هدى بركات في رواية "ملكوت هذه الأرض" تستغلّ فصولاً من نزاع غابر ويلزمها معلِّم تاريخ

د. جميل الدويهي

لأدب مهجري راق

لم أقرأ في حياتي ما هو أضعف من الكتابة الروائية لهدى بركات في روايتها "ملكوت هذه الأرض"، وإني لأعجب كيف أن كاتبة بهذا الأسلوب الأدبي تحصّلت على جوائز وأشاد بها نقاد التبخير. هدى بركات تعيش في باريس على حد علمي، ولا ريب في أنها قرأت أعمال راسين وهيجو ولامارتين وألبير كامو، وتشرّبت من الذوق الفرنسي والإحساس الإنساني الذي تتميز به أعمال الفرنسيين، وهم صنّاع الثورة الكبرى وعباقرة المذاهب الأدبية على مرّ العصور. القراءة بالفرنسية فيها الرقة والعذوبة، والكتابة بالفرنسية تعني الكتابة بأحمر الشفاه وبعطور "لانفان" وبحبر الكحل الأسود الذي يمتدّ كالسيف على محور الشانزاليزيه. ولكن ما يدهش أن عِشرة الأربعين يوماً للفرنسيين لم تغيّر ولم تبدّل في هدى شيئاً، ولا في كتابها الروائي الذي لا أصنفه في مستوى صحف "التابلويد".  وأين لغتها ورقتها وشفافيتها من تلك التي لجبران خليل جبران، فتى الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وأديب العبقرية الفذة. ففي كتابها "ملكوت هذه الأرض" ترتكب هدى بركات خطأ فادحاً، حيث تنزلق الكتابة إلى مستوى كلام العامّة وتجريح المشاعر الذي لا يستثني أحداً.

تستغل بركات استغلالاً هزيلاً بعض فصول النزاع الغابر بين بعض من أبناء إهدن-زغرتا وبعض أبناء بشري (زغرتا وإهدن قريتان متباعدتان جغرافياً يسكنهما شعب واحد)، والنزاع ليس نزاعاً تاريخياً ولا عقائدياً، بل هو تنافس على المساحات الزراعية والمياه والري في أراض تتداخل بين البلدتين في زمن لا نذكره نحن بل يذكره أجدادنا. ونحن نعرف أن القرى المجاورة في لبنان تتنافر فيما بينها لأسباب مشابهة، حتى أن صراعات تدور بين أبناء البلدة الواحدة على قطعة أرض أو نبع للمياه.

وليس جديداً أن نذكر أنّ بين بشري وإهدن أواصر عميقة من الوحدة التاريخية التي يحتمها المصير الواحد والمعتقد والتجذر في الأرض، وكذلك من أواصر الصداقة والمصاهرة. وسأذكر للكاتبة بعض الفصول التاريخية لتبيان حقيقة العلاقة بين البلدتين:

- في عام 694 م. هاجم الجيش البيزنطي لبنان (في عهد جوستنيان)، بقيادة مرقيان ومرقيانوس، فتصدى له أهل الجرد (من غير تمييز) وقتلوا القائدين البيزنطيين في معركة أميون الشهيرة. وكان بين المقاتلين الموارنة رجال من بشري وإهدن يدافعون عن البطريرك مار يوحنا مارون جنباً إلى جنب.

- في عام 1759، أراد الحماديون قتل حكام إهدن والجبة وهم: الشيخ حنا ضاهر كيروز، والشيخ عيسى الخوري رحمه (من بشري) والبطل الإهدني الشيخ جرجس بولس الدويهي والشيخ أبو سليمان عواد (من حصرون)، وقام آل حمادة بمهاجمة القادة المذكورين بعد خروجهم من اجتماع، ففشل الهجوم، ولكن المهاجمين تمكنوا من قتل الشيخ أبو ضاهر من قرية حدشيت. وانتقم الحماديون بأن قتلوا عدة أشخاص عزل في بلوزة وعنطورين ورجلاً أعمى في حدشيت. ثم ارتدوا على إهدن، فوعظ المطران يواكيم يمين في الاهدنيين وطلب منهم الاستعداد للمعركة التي انتصر فيها الإهدنيون انتصاراً مجيداً، وفي اليوم التالي احتشدت في إهدن جماهير من القرى المجاورة، وخصوصاً بشري، بينما كان القادة الشيخ جرجس بولس الدويهي، الشيخ حنا ضاهر كيروز والشيخ عيسى الخوري رحمه، والشيخ أبو سليمان عواد، والشيخ يوسف الياس من كفرصغاب والشيخ أبو خطار الشدياق من عنطورين يعقدون اجتماعاً في إهدن ويقررون استلام مقاليد القيادة مكان الحماديين في الجبة وإهدن... إلخ... وعينوا كذلك 3  قادة عسكريين للمقاومة في المنطقة هم: الشيخ بشارة كرم من إهدن، والشيخ أبو ضاهر الفرز من بشري وأبو الياس العفريت من حصرون...

