الذئب والبحيرة

قصّة لجميل الدويهي

لأدب مهجريّ راقٍ

توقَّفت سيَّارة الإسعاف أمام مستشفى المدينة، ونزل منها مسعفان على عجل، ففتحا باباً جانبيّاً، وسحبا حمَّالة مغطَّاة بشرشف أبيض، فلا يظهر عليها سوى رأس امرأة يتحرَّك يميناً وشمالاً، والعرق يتصبَّب منه.

ما إن أَدخـلَ المسعفان المــرأة إلى المستشفى، حتَّى وصلت سيَّارة، تـرجَّـل مـنـهـا رجـل في العـقـد الـرابـع من عمـره، طـويـل الـقامـة، هزيـل، تـغـطِّي عيـنـيـه نـظَّـارتـان كبيرتـان.

لم تكن تبدو على الرجل علامات كآبة، بيد أنَّه كان مرتبكاً. توجَّه إلى داخل المستشفى، وسار نحو شبَّاك الإستعلامات ليتحدَّث إلى الموظَّفة باضطراب ظاهر:

صباح الخير أيَّتها السيِّدة... أنا زوج أحلام... أحلام عبد القدير... هل أدخلوها توّاً إلى غرفة الولادة؟

- أجل، بالطبع.

- وأين يمكن أن أنتظر؟

- في الطابق الثالث، قاعة الضيوف.

- شكراً لكِ .

هرول حاتم إلى المصعد ، وكان قلقاً ، متوتِّراً ، غير أنَّه لم يخفِ ابتسامـة عابـرة ارتسمت على وجـهـه مـن حيث لم يـدرِ .

لقد تزوَّج أحلام منذ عشر سنوات ، ولم ينجبا . وبعد فحوص طبِّيَّة كثيرة تبيَّن أنَّ المرأة لا تشكو من علَّة تمنعها من الإنجاب .

هل حدثت أعجوبة إذاً ؟

إنَّ الأطبَّاء لم يقطعوا الأمل من شفاء حاتم ، فأخضعوه لعلاج مستمرٍّ . وعندما بدت على زوجته عـوارض الحمـل ، هنَّأوه على الخبر السارِّ ، واعتبروا أنَّ ما حصل له أمـر جائز في أحكـام الـطبِّ . أمَّـا هـو ، فكـاد يـطـير مـن الـفـرح، لأنَّه كـان يـريـد إنجـاب ولـد ، فـتـحـقَّـقت رغـبـتـه أو كـادت .

كان حاتم لا يسمح لنفسه بالتفكير في أنَّ أحلام قد تكون خانته ، كما يفكِّر بعض الرجال . فأحلام - كما يبدو له - تحبُّه وهو يحبُّها ، وقد وجد فيها امرأة هادئة ، رصينة ، تتجنَّب الاختلاط بالرجال .

ولم يكن يزور بيت عبد القدير أناس كثيرون . فحاتم وأحلام يميلان إلى نوع من العزلة ... هو يعمل في مصنع للأجبان ، وهي تهتمُّ بشؤون المنزل .

إنَّ ارتباك حاتم وسعادته معاً في تلك اللحظات لا يحتاجان إلى تفسير . فـهو في وسط المـعـجـزة التي تـصنـع إنسانـاً طـال انتظاره ؛ ودهشته ليست منفصلة عـن شعـوره بـالـفـرح ، حتَّى بـدا وكـأنَّه لا يـصدِّق مـا يحـدث ، وفي الـوقت ذاتـه يـدفـع الأوهام بكـلـتـا يـديـه ، ويـتـصـدَّى لشكِّـه في أنَّه رجـل .

كم مرَّة فرك يديه من عناء الانتظار ، ونـظر إلى ساعتـه بشغف ، كمن يخشى على موعد أن يضيع ؟ وكم مرَّة تحدَّث إلى نفسه بكلمات غير مفهومة ، وبعض الجالسين في القاعة ينظرون إليه ويتهامسون ؟

وبينما الرجل ضائع في أفكاره المتناقضة ، وتأرجحه بين الشكِّ واليقين ، دخلت ممرِّضة إلى قاعة الضيوف تسأل عن حاتم عبد القدير ، فنهض عن كرسيِّه بعجل ، وأشار إليها قائلاً :

أنا حاتم ... حاتم عبد القدير ... هل أنجبت أحلام ؟

- نعم ... المولود صبيٌّ ... الحـمـد لله على سلامـة الـوالدة ...

- شكراً لكِ ...

- لكنَّ الطبيب يريد أن يكلِّمك ، هل تسمح ؟

- حاضر ...

تغيَّر لونه وهو يسير وراء الممرِّضة التي كانت صارمة في كلامها ومشيتها . إلتفت إلى الناس ، فرآهم غير عابئين إلاَّ بأنفسهم . وجـوه صـفـراء ، لكـلٍّ مـنـهـا حـالـة انـتظار وقلق .

الطبيب يريد أن يكلِّمني ؟ في أيِّ أمر ؟

سأل حاتم نفسه ، ولم يعثر على جواب .

وقـفت الممرِّضـة أمام أحد الأبواب ، وأومأت إليه بالدخول .

كان الطبيب قد دلف لتوِّه إلى الغرفة ، ولمَّا انفتح الباب اصطنع ابتسامة رقيقة ، وقال بصوت خافت :

أهلاً وسهلاً . تفضَّل بالجلوس .

- ماذا هناك يا حضرة الطبيب ؟

- أرجو أن تجلس لكي نتحدَّث بهدوء ...

- نتحدَّث طبعاً ... بخصوص ماذا ؟ هـل هـنـاك أمر خطير ؟

كان حاتم يتكلَّم وهو يتلمَّس الكرسيَّ بـأطـراف أصابعـه ، دون أن يزيح بصره قيد أنملة عن شفتي الطبيـب الخافيتين لسرٍّ كبير .

قال له الطبيب :

لقد أنجبت أحلام صبيّاً ، وهي بصحَّة جيِّدة ... الحمد لله على سلامتها ...

- شكراً ... شكراً ... والمولود ؟

- المولود يحتاج إلى بعض الفحوص ...

- فحوص ماذا ؟

- للتأكُّد من صحَّته .

- فحوص عاديَّة ... تقصد ؟

- لا ... فحوص خاصَّة نجريها على مولودين في مثل حالته .

- تعني أنَّ حالته هذه ليست طبيعيَّة ؟!

- حتَّى الآن لا يمكننا أن نجزم ... لكن في كلِّ الأحـوال ، علينا أن نكون واقعيِّين ، ونؤمن بأنَّ أيَّ شيء يحدث لنا ...

إنَّما هـو بفعل حكمة الخالق ، التي ليست لـنـا قـوَّة على ردِّها .

إزداد حاتم خوفاً ، وخرجت عيناه من وجهه . أراد أن يتكـلَّم ، فـخـانه لسانـه ، ولم تـعـد ركـبـتـاه تحـمـلان جسمه .

تريد أن تشرب ؟

داهمه صوت الطبيب ، فظلَّ ساكتاً .

إرتفع صوت الطبيب أكثر من اللازم :

لا تخف . ليس هناك خطر على حياة المولود ... إنَّ عنده خللاً في عظام رجـلـيـه ... وقد نـنـجـح في إصـلاحـه ... أعــدك بـأنـَّنـا لــن نــدَّخــر جــهــداً فـي سـبـيـل مـعــالجـتـه ...

كانت الدموع تهطل من عيني حاتم ، في لحظة شتاء لم يتمكَّن من ردِّها على أعقابها . غطَّى وجهه بيديه كأنَّه هارب من العاصفة التي تجتاحه . أحسَّ الطبيب بخيـبـة أملـه ، فخاطبه بصوت متهدِّج :

أرجو له الشفاء العاجل .

لم يستـطـع حـاتم أن يـقـوم مـن مكــانــه ، فــقــد كان

جسمــه بــارداً وثــقــيــلاً . تــوجَّه الطبــيـب إلـيـه فساعده على النهوض ، وعندما خرج من الباب كان كلُّ شيء أمامه باهتاً ، والدنيا التي يعيش فيها لا تتَّسع لألمه .

 

^ ^ ^

 

( بعد ثماني سنوات ) .

غرفة الجلوس في شقَّة أحلام أنيقة ومرتَّبة ، يغلب عليها اللون الأخضر ، وقد فرشت أرضها بسجَّاد ملوَّن .

كانت أحلام جالسة على الأرض تسند ظهرها إلى أريكة ، وبيدها دفتر سميك ، تقلِّب صفحاته ببطء ، وتستعيد ذكريات الماضي ، التي كــتـبـتـهـا كرواية طويلة مليئة بالأسرار والرموز .

رفعت رأسها وتنفَّست بعمق ، فوقع نظرها على صورة كبيرة لحاتم عبد القدير معلَّقة فوق التلفاز .

دبَّت قشعريرة في جسدها ، وتخيَّلت أنَّ حاتم خرج من الصورة واتَّجه إليها وهو ساكت ، فوضع يديه على عنـقها ، وراح يشدُّ حتَّى اختنقت .

نظرت في الدفتر من جديد ، علَّها تمحو صورة زوجـهـا الراحل من خيالها ، فهي ما فتئت تفكِّر بـه منذ قضى نحبـه حزيناً على ابنه عادل .

فرَّت من الصورة على أيقاع الرهبة المتصاعدة من أعماق نفسها ، وعادت لتقرأ في الدفتر ، فرأت نفسها فتاة في السادسة عشرة من عمرها ، تعمل خادمة في بيت يوسف حراملي . وقد جاء بها من الأرياف البعيدة ، حيث كانت تعيش مع أمِّها ، وإخـوتـهـا الثـلاثـة ، وهـم أصغـر منـهـا سنّاً ، في منزل يشبـه الكـوخ ، تـركـه لهـم الـوالـد قـبـل أن يمـوت .

كان يوسف حراملي رجـلاً غنيّاً ، يمتلك المـزارع والأراضي ؛ وقد طلَّق زوجته بعد خلاف طويل ، وكان له منها ابن وابنة : منيف الذي بقي معه ، وكـان يـتـعـلَّم في أحد المـعـاهـد الـراقـيـة ، وجمـيـلـة ، الأكبر مـنـه ، وهي متزوِّجـة ، وتـعيش مـع زوجـهـا الـطـبيب وأولادهـا في فـرنسا .

عاشت أحلام في بيت حراملي ، ولم تكن تزور أسرتها إلاَّ قليلاً ، وكان يوسف يغيب عن المنزل أثناء النهار ، وأحياناً في عطلة نهاية الأسبوع ، فيجد منيف وأحلام أنَّهما وحيدان تحت سقـف واحـد ، وتستولي عليهما المشاعر الحميمة التي كانت تكبر يوماً بعد يـوم كوردة برِّيَّة ، مليئة بالعطر والأشواك .

ظنَّا في بادئ الأمر أنَّ العاطفة التي تتوهَّج في قلبيهما ، إنَّما هي عاطفة عابرة تجمع بين مراهقين ، لكنَّ علاقتهما تحوَّلت مع الأيَّام إلى قصَّة حبٍّ عنيفة ، مفعمة بالأسرار ، غفلت عن اكتشافها نباهة الوالد المنشغل في أعماله .

قلَّبت أحلام صفحة من الدفتر ، فتراءى لها مشهد من الماضي :

كانت نائمة على صدر منيف ، وهو يداعب شعرها الأسود الطويل ، قائلاً :

هل تحبِّينني كما أحبُّك ؟

ابتسمت ، وقالت :

أنت حبِّي الأوَّل والأخير ... أقولها وأنا متأكِّدة من أنَّني لن أحبَّ أحداً من بعدك .

- ولماذا تحبِّينني ؟

- لست أدري ... كلُّ ما أعرفه أنَّني غير قادرة على الابتعاد عنك أبداً ... وكلَّما اقتربت منك فقدت إرادتي ، وتلاشيت في روحي .

- وهل تؤمنين بالحبِّ ؟

- آمنت به عندما هتف قلبي إليك ، وأخشى أن أغامر أكثر في خضمِّه ، فأغرق .

- يبدو أنَّكِ غير واثقة من حبِّي لكِ ...

- بلى ، ولكن قل لي : هل سترضى بأن تتزوَّج بفتاة كانت خادمة في بيتك ؟ وهل سيقبل أبوك بهذا الزواج ؟ وهل ستحارب من أجلي كما يفعل الأبطال في القصص الخيـالـيَّة ، وتقول للناس : أنا غير عابئ بالتقاليد ... أريد أن أتزوَّج من أحلام مهما كلَّفني ذلك ؟... وهل أستطيع أن أتخلَّى عن خطيـبي الذي أصبحت ملكاً له منذ أيَّام طفولتي الأولى ؟ ... يجب أن نكون واقعيَّين يـا منـيـف ... أنت متعلِّم ، وتسعى إلى متابعة دراستك في الجامعة ، وأنا خرجتُ من المدرسة باكراً ، لكي أعيل أسرتي ... صحيح أنَّني تعلَّمت القراءة والكتـابـة ، لكنَّ ثقافتي لا تتعدَّى مطالعة القصص ... ولـذلـك أرى أنَّ الـفـرق بـيـنـنـا هـو فـرق واسع ، ولن يستطيع الحبُّ مهمـا كـان كبيراً أن يمـحـو آثـاره .

- ولماذا نحبُّ إذا كان المستقبل ليس لنا ؟

- لأنَّ الحبَّ كالمخدِّر ، نـعـرف أنَّه سيأخـذنـا إلى العـذاب ، ونظلُّ مدمنين عليه ... ألست ترى أنَّ فتاة مخطوبة منذ ولادتها لابن عمِّها تستسلم لمشيئة قلبها ، وتنام في أحضان حبيب ليس لها ؟!

كانت أحلام تغوص في الدفتر بكلِّ جوارحها ، فيحملها بساط الـذكريـات إلى البعيد ، حيث كـان يجب أن تبقى دائماً .

لقد سجَّلت هذه الذكريات بخطِّ يدها ، وأخفتها عن الأنظار ، لأنَّ فيها وقائع خطيرة ، لو انكشفت للناس ، لتحوَّلت إلى لعنات يوميَّة تلاحقها بدون هوادة ... ومتى كان الناس يرحمون ضحيَّةً ، ساقها القدر الجزَّار إليهم ، لكي تلوكها ألسنتهم ، وتعبث بها أحكامهم الجائرة ؟

... وتذكَّرت أحلام يوم عاد ابن عمِّها حـاتم مـن الكـويت ، بعد أربـع سنوات مـن وصولهـا إلى بـيت حـرامـلي . وكان حاتم يكتفي بكتابة الرسائل لخطيبته . وعندما علم بأنَّها تعمل خادمة في منزل ، أحسَّ بضيـق شديـد ، لكنَّه تمالك نفسه بعد حين ، لمعرفته بما تـعيشه أسرتها من فـقر وحـاجة .

كانت خطوبته لها ضرباً من التقليد الذي لا يتَّصل بالمشاعر العميقة بين الرجل والمرأة ... فمنذ تفتَّحت عينا أحلام على الحياة ، رأت ولداً آخر أكبر منها بقليل ، يتقدَّم لخطبتها ، بدون وعي منهما ... كانت تلك حالة من حالات العبوديَّة التي تـعيشهـا المـرأة ، في مجـتـمـع يـقـبـض بـأصـابـعـه الـقـاسيـة على عـنـقـهـا ، ويـرمي بـهـا في بـئـرٍ مظلـمـة لا قرار لها .

ولعلَّ ذلك الولد أيضاً كان ضحيَّة أخرى من ضحايا القمـع السافـر لإرادة الحـيـاة ... وكم كان أمراً فظيعاً لو أنَّ حاتم تخلَّى عن خطيبته فيما بعد ، ليزيد إلى محنتها محنة أخرى لا تقلُّ عنها بشاعة .

كان حاتم بسيطاً في تفكيره ، هادئاً في تصرُّفاته ، وقليل الوسامة ... وعندما رجع من الكويت ، لم ينتظر أكثر من يوم واحد ، وهو اليوم الذي ارتاح فيه من عناء الرحلة ، ليتوجَّه إلى بيت امرأ ة عمِّه طالباً يد أحلام ... فأسرعت المرأة إلى بيت حراملي لتنهي عمل ابنتها ، وتعيدها إلى الخطيب المشتاق .

كان يوسف حراملي في منزله ، فاستقبل المرأة القادمة من الريف بحرارة . وعندما أعلمته بـأنَّ أحـلام على وشك الـزواج ، سرَّ سروراً عظيماً ، وعرض عليها أن يتكفَّل بجميع نـفقات العرس .

تردَّدت المرأة وتلعثمت ، فقال لها :

ما الغرابة في الأمر ؟ إنَّ أحلام مثل ابنتي ، وقد عاشت في بيتنا زمناً طويلاً ، وأحببناها كواحد منَّا ... أرجوكِ ألاَّ تخيِّبي أملي ... فأحلام تستحقُّ منِّي كلَّ مكافأة .

- شكراً لك يا سيِّدي ... وأطال الله في عمـرك ... ولكن ...

قالت المرأة ذلك بارتباك ، فأجابها الرجل بسعادة :

- بدون ولكن ... نحن أهل ... وفرح أحلام هو فرحنا أيضاً ، فألف مبروك !

 

^ ^ ^

 

سقط الدفتر من يد أحلام ، وزاغت نـظراتـها في الفـراغ ، كأنَّها لا تـزال تسافر في فـضـاء السنوات المـاضـيـة ، فـتـضيـع ... راحت تستعيد اللحظات الأخيرة من حياتها في بيت حراملي ، وهي لحظات مؤلمة ، فيها غيمة كبيرة من الغصص والدموع .

ولعلَّ أقسى تلك اللحظات كانت عندما جرح كلٌّ من أحلام ومنيف إصبعه ، ووضعا الجرح على الجرح ، كجسدي

كجسدين متلاصقين في ليلة الخطيئة ، وأقسما آنذاك علىالحبِّ الأبديِّ .

قال لها والحزن يعتصر قلبه الرقيق :

أقسم لكِ ، أنَّ لا حبيبة بعدك . أنتِ ستكونين البداية والنهاية ، يا مَن عرفت معها قيمة السعادة والرجاء .

- وأقسم لكَ أنَّك ستبقى في قلبي شمساً لا تنطفئ ، وحبّاً لا ينتهي . وهذا الجرح الذي في يدي هو جرح في أعماق روحي ، وصلاة على العهد الوثيق الذي سيظلُّ يربطنا .

- عديني أنَّنا سنظلُّ نلتقي ...

- أعـدك ... لكـنَّ عـنـدي شرطـاً واحـداً يجـب أن تـلـتزم به ...

- أعرف ما هو ... عليَّ أن أكون رصيناً ، وملتزماً بحدود اللياقة ... فأنت امرأة متزوِّجة ...

- وهذا يعني أنَّ عليك أن تقاوم رغباتك ، فأنا بعد الزواج سأكون ملكاً لحاتم ... وينبغي أن تـتفهَّم ظـروفي ، وتساعدني على الوفاء لحياتي الجديدة ... هل قبلت ؟

- قبلت ... ولو أنَّ ذلك سيعذِّبني كثيراً ... كيف سأحتمل أن أنظر إليك ، وأحادثكِ ، وأتذكَّر أيَّامنا معاً ؟...

لست أدري ... لكنَّني سأتنكَّر لنفسي إكراماً لعينيك ، ولكي يظلَّ حبُّنا كائناً حيّاً يصرخ في داخلنا ، ولا يموت .

 

^ ^ ^

 

سمعت أحلام طرقاً خفيفاً على الباب ؛ فأسرعت لتفـتحه . كان منيف وزوجته سميرة مبكرين في الزيارة ، ويحمل كلٌّ منهما هديَّة ملفوفة بورق ملوَّن .

أهلاً وسهلاً ... تفضَّلا ... ما هذا ؟

قالت وهي تفتح الباب وعلى ثغرها ابتسامة جميلة ، فأجابها منيف على عجل :

علبة حلوى ... هـديَّة مـن سميرة إلى عادل ... وهديَّة منِّي ... إلى عادل أيضاً .

ضحكت أحلام ببراءة ، وحملت الهديَّتين إلى المطبخ .

سألها منيف بصوت عال :

أين هو عادل ؟

- إنَّه نائم ... لا ترفع صوتك .

- إذهبي إليه وأيقظيه ... أريد أن أراه ...

- إذا كنت مصرّاً في طلبك ، فلن أتأخَّر عن تلبيته .

هـرولت أحـلام إلى غـرفـة النوم ، ثمَّ عادت ومعـهـا الطفل .

كان جالساً في عربة صغيرة ، وأمُّه تدفع بها إلى غرفة الاستقبال . وقد بدت قدمـاه من تحت غـطـائه الأزرق ضعيفتين ، خائرتين ، تلفُّهما مفاصل حديديَّة .

رفعه منيف عن العربة ، ووضعه في حضنـه وأخـذ يلاعبه ، وسميرة ساكنة مثل أهل الكهف . جلست أحلام على مقربة منها ، وراحت تنظر إليها وهي تبتسم .

لم يبدُ على سميرة أنَّها مرتاحة كثيراً ، أو أنَّها ترغب في الكلام . فهي لا تشعر بالاطمئنان كلَّما اقتربت من أحلام أو رأتها .

سألت أحلام ضيفتها باهتمام :

هل أنتِ بخير ؟

- نعم ... شكراً .

- كيف تحبِّين القهوة ؟

- قليل من السكَّر ... ألن تسألي منيف كـيـف يريـد قهوته ؟

- آه ... صحيح ... أعرف أنَّه لا يحبُّ السكَّر . سأصنع له قهوة يحبُّها .

إنصرفت أحلام لتعدَّ القهوة ، فأعاد منيف الصبيَّ إلى الـعربة ، وخاطب زوجته بشيء من الغضب :

أرجو أن تصطنعي ابتسامة من أجل المرأة التي نحن في ضيافتها .

- وهل تريدني أن أرقص ؟

ردَّت بدون أن تلتفت إليه ، فازداد غضباً ، ولكنَّه حاول جـاهـداً ألاَّ يـصـل حـديــثــه مـع زوجـتـه إلى مسامