لا تطير مع سنونوَّات ضيعتكم؟ وسألني البلبل الأحمر: ماذا تفعل؟ قلت: أكتب حروفاً سوداء! فقال البلبل: لماذا لا تغنِّي غناء، وتكتب حروفاً من نور؟" (تمُّوزيَّات، ص 71)

وللدلالة على ذاتيَّة الكاتب المفرطة نشير هنا إلى وجود تسعة ضمائر "أنا" في حوار بسيط لا يتعدَّى الأسطر الثلاثة، وهذا يؤشِّر على مدى اهتمام الكاتب بالتعبير عن حالته النفسيَّة الخاصَّة، كإنسان محبط في المدينة، وعن تشظِّيه بين عالمين مختلفين.

إنَّه يتمنَّى أن يعود إلى القرية، فترتاح نفسه من الألم الموصول، والشوق اللاهب، وينكفئ من اليوم إلى الأمس على طريقة الرومنسيِّين الذين يقدِّسون الماضي والذكريات، ويعيشون على أمل تجديد الحبِّ الذي انتهى وتلاشى، فاسمعه يقول: "وددت لو رجعت إلى عشِّي، أبني على المطلِّ، عند الدروب البيضاء، فوق العين الصغيرة، عرزالاً في عبِّ الضباب، خيمة راع ينام ملء عينيه في السحرة النديَّة، يفيق مع الوادي على شفتيه بسمة الرضى والطمأنينة، وفي قلبه أغنية، وفي حنجرته أوتار."(درب القمر، ص 52)

هذه العودة إلى القرية وطبيعتها الجميلة، من دروب بيضاء، وعين صغيرة، وضباب ووادٍ، هي عودة الرومنسيِّ

إلى الطبيعة، والطبيعة من أهمِّ العناصر التي ينى عليها الرومنطيقيُّون أدبهم، سواء أكانوا غربيِّين أم شرقيِّين، " فقد كان هؤلاء منطوين على ذات أنفسهم، ضائقين ذرعاً بما تضطرب به المجتمعات من حولهم، فغولعوا بترك المدن إلى الطبيعة، وكانت تروقهم الوحدة بين أحضانها." (هلال، 1981،ص 169)

فها هو جبران خليل جبران يدعونا إلى الغابة، لنملأ حياتنا بالنور والجمال: "هل تخذت الغاب مثلي منـزلاً دون القصور؟" (جبران، لا تاريخ، ص 425)، وذاك أبو القاسم الشابّيّ، يروِّج لثقافة الغابة، ويطلب منَّا أن نرافقه إلى أرجائها الحالمة:

"المعبد الحيُّ المقدَّس هــا هنا يا كاهـــن الأحزان والآلام

فاخلع مسوح الحزن تحت ظلاله والبس رداء الشعر والأحلام..." (الشابّيّ، 1988، ص 470)

غير أنَّ فؤاد سليمان يطعِّم رومنسيَّته حيناً بشيء من البدائيَّة البوهيميَّة التي تتنكَّر للمادَّة والمظاهر البرَّاقة: "وددت لو كان لي ليلة قمراء، أنزل بها على دروب الوادي، حفيان، مكشوف الرأس، مملَّع القميص، مبعثر الشعر." (درب القمر، ص 52)؛ فعودة سليمان إلى القرية هي عودة إلى الفوضى الطفوليَّة، حيث لا اهتمام بالثياب والهندام، فالكاتب- الطفل لا يعير اهتماماً بشكله الخارجيِّ، بل يهتمُّ بالروح، رفيقته في السفر إلى الماضي، ونديمه في خلواته وعزلته بين أرجاء الطبيعة القرويَّة.

ويمضي كاتبنا في نجواه وبثِّه الدافئ، فيغمرنا بموجة من أحزانه وهمومه التي ترافقه في المدينة الغريبة: "أفيق من نعاس قليل، مثقلاً بالهموم... وعندما أمشي إلى هموم الحياة، أجرُّ رجلي على الإسفلت." (درب القمر، ص 15) وهذه الصورة العميقة تبعث على التخييل، فنتصوَّر الكاتب متعَباً، محبطاً، مريضاً، لا يقوى على السير في شوارع المدينة المزدحمة، فيجرُّ رجله ككثيرين من العُرج الذين يخبطون على الأرض الصمَّاء. ونشاهد الكاتب نفسه باكياً على رصيف الزمن، فالحاضر يعذِّبه، والماضي يضربه بسوط الذكريات: "ماضيَّ أنا يا صديقي يبعث الغصَّة في قلبي والدمعة في عيني."(درب القمر، ص 51)

ويمكننا أن نسأل هنا: هل نحن نسمع صوت فؤاد سليمان، وهو يئنُّ من الألم في المدينة، وينشد الرجوع إلى القرية؟ أم هو صوت بدر شاكر السيَّاب مصلوباً في بغداد، وتوَّاقاً للعودة إلى جيكور؟

"من يصلب الشاعر في بغداد؟

مَن يشتري كفَّيه أو مقلتيه؟

من يجعل الإكليل شوكاً عليه؟

جيكور يا جيكور

شدَّت خيوط النور أرجوحة الصبح

فأولمي للطيور

والنمل من جرحي."(السيَّاب، 1980، ص 186)

إنَّ الصوت، كما نسمعه، واحد لدى المعذَّبين المتألِّمين على دروب المدينة، والشكوى هي هي في رومنسيَّة

الحنين إلى القرية الوادعة المغلَّفة بالنور.

وتتكرَّر مشاهد العذاب في نصوص فؤاد سليمان، فإذا به يشبِّه نفسه بـ "حيوان يمشي مع حيوانات، بهيمة تعيش مع بهائم، ملعون من ملاعين الدنيا يجرُّ جناحه المنتَّف وراءه على الدروب وفي الشوارع." (درب القمر، ص 53). وهذه المشهد المخيف، يعبِّر عمَّا في قلب الكاتب من حزن وأسى، بينما هو يعيش حياة مشوَّهة، يظنُّ أنَّها حياة، ويتحوَّل جميع الناس في نظره إلى ما هو أقلُّ من الإنسانيَّة.

وتضيف صور الموت والفناء مزيداً من السوداويَّة على هذا الجوِّ الكئيب، ففي "العنقود الأخير" (درب القمر، ص 17) يموت الفلاَّح أبو وهيب، وتموت معه الكروم والعناقيد، وتهجر العصافير أوكارها، وفي "البلابل الحمراء" (درب القمر، ص 23)، تموت الحياة في القرية، ولا يبقى غير الخراب والبيوت المهجورة، و "لو أنَّ للقبور أن تقول لهتفت القبور: عودوا أيُّها الغرباء إلى ترابي... فلن تطمئنَّ عظامكم في أرض غريبة." (درب القمر، ص 37)

ويصيب الموتُ الكاتب نفسه عندما يسير في موكب التائهين، ويعيش في مدينة الأموات، يموت ويفنى تحت دواليب هذه البشريَّة السائرة على دواليب الموت إلى القبر. (درب القمر، ص 53).

لقد بلغ به اليأس كلَّ مبلغ، فصوَّر نفسه على أنَّه ميت حيٌّ، فهو هنا يشبه لامرتين الذي تخيَّل موته في الحياة، عندما قال: "أموت أنا، وفي لحظة الوداع، تفيض روحي كموسيقى حزينة." (الدويهي، عيد، 2010، ص 46)

وتشغل صورة الحبيبة- الفتاة القرويَّة حيِّزاً مهمّاً في ذكريات الكاتب الرومنسيِّ، فالحبُّ "شغل في أدب الرومنتيكيِّين جانباً هامّاً لم يقتصر على إشادتهم بعواطفهم، بل شمل جانباً هامّاً من فلسفتهم ومعتقداتهم."

(هلال، 1981، ص 193). وكم تتكرَّر في نصوص فؤاد سليمان قصَّة الحبِّ لصاحبة الفستان الزهريّ، حتَّى أنَّنا لنعتقد أنَّه لم يعرف في حياته سوى تلك الصبيَّة، بينما لا يجد له حبّاً في المدينة: "وفي الدرب عندنا، نلمح الصبيَّة الحلوة في شبابيك بيتها، تمسح البلّور بالبلّور، أو تشمُّ أطباق الحبق في الشرفة، بأنف حلو يعرف الشمَّ، أو تنفض الحصير الأسمر ليوم العيد." (درب القمر، ص 2)

الحبُّ لامرأة واحدة هو الحبُّ الرومنطيقيُّ الذي يثير العجب، بل هو حبٌّ عذريٌّ سامٍ يفوق الرغبات والمشاعر الزائلة. وقد مضى ومن طويل على قصَّته مع صاحبة الفستان الزهريِّ، وعلى الرغم من الغبار والدخان في المدينة، فما زالت صورتها تستيقظ في أفكاره، وتقرع بيدين مشتاقتين على صدره: "يومها عرفت "درب القمر" في ضيعتنا. كانت الدرب من قبل طريقاً تؤدِّي بي إلى البيت، إلى أحضان أمِّي، في عودتي من عند جدَّتي، في الضيعة المجاورة، فصارت الدرب يومذاك، يوم لوَّحت لي من فوق، شيئاً لا أوَّل له ولا آخر. شيء مربوط إلى قلبي."(درب القمر، ص 3)

يتََّضح أنَّ الفتاة التي أحبُُّها في الزمن الغابر قد غيَّرت معالم الطريق، وجغرافيَّتها، وموقعها، والمكان الذي تصل إليه، بل جعلت الطفل الصغير يكبر، ويستبدل الأنثى القريبة: الأمّ والجدَّة، بأنثى أكثر التصاقاً بالقلب، وأعمق حضوراً في الذات الشاعرة. حتَّى أنَّ كاتبنا يتألَّه في الحبّ، فيصوِّر نفسه تمُّوز نازلاً من بين النجوم، ليختار عشتاره في بلاد الجبل، ينـحدران معاً درب الوادي في ضوء القمر، ويسهر الليل تحت شبابيك غرفتها (تمُّوزيّات، ص 77). إنَّ هذين العاشقين الصغيرين هما أدونيس وعشتروت في حبِّهما العظيم، يشبكان الأيدي في وادي الحبِّ والبراءة.

ومرَّة ثانية، يتحوَّل فؤاد سليمان إلى راعٍ يعزف على مزماره ألحان الحبِّ والوفاء، بينما حبيبته تنتظره بلهفة ليأتي إليها حاملاً هدايا الروح، وجارتها الحسودة تريد أن تعرف مَن هو الحبيب المجهول (تمُّوزيَّات، ص 52). وأغلب الظنِّ أنَّ فؤاد سليمان يستوحي هنا من نشيد الأناشيد للنبيِّ سليمان، لـِمـا في النصَّين من تشابه كبير، إذ تقول الحبيبة في نشيد الأناشيد: "هذا صوت حبِيبِي!‏ ها هو آتٍ طافرًا على الجبال،‏ واثباً فوْق الآكام...‏ هوذا واقف وراء حائطنا،‏ يتطلع من النوافذِ،‏ ويسترق النظر من الشبابِيك..."‏ (نشيد الأنشاد، 2: 8-9)

خاتمة:

هكذا نرى أنَّ فؤاد سليمان تناول موضوع القرية والمدينة من منطلق ذاتيٍّ اجتماعيّ، وصبَّ في هذا الموضوع معاناته الشخصيَّة، فانطوى أدبه على نقد لاذع للمدينة وأشيائها، ومعالمها، وأهلهان وفي المقابل أظهر جمالات القرية بلغة ساحرة، فكانت القرية أيقونة ذكريات تطالعه في كلِّ طرفة عين، فيعود من خلالها إلى الاحبَّة والأهل والمباركين، بل إلى تلك الطفولة السعيدة التي عاشها في الماضي.

ولقد أقذع فؤاد سليمان في هجاء المدينة، وفي هجاء نفسه أيضاً، بوصفة ميتاً مع الموتى وبهيمة مع بهائم، فمال إلى التطرُّف الرومنسيِّ الذي يكره بقوَّة ويحبُّ بعنف. ولقد تمكَّن أديبنا، بلغته المعبِّرة، وطرائقه في الوصف والمقارنة والسرد والنقد اللاذع أن يوصل إلينا صورتين متعارضتين تماماً، ويجعلنا نشاركه من حيث ندري أو لا ندري في تفضيل تلك الصورة ورفض الصورة الأخرى.

وقد حذا كاتبنا حذو الرومنطيقيِّين، سواء في التعبير عن غضبه من المدينة أم في تصويره لجمال القرية، فأجاد في وصف الطبيعة، ونقل إلينا أحاسيسه ومشاعره بصدق، ورسم لنا أحزانه وهمومه، كما رسم صورة

موت الآخر وصورة موت نفسه، وعاد إلى حبِّه الطفوليِّ وذكرياته البريئة، فكان أصيلاً في عشقه الحميم، بل كان واحداً من كبار الأدباء الرومنسيِّين، الذين طبعوا القرن الماضي بأدبهم، وما تزال تجاربهم الصادقة تترجَّع كرجع الصدى كلَّما قرأنا لهم، وكلَّما عشنا في ظلال أدبهم الراقي.

المصادر والمراجع

بطرس، أنطونيوس (2005). الأدب. طرابلس -لبنان: المؤسَّسة الحديثة للكتاب.

جبر، جميل (2006). أمين نخله. بيروت: مؤسَّسة نوفل.

جبران: جبران خليل (لا تاريخ). المجموعة الكاملة لمؤلَّفات جبران خليل جبران العربيَّة. بيروت:دار الجيل.

جيدة، عبد الحميد (1980). الاتِّجاهات الجديدة في الشعر العربيّ المعاصر. بيروت: مؤسَّسة نوفل.

الدويهي، جميل (2011). الفكر الإنسانيّ والأدب. زوق مصبح: منشورات جامعة سيِّدة اللويزة.

سليمان، فؤاد (1987). تموزيَّات. بيروت: الشركة العالميَّة للكتاب.

                            (1971). درب القمر. بيروت: دار الكتاب اللبنانيّ.

الشابيّ، أبو القاسم الشابّيّ(1988). ديوان أبي القاسم الشابّيّ. بيروت: دار العودة.

عطا لله، محمَّد (1973). الاغتراب وأثره في التركيب الاقتصادي والاجتماعي في لبنان. في كتاب: الهجرة: مسألة لبنانيَّة؟ الكسليك: جامعة الروح القدس.

قازان، أنطوان (1998). المجموعة الكاملة-أدب وأدباء. ج 2. بيروت: دار المراد.

القصَّيفي، ماري (2012). فؤاد سليمان الكاتب الحاضر برؤيته النافذة. alhayat.com

مْلاهي، باتريك (1962). عقدة أوديب في الأسطورة وعلم النفس. ترجمة جميل سعيد. بيروت: مكتبة المعارف.

هلال، محمَّد غنيمي (1981. الرومانتيكيَّة. بيروت: دار العودة .

هويدي، صالح (1426 هـ.). النقد الأدبيّ الحديث، الزاوية-ليبيا: منشورات جامعة السابع من أبريل.

Simmano, Patrick (2008). Francais-Le detour. Paris: Breal.

 

 

 

_________________________________________________________________________________

5- الأسطورة في أدب سعيد عقل

د. جميل الدويهي

بحث أكاديمي ألقي في حلقة دراسية بعنوان "سعيد عقل الإرث والمبتكر "- 2012

نشرت في كتاب "سعيد عقل الإرث والمبتكر" منشورات جامعة سيدة اللويزة-بيروت- 2012 ص 17-42

 

مقدِّمة:

لا نكاد نعثر على أيِّ أثر للأسطورة في شعر سعيد عقل، ما عدا في مسرحيَّة شعريَّة واحدة هي "قدموس" (1937)، ومجموعة أقاصيص هي "لبنان إن حكى"(1960). وكلا الكتابين يتناول مواضيع ذات علاقة وطيدة بالنبوغ اللبنانيِّ، ودور لبنان القديم في إغناء الحضارات، ونشر الثقافة والسلام في العالم.

وقد نشر سعيد عقل مسرحيَّة شعريَّة بعنوان "المجدليَّة" (1944). واعتبرها البعض ذات منحى أسطوريٍّ، كما فعل الباحث جوزيف لبُّس في بحث له بعنوان: "سعيد عقل كاتباً أسطوريّاً في المجدليَّة وقدموس "لبُّس، جوزيف (لبُّس، 2012، ص 132). ونحن لا نرى أنَّ قصَّة المجدليَّة هي قصَّة أسطوريَّة، ليس من منطلق إيمانيٍّ مسيحيٍّ، إنَّما انطلاقاً من التعريف العلميِّ الثابت للأسطورة، حيث أنَّها حكايات غـير معقولة، خاصَّــة بالآلهة وبأنصــاف الآلهة، وبالأبطال الخارقــين في ديانة وثنيَّة (Dictionnaire Quillet de la Langue Francaise, V.2, 1959, p.1250)، أو هي في تعريف آخر "قصَّة خياليَّة، قوامها الخوارق والأعاجيب، التي لم تقع في التاريخ، ولا يقبلها العقل." (زكي، 1979، ص 107)

وهناك تعريفات أخرى كثيرة تتناول الأسطورة من حيث أنَّها حكاية خارقة للطبيعة، تقوم على حوادث غير معقولة ولا يقبلها العقل، وأبطالها من عالم ما ورائيٍّ، أو أبطال يقومون بأعمال لا يمكن أن يقوم بها الناس العاديُّون. فالأسطورة في هذا المعنى هي "وليدة انسلاخ عقليٍّ عن الواقع، ولكنَّ هذا الانسلاخ يتمُّ بمشاركة بشريَّة جماعيَّة." (مونتاجيو، 1965، ص 314)

وقد ورد في معجم تاج العروس :"الأساطير: الأباطيل، والأكاذيب، والأحاديث لا نظام لها."(الزبيدي، لا تاريخ، ص 267)

نريد ممَّا سبق من التعريفات بشأن الأسطورة أن نصل إلى هدفين:

الهدف الأوَّل هو نفي الصبغة الأسطوريَّة عن مسرحيَّة "المجدليَّة"، لعدم وجود إثبات تاريخيٍّ قاطع على أنَّها من الخوارق التي لا يقبلها العقل، أو أنَّها من الأحاديث التي وضعها الناس لتفسير الظواهر غير المألوفة. ففي التاريخ أنَّ المجدليَّة هي امرأة من الواقع، وقد قابلت المسيح ورأته، ورافقته في رحلة الصلب والقيامة (ينظر متَّى 27: 55- 61). وقد يعتبر البعض أنَّ حكاية المجدليَّة مع المسيح تتضمَّن بعض الملامح الأسطوريَّة، مثل الشياطين السبعة التي أخرجها المسيح من المرأة الخاطئة. وقد جاء في الكتاب المقدَّس: "وَبَعْضُ النِّسَاءِ كُنَّ قَدْ شُفِينَ مِنْ أَرْوَاحٍ شِرِّيرَةٍ وَأَمْرَاضٍ: مَرْيَمُ الَّتِي تُدْعَى الْمَجْدَلِيَّةَ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا سَبْعَةُ شَيَاطِينَ."(لوقا 2:8)، ولكنَّ هذا لا يكفي لنعتبر أنَّ قصَّة المجدليَّة القدِّيسة هي نوع من الأسطورة، فالمسيح نفسه قابل الشيطان، وتحدَّث إليه (لوقا 4: 1- 2).

وقد لفتنا أنَّ الباحث لبُّس حين يعالج موضوع الأسطورة في مسرحيَّة "المجدليَّة"، لا يلتفت إلى أيِّ موضوع أسطوريٍّ بعينه، بل يتناول مواضيع ذكرها الكتاب المقدَّس والمؤرِّخون، وهي: المرأة الزانية، وموقف سعيد عقل منها، "إذ لمح فيها كائناً سماويّاً يساوي يسوع روعة وجمالاً وصفاء." (لبُّس، 2012، ص 133). كما يتناول الباحث حبَّ يسوع للمجدليَّة، وتوبة المرأة (لبُّس، 2012، الصفحات 132حتَّى 138).

الهدف الثاني هو تبرير عدم تناولنا لمسرحيَّة "المجدليَّة" في بحثنا، والاقتصار على كتابين لسعيد عقل فقط، هما "قدموس"، و"لبنان إن حكى". فإنَّ إدراج "المجدليَّة" تحت مسمَّى الأسطورة سيفرض علينا أيضاً إدراج مسرحيَّة "بنت يفتاح" (1935) التي استقى سعيد عقل موضوعها من القَصص التوراتيِّ، وهي تروي حكاية يفتاح الجلعاديِّ الذي طرده إخوته من بينهم لكونه وُلد من امرأة بغيّ. وبعد أن تعرَّض قومه للذلِّ على أيدي الأعداء، طلبوا مساعدته، فنذر أنَّه إذا انتصر في الحرب سيقدِّم أوَّل مَن يخرج من بيته كذبيحة للإله. وتنتهي الحرب بانتصار يفتاح، وتكون ابنته التي يحبُّها كثيراً هي ضحيَّة ذلك النذر المشؤوم (ينظر سفر القضاة 11: 1-40). ولسنا نرى في هذه القصَّة ما يخالف الواقع أو ما ينفي أن تكون حدثت حقيقة في التاريخ. أمَّا سعيد عقل نفسه، ففي مقدِّمة "بنت يفتاح" يذكر أنَّه استقى هــذه المسرحيَّة من "العهد القديم" والتاريخ، ولا يذكر شيئاً عـن كونها أسطورة (عقل، 1991، ص 16).

وفي بحثنا هذا، سنحاول إلقاء الضوء على القصَص الأسطوريِّ في "قدموس" و"لبنان إن حكى"، وهدف الكاتب من استخدام الأسطورة، فالأسطورة ليست حكاية تروى فحسب، على سبيل الإمتاع وجذب المتلقِّي، إنَّما هي أيضاً رافد رمزيٌّ، له أبعاد ودلالات. وأسطورة سعيد عقل هي أسطورة تاريخيَّة يستعيد الكاتب من خلالها صوَر الأبطال الأقدمين ومآثرهم، ويمكن في الوقت نفسه قراءتها بصورة أعمق ممَّا تُظهره في الواقع، فصورة الصراع مثلاً بين البطل وعدوِّه قد تظهر الخلاف التاريخيَّ المستحكم بين شعبين، أو بين قوَّتين. ولا يستطيع الأدب، بدون استغلال الأسطورة، تحقيق الصورة التي يريد أن يرسمها بتلك السهولة والتركيز والثراء (الكفراوي، 1971، ص 387).

وقد قسمنا بحثنا إلى قسمين: 1- مصادر الأسطورة في "قدموس" و"لبنان إن حكى"، 2- ودراسة تحليليَّة للقَصص الأسطوريِّ عند سعيد عقل (دلالات الأسطورة ورموزها).

1- مصادر الأسطورة في "قدموس" "ولبنان إن حكى":

يتَّخذ سعيد عقل في أساطيره مجموعة من المصادر المختلفة، كمصادر التراث الفينيقيِّ، واليونانيِّ القديم، والمصريِّ والتوراتيِّ والمسيحيِّ. فمسرحيَّة "قدموس" مأخوذة من قصَّة يونانيَّة - فينيقيَّة قديمة، يعرفها الكثير من اللبنانيِّين، لما لها من ارتباط بتاريخهم، ولكونها تُظهر فضل فينيقيا على الغرب، خصوصاً من ناحية نشر الحروف الهجائيَّة وثقافة السلام. وقد وردت هذه الأسطورة في كتب التاريخ المدرسيَّة التي يتعلَّمها الصغار في المدارس، كما يعرفها الكبار من غير المثقَّفين. يقول جوَّاد بولس: "وقد أقرَّ الإغريق القدامى أنفسهم بأنَّ الفينيقيِّين هم روَّاد نهضة البلاد الهلِّينيَّة الحضاريَّة. وإذا عدنا إلى قصصهم الأكثر شهرة وأمانة، نجد قدموس Cadmus ابن أغينور Agenor، الذي ذهب للتفتيش عن أخته أوربَّا Europa التي خطفها الإله زفس Zeus، قد أسَّس مدينة "طيبة" Thebes ، في بلاد الإغريق، ونشر الأبجديَّة، وعلَّم الإغريق فنَّ حراثة الأرض واستغلال المناجم، وصهر المعادن." (بولس، 1972، ص 159 - 160)

وقد وردت قصَّة قدموس وأوروب في الميثولوجيا اليونانيَّة، فقد رأى زوش أوروبَّا ابنة الفينيق، تقطف الأزهار من حقل، مع أتراب لها، فوقع في غرامها، وحوَّل نفسه إلى ثورٍ جميل، ونفخ من فمه عطراً سحريّاً جاذباً، وهكذا خدع أوروبَّا، فوضعها على ظهره ثمَّ عبر البحر إلى كريت .(Gommers, 2001, p. 44)

وبالإضافة إلى أصل الأسطورة الفينيِّ - يونانيّ، فهناك عناصر أخرى فيها تقرِّبها أكثر إلى اليونانيَّة منها إلى الفينيقيَّة، كصورة التنِّين الذي يحاربه قدموس وينتصر عليه، ثمَّ يجعل من أسنانه مدينة. وقد شاعت صورة التنِّين في التراث اليونانيِّ، وكان بأشكال متعدِّدة أهمُّها المنطور Minotaur. فأريادنا Ariadne ابنة مينوس Minos ملك كريت ساعدت ثيزيوس Theseus على قتل المنطور .(Barber, 1979, p. 23)

كما أنَّ الأسطورة اليونانيَّة تصوِّر أندروميدا Andromeda مقيَّدة إلى صخرة لتكون ضحيَّة لوحش مفترس يخرج مــن البحر. لكنَّ بيرسيوس Perseus يأتـي فـي الـوقت المناسب ليقتل الوحش الهــائــل Grimal, 1996, p.p. 42 - 43)).

كما أنَّ هناك عنصراً آخر في أسطورة قدموس قد يكون مستوحى من الميثولوجيا اليونانيَّة، وهو عنصر الخطف من قِبل الآلهة، فغانيميد Ganymede على سبيل المثال كان صبيّاً فاختُطف مـن قبل الآلهة، ليصبح نادلاً يقدِّم لهـم كؤوس الشراب (Grimal, 1996, p. 169).

أمَّا العنصر الثالث الذي يدلُّ على ارتباط أسطورة قدموس بالأساطير الإغريقيَّة، فهو زواج أوروب من الإله زفس،

فهناك الكثير من الزيجات في ميثولوجيا اليونان تقع بين الأنس والآلهة، ومنها الزواج بين زوش نفسه وامرأة أخرى

مــن الناس تدعــى ألكمين Alcmene، وأنجب منها البطل الأسطوريَّ هـرقــل Hercules .(Barber, 1979, p. 11)

وتظهر الأساطير الإغريقيَّة أنَّ كبير الآلهة زوش كان يتخفَّى في أشكال متعدِّدة لكي يقيم علاقات مع نساء من البشر .(www.mythencyclopedia.com)

أمَّا العلاقة بين قدموس وبناء مدينة طيبة، فتشبه إلى حدٍّ بعيد العلاقة بين أمفيون Amphion ومدينة طيبة نفسها، إذ كان أمفيون أيضاً أحد أبناء زوش، وكان أمفيون موسيقيّاً بارعاً، وقد بنى مع أخيه زيتوس Zethus أسوار طيبة، وكان أمفيون يعزف بأعجوبة، فتهبُّ الحجارة من مقالعها لترتفع جدراناً (Grimal, 1996, p. 38).

وفي "لبنان إن حكى"، يستخدم سعيد عقل مجموعة من الأساطير الفينيقيَّة واليونانيَّة والمصريَّة والمسيحيَّة، فعلى الرغم من الواقعيَّة التأريخيَّة في أقصوصة "مأساة فيثاغورس" نجده يختتمها بصورة شعريَّة رقيقة، تمتزج فيها الأسطورة مع الواقع في تزاوج خلاَّق، حيث يجعل دامو(Damo) ، ابنة فيثاغورس(Pythagoras) ، تنتقل إلى لبنان لتنشئ مدرسة، فتموت في البحر أثناء الرحلة، وتدفن فوق رابية مشرفة على البحر سمَّاها أحد الربابنة دامو، وغرس فوق القبر سنديانة لتكون العلامة التي يُهتدى بها إلى قبر البنت، "ويقال إنَّه في العام التالي زار الربَّان قبر الجميلة الجميلة، فإذا غرسة السنديان قد كبرت كما لو كان انقضى عليها مئات السنين." (عقل، 1984، ص 25) إنَّ صورة الشجرة فوق القبر هي صورة ميثولوجيَّة تعود إلى جذور قديمة جدّاً، فقد كانت الشجرة تزرع على قبور الآلهة، وتسمَّـى الشجـرة المقدَّسة(Sacred Tree) ، وهــذه الشجرة تنمو وتكبر مــن دماء الضحيَّة .(Allen, 2000, p. 59)

وفي أقصوصة "أرض الأبطال"، يمزج سعيد عقل بين التاريخ الحقيقيِّ والأسطورة، فهي ترتكز في الأساس على قصَّة الحُبِّ بين أنطونيو Antonios (*) وكليواباترا Cleopatra(**)، وعندما تلتقي كليوباترا بحبيبها أنطونيو في لبنان، تروح تنشد له:

"عندما كان أطلس،

أطلس أخو بروميثيوس، ذاك الذي لاشتراكه في القتال

بين جبابرة وآلهة،

كان قد استحقَّ غضب زوش، فحكم عليه بأن يحمل على منكبيه قبَّة السماء،

عندما كان أبو الثوَّار

يختال بحمله المكوكب الجميل،

تراءيت له، يا حبيبي أنطونيو،

قبل أن تولد بكرَّات من السنين،

تراءيت له بهيكلك العملاق الأنيق.

وكان؟

كان أن ضاع أطلس، كمن أخذ بحميَّا الكأس،

فزحلت السماء قليلاً عن كتفه

وانهار منها على الأرض

بعضٌ من تراب!

هذا المكان الذي من زحلةِ السماء." (عقل، 1984، ص 28)

يبدو جليّاً أنَّ عقل بقيم ترابطاً عضويّاً بين ثلاثة عناصر: قصَّة حبِّ أنطونيو لكليوباترا، وهي قصَّة من التاريخ الرومانيِّ- المصريِّ، وقصَّة حمل أطلس للسماء على كتفه، وهي قصَّة يونانيَّة، مفادها أنَّ أطلس هو واحدٌ من العمالقة الأشرار، وقد حارب ضدَّ زوش في معركة الآلهة مع الطياطن (Titans)، وبعدما انتصر الآلهة في المعركة، عاقب زوش أطلس بأن يحمل عبء السموات على كتفيه إلى الأبد (Ditocco, 2005, p. 14) ، والعنصر الثالث هو ظهور أنطونيو على أطلس، وهذا اللقاء بين البطل أنطونيو والرمز الميثولوجيِّ أطلس هو من غير أدنى شكٍّ من ابتداع سعيد عقل، ولا وجود له في أيِّ نصٍّ قديم، خصوصاً أنَّ أطلس هو شخصيَّة أسطوريَّة إغريقيَّة، بينما أنطونيو محارب رومانيٌّ. وهدف سعيد عقل من هذا الجمع بين الرمزين هو أن تؤدِّي المفاجأة التي شعر بها أطلس إلى سقوط بعض التراب من السموات على الأرض، فتنشأ عليه مدينة زحلة، وتكون ابنة السماء.

وفي الأقصوصة نفسها يجعل سعيد عقل الحطَّابة، وهي إحدى الشخصيَّات الأسطوريَّة من ذوات الحكمة والعقل، تموت وهي في عمر مئة وأربع سنوات، ولكنَّها "لا تزال تظهر من وقت لآخر. وهي إنَّما تُشاهد ليلاً. لا يشاهدها إلاَّ الطاهرات القلب، من أولئك الحسان المرحات اللواتي يتنـزَّهن على الضفاف." (عقل، 1984، ص 32-33) ولا ريب في أنَّ هــذا الظهور للمرأة العجوز ينطوي على أصول مسيحيَّة مشرقيَّة، حيث يكثر الإيمان بالعجائب والكرامات وظهور القدِّيسين على العامَّة.

ويتابع عقل رحلته في معين التراث الأسطوريِّ، فيكتب "التي غنَّاها شكسبير"، وفيها أنَّ مارينا الصوريَّة تعود إلى الحياة على يد الإلهة الرومانيَّة ديانا Diana (عقل، 1984، ص 38- 39). ومن الواضح أنَّ العودة من الموت تتكرَّر كثيراً في القصص الميثولوجيِّ اليونانيِّ والفينيقيِّ، فأورفه (Orpheus) يذهب إلى العالم السفليِّ ليستعيد زوجته من الموت، فيعزف للآلهة التي ترضى عنه وتعيد امرأته إلى الحياة (Bell, 1982, p.p. 262-264). وأدونيس Adonis في الأسطورة الفينيقيَّة يعود إلى الحياة بصورة مجازيَّة مع الربيع وتدفُّق النهر، كما أنَّ طائر الفينيق Phoenix يعود إلى الحياة بعد احتراقه.

أمَّا في "النفس بعد الموت"، فينحو سعيد عقل منحىً فينيقيّاً، حيث أنَّ العصفورة التي تسكن في برج الفيدار منذ ألوف السنين، وتغادره كلَّما عرفت الأرض حبّاً عظيماً، هي عصفورة لا تموت (عقل، 1984، ص 49) فالعصفورة هنا هي نسخة أنثويَّة مطابقة لطائر الفينيق. وقد أدخل عقل إلى هذه الأسطورة عنصراً من الميثولوجيا المصريَّة، فيوم قتل سيثSet مصر أخاه أوزيريس Osiris، قصدت أيزيس Isis إلى جبيل، دون سواها، تستردُّ الحبيب من الموت، فطلب منها الكاهن الجبيليُّ أن تبكي بغزارة، وقد ساعدها نهر الفيدار في البكاء حتَّى كاد أن يجفَّ، وعاد حبيب أيزيس إلى الحياة." (عقل، 1984، ص 51) وقد جاء في الأساطير المصريَّة: "كان أوزيريس موسيقيّاً بارعاً أحبَّه الناس، فحقد عليه أخوه سِت، وتآمر مع آخرين حتَّى صنع صندوقاً بحجم أوزيريس الذي كان طويل القامة جدّاً، وأغلق سِت الصندوق بمعونة أنصاره وألقاه في النيل بعدما أحكم إغلاقه. وجدَّت إيزيس زوجته في البحث عن جثَّته، حتَّى عثرت عليها داخـل شجرة أزر فـي جبيل "بيبلوس" كان الملك قد قطعها وأقامها عموداً ودعامة في قصره." (موسوعة الأديان في العالم- الديانات القديمة، 2000، ص 15)

وفي الأقصوصة نفسها يظهِّر سعيد عقل مدينة جبيل كمَقصد لأناس موجعين، أو فقدوا أحبَّاءهم، يستشفون بالإيمان، من نوميديِّين وهنود وصينيِّين وحضارمة وبابليِّين ومصريِّين (عقل، 1984، ص 50)، وذلك في إشارة إلى أنّ جبيل كانت مركزاً دينيّاً مهمَّاً في العصور الفينيقيَّة ومعبداً للأله، "يتوجَّه إليها المؤمنون بخلود الأرواح من كلِّ صوب." (جبر، 2001، ص 7)

وفي "هوميروس الذي من لبنان" يستند عقل على الميثولوجيا اليونانيَّة مجدَّداً، حيث أنَّ كريتيس Kretheis والدة هوميروسHomer (واسمه الأصليُّ ميليسِّجين (Melesigenes ، تتوجَّه إلى نهر الميليس Meles، وهو إله أيضا، ليبارك ابنها (عقل، 1984، ص 53- 54) وفي الأسطورة اليونانيَّة أنَّ هوميروس سُمِّي ميليسجين (ومعنى الاسم: ابن النهر ميليس)، وكـان هــذا النهر والد هوميروس، إذ وضعته أمُّــه إلى جــانب النهر .(Beecroft, 2010, p. 74)

وفي "قبلة أفروديت" يروي سعيد عقل قصَّة الحرب بين الأرض والسماء، بين تيفيا Typhosالشرِّير من جهة وزوش وأثِنا Athena ربَّة الحكمة من جهة أخرى. ومن المؤكَّد أنَّ هذه الحرب قد ورد ذكرها في الميثولوجيا الإغـريقيَّة، وكــان النصــر فيها حليفاً لزوش الذي ساعــده الآلهــة الصالحــون.(www.greek-mythology-gods.com)

ويمزج سعيد عقل هذه الأسطورة بعناصر فينيقيَّة، حيث يجعل إلهة الحبِّ والجمال اليونانيَّة أفروديت(Aphrodite) تختبئ في بحيرة اليموُّنة من وجه الشرِّ، وتقع في غرام قدموس، فتعده بقبلة منها إذا ساعدها في استعادة عضلات زوش التي تحرسها التنِّينة دلفينا(Delphina) (عقل، 1984، ص 70). هذا مع العلم أنَّ أفروديت ذات علاقة أوطد بأدونيس، حيث أنَّها في الترجمة الرومانيَّة هي ديانا، وفي الترجمة الفينيقيَّة هي عشتروت. كما يضمِّن عقل حكايته قصَّة طريفة مفادها أنَّ باريس ابن الملك فريام رمى بالتفَّاحة إلى أفروديت، مختاراً لها كأجمل النساء، ومفضِّلاً إيَّاها على هيرا(Hera) زوجة زوش وعلى أثِنا ربَّة الحكمة (عقل، 1984، ص 71). وقد وردت هذه القصَّة أيضاً في الميثولوجيا اليونانيَّة، فعندما قدم باريسParis الطروادي إلى أفروديت التفاحه الذهبية التي اختلفت عليها الربَّات، كافأته على ذلك بأن وهبته أجمل امرأه في الكون، وهي هيلينا (Helena) التى من أجلها نشبت حرب طروادة.

(Colombia Encyclopedia (2011). 6th Edition. http://www.encyclopedia.com)

ويروي سعيد عقل في أقصوصة "يرفع الأرض إلى السماء" قصَّة الفتاة الجميلة تيروس  Tyrus التي سمِّيت صور باسمها:

"كانت تيروس تتنـزَّه على سيف البحر، فبصر بها الإله ملكرت Melqart، وإذا بكلبها مقبل، وقد عضَّت نواجذه على حيوان بحريٍّ مصدَّف يقطر منه دم ذو حمرة تأخذ بالألباب، فالتفتت تيروس إلى إله البطولة وقالت: أكون لك إن صبعتَ لي بهذا الأحمر البهيِّ ثوباً أخطُر به بين الآلهة. وأقسم ملكرت ليفعلنَّ. وراح رجاله، بحَّارة صور الشجعان، يغوصون في اليمِّ، مواجهين ألف خطر وخطر، ومنقِّبين عن الحيوان المصدَّف النادر. إنَّه المورِكْس." (عقل، 1984، صفحة 76). وتقول الأسطورة اليونانيَّة إنَّ هرقل Hercules كان واقعاً في حبِّ تيروس. وذات يوم كانت تتنـزَّه مع كلبها على شاطئ البحر، فعاد الكلب وعلى فمه صباغ أحمر من صدفة الموركس، فطلبت تيروس من هرقل أن يهديها ثوباً بهذا اللون، وإلاَّ فإنَّه سيخسر حبَّها، فعمل هرقل جاهداً للعثور على اللون الأرجوانيِّ الذي يمثِّل مجد صور (Grimal, 1996, p. 462).

ومن الواضح أنَّ سعيد عقل يستبدل شخصيَّة هيراكليس بشخصيَّة ملكرت، وهو إله فينيقيٌّ. وقد كان شائعاً المزج بين الآلهـة عند اليونان والفينيقيِّين، فالأسطورة الفينيقيَّة تذكر أنَّ حبيب تيروس هــو الإله ملكرت وليس هرقل

(Tarnowsky, 1997, p.p. 18-19).

وفي أقصوصة "زارنا التاريخ" يعرِّج عقل على أسطورة فينيقيَّة، فيعتبر أنَّ جبيل هي "أولى بنات إيل - إله الزمن- تجرَّأت وانحدرت عن أصابعه بينما كانت شقيقاتها المدن وجلات مرتجفات من برد." (عقل، 1984، ص 116) فاسم جبيل قد يكون مركَّباً من "جُبّ" و"إيل"، أي ينبوع الإله أو بيت الله (جبر، 2001، ص 10).

وقد كثرت الأساطير بشأن ولادة جبيل المدينة، و"ذكرت إحداها أنَّ كرونوس  Cronusإله الزمان هو الذي بناها. وروت أسطورة أخرى أنَّ الكوكب زحل هو الذي بناها. وجاء في كتاب "نشأة الكون" لسنكن يتن: إنَّ إيل بن إيليا أو عليون، أوَّل ملوك جبيل هـو من أنشأها." (جبر، 2001، ص 11)، ويبدو أنَّ إيل كان ملكاً ثمَّ تحوَّل إلى إله معبود في وقت لاحق.

ويعتمد سعيد عقل على نصٍّ توراتيٍّ ليكتب أقصوصة "قلب الله"، وهي قصَّة أربعة نسور فتحت براثنها، وبذرت في الأرض بذور شجرات لا عهد للأرض بمثلها، وترجَّلت عن أجنحة النسور فتاة كقلب الصبح تدعى ددتَّا (عقل، 1984، ص 121 - 123).

ولا شكَّ في أنَّ سعيد عقل يعود إلى سفر حزقيال: 17، وقد ورد فيه: "... نسر عظيم كبير الجناحين طويل القوادم واسع المناكب ذو تهاويل جاء إلى لبنان وأخذ فرع الارز. قصف رأس خراعيبه وجاء به إلى أرض كنعان وجعله في مدينة التجَّار. و أخذ من زرع الأرض وألقاه في حقل الزرع وجعله على مياه كثيرة أقامه كالصفصاف. فنبت وصار كرمة منتشرة قصيرة الساق انعطفت عليه زراجينها وكانت أصولها تحته فصارت كرمة وأنبتت فروعاً وأفرخت أغصانا. وكان نسر آخر عظيم كبير الجناحين واسع المنكب، فاذا بهذه الكرمة عطفت عليه أصولها وأنبتت نحوه زراجينها ليسقيها في خمائل غرسها. في حقل جيِّد على مياه كثيرة هي مغروسة لتنبت أغصاناً وتحمل ثمراً فتكون كرمة واسعة..." (حزقيال 17: 1-8) "هكذا قال السيِّد الربُّ وآخذ أنا من فرع الأرز العالي وأغرسه وأقطف من رأس خراعيبه غصناً وأغرسه على جبل عال وشامخ. في جبل إسرائيل العالي أغرسه فينبت أغصاناً ويحمل ثمراً ويكون أرزاً واسعاً فيسكن تحته كلُّ طائر كل ذي جناح يسكن في ظلِّ أغصانه. فتعلم جميع أشجار الحقل أنِّي أنا الربُّ وضعت الشجرة الرفيعة ورفعت الشجرة الوضيعة ويبَّست الشجرة الخضراء وأفرخت الشجرة اليابسة..." (حزقيال 17: 22-24)

لكنَّ عقل يخالف النصَّ التوراتيَّ بشكل واضح، فالنسر الأوَّل العظيم، كبير الجناحين، لا يُقصَد به في التوراة الطائر الذي نعرفه، بل المقصود به ملك بابل، والأرز يُقصَد به ملوك آل داود الذين قُتل آخرهم، صدقيا، على يد نبوخذ نصَّر.

والنسر العظيم الآخر في التوراة هو فرعون مصر. أمَّا الأرز العالي الذي سيأخذ منه الربُّ غصناً ويغرسه على جبل شامخ هو من غير شكٍّ يسوع المسيح، الذي سيسكن تحته كلُّ طائر أي كلُّ إنسان، بصفته الله المتجسِّد.

نكتشف هنا إذن أنَّ سعيد عقل أخذ الكلام من التوراة بشكله اللفظيِّ، وليس بمعناه الرمزيِّ العميق، كما أنَّه جعل ددتَّا، التي لا يعرف أحد مَن هي، سابقة للرجل في الولادة. ففي التوراة أنَّ آدم هو أبو الخلق، وحوَّاء من ضلعه، أمَّا ددتَّا، فقد أوحشها أنَّ لا أنس في أرجاء غابة الأرز، فتطير النسور إلى بعض النحوم لتجيئها بالأمير الفتَّان، فيبنيان معاً أجمل ممالك الإنسان (عقل، 1984، ص 124)

وفي "الطائر العجيب" يستعيد سعيد عقل أسطورة طائر الفينيق المعروفة، وهي أسطورة فينيقيَّة، عن طائر يحترق ثمَّ يعود إلى الحياة من رماده (عقل، 1984، ص 138)، وقد شاعت هذه الأسطورة في جميع أنحاء العالم القديم.

وأخيراً تأتي أقصوصة "بلتيسى ذات الغدائر الشقر" لتصوِّر قدرة النغم الإلهيِّ من فم سيدرا على استعادة بلتيسى إلى الحياة بعد أن تحوَّلت إلى نبعة ماء، وهي لا تعود إلى سيرتها البشريَّة إلاَّ مرَّة كلَّ ألف عام (عقل، 1984، ص 286 وما بعدها). وليس غريباً تحوُّل المرأة إلى نبعة ماء في الأسطورة، حيث أنَّ المرأة ترمز إلى الولادة، وكذلك الماء. وفي الأسطورة الرومانيَّة، تتحوَّل إيجيريا Igeria ربَّة الليل إلى ينبوع، لتصبح الإلهة المهيمنة على الولادات (عثمان، والأصفر، 1982، ص 127).

يبدو ممَّا سبق أنَّ سعيد عقل يستقي مواضيعه من التراث الأسطوريِّ المتعدِّد، وهو قد يتصرَّف في الأساطير أو يعدِّلها، كما فعل في أقصوصة "النفس بعد الموت"، حيث جعل عصفورة البرج مرادفة لطائر الفينيق، وكذلك في أقصوصة "قبلة أفروديت"، حيث جعل أفروديت تختبئ في بحيرة اليمُّونة وتختار قدموس ليحارب الشرَّ. أو كما فعل في حكاية "يرفع الأرض إلى السماء"، حين استبدل هيراكليس في الأسطورة اليونانيَّة بملكرت في الأساطير الفينيقيَّة، وكذلك في أقصوصة "قلب الله" إذ جعل من ددتَّا باكورة الخلق الإلهيِّ. وبشكل عامٍّ، فإنَّ الكاتب يحترم إلى حدٍّ كبير الأصول الموروثة للأسطورة، وهذا لا يعني أنَّه ينقل نقلاً تاريخيّاً حرفيّاً، فهو ليس مؤرِّخاً في الأساس، بل هو أديب قصَّاص، يجعل من الأسطورة قاعدة ينطلق منها إلى الفضاء الأرحب، فضاء الأدب الجماليِّ الجاذب، الذي يمتزج فيه الموضوع الكلاسيكيُّ بلغة رمزيَّة عميقة، تحمل أبعاداً ودلالات سنتطرَّق إليها في القسم التالي من بحثنا.

2- دراسة تحليليَّة للقصص الأسطوريِّ عند سعيد عقل (دلالات الأسطورة ورموزها):

يستخدم سعيد عقل الأسطورة لهدف جماليَّ، فالأسطورة بما تحمله من المفاجأة، والمتعة، والكذب الفنِّيِّ، والرمز، وتخييل المتلقِّي، تضيف قيمة جماليَّة إلى الأدب، غير أنَّ الكاتب يضع في المقام الأوَّل مضمون العمل الفنِّيِّ والهدف الذي كُتب من أجله. فهو يريد التأكيد على مجموعة من القيَم، التي يتطلَّبها النصُّ الكلاسيكيُّ. فقدموس يمثِّل الشجاعة الفائقة لأنَّه مغامر في البحر، يتحدَّى الإله زوش أعظم الآلهة، محاولاً استعادة أخته أوروب، ومحارباً التنِّين الشرِّير الذي لا يقهَره بطل عاديٌّ، فهو تنّينٌ هائلٌ، ومن صفاته أنَّه:

"... أمرُّ من إنسانٍ

مغلقٌ، إن يَبِنْ، فأظفارَ ليثٍ وجناحَـي نسرٍ على أفعوان

وحش وحش الوجود، سرُّ الغباوات....

ينفث النار من حديد لسان ويفتُّ الصخر الأصـمَّ بنابه

إن ينفض جناحه يُنتِن الورد ويَسْودُّ زنبقٌ فــي شبابه." (عقل، 1961، ص 43-44)

إنَّ تصوير التنِّين بهذا الشكل يجعله ذا قوَّة عصيَّة على الأبطال، غير أنَّ هذه القوَّة لا تلبث أن تتفتَّت أمام عزم البطل اللبنانيِّ قدموس، وهمَّته العالية، وبراعته في القتال:

"لا، وروعُ التنِّين يغلي وعينـاه مهاوٍ مـــن القِلى ومهامِه

يتمطَّى تهيُّؤ الحامـل الضـاري وتجواب طيِّع الجسم، ضامـر

يضرب الأرض بالجناح وبالذيل، كما يقحم المُحال مكابــر.

قال قدموس: "ها أنا" واحتواه بذراعيه..." (عقل، 1961، ص 129-130(

ويكرِّر عقل صورة البطل الفينيقيِّ في "لبنان إن حكى"، فيجعل من بطل فينيقيٍّ يُدعى ناهار بطلاً أسطوريّاً، يقاتل ببسالة لا تُوصف، ويقفز من على سارية، ويجابه الأعداء صدراً لصدر... وعندما يأمر الملك الفارسيُّ أكزرسيس بصلب البحَّارة اللبنانيِّين إثر هزيمته في سلامين، ينجو ناهار، ثمَّ يعود إلى بلاده، فيعلم أنَّ زوجته ماتت قتيلة الفراق، فيقتل عصفورة بسهمه وهي طائرة، متصوِّراً أنَّها زوجته التي كانت تطلب منه أن يقتلها بيديه قبل أن يذهب إلى الحرب. (عقل، 1984، ص 181 وما بعدها). ففي هذه الأقصوصة، يظهر البطل الأسطوريُّ خارقاً في شجاعته وبطولته، فهو يتخطَّى المخاطر وينجو في ظروف صعبة، وفي قمَّة براعته، يصيب عصفورة صغيرة بسهمه وهي طائرة، وهذا لا يتأتَّى إلاَّ لمن يحوز على قدرة في رمي السهام لا مثيل لها.

لكنَّ لبنان ليس قوَّة محارِبة، تسعى إلى الفتوح والتوسُّع، شأن الشعوب القديمـة كاليونـان والـرومـان والفرس

والأشوريِّين. وهو لا يمضي إلى الحرب مبادراً إليها، بل لأنَّها تُفرض عليه فرضاً:

"صادقٌ أنت، ليست الحرب في صيـ ــدونَ قـصـداً مُقَصَّـداً أو جِنَّه

غير أنَّا إذا نُضام نجـــي الموت." (عقل، 1961، ص 59)

ويستغلُّ عقل مثل هذه الأساطير، ليصيب هدفاً إنسانيّاً مهمّاً، وهو تصوير النـزاع الأبديِّ بين الخير والشرِّ، فالتنِّين

في "قدموس" مثلاً، بما له من صفات بشعة، ورغبة في القتل والتدمير، هو وجه مخيف للشرِّ، بينما يمثِّل قدموس إرادة الخير التي تنتصر في النهاية.

ويقوم قدموس بدور مشابه في "لبنان إن حكى"، ليقدِّم صورة زاهية عن لبنان الشجاعة، ولبنان المحبِّ للخير، فتتخطَّى الأسطورة طابع الفرد إلى الطابع الأسمى، حيث تختار أفروديت رجلاً من لبنان ليقوم بالمهمَّة المستحيلة، مفضِّلة إيَّاه على أبطال الإغريق وآلهتهم الجبَّارة. فيقوم قدموس بقتل الحارسة الشرِّيرة، ويستعيد عضلات زوش، بعد صراع مرير مع قوى الشرِّ والظلام.

لقد جمع سعيد عقل أفروديت وقدموس وزوش في بوتقة واحدة تمثِّل الخير والإنسانيَّة النبيلة، بينما وضع الطيطَن والحارسة في جهة مقابلة هي الشرُّ بعينه. وهذا الصراع بين الخير والشرِّ هو من الأسس الثابتة التي تبنى عليها القصَّة الكلاسيكيَّة في الغالب.

ولا يكتفي عقل بالحديث عن شجاعة البطل الفينيقيِّ، فلبنان ليس قوَّة فقط، بل هو جمال آسر، يتمثَّل في مجموعة كبيرة من النساء، كمارينا الصوريَّة في أقصوصة "التي غنَّاها شكسبير"، وهي تمثِّل الشرف عند المرأة الفينيقيَّة (عقل، 1984، ص 38)، وددتَّا في أقصوصة "قلب الله"، إذ تكون الجميلة ددتَّا أوَّل امرأة في الوجود بعد أن ألقت النسور ببذرة الأرز الأولى، ثمَّ تأتي النسور برجل من الكواكب البعيدة ليكون زوجاً وحبيباً لددتَّا. وهنا تظهر علاقة لبنان بالولادة والخلق، ففي التوراة أنَّ الرجل ولِد أوَّلاً، وعند عقل تولد المرأة أوَّلاً ومن ثَمَّ يكون الرجل زوجاً لها.

وتظهر أوروب عند سعيد عقل كرسولة للجمال اللبنانيِّ في العالم القديم، "وأوروب تقول إنَّها كانت في كلِّ يوم تلهو في أترابها على الشاطئ، فيراها بحَّارة المملمة فيجنُّون... وأوروب سمع بها إله الآلهة في الغرب..." (عقل، 1984، ص 116-117)، فأوروب هي مثال المرأة التي تجتذب كبير الآلهة، وتجعله يتحوَّل إلى ثور لكي يختطفها، وهنا يتناغم جمال المرأة مع جمال لبنان، الذي يريد الغرب أن يأخذ ما عنده من قيَم وثقافة وحضارة. وعندما تموت أوروب في النهاية، تكون الضحيَّة في صراع كبير لا طاقة لها على تحمُّله، تماماً كما لبنان الصغير في خضمِّ الصراعات قديماً وحديثاً، يخرج منها مجروحاً، ودامي الفؤاد.

ويسخِّر سعيد عقل الأسطورة أيضاً، لإبراز صورة مضيئة عن فينيقيا في العصور القديمة:

"نحن للظواهـر؟ نحــن الكاتبو صـفـحـــة الحقيقة شعـرا

سفننا الألف مـا تني هيبة الأعصر تفري المجهول بحــراً فبحــرا

عمرتْ جزْركم عمائـــر غنَّاء وفضَّت غــــنى ثراكم مناجمْ

في كريتَ النحاس، في قبرص الصبغ وفي رودس الـقـلاع الجـواثم...

قــل مَــن النازلون قيثيرةً بعدُ وإيطاليا، وجــزْراً جـــزرا؟

يوقظون الدنيا على ضربــة المعول مستعـمــراً، فتنهض سكرى...

قـل مَــن الفاتحون إفريقيا بِكراً يشيدون قمَّةً فــي المغارب..." (عقل، 1961، ص 62 وما بعدها).

الأسطورة هنا ليست رواية تروى فحسب، إنَّما هي وسيلة لإبراز النبوغ اللبنانيِّ في التاريخ، من فتوحات بحريَّة، وتوسُّع، وبناء، وتعدين وصباغ أرجوانيٍّ... إنَّها العولمة الفينيقيَّة في زمن باكر. وفينيقيا أعطت العالم الحرف، وهو ما يُفاخر به أصحاب الفكرة اللبنانيَّة، وفي مقدِّمتهم سعيد عقل:

"جاء قدمــوس بالكتابة، بالعلم إليهم، إلى الأواتي العـصـــور

وغـــداً يعرفون أنَّا على السفْن حملنا الهـــدى إلى المعمـور." (عقل، 1961، ص 38)

ويرتكز سعيد عقل على النصِّ الأسطوريِّ لينطلق منه إلى إظهار تفوُّق الفينيقيِّين في صناعة الصباغ الارجوانيِّ إلى حدِّ الإعجاز الذي يُحيِّر الآلهة (عقل، 1984، ص 76)، كما يظهر تنبوغ الفينيقيِّين في بناء السفن، وفي معرفة الأبعاد البعيدة وراء البحار، عندما كان أهل الحضارات غير الفينيقيَّة يعتقدون أنَّ صفحة الأرض حدُّها الهرقليَّات:

"صفحةُ الأرض حدُّهــا الهرقليَّات وتأبـونــه على الأرض حـَـدَّا

فتفضُّون فــــي المحيط بعيـداً دنيوات كأنَّما الكون مُـــدَّا." (عقل، 1961، ص67).

وفي هذا الكلام إشارة واضحة إلى توسُّع الفينيقيِّين في البحار عندما كان أبناء الحضارات الأخرى يعتقدون أنَّ الأرض تنتهي عند الهرقليَّات، أي أعمدة هرقل (مضيق جبل طارق اليوم). وفي رأي سعيد عقل أنَّ البحَّارة من صور وصيدون قد وصلوا إلى البرازيل ثلاثة آلاف سنة قبل كولومبوس (عقل، 1984، ص 298).

ويستغلُّ عقل الأسطورة أيضاً ليبيِّن أهمِّيَّة دور فينيقيا في إعمار المُدن العظيمة لدى الحضارات الأخرى، فقدموس يزرع أضراس التنِّين في الأرض لتصبح مدناً (عقل، 1961، ص 157). والمعروف أنَّ الأسطورة القديمة تذكر أنَّ قدموس زرع أغراس التنِّين في الأرض لترتفع منها مدينة، وفي هذا إشارة إلى قدرة الفينيقيِّين على تحويل الحجارة إلى أبنية شاهقة، فقد "شارك عدد من البنَّائين والنحَّاتين الجبيليِّين مع الصوريِّين في بناء هيكل سليمان. "جبر، 2001، ص49)، وجاء في التوراة أنَّ الحرفيِّين لدى سليمان وأحيرام، والعمَّال من بيبلوس قطعوا وهيَّأوا الأخشاب والحجارة من أجل بناء الهيكل (سفر الملوك الأوَّل: 5: 17-18).

كما أنَّ المدن الفينيقيَّة نفسها، لم تكن في نظر سعيد عقل من صنع إنسان، بل هي من عمل الآلهة، فها مدينة زحلة قد هبطت من الأعالي حين مالت كتف أطلس وهو يحمل السماء (عقل، 1984، ص 28)، وها جبيل تنـزلق عن أصابع الإله إيل (عقل، 1984، ص 116). المدن الفينيقيَّة إذن هي أعمال جليلة من إعجاز الآلهة.

ويرتفع سعيد عقل بالفكر الفينيقيِّ إلى ما هو أرفع من المادَّة، من الحجر إلى الروح ومعرفة اللهن فالفينيقيُّون "لم يبنوا أجمل المعابد والملاعب وقباب الغرانيت، وأعمدة المرمر تغنِّي مع الريح والنور والصاعقة، لكنَّهم، فوق ذلك تجرَّأوا على اقتحام مجاهل السرِّ، غامروا داخل النفس، غامروا في قلب الله." (عقل، 1984، ص 116)، كما أنَّه يعزو تسمية الكتاب المقدَّس (Bible) إلى مدينة جبيل (Byblos)، فالفينيقيُّون "ألَّفوا أوَّل كتاب عرفه العالم، فراحت جميع لغات المدنيَّة تدعو الكتاب "بيبلاً" مشتقَّة اسمه من بيبلوس." (عقل، 1984، ص 119)

وينطلق سعيد عقل أيضاً من الأسطورة إلى رحاب الدين، أو ما يُسمَّى بالأسطورة الدينيَّة، فأقصوصة "الطائر العجيب" (عقل، 1984، ص 138 وما بعدها)، تتناول رمزاً مهمّاً من رموز الديانة الفينيقَّة، وسعيد عقل لا يستخدم هذا الطائر - الرمز في إطار التصوير الفنِّيِّ، أو في إطار الخرافة الممتعة، بل يريد منه التأكيد على ريادة فينيقيا في مجال الدين أيضاً، فالفينيقيُّون آمنوا بأنَّ روح الطائر لا تموت، بل هي تعود إلى الحياة من خلال الموت. وقد أشار عقل في الأسطورة نفسها إلى أنَّ طائر الفينيق هو الحقيقة الممهِّدة لحقيقة المسيح الذي يموت ثمَّ يقوم من الموت بعد ثلاثة أيَّام، ليؤكِّد على العلاقة بين المفهوم الفينيقيِّ للقيامة والمفهوم المسيحيِّ لها: "يعيش عيشتنا، ويكدح في الحقل كدحنا، يشقى ويموت ويُدفَن في التراب، وفي اليوم الثالث يقوم." (عقل، 1984، ص 144)

ويصوِّر عقل في أقصوصة بعنوان "يرفع الأرض إلى السماء" الانسجام العميق بين الحضارة الفينيقيَّة والديانة المسيحيَّة، فيجعل من الجميلة تيروس مقدِّمة لمجيء مريم العذراء: "... حتَّى إذا انتهى إلى أسطورة تيروس التمع له خاطر شهم، هو أن يجد في الموركسة رمزاً لأحشاء العذراء. الموركسة، قال، خلعت على تيروس ثوباً تخطر به بين الآلهة، ومريم خلعت على الله جسماً يخطر به بين البشر." (عقل، 1984، ص 77)

لا نبالغ إذن لو قلنا إنَّ الأساطير التي يستخدمها سعيد عقل لا يُقصَد منها الحكاية التي لا يصدِّقها العقل، مجرَّدة من الحقائق، بل إنَّه يمزج مع هذه الحكايات التي لا تُصدَّق مجموعة من الحقائق التاريخيَّة الثابتة لدى العلماء والمؤرِّخين، فقدموس هو الذي نقل الحرف إلى بلاد اليونان في وقت كانت فينيقيا تشعر بالقصور والعجز أمام التفوُّق اليونانيِّ في حقول المعرفة، والفينيقيُّون هم مَن بنوا الهياكل من خشب الأرز والحجارة، وهم مَن خاضوا مجاهيل البحار، وبرعوا في الصناعة. وهذا المزج بين التأريخ والأسطورة يضع النصوص الأسطوريَّة عند سعيد عقل في إطار التاريخسطورة، أي التاريخ والأسطورة معاً، بحيث تتضمَّن الحكاية عناصر تاريخيَّة ومجموعة خوارق في الوقت عينه، مثل "ملحمة جلجامش" و "حرب طروادة" (زكي، 1979، ص 51).

لكن في نصوص أخرى كنصِّ "قبلة أفروديت" يغرق سعيد عقل في المبالغة، فأفروديت وهي إلهة رومانيَّة تختار رجلاً من لبنان لكي يستعيد عضلات زوش المخبوءة. وعقل يريد أن يظهر فضل فينيقيا على آلهة اليونان وتراثهم الحضاريِّ، فـ "إنَّ قدموس في المحصِّلة هو لبنان." (جحا، 1999، ص 342)، ولبنان في نظر سعيد عقل هو قيمة فوقيَّة، تضيع فيها صورة الأرض والوطن في صورة الذات الشاعرة، التي قد تتوسَّع في عظمتها لتتخطَّى حدود الوطن إلى الكونيَّة. وعن هذا يقول أنطوان قازان إنَّ لبنان عند سعيد عقل هو "لهو صيدون بالعزِّ، وإيقاظ المجد في صور وقرطاجة، ومظاهر الشمول في الشاعر، وقد ودَّ لو يضمُّ الكون ويحتوي الأزمنة." (قازان، ج 1، 1998، ص 227)

خاتمة وتقويم:

هكذا نرى أنَّ سعيد عقل في مسرحيَّته "قدموس" وفي مجموعة أقاصيص "لبنان إن حكى"، يأخذ من المعين الخصب للأسطورة، ويستخدمها لأغراض إنسانيَّة ووطنيَّة، كالصراع بين الخير والشرِّ، وتمجيد لبنان القديم في الحاضر. وقد يسأل سائل: ما هي الإضافة التي حقَّقها سعيد عقل في استخدامه للأسطورة؟ وهذا السؤال لا ينبغي أن يُطرَح عشوائيّاً، نتيجةً لاتِّخاذ موقف مسبَق من الكاتب ونظرته إلى الفنِّ والأدب، أو الاختلاف معه في اتِّجاهه اللبنانيِّ المتطرِّف. إنَّ بيار كورناي لا يضيف الكثير على القصَّة المعروفة التي استقاها من التاريخ الأسباني، وأعاد صياغتها في مسرحيَّة " السيِّد"، وأحمد شوقي أيضاً لا يجهد نفسه في ابتداع قصَّة مبتكرة حين يكتب "مصرع كليوباترا"، لأنَّ عنصر المفاجأة يقلُّ تأثيراً حين يُعيد الكاتب صياغة نصٍّ من التاريخ. وليس من المعيب أن يأخذ الكاتب نصّاً تاريخيّاً أو أسطوريّاً ليبني عليه، وإلاَّ كان علينا أن نلغي كلَّ الأدب الكلاسيكيِّ. ولعلَّ موقف الباحثة كاتيا شهاب من مسرحيَّة " قدموس" لسعيد عقل" يدخل في إطار الفهم الخاطئ لطبيعة عمل الكاتب، وأسلوبه، وأهدافه من الكتابة. تقول شهاب: "إنَّ حكاية قدموس وصراعه الدامي مع الوحش، وموضوع الحبِّ والحرب والانتقام، جميعاً تشكِّل أساساً جيِّداً للتفسير الدراميِّ، ولكنَّ عقل الذي لا يكشف عن مقدرة دراميَّة، لا يفلح إلاَّ في ملء مسرحيَّته بقصائد غنائيَّة جميلة، لأنَّ همَّه الرئيس استخدام الموضوع لتمجيد القوميَّة اللبنانيَّة، لكن حتَّى هذه القوميَّة لا تحمل معها إقناعاً كافياً في المسرحيَّة. إنَّ إحياءه لبطل لبنانيٍّ قديم جدّاً قام بجلائل أعمال الشجاعة والرجولة، لم يكن للاحتفال ببطولبة الإنسان عامَّة، في جهده العنيد ضدَّ العدوان والشرِّ ، بل كان من أجل إحياء أسطورة حضارة قديمة." (شهاب، 2010، ص 107-108)

صحيح أنَّ مواضيع الحبِّ والحرب والانتقام هي مواضيع ملهمة للدراما، غير أنَّ الحُكم على سعيد عقل من خلال نصٍّ مسرحيٍّ مكتوب، لا يعطي الرجل حقَّه، فالمسرح يبقى ناقصاً من غير أداء حيٍّ، واللغة الجامدة التي نقرأها في مسرحيَّة مكتوبة تختلف عن لغة المسرح النابضة بالحياة. ففي السينما، والمسرح هناك الكثير من النصوص التي تجلَّت روعتها في الإخراج والتمثيل والمؤثِّرات. فإذا قرأنا مثلاً مسرحيَّة "مصرع كليوباترا" لأحمد شوقي" و"أندروماك" لجان راسين نجد أنفسنا أمام مشروعين ناقصين، يلزمهما الكثير من العمل لإنتاج النسخة الدراميَّة المؤثِّرة في الناس. ونحن نرى أنَّ سعيد عقل نجح في غنائيَّته، كما نجح في تقديم نصٍّ مسرحيٍّ، ولكنَّه كان مقيَّداً بحقيقة التاريخ التي لا يمكن تغييرها، وهذا أمر يعاني منه جميع الكتَّاب الكلاسيكيِّين، فيفقدون مناخ الحرِّيَّة، ويقتصر عملهم على النقل المباشر، مع تغييرات طفيفة قد لا يلاحظها المتلقِّي، ولا يبقى في يد الكاتب إلاَّ القليل من عناصر الأدب، كالصورة الشعريَّة، والتصوير الجميل، وإضفاء طابع السحر على المَشاهد. وفي نظرنا أنَّ سعيد عقل لم يقصِّر في استخدام هذه العناصر إلى أقصى قدر مكن. أمَّا انتقاد سعيد عقل على تمجيده للقوميَّة اللبنانيَّة، فلا يأتي في إطار النقد الأدبيِّ، إنَّما في إطار النقد السياسيِّ، فالكاتبة نفسها تقول أيضاً: "هو (سعيد عقل) يعلم جيِّداً أنَّ الثقافة الحديثة في لبنان ليست فينيقيَّة، بل ثقافة عربيَّة شديدة الاتِّصال بثقافة العالم العربيِّ - الإسلاميِّ." (شهاب، 2010، ص108). ونحن ننظر إلى كلام شهاب على أنَّه لسان حال العديدة من النقَّاد والباحثين العروبيِّين، الذين يعارضون سعيد عقل في نظرته اللبنانيَّة. غير أنَّ حرِّيَّة الرأي تفرض علينا، سواء أوافقنا سعيد عقل أم عارضناه في أفكاره، أن نحترم مواقفه الفكريَّة الشاملة، ونناقشها في جوٍّ هادئ وبعيد عن الصخب والارتجال. ومن حقِّنا أن نسأل هنا؟ هل يبقى سعيد عقل هو هو لو أنَّه تخلَّى عن الفكرة اللبنانيَّة؟ أولا تشكِّل هذه الفكرة كمَّاً هائلاً من المخزون الثقافيِّ والعقائديِّ والتبشيريِّ للرجل؟ وماذا مثلاً لو تصدَّينا لأحمد شوقي لأنَّه جعل من كليوباترا رمزاً للبطولة المصريَّة في التاريخ القديم، وهي التي كانت تعيش حياة مستهترة، وتتباهى بإيقاع القياصر في حبائلها؟ أو ماذا يبقى من بيار كورناي إذا جعلناه يتخلَّى عن تمجيد البطل الأسبانيِّ رودريغ في مسرحيَّته "السيِّد"؟ وهل يبقى هوميروس في مكانته العالية نفسها لو حذفنا جميع الأساطير التي وردت في الإلياذة والتي يقصد منها تمجيد الأبطال الأغارقة الأقدمين؟

وإنَّنا نرى أنَّ سعيد عقل تجاوز في أبطاله حدود اللبنانيَّة الضيِّقة، فقدموس قد يكون مثلاً أعلى لكلِّ بطل يملك الشجاعة، والمغامرة، والفكر والثقافة. وأوروب يمكن أن تكون رمزاً للمرأة المعانية التي تضحِّي في معركة بين الخير والشرِّ، والتنِّين هو كلُّ قوَّة شرِّيرة تعيث في الأرض فساداً، وتحاول نشر الظلام، لولا قوَّة البطل الذي يصدُّها ويقضي عليها قضاء مبرماً. وهذه الرمزيَّة الشاملة تنصف سعيد عقل فيما لو اتُّهم بأنَّه كان أسيراً في شرنقة الفكرة الفينيقيَّة، ولم يلتفت إلى بطولة الإنسان عامَّة.

وعلى الرغم من الضوابط الكلاسيكيَّة التي تقيَّدت بها مسرحيَّة "قدموس"، وأهمُّها محاكاة نصٍّ قديم، وتمجيد البطل، والدفاع عن القيم المقدَّسة: كالشجاعة، والحبِّ، والوفاء، والفضيلة، والرضوخ لمشيئة القدر (أوروب ضحيَّة القدر الذي أوصلها إلى النهاية المفجعة)، فإنَّنا نلاحظ أنَّ المسرحيَّة حملت كثيراً من الرمزيَّة، فانتصار قدموس على التنِّين وموت أوروب يرمزان إلى انتصار لبنان على الشرِّ في التاريخ، غير أنَّ هذا الانتصار لا بدَّ له لكي يتحقَّق من ضحيَّة عظيمة، وهذه الضحيَّة تتكرَّر في التاريخ الفينيقيِّ من خلال طائر الفينيق، وأدونيس الذي صرعه الشرُّ أيضاً.

أمَّا "لبنان إن حكى" فإنَّه ينطلق أيضاً من قيود الكلاسيكيَّة إلى فضاء الرمزيَّة، ولسنا نعني هنا الرمزيَّة التي تتناول المجهول واللاوعي والعقل الباطن، ويكشف الكاتب من خلالها عن المجهول، فيبيِّن العلاقة التي تربط أعمالنا بحياة داخليَّة لا نستوعبها ولا نعيها (كرم، 2004، ص 102)، بل نعني تلك الرمزيَّة الخفيفة التي تُخرِج النصَّ من جموده التأريخيِّ الكلاسيكيِّ إلى أبعاد جديدة، لا يمكن القبض عليها من خلال الصياغة الحرفيَّة، بل بعد تفكير وقراءة أعمق، ففي "سرِّ العصفورة المنتحرة" (عقل، 1984، ص181 وما بعدها)، يبداً سعيد عقل بنصٍّ تاريخيٍّ موضوعه معركة "سلامين" بين الفينيقيِّين والفرس من جهة، واليونان من جهة أخرى، وينهي الأقصوصة بمقتل العصفورة على يد البطل ناهار، لترمز إلى زوجته، قتيلة الفراق. وفي "النفس بعد الموت" (عقل، 1984، ص 48)، ترمز عصفورة البرج الزرقاء إلى خلود النفس بعد الموت، وهو اعتقاد كان معروفاً في فينيقيا القديمة، قبل نشوء الديانات السماويَّة، وفي "قبلة أفروديت" (عقل، 1984، ص 66 وما بعدها) يرمز القتال بين زوش والطيطن إلى الصراع المستمرِّ بين السماء والأرض، أي بين الإله والمخلوق.

وفي أقصوصة "بلتيسى ذات الغدائر الشقر" تولَد المرأة من النغم المبدِع، لتكون صورة مصغَّرة عن مدن فينيقيا، التي انطلقت من العقل إلى تخطِّي المحسوس، وهي لا تكبر ولا تشيخ، وترفض أن تُحبَّ العازف لكي تحتفظ بكيانها الروحيِّ المنـزَّه عن رغبات القلب والجسد (عقل، 1984، ص 286).

يمكن القول إذن إنَّ نصوص سعيد عقل كلاسيكيَّة مطعَّمة بالرمزيَّة، وقد نجح الكاتب في إقامة التوازن بين المذهبين، فلا يفقد المتلقِّي حقيقة النصِّ التاريخيِّ، ولا يؤسَر في نطاق النصِّ الجامد، فيفوز بمتعة المعلومة الموثَّقة من جهة، ومتعة الجماليَّة الآخذة من جهة ثانية. وسعيد عقل نفسه يرفض أن يكون مأسوراً في مذهب واحد، يقول عن شعره: "في شعري شيء من الرمزيَّة، لكنَّ شعري أكبر من ذلك. يضمُّ كلَّ أنواع الشعر في العالم. هؤلاء الذين يصدِّقون أنَّهم روَّاد مدرسة من المدارس ليسوا شعراء كباراً. الشعراء الكبار هم الذين يجعلون كلَّ أنواع الشعر تصفِّق لهم." (شهاب، 2010، ص 167)

المصادر والمراجع

الكتب الأجنبيَّة:

Allen, Grant (2000). The Evaluation of Idea: An Inquiry into the Origins of Religions. Escondido, CA: Book Tree.

Barber, Richard (1979). A Company to World Mythology. Middlesex England: Kestrel Books.

Beecroft, Alexander (2010). Authorship and Cultural Identity in Early Greece and China. Cambridge: Cambridge University Press.

Bell, Robert (1982). Dictionary of Classical Mythology - Symbols, Attributes and Associations. Oxford: ABC - Clio

Crystal, David (2000). The Cambridge Encyclopedia. 4th Edition. Cambridge: Cambridge University Press.

Dictionnaire Quillet de la Langue Francaise. V.2 (1959). Paris : Librairie Aristide Quillet

Diticco, Robyn & Tony (2005). Atlas’ Revenge: Another Mad Myth Mystery. Pompano Beach Fl.: Brainstorm Publications, Inc.

Gommers, Peter H. (2001). Europe, what’s in Name?. Belgium: Leuven University Press.

Grimal, Pierre (1996) The Dictionary of Classical Mythology, Oxford: Blackwell Publishing.

Tarnowsky, Wafa Stephen (1997). Dances with Gods – Canaanite – Phoenician Mystery and Legends Retold. Nicosia: Rimal Publications.

الكتب العربيَّة:

الإنجيل والتوراة

بولس، جوَّاد (1972). تاريخ لبنان. بيروت: دار النهار.

جبر، جميل (2001). جبيل في التاريخ، بيروت: لا ناشر.

جحا، ميشال خليل (1999). الشعر العربي الحديث من أحمد شوقي إلى محمود درويش. بيروت: دار العودة ودار الثقافة.

الزبيدي، محمد مرتضى (لا تاريخ). تاج العروس من جواهر القاموس. م 3. بيروت: دار مكتبة الحياة.

زكي، أحمد كمال (1979). الأساطير. بيروت: دار العودة.

شهاب، كاتيا (2010). سعيد عقل - العظمة وجنونها. بيروت: دار المؤلف.

عقل، سعيد (1991). سعيد عقل في شعره والنثر. المجلَّد الأوَّل. بيروت: نوبليس.

عقل، سعيد (1984). لبنان إن حكى. بيروت: مؤسسة نوفل.

عقل، سعيد (1961). قدموس، بيروت: المكتب التجاريُّ للطباعة والتوزيع والنشر.

قازان، أنطوان (1998). آداب وأدباء. ج1 . بيروت: دار المراد.

كرم، أنطوان غطَّاس (2004). الرمزية والأدب العربيُّ الحديث. بيروت: دار النهار للنشر.

الكفراوي، محمد عبد العزيز (1971). تاريخ الشعر العربي. ج 4. القاهرة: دار نهضة مصر للطبع والنشر.

لبُّس، جوزيف (2012). سعيد عقل شاعراً أسطوريّاً في المجدليَّة وقدموس. مجلَّة المشرق. السنة السادسة والثمانون. الجزء الأوَّل. بيروت: دار المشرق.

موسوعة الأديان في العالم- الديانات القديمة (2000). بيروت: Edito Creps. INT.

مونتاجيو، أشلي (1965). المليون سنة الأولى من عمر الإنسان. ترجمة رمسيس لطفي. القاهرة: مؤسسة سجلّ العرب.

مواقع إلكترونيَّة:

http://www.greek-mythology-gods.com/titans.html

http://www.mythencyclopedia.com/Go-Hi/Greek-Mythology.html

_______________________________________________________________________________

 

6- "تعلّق قلبي طفلة عربيّة" لامرئ القيس

قمّة التجديد في شعر عربيّ قديم

الدكتور جميل ميلاد الدويهي

نقف في مطالعتنا هذه عند واحدة من أشهر قصائد امرئ القيس الكنْدي: "تعلّق قلبي طفلة عربيّة"، لكي نتحدّث عن الشعر الشعر والإعجاز الإعجاز.

وفي رأينا المتواضع أنّ امرأ القيس قمّة لا يطالها شاعر آخر عاش قبل الإسلام إلاّ بشقّ النفس. وقد حذا حذوه شعراء كثيرون، وتلمّسوا طريقته في عصور لاحقة، فتجديده بحر من أيّ الجهات أتيته، وكان العصر محدود الوسائل والأشكال، والشاعر يأخذ أوصافه من البيئة التي عاش فيه. فإلى أيّ مدى جدّد امرؤ القيس في قصيدته؟ وما هي نواحي تجديده؟

من العدل أن نقول إنّ المطالع في عصر امرئ القيس لم تحد عن الوقوف عن الأطلال، وتلك طريقة شائعة، لا نلوم الشعراء عليها، ولكنّ امرأ القيس أراد أن يجدّد وأن يعطي شيئاً مختلفاً عن معاصريه، فحشد في المطلع مجموعة من النباتات والحيوانات التي تعيش في بيئته الصحراويه، في نظم إعجازيّ قلّ نظيره، بل لا نقع على مثله في الشعر العربيّ. وقد يقول قائل: لماذا يذهب امرؤ القيس في اتجاه الحشد اللفظي والتسميات، وكان يمكن أن يختصر؟ ونحن نجيب: إنّ الموسيقيين الكبار لم يختصروا في الموسيقى بل أفاضوا وانتقلوا من لحن إلى لحن غير عابئين بالوقت الذي تستغرقه السيمفونية. هكذا أراد امرؤ القيس من الحشد كأنّه يقول: "إفعلوا مثلي إذا كان في إمكانكم أيّها الشعراء":

"فانبتَ فيه من غشَنْض وغَشْنَضٍ ورونقِ رندٍ والصلنْددِ والأسلْ

وفيه القطا والبومُ وابنُ حبوْكَلٍ وطير القطاط والبلنْدد والحجل

وعنثلةٌ والخيْثوانُ وبرْسلٌ وفرخُ فريقٍ والرفلَّةُ والرفل

وفيلٌ وأذيابٌ وابن خويْدرٍ وغنسلةٌ فيها الخفيْعانُ قد نزل

وهامٌ وهمهامٌ وطالعُ أنجدٍ ومنحبكُ الروقَينِ في سَيرِه مَيَل."

إذن مجموعة طويلة وعريضة من الأسماء حشدها في تحّد للمقتدرين، وفي تقديرنا أنّ لا أحد سبقه ولا أحد لحقه في هذا الحشد الإعجازي. فالغشنض تبدو كلمة مستعربة وهي نبات صحراوي، والغشنض مثله، ورونق الرند نبات عطري الرائحة، والصلندد نبات أيضاً، والأسل شجر طويل له أشواك تصنع منه الرماح. والقطا ضرب من طير الحمام، والبوم طائر معروف، وابن حبوكَل (قد يكون ابن حبوكر) الذئب أو الثعلب، طير القطاط نوع من الطيور يشبه الحمام، والبلندد هو شجر ولكننا نعتقد أنّه من أسماء الحيوانات التي كانت معروفة في عصره وماتت التسمية. الحجل طائر معروف. عنثلة أنثى الضبع، والخيثوان ذكر الضبع، وبرسل من الحيوانات البرية (الضبع أيضاً)، وفرخ فريق ضبع صغير، والرفلّة أنثى ضبع طويلة الشعر والرفل ضبع طويل الشعر. والفيل معروف، والأذياب ذئاب، وابن خويدر ابن الحمار الوحشي، الخفيعان: الجراد، والهام طائر صغير، وهمهام: الأسد الشجاع، وطالع أنجد: الحمار الوحشي، ومنحبك الروقين: الثور ذو القرنين...

إنّ هذا التعداد يعتبره البعض ضرباً من ضروب الانحطاط في الشعر، لكنّه في جانب آخر إثبات لا ريب فيه على قدرة الشاعر التي لا تضاهى والتي لم يُسبق إليها في عصره من جهة وضع الألفاظ في إطار شعريّ وقالب مختصر.

وكأن الشاعر لم يكتف بهذه العراضة اللفظية، فذهب في بعض مفاصل القصيدة، وهو يتغزل بالطفلة العربية سلمى، ليكرّر تكراراً عجيباً لم نألفه في القصيدة الجاهلية:
"فهِيْ هيَ وهْيَ هِيْ وهِيْ هيَ وهْيَ هِيْ مُنى لي من الدنيا من الناس بالجمل

ألا لألا إلا لآليء لابث ولا لألا إلا لآليء من رحل

فكم كم وكم وكم؟ وكم كم وكم وكم؟ قطعت الفيافي والمهامة لم أمل

وكاف وكفكاف وكفّي بكفها وكاف كفوف الودق من كفّها انهمل

فلو لو ولو ولو، ولو لو ولو ولو دنا دار سلمى كنت اول من وصل

وعن عن وعن وعن، وعن عن وعن وعن أسائل عنها كل من سار وارتحل

وفي في وفي وفي، وفي في وفي وفي وفي وجنتي سلمى أقبل لم أمل

وسلْ سل وسل وسل، وسل سل وسل وسل وسل دار سلمى والربوع فكم أسل".

وإذا نظرنا إلى البيت الأوّل من هذه الأبيات نجد أنّ الشاعر يعطي أهمّيّة قصوى للصوت على حساب المعنى. فلفظة "هي" جاءت بثلاثة أشكال مختلفة "هِيَ" و "هْيَ" و"هِي"، لكي يستقيم الوزن. ولسنا ندري كيف استطاع الشاعر أن يحفظ هذا الشعر في زمن لم يكن فيه الشعر يكتب بل يحفظ. وقد يكون الغناء ساعده على هذا الحفظ، فهو شاعر غنّاء، كان يعاقر الخمرة بكثرة وينشد قصائده إنشاداً. والسؤال الذي يطرحه قارئ هذه الأبيات الغريبة في تركيبها اللفظيّ: هل كان امرؤ القيس يكرّر لمجرّد التكرار القبيح؟ أم كان يكرّر لغرض فنّيّ في استعراض لمهارة قلّ نظيرها؟

قد ينقسم الناس حول هذا الموضوع كما ينقسمون بين من يعتقد أنّ القصيدة تكون في معناها، وبين من يرى أنّ الشعر في مبناه وشكله وألفاظه. وبين هذا وذاك يتركنا امرؤ القيس في حيرة من أمرنا، لكنّنا لا نناقش في أنّه رائد التشكيل اللفظيّ الغريب الذي لا نرى مثيلاً له في عصر ما قبل الإسلام (الجاهليّ اصلاحاً).

وبعيداً عن الإطار اللفظي نتوجّه إلى معاني القصيدة لنكشف عما فيها من تجديد سبق عصره، فالتجديد الأبرز هو النرجسيّة غير المألوفة في عصر الشاعر الكنْديّ، فامرؤ القيس هو أوّل مصاب بداء النرجسيّة في الشعر العربي قاطبة، بل في التاريخ العربي كلّه:

"وقد كنت أسبي الغيد أمرد ناشئًا ويسبينني منهنّ بالدلّ والنقل..."

ويروي الشاعر لقاءه مع سلمى وأتراب لهافي حوار قصصي لم يسبقه أحد إليه:

"فقالت لأتراب لها: قد رميته فكيف به إن مات أو كيف يحتبل؟

أيخفى لنا إن كان في الليل دفنه؟ فقلنَ: وهل يخفى الهلال إذا أفل؟"

وبعد عشرات من السنين سيأتي شاعر أمويّ اسمه عمر بن أبي ربية، فيتأثر بامرئ القيس ويأخذ من حصاده، ففي قصيدته الشهيرة: "هل يخفى القمر؟" يسطو عمر على فكرة "هل يخفى الهلال إذا أفل؟"لامرئ القيس، كما ينشئ حواراً بين المرأة وأتراب لها، مستخدماً "قالت لأتراب لها" بعينها من غير خوف أو وجل، فاسمع عمراً بن أبي ربيعة وهو يقول:

"للتي قالت لأتراب لها قطف فيهن أنس وخفر
إذ تمشين بجو مؤنق نير النبت تغشاه الزهر... إلخ."

لقد ظُلم امرؤ القيس عندما أصبحت جملة "هل يخفى القمر؟" كلاماً شائعاًعند العرب، ولم تشع جملة: "هل يخفى الهلال إذا أفل؟"، فذاع البديل وأهمل الأصيل.

ولكي لا ينتقدنا أحد في ما نسوقه من تشابه بين امرئ القيس السابق وعمر بن أبي ربيعة اللاحق، نحيل أيضاً إلى معلقة امرئ القيس وفيها:

"فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها لما نسجتها من جنوب وشمألِ"...
وإلى مطلع لعمر بن أبي ربيعة:

"هيّج القلب مغان وصير دارسات، قد علاهنّ الشجر
ورياح الصيف قد أزرت بها تنسج الترب فنونا ، والمطر..."

فـ"النسيج" من عمل الرياح، وهو واحد عند امرئ القيس وعمر بن أبي ربيعة الذي يسرق الكحل من العين كما تقول العرب.

ولا شكّ في أنّ امرأ القيس هو أبو القصّة الشعرية، وكثير من أشعاره قصصية:

"سموت إليها بعدما نام أهلها سمو حباب الماء حالاً على حال

فقالت: سباك الله إنك فاضحي ألست ترى السمار والناس أحوالي؟"...إلخ

"ولما دخلت الخدر خدر عنيزة فقالت: لك الويلات إنّك مرجلي

تقول وقد مال الغبيط بنا معاً عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزلِ"... إلخ

وفي القصيدة التي نناقشها يقول امرؤ القيس:

"وقلتُ لها: أي القبائل تنسبي لعلي بين الناس في الشعر كي أسل

فقالت: أنا كنديّة عربيّة فقلت: لها حاشا وكلا وهل وبل

فلمّا تلاقينا وجدت بنانها مخضّبة تحكي الشواعلَ بالشعل

ولا عبتُها الشطرنج خيلي ترادفت ورخّي عليها دار بالشاه بالعجل

فقالت: وما هذا شطارة لاعب ولكنّ قتل الشاه بالفيل هو الأجل"...

لقد كان امرؤ القيس مولعاً بالقصّة الشعريّة ورائدها الحقيقيّ، ويبدو أنّ عمراً بن أبي ربيعة أعجب بهذ الطريقة بعد كم من السنين فجعلها خطّاً له أيضاً.

وماذا عن شعراء آخرين أخذوا من امرئ القيس أيضاً؟

هذا هو الدارمي يعجب بامرئ القيس في قوله:

"لها مقلة لو انها نظرت بها إلى راهب قد صام لله وابتهلْ

لأصبح مفتونا معنّى بحبها كأن لم يصم لله يوماً ولم يُصلْ"

والدارمي هو ربيعة بن عامر، شاعر عباسي كفيف جاء بعد امرئ القيس بمئتي سنة تقريباً، ويقال إنّ بائع خمُر سوداء(أغطية رأس للنساء) كسدتْ بضاعته، فطلب من الدارمي أن يؤلف له شيئاً عن الخمارالأسود فيغنيه ويستطيع أن يبيع ما كسد، فقال له الدارمي غَنِّ هذا:

"قل للمليحة في الخمار الأسودِ ماذا فعلتِ بزاهدٍ متعبِِّدِ؟

قد كان شمّر للصلاة ثيابه لما وقفتِ له بباب المسجد

ردّي عليه صلاته وصيامه لا تقتليه بحقّ دين محمّدِ.

فذهب البائع وغنّى ما علّمه الدارمي فباع للنساء جميع ما معه من خمُر سوداء.

ونحن لا نرى في شعر الدارمي ما يختلف عما قاله امرؤ القيس، فامرؤ القيس يستخدم المقلة أي العين كأداة لإغراء الكاهن، والدارمي يستعمل الخمار الأسود وسيلة لإغراء رجل الدين المسلم (لم يكن الإسلام معروفاً في عصر امرئ القيس).

ونشير هنا أيضاً إلى تشابه لفظي ومعنويّ بين عنترة وامرئ القيس، وقد عاشا في زمن واحد تقريباً، فعنترة يقول في مطلع معلّقته:

"هل غادر الشعراء من متردّمِ؟ أم هل عرفت الدار بعد توهم؟"

وامرؤ القيس يقول:

"فلمّا عرفتُ الدار بعد توهمي تكفكف دمعي فوق خدي وانهمل"...

فهل أخذ عنترة عن امرئ القيس أيضاً؟ أم كان التعبير: "عرفت الدار بعد توهم" شائعاً في الجاهليّة بين العامة؟

وفي العصر الأموي يأخذ شاعر آخر هو يزيد بن معاوية من امرئ القيس بطريقة فاضحة، فيقول:

ولما تلاقينا وجدت بنانها مخضبه تحكي عصـاره عـــــندمِ 

وما هذا البيت سوى تكرار شبه كامل لبيت امرئ القيس:

ولمّا تلاقينا وجدت بنانها مخضّبة تحكي الشواعلَ بالشعل...

أمّا وصف امرئ القيس للمرأة فلا يضاهيه أحد:

"تعلق قلبي طفلة عربية تنعّم في الديباج والحلي والحلل...

فتلك التي هام الفؤاد بحبها مهفهفة بيضاء درية القبل

كأنّ على أسنانها بعد هجعة سفرجلَ أو تفاحَ في القند والعسل

رداح صموت الحجْل تمشي تبخترا وصرّاخة الحجْلين يصرخنَ في زجل

غموض عضوض الحجْل لو أنها مشت به عند باب السبسبيّين لانفصل"...

إنها فتاة عربية غنية تتنعم بالديباج والجواهر الثمينة، بيضاء، مهفهفة، على أسنانها سفرجل أو تفاح ممزوج بالعسل وعصير القصب. تمشي تبخترا... ولعل أجمل بيت في هذا الوصف المجيد هو البيت الثالث الذي يصف الأسنان، وهو وصف ممتنع على أعظم الشعراء ولا يخطر في بال على الرغم من أنّ عناصره ماديّة وسهلة المنال.

ويساوي هذا البيت في جماله وانسيابه بيت آخر يصف فيه كيف عانق الفتاة حتّى تقطع عقدها:

"وعانقتها حتى تقطّع عقدها وحتى فصوص الطوق من جيدها انفصل

كأن فصوص الطوق لما تناثرت ضياء مصابيح تطايرنَ عن شُعل."

لله درّك يا امرأ القيس كيف تصف أحجار الطوق اللامعة وهي تتطاير كأنّها أضواء مصابيح تطايرت في ليل. عناصر مادّيّة رفعتَها إلى مستوى الروح وسحرت وأسكرت.

وتمضي أيّها الملك الضليل في قصّتك الشعريّة إلى النهاية لتروي لنا كيف لعبت الشطرنج مع الفتاة، وكنت تقبّلها في كلّ "دست"واحدة من القبل، فقبلتَها تسعاً وتسعين قبلة وواحدة أيضاً وكنت على عجل، كأنّك راكض إلى النار التي أعدّت للشعراء وأنت قائدهم إليها:

"فقبّلتها تسعاً وتسعين قبلةً وواحدة أيضاً وكنتُ على عجل"...

وعندما تغادر في عجلة من أمرك تتركنا مبهورين ومندهشين من قصيدة هي من أبدع ما قيل في الشعر العربي، وفيها من التجديد ما يسبق عصره، ويجعلك في طليعة الشعراء العباقرة والمتمرّدين على القوالب في تلك الحقبة من الزمن.

 

 

 

 

 

 

 

 



 

 

 

7- فيصل جلول يطارد سعيد عقل إلى مثواه

ودينا جابر اكتشفت أنّ الشاعر الكبير "بلا عقل"

بقلم د. جميل الدويهي

 

ينطلق فيصل جلول في مقالته "سعيد عقل مات عنصريا يحتقر العرب ولسانهم ويحلم بإبادة الفلسطينيين فعلام تضيروه (الصحيح تضيرونه) في مرقده الاخير؟" (صحيفة رأي اليوم، عدد 5 كانون الأول 2014) من جملة أفكار مسبقة كوّنها عن الشاعر الكبير سعيد عقل، وأيضاً من منطلق أيديولوجي وسياسي، ما يُظهر نأي جلول نأياً تاماً عن طبيعة النقد العلمي الذي لا يختلط فيه الحابل بالنابل، فالموقف السياسي والاجتماعي والديني لا يتعارض مع شعرية الشاعر، ولنا في التاريخ أمثلة عديدة على صحّة ما نقول، فكون امرئ القيس خليعاً متهتّكاً ومطارداً للنساء لا يلغي عنه أنه شاعر مبدع، بل هو أوّل الفحول وأعلاهم مقاماً، وأرهبهم سطوة، وكون أبي نواس ماجناً وزنديقاً (في التعريف الديني الضيق)، لا ينفي عنه أنه من كبار الشعراء، وما قصيدته "دع عنك لومي" إلا تحفة فنية نادرة، تحتوي على شذرات من علوم الاجتماع والكيمياء والفيزياء وعلم النفس. وكان أبو نواس كارهاً للعرب، محتقراً لهم، ولا يرضى العيش في خيامهم: "ليس الاعاريب عند الله من أحد" يقول. وفي قصيدته التي ذكرناها يقول: "حاشا لدرّة أن تبنى الخيام لها وأن تروح عليها الإبل والشاء". أي إنه يرفض أن تدخل الخمرة إلى الخيمة العربية حيث ينام الأعراب إلى جانب الإبل والأغنام. وكان الكثير من الشعراء العرب في العصر العباسي يوصفون بالشعوبية أي باحتقار العرب، واعتبار أصولهم أرقى من الأصل العربي.

ولكي لا نُفهم خطأ ويقال إننا ندافع عن هؤلاء الشعوبيين، نسارع إلى القول: إن التمييز بين الشعوب والأعراق أمر في منتهى القبح، فليس لأحد فضل على أحد، لكنّ العنصريّة موجودة في كل أرض ومهما وُضعت قوانين لمنعها فإنها ستبقى بنسب متفاوتة هنا وهناك. وفي الوقت نفسه نصرّ على فكرة أنّ السلوك الشخصي للشاعر ومواقفه لا تعني أنه ليس بشاعر، وأن تحقيره في موته ليس فضيلة إلا لدى من لا يحترمون الميت في لحده، وأن الحطّ من قدره ليس واجباً مقدّساً إلا لدى قصيري النظر، فكم من شاعر ماركسي دُرِّس في جامعات أوروبا، وكم من عازف موسيقي يميل إلى النازية الهتلريّة ما تزال أعماله مشعة في العصور، فها هو مكسيم غوركي الأديب البلشفي الأول حاضر في كل مكتبة، في الشرق والغرب، وها هو أرثر ريمبو، على ما ألصق به من تهم أخلاقيّة، صوت صارخ في ضمير الشعر، وها هو اللورد بايرون المعادي للعثمانيين يدرّس في جامعات أنقرة واسطنبول, وها هو عزرا باوند الشاعر العملاق المناصر لفاشيّة موسوليني يكرّم في الغرب، ولكن عندنا في الشرق، فطائر الهامة يصيح في كثير من النفوس على مر السنوات: اسقوني اسقوني، فالثأر من القاتل والقتيل على حد سواء، ومسلسل الرعب مستمرّ إلى ما لا نهاية، وعندما نثأر للدم البالي فنحن لا نغادر المآتم.

نعم، كرِه سعيد عقل اللغة العربية، وقد يكون لم يحبّ العرب، وبشّر بالحرف اللاتيني، وأحب ذات يوم إسرائيل، وأعلن حربه على الفلسطينيين، ولكنه لم يصافح الإسرائيليين ولا عقدَ معهم معاهدات سلام، ولا جالسَهم ولا شرب القهوة معهم. وهو ينطلق من فكر سياسيّ كونه الرجل خلال حياته الطويلة. وكان يقول جهاراً نهاراً: "ما بحبّش العرب". ولكن الشعر شيء والانتماء السياسي شيء آخر.

ويرفض جلول مسامحة الرجل، بل يصر على عدم الفصل بين موقفه السياسي وشعره، فيقول: إن الفصل بين مواقف سعيد عقل وشعره تشبه "بأن يعفو قاض على مجرم لأنه عازف بيانو جيد أو ناظم أشعار جميلة". ويتضح من هذا الكلام أن جلول يسعى إلى محاكمة سعيد عقل في قبره، وهنا نسأله: لماذا لم يتوجّه إلى بيروت ويرفع قضية ضد سعيد عقل وهو حي بتهمة التحريض العنصري؟ ولماذا انتظر الرجل حتى يموت لكي ينقض عليه ويهشمه؟ ونحن لم نرَ جلول يكتب مقالة واحدة في زمن سعيد عقل ضد سعيد عقل، فهل كان أطرش وأصم، وفجأة تفتحت أذناه وانطلق لسانه بعد وفاة سعيد عقل؟

وينتقد جلول الصحف التي تدّعي الدفاع عن "المقاومة اللبنانية" في وصفها لسعيد عقل بأنه "كريستال الصالون، أناقته لا تضاهى، قطعة الزمرد، لم يلتوِ له غصن... إلخ". وفي رأينا كان على تلك الصحف أن توضح لجلول أن كتابها محترفون، ويفهمون الأدب والشعر، ولا يحكمون على الوردة من خلال شوكها بل من خلال عطرها ورونقها. جميع اللبنانيين يعرفون سعيد عقل واتجاهاته الفكرية، والرجل ليس جباناً بل كان يقول كلمته بصوت عال وفي وضح النهار، واللبنانيون لا يثأرون من الموتى. وهكذا كنا نشتهي أن يفعل السيد جلول، فالأعداء في المآتم يتصالحون، والأحياء لا يدينون لكي لا يُدانوا ذات يوم.

ويستشهد جلول بأقوال لسعيد عقل تبدو أغلبها مأخوذة من فترة الحرب اللبنانية، وبعنصريته ضد الفلسطينيين، وسعيد عقل كما هو معروف الأب الروحي لحزب "حراس الأرز" الذي كان يعادي الفلسطينيين (في لبنان فقط). وما أدراك ما الحرب وما فيها من فواحش: "وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ وما هو عنها بالحديث المرجَّم". وقد عفا اتفاق الطائف عما مضى، فلماذا لا يعفو جلول ويريد أن يطارد سعيد عقل ذي المئتين واثنين من الأعوام إلى مثواه الأخير؟

وينتقد فيصل جلول كلام الشاعر طلال حيدر الذي طالب بأن يُعلن العالم العربي الحداد على سعيد عقل. وطلال حيدر شاعر شفّاف أنيق، متسامح، لا يمثل بالجثث، ويرفض طعن الموتى بالسكاكين وهم في أكفانهم... وطلال حيدر شاعر يتخطى مشاعر العداء والنفور ليقف بجلال أمام هيبة الموت، وطلال حيدر يفهم فقط سعيد عقل شاعراً ولا يحكم عليه إلا من خلال شعره، وشتّان بين أحاسيس طلال حيدر ومن هم مثل طلال حيدر وبين إنسان مملوء حقداً وانتقاماً ورغبة في التشفي.

ويتعمد جلول استخدام لغة أدبية لكي يدغدغ المشاعر ويحرّض على الشاعر الميت: "في الحدائق العنصرية والفاشية والنازية تروى النباتات بدماء الضحايا وآلامهم وصراخهم. وفي "حديقة" سعيد عقل، نبتت شقائق النعمان على دم طفل فلسطيني قتله شعار "ادفع دولارا تقتل فلسطينيا" وعلى دموع امرأة لبنانية فقيرة ذبحت ميليشيا الشاعر عائلتها في صبرا وشاتيلا". ونحن نترك للقارئ اللبيب أن يكشف مقدار الإفراط في تصوير الشاعر سعيد عقل، وبلغة أدبية ضعيفة، وكأنه مسؤول عن المجازر والكوارث جميعاً. كما نترك للقارئ أيضاً أن يكتشف "الحيدية" في كلام جلول، حيث لا يريد أن يعطي أي انطباع بأن مجازر أخرى غير صبرا وشاتيلا قد ارتُكبت.

وكم كنا نتمنى أن يبرهن لنا جلول مواطن الضعف والركاكة في شعر سعيد عقل، وأن يكتب لنا مقالة عن سرقات سعيد عقل (مثلاً)، بدلاً من أن يدفعنا إلى الغثيان بحقد أعمى، وانتقام فظيع...

ومثل جلول فعلت دينا جابر، التي كتبت مقالاً بعنوان: "الجنازة حامية والميت "بلا عقل"" (شبكة قدس، 30 تشرين الثاني 2014)، وجميع العرب يعرفون كيف حوّرت جابر، حاملة الماجستير، مثلاً شائعاً يُحقّر الميت لتطلقه عنواناً لمقالتها. وتنطلق لينا أيضاً من مجزرة صبرا وشاتيلا، وهي كما يعرف جميع الناس ليست مجزَرة يتيمة في تاريخ الحرب اللبنانية لكي يتم التركيز عليها باستمرار، و"تحييد" الأنظار عن غيرها من المآسي والمآتم، فالروح البشرية هي روح إلى أي جهة انتمت، وليس في الأرواح تفضيل.

وماذا إذا كان سعيد عقل يؤمن بالقومية اللبنانية؟ إنّ أحزاباً عربية قامت على فكرة الفينيقيّة التي تستثني دولاً عربية من إطار الوحدة. وأيّ وحدة؟! وهناك فئات تطالب بأن تكون القومية إسلامية لا عروبية، وفئات في مصر طالبت وتطالب بالفرعونية, ولسنا في حاجة إلى أمثلة على صحة ما نقول.

ثم هل عند جابر مقياس للعقل شبيه بمقياس ريختر لكي تميز بين العقل النيّر والعقل الضعيف؟ وهل هي أكاديمية فعلاً لتقول عن إنسان إنه بغير عقل؟ وهل ثقافتها ومعرفتها أعمق من معرفة سعيد عقل؟ وهل شعريّتها رائدة ونثرها جليل؟ وهل تستطيع أن تحاضر في العلوم والحضارة والدين والفكر ارتجالاً كسعيد عقل؟ إنني أراهن بأن جابر لم تنظم بيتاً من الشعر في حياتها، وإن كتبت بيتاً فهو ركيك.

لقد أعمى بصرها الحقد على الرجل، ولكن ويبقى سعيد عقل فوق الفوق - كما قلت في قصيدتي عنه- فمهما لعلعت الرياح يظلّ الجبل واقفاً ولا يموت. وإذا كان جلول وجابر يريدان نبش القبور والعودة إلى الماضي، فمن حقّ اللبنانيين أن يطالبوهما بصفاء الذاكرة، والحكم بالعدل الذي هو سيّد الأحكام.

وتطلب جابر في النهاية أن ندخل إلى محرِّك غوغل لنعرف من هو شاعر الأمة العربية، سعيد عقل أم محمود درويش؟ وهذا الطلب لا يعنينا لا كمثقّفين ولا أكاديميين ولا أناس عاديين، بل هو يدل على سذاجة لدى من تطلبه، فهل التفضيل بين إدغار ألن بو ومحمود درويش يجب أن يقوم على الترويج للقومية العربية؟ إنّ سعيد عقل لم يبنِ عمارته الشعرية لا على القومية العربية ولا على القومية اللبنانية. لقد بناها بشعر راقٍ، هو فعلاً "كريستال الصالون، وأناقته لا تضاهى، وهو قطعة الزمرد، ولم يلتوِ له غصن"... وبلغة عالية لا يبلغ شأنها لا القليلون.

 

8- فعلاً... لماذا نكتب؟

للدكتور جميل الدويهي

 

يطرح الأستاذ فضل عبد الحيّ سؤالاً: لماذا نكتب؟ وأجيبه: نحن نكتب للفشل والإحباط والشعور بالذنب، ونكتب للفراغ، لأن الفراغ

يسمع والوجود لا يسمع.

لو كنّا نكتب لليوم لكنّا انتهينا من الكتابة، لأنّ اليوم ينتهي والغد لا ينتهي.

ندفع بكتابنا إلى مثقف، فلا يكلّف نفسه كلمة شكر، وفي فكره أنّ علينا نحن أن نشكره لأنه قبـِل أن يأخذ الكتاب، أو أنه إذا شكرنا فسننشر كتاباً آخر، وهو لا يعلم أنّنا سننشر مهما حدث من أمره.

ويسألني الناس: لماذا قصيدتك في مئوية سعيد عقل التي هي 74 بيتاً على قافية واحدة، ومطلعها:

سعيدُ مهلاً إلى أين الرحيلُ بنا               وأنت بعد فتيٌّ مثلما الزهَرُ

ليس عليها في مواقع الانترنت سوى تعليق واحد؟ أقول لهم: الجواب عند أرسطو، فهو أعلم منّي بالمنطق. ويسألني آخرون:  كتاب مثل "في معبد الروح" لا يُكتب عنه سوى بضع كلمات هنا وهناك، بينما نصوص عاديّة تحوز على مدائح لا تُعدّ ولا تُحصى. كيف هذا؟  فأضحك وأقول: هذا دليل على فشلي وانزوائي كما طائر جريح في غابة. ألا ترون كم نحن نعيش في معابد الروح؟ الحقّ أقول لكم: المشكلة ليست في معبد الروح بل في أماكن أخرى. ومعبد الروح "تقليد"، فلماذا لا نقيس على "وقلت أحبّكِ؟" أو على "طائر الهامة"؟

ويقول أحدهم: أنت تعترض على جبران، والريحاني، وغوته ونيتشه... فمَن أنت منهم؟ أجيب: أنا حيّ مثلما هم أحياء. ويقول آخر: لو استطعنا أن نمحو كتاب "النبيّ" من الوجود، كنّا أصبحنا جميعاً مبدعين، فأجيبه: أنت لا تستطيع أن تمحو الموجود، كما لا تستطيع أن تمحو اللاموجود.

ويقول لي أحد المصوّرين: إجلس هناك لتمدحني، فأجيب: إذا امتدحتُك أحتقر نفسي.

ويقول لي أحدهم: سمعنا وشاهدنا مقابلة لفلان وعلتان ولم نسمعكَ إلا قليلاً تتحدّث في الأدب والفكر، وإصدارك للكتب مناسبات جيّدة للكلام. فأقول: مَن قال هذا؟ أقابل نفسي كلّ يوم على المرآة، وأتحدث مع رجل آخر يسير إلى جانبي لا يراه الناس. الحقّ أقول لكم إنّ ظهوري يثير الذعر.

وأقول لأحدهم: لست شاعراً، الله هو الشاعر، فيقول: إذا كان الله شاعراً، فلماذا تكتب أنت؟

ويقول أحدهم: "في معبد الروح" أقصى ما تستطيع أن تفعله، فأقول: كلّ شيء بداية، ولا خفيّ إلاّ سيُعلم.

على الشاعر أن يعيش وحيداً، مهملاً، وليس عنده جوقة تطبّل له. الشاعر يكتب ولا يلتفت إلى الوراء. يتخبّط في أمواج الزمن والموت يحيط به، ولا يُبالي بشيء، لأنّ الكلمة جبل، والجبل لا ينحني.

نحن نشعر بالخجل عندما يقدّم لنا أحدهم فنجان قهوة، ونكون جائعين فنمرّ بجماعة يأكلون، فنُدْعَى إلى الغداء ونقول: أكلنا للتوّ. ونحن في الحقيقة نشتهي أن نأكل التراب، لكنّنا لا نحبّ أن نأكل من زاد غيرنا. ولذلك يقول لنا كثيرون: سنكتب عمّا كتبتُم، انتظروا حتّى مجيء غودو، فنقول لهم: كتبْنا ولسنا جائعين. كبرياؤنا يمنعنا أن تكتبوا.

ونرى أناساً لا يكتبون إلاّ الفراغ، والفراغ مادّة أيضاً، فتنهمر عليهم النعَم، فلا نتألّم ولا ننزعج، ولكننا نبحث وراء الستائر عن المعلّم أرسطو، ونخاف أن يضيع.

أليست لطخة عار في تاريخنا أن نغضّ النظر عن الجمال ونمتدح البشاعة؟

مدحني أحدهم ذات يوم، فخجلت، وبعد ساعة من الصمت: سألته: هل لديك محام قدير؟ ظنّ أنّني خرجت عن الموضوع، فقال: كيف هذا؟

وأُخبر فضل عبد الحي بأنني منذ جئت إلى أسترالي في الرحلة الأخيرة أكتب مرّتين في كلّ عدد من جريدة "المستقبل"، وأنشر عشرات المقالات والقصائد والأعمال النثريّة في المواقع الإلكترونية، وأطبع 4 كتب في أقل من أربعة أشهر، و6 كتب في 6 أشهر، أنّما التعليقات على أعمالي جميعها فلا تتجاوز أصابع اليد. وقبل أن يفتح فضل عبد الحي فمه ليتكلم أسأله: كيف هذا؟!

الناس الذين من أمثالنا يُكتب عنهم إذا أخطأوا فقط. كلما تفوَّهوا بخطيئة نزلتْ عليهم أجنحة الوطاويط.

وأخبرُ فضل أيضاً أنّ هناك من يتمنّى عودة التاريخ إلى الوراء، لكي لا يرى معبد الروح. وأخبره أيضاً أنّ كتابي أصلاً لا يليق، وقد جاء معبد الروح عن طريق الحظّ، أو ترجمتُه عن الأسبانيّة لكاتب من تشيلي غير معروف، أو... أو هو مخطوطة كانت لكاهن وخبّأها في جدار كوخه، ومات قبل أن يطبعها، فاستوليت عليها بعد وفاته، وجعلتُها كتاباً وضعتُ عليه اسمي. وقبل أن يجيب فضل: أسأله بتعجّب تامّ: كيف هذا؟

وقد يقول فضل: بعض الكتب فيها خطر. فلماذا لا نبلغ الشرطة؟ وقد يقول: لست أدري لماذا هذا الشتاء فيه كثير من الضيق والاضطراب والقلق.

كتبتُ ذات مرّة عن معاناتي، فهاجمني قوم غاضبون. قلت لهم: لماذا تهاجمونني؟ أليس لأنّني تحدّثت عن المعاناة التي سبّبتموها لي؟ وكيف عرفتم أنّني أقصدكم لو لم تكونوا مذنبين؟ وكيف عرفتم أنّني على باطل ولست على حقّ؟ فانسحَبوا وعادوا على أعقابهم صاغرين.

وأراد أحدهم أن يقول: مَن يكتب في معبد الروح لا يكتب غير ذلك. قلت له: ألستَ أنت مفكّراً كبيراً، وقد بلغتْ شهرتك الآفاق؟ فلماذا تكتب "غير ذلك"؟

وقال لي أناس آخرون: أنت كتبت "في معبد الروح"، فكيف تكتب شيئاً أقلّ منه مستوى؟ قلت لهم: لماذا لم تقولوا عن معبد الروح كلمة جيّدة قبل أن تقولوا ما يسيء؟

وحاول أناس آخرون أن يجعلوا من شجاري مع سائق سيّارة الأجرة عذراً لكي يتحدّثوا عنّي بسوء، فقال لهم سائق السيارة: تمهّلوا أيّها الناس، فهذا الرجل هو مَن اشترى لي السيارة وزوّجني ابنته، وأنقذني من الغرق عندما سقطتُ عن ظهر باخرة في وسط المحيط، وكتبَ لي جميع أمواله وثروته، فاشْكروه قبل أن تقتلوه.

لماذا تكتب؟ يطرح فضل عبد الحي سؤالاً، فأقول له: لكي أرى أفواهاً فاغرة، وعيوناً قلقة لا ترى النوم، فمن صغَري أحبّ أن أشاغب، ويسعدني الإصرار على الإصرار، وأن أخيّب ظنّ الآخرين، فهكذا ولدتُ من شجرة سنديان، من خشب لا يتنجّر.