- في عام 1762 هاجم الحماديون بشري فقتلوا العديد من الأشخاص وهدموا بعض المنازل، فطلب أهالي بشري وحصرون من جيرانهم الإهدنيين المساعدة في رد الهجوم، فصعد الشيخ بشارة كرم، وكان واحداً من القادة العسكريين في المنطقة وأغار على الحماديين، ودامت المعركة 8 ساعات قاتل فيها البشراويون والإهدنيون كتفاً على كتف، وخرج الحماديون من الجبة مرة أخرى. ويقول عصام كرم في كتابه "تاريخ سيدة بشوات" إن بشري هوجمت من قبل ألف مقاتل مدججين بالسلاح. وفوجئ الموارنة بالهجوم الكبير، لكن زعيمهم الديني البطريرك طوبيا الخازن جمع الموارنة في الكنائس وحضهم على المقاومة... وأعلن الموارنة النصر بقيادة الشيخ بشارة كرم. (ص 41-43)

ولن نذكر جميع المواقف والمعارك التي وقف فيها البشراويون والإهدنيون جنباً إلى جنب لكي تعترف الكاتبة هدى بركات بأنها لم تقرأ التاريخ، وعجباً كيف تبني قصتها على وقائع تاريخية وهي بعيدة كل البعد عن معرفة الحقيقة؟ ولا تختلف بركات هنا عن الكاتب جهاد فاضل الذي يقول عن أهل زغرتا في كتابه "الأدب الحديث في لبنان" "إنَّ أهل زغرتا مشهورون بالسيف أكثر ممَّا هم مشهورون بالقلم، يقتل أحدهم القتيل دون أن يرفَّ له جفن". ويضيف فاضل: "إنَّ أهل زغرتا لا يعرفون التمثيل أبداً. فيدُهم سرعان ما تمتدَّ إلى وسطهم لالتقاط مسدَّس، أو إلى أيِّ مكان قريب لالتقاط رشَّاش أو أيَّة آلة حربيَّة." ومثل هذه الادعاءات الرخيصة إنما تقوم على التقاليد الشعبية والقصص والطرائف التي تقدم صورة عن إهدن وأهلها غير صحيحة إطلاقاً، وقد يكون بينهم بعض القتلة والفارين من وجه العدالة كما في جميع أنحاء الدنيا. وما يدهش أن مثل هؤلاء الكتّاب يعممون الفكرة، "فأهل زغرتا" جميعهم في نظر فاضل مثلاً مشهورون بالسيف وسرعان ما تمتد يدهم إلى وسطهم لالتقاط مسدس، بمن فيهم البطريرك العلامة إسطفان الدويهي، والعلامة جبرائيل الصهيوني، والرسام صليبا الدويهي، والمؤرخ جواد بولس، وسلسلة البطاركة والمطارنة والكتّاب والشعراء والفنانين الذين أطلعتهم زغرتا.

ويا ليت هدى بركات كانت في مستوى جهاد فاضل، فهو على الأقل أعطى للإهدنيين صورة الشجعان، أما هي ففي قصتها "ملكوت هذه الأرض" تصب كل اهتمامها على أمرين: الأول التركيز على "عداء "مزعوم  وغير موجود بين إهدن وبشري، والثاني هو تصوير أن الإهدنيين جبناء ومهزومون دائماً.

وبسبب بشاعة المقاطع التي نستخدمها من القصة نفسها، فإننا نعتذر مسبقاً من أهالي بشري وزغرتا معاً على تفاهة اللغة، وهزالة الوقائع، والطريقة البالية في التحريض عملاً بقول السيد المسيح: "طوبى لفاعلي السلام."

وليت هدى بركات عرفت أيضاً أن جبران البشراوي والعالمي كان يحب فتاة من إهدن اسمها ماري (مي) زيادة، وأن من أقام الجنازة لجبران في كنيسة الأرز- بوسطن بعد أن منعت الكنيسة دفنه هو المونسنيور إسطفان الدويهي. وليت هدى علمت أيضاً بمقدار الاحترام المتبادل بين العائلات الزغرتاوية والبشراوية في كل مكان من العالم، ولي شخصياً بين البشراويين صداقات وعهود على الوفاء. فعن أي ملكوت وعن أي أرض تتحدث هدى في روايتها، وهي شطرت الأرض الواحدة إلى قسمين، وطعنت ملكوت القيم في الصميم؟ وأي أدب تكتب هدى تحت أنظار فيكتور هيجو وفولتير وألفرد دوفينيي؟

ويبدو أن بركات تجهل أن تاريخ زغرتا حافل بالبطولات والمعارك المجيدة، فجعلت من الزغرتاويين قمة في الجبانة، يهربون من وجه أعدائهم، بينما هم في نظر الناس أينما كان مقاتلون شجعان حتى قيل عن الشجاع في أقصى بقاع الدول التي تتكلم العربية "رجل زْغِرت" والمصدر: زغرتا.

من الأمثلة التي نتوقف عندها في الكتاب (ص 71-72): "بعض الزغرتاويّين والهدّانة لكن من النساء فقط، عبرن الساحة إلى بقاعكفرا لكن متخفيات بين نساء كفرصغاب وحدشيت..." تريد الكاتبة أن تظهر هنا النساء الزغرتاويات (وربما الرجال أيضاً) وهنّ يتخفين بين نساء القرى. وتتابع: "ان حروبا قامت بين البلدتين دوماً وتكراراً ومن قديم الازمنة، حتى بين القديسين الشفعاء من الطرفين. لا نعترف أو نصلّي لقدّيسيهم ولا يعترفون أو يصلون لقدّيسينا. بل هم إن أرادوا ايذاءنا بالشتائم كالوا اقذعها لشفعائنا وقدّيسي كنائسنا ونحن لا نفعل ذلك... الا نادراً". وهذا الكلام الذي يصدر عن كاتبة يفترض أن تكون راقية وعالمة هو كلام مقيت يجانب الحقيقة، فجميع الناس يعلمون أن بين بشري وزغرتا قديسين مشتركين، فمار سركيس يوجد في المدينتين، كما أن سيدة زغرتا هي نفسها سيدة باشوات، وقد تكون الكاتبة، لسبب ما، لا تعرف أن هناك مريم عذراء واحدة، وكل قرية تطلق اسم السيدة على كنيستها، فحتى نوتردام دو باري هي ذاتها نوتردام دو زغرتا ونوتردام دو برج حمُّود.

أما عن اتهام الإهدنيين بالجبناء واستخدام ألفاظ من قواميس الإهانة والشتائم (واويَة، بناديق...) التي تتقنها هدى بركات في لغة أدبية "راقية" تستحق الجوائز والأوسمة أيضاً، فنحن نحيلها إلى غيض من فيض أمثلة تاريخية عن شجاعة الإهدنيين وبسالتهم في القتال، وقد دخلوا عشرات المعارك منذ ما قبل الميلاد، وكانت انتصاراتهم صارخة يعرفها الأقربون والأبعدون:

-في عام 1282 هاجم المماليك إهدن، فصمدت أربعين يوماً أمام جيش جرار يعد بعشرات الآلاف، واضطر المماليك إلى الاستعانة بقوات إضافية من دمشق. ولولا حيلة لجأ إليها المماليك لاعتقال قائد المقاومة في البلدة لما سقطت إلى الآن. يروي الحريري وهو مؤرخ عربي أنّ المماليك تمكّنوا من استرجاع طرابلس من الصليبيّين فقط بعد أن سحقوا حلفاء الصليبيّين الموارنة (في معركة إهدن). وسار الجيش المملوكيّ الجرّار إلى الجبّة في أوئل عام 1282، وقاد المقاومة البطريرك دانيال من حدشيت، وأوقف أهالي إهدن والمقاتلون الموارنة الآخرون تقدّم الجيش المملوكيّ أكثر من 40 يوماً، ولم يستطع المماليك احتلال إهدن إلاّ بعد استعمال الخديعة لإلقاء القبض على البطريرك. (عن أبي عبد الله، عبد الله، ج 2، 1997، ص 98).

ويصف الأب بطرس ضوّ معركة إهدن ضدّ المماليك (1282) بأنّها واحدة من ثلاث قمم للبطولة في تاريخ لبنان برمّته. القمّة الأولى بحسب ضوّ هي مقاومة الإهدنيّين وسكّّان أطراف وادي قاديشا لهجوم المماليك... (ضوّ، بطرس، ج 3، 1977، ص 541)

- في عام 1489، أخرج الإهدنيون اليعاقبة الأحباش من إهدن ومناطق الجبّة وطاردوهم حتى خرجوا من لبنان نهائياً.

- معركة مطحنة الشيخ 1757 التي قادها البطل الإهدني جرجس بولس الدويهي لتحرير إهدن من الحماديين: فقد كانت إهدن مقسومة إلى قسمين، أحدهما يمتد من الميدان في وسط إهدن حتى نبع مار سركيس في شرقها ويخضع لآل حماده، وجمع الشيخ جرجس بولس الدويهي أقرباءه ورجال إهدن في اجتماع سري عند نبع جوعيت، وصادف عقد الاجتماع قدوم زعيمين من زعماء الحمادية إلى الجبة لاعتقال المطران يواكيم ونفيه إلى بعلبك، فقفز الرجال الإهدنيون إلى سلاحهم، وهاجموا الزعيمين مع رجالهما فقتلوهم ثم عادوا إلى كنيسة مار جرجس في إهدن فأقسموا اليمين على القربان المقدس بأنهم لن يلقوا السلاح قبل تحرير إهدن. وهكذا كان فنشبت معركة "مطحنة الشيخ الشهيرة" التي انهزم فيها الحماديون وحلفاؤهم آل حرفوش وغادروا إهدن نهائياً.

-معركة الكرامة 1976، في هذه الموقعة هاجم الجيش السوري زغرتا بأكثر من 8000 جندي بهدف احتلالها وتغيير مجرى الأحداث برمتها، وهوجمت زغرتا من ثلاث جهات، وتم إحباط الهجوم ومقتل المئات من المهاجمين الذين ظلت جثثهم مرمية تحت الزيتون لأيام. وعن تلك المعركة بالذات وخلفياتها وتأثيراتها كتب خليل الخوري في صحيفة "الشرق" اللبنانية ما يأتي:

"كان الضغط السوري - الفلسطيني العسكري قد بلغ ذروته على المناطق المسيحية... الدامور ودير عشاش... وكانت القوات السورية قد دخلت لبنان فعلاً ضد الفريق المسيحي، تحت شعار ولباس جيش التحرير الفلسطيني. وفي 21 كانون الثاني 1976 وصل في الصباح الباكر إلى القصر الجمهوري في بعبدا وفد سوري برئاسة وزير الخارجية عبد الحليم خدام وعضوية حكمت الشهابي نائب وزير الدفاع ورئيس الأركان وناجي جميل رئيس المخابرات الجوية. استقبلهم الرئيس سليمان فرنجية. قال خدام: "جايين نحل القضية". توافق ذلك مع سقوط السعديات معقل الرئيس كميل شمعون الذي غادرها، قبيل تدمير قصره فيها، بطوافة يقودها ضابط طيار من آل بوضرغم.... وجرى إحتلال الدامور، وسقوط عندقت في عكار... حدث ذلك بعد نحو 24 ساعة على إستقالة حكومة الرئيس رشيد كرامي. وتوافق وصول الوفد السوري مع هجوم غير مسبوق ومعركة شرسة على زغرتا، وكان هدف الزيارة الفعلي الضغط على سليمان فرنجية ليقدم تنازلات بعد سلسلة سقوط المناطق المسيحية على أيدي الفلسطينيين المدعومين بشرياً ولوجستياً من سوريا ومن الإتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية كما يقول ويردد وليد جنبلاط باستمرار".

الخلاصة: فشل الهجوم على زغرتا التي اوقع شبابها وشباب منطقتها المدافعون عنها بضع مئات من القتلى في صفوف المهاجمين بقيت جثثهم أياماً في سهل الزيتون المحيط بزغرتا، خصوصاً من جهة أردة شرقاً... وفيما كان الإجتماع منعقداً وصلت الى القصر "هدية" كان فرنجية ينتظرها كناية عن بضع مئات من البطاقات العسكرية السورية التي تثبت أن القتلى من المهاجمين هم ضباط وعناصر من الجيش السوري ولم يكونوا من جيش التحرير الفلسطيني كما كانت بزاتهم العسكرية توحي بذلك. والأكثر: أوامر المهمة بالهجوم على زغرتا كانت بتوقيع عضو الوفد المفاوض في القصر حكمت الشهابي. (الشرق البيروتية 10/10/2013، عدد 19316)

ولن نطيل الحديث عن هذا الموضوع، لكننا نقول: لولا صمود زغرتا في تلك المعركة، وموقف الرئيس الراحل سليمان فرنجية لكان لبنان قد تغير برمته ولم يكن ما هو عليه الآن.

نكتفي بهذا القدر من الأمثلة عن شجاعة الزغرتاويين، وهي شجاعة لا تعرف عنها هدى بركات لأنها لم تقرأ التاريخ الصحيح، وهي تبني روايتها "الملائكية" على فكر حاقد، وعلى تقاليد مروية بين السكان ولا تستند إلى علم ودراية.

وتمضي الكاتبة في لغتهااالحريضية التي لا تراعي حرمة الموت ولا تلتفت للآثار النفسية التي تسببها الأحقاد ونبش القبور والنظر إلى الوراء، فاسمعها تتحدث بلغة تبعث على الغثيان عمن وصفتهم بـ "الأعداء" (ص 115، 116، 138 وما بعدها)، ومَن هم الأعداء ونحن أهل وأقرباء وليس في المسيحية عداوة، إلا عند الجهلة والذين لا فكر لهم؟ تقول الكاتبة الرفيعة:"ذلك أنّ ابطالنا قتلوا الكثيرين من الأعداء، ومنهم زعماء وشخصيات، في زغرتا واطراف اهدن وحقالي مزيارة والخالدية. " عندما قرأت هذين السطرين عانيت من وباء قاتل يشبه الإيبولا، ونصحني الأطباء بملازمة الفراش، فليس من زغرتاوي واحد ولا بشراوي واحد يهضم هذه الطريقة التافهة في الكتابة، بل إن الأجيال الطالعة ترفض التعاطي السلبي مع الآخر، وتنظر بعين الأمل إلى المستقبل، والأديب (إذا كان أديباً فعلاً) يتعالى عن النميمة والبغض الأعمى الذي لا يتقنه إلا الجهلة. الأديب رسول يبشر بالسلام والحب ويزرع بذور الإنسانية في كل مكان. إن المجرمين أنفسهم يغتاظون عند قراءة أو سماع ما تكتبه بركات.

وتصل هُدى إلى مستوى غير مسبوق في الحنق واستذكار العهود المريضة، فتقول: (ص 146 ): "طلعت الضيعة بكاملها اليهم، الى حدودنا معهم في بقوفا، وجها لوجه وليس استفرادا وخيانة... ظللنا نحاربهم حتى هربوا من متاريسهم فلحقناهم حتى اهدن واحرقناها بالكامل... هم يقولون اليوم انهم كانوا في المشفى، في زغرتا، واننا تمرجلنا وأحرقنا ضيعة فارغة من اهلها... طيب.. والقتلى؟ من اين جئنا بهم؟ الجثث التي نظفناها وألبسناها الثياب اللائقة وصلينا عليها قبل أن نردها لهم؟..." ولعل هدى تتحدث عن حريق عام 1586 الغامض حيث أحرقت إهدن على يد فاعلين مجهولين، وليس المهم الحدث، بل المهم هو الاعتزاز بإحراق إهدن وهي تريد إلباس الماضي على الحاضر بقولها "اليوم"، ومتى كان هناك مشفى في زغرتا ليكون الزغرتاويون فيه ولا يكونوا في إهدن، وزغرتا كان عمرها آنذاك عشرت السنين فقط؟ وتصل هدى بركات إلى قمة التحريض عندما تقول (مع اعتذاري  الشديد لأهالي طرابلس جيراننا وأهلنا، ومن أحبائنا المسلمين (ص 147 و215): "قال ان ابنة البيك الزغرتاوي أتت تصرخ وتولول في الساحة التحتا... كل حياتهم يفاخرون بقوتهم، فلماذا يحتاجوننا اليوم وقد قتلوا منا اكثر مما قتلوا من الطرابلسية والاسلام بمئة مرة؟"

إني أشعر بالخجل والحياء وأطمر رأسي في الرمال رهبة واستنكاراً، وتجتاحني كومة من مشاعر العار والدمار وأنا أنقل هذا الكلام، فكيف لا يرف لكاتبته جفن وهي تكتبه؟ وإنني في أعمالي الأدبية التي لم تصل بعد إلى ما وصلت إليه أعمال هدى بركات، ولم تحصل على جوائز كما حصلت هي، أتفادي كل ما يسيء إلى أي إنسان، وأعتقد أن كل أديب يفعل ذلك. ويا حبيبنا جبران خليل جبران لا ترتقص عظامك في قبرها، وأنت لم تحظَ بالعطايا والهبات والجوائز، لأنّ الآخرين يأخذون الجوائز عنك، ولا تصرخ من ترابك المجيد: "النجدة النجدة" فقد بات كلّ من يحمل قلماً أكبر من شاعر، وأهم من أديب، وأعظم من فيلسوف، وعلى الأرض الظلام. ويا أبناء بشري الأحباء والأوفياء، سنبقى معاً في السراء والضراء، وعلى الحب والخير والسلام نحن واحد، وبئس الحقد الذي لا ربّ له ولا دين.

جميع الحقوق محفوظة للدكتور جميل الدويهي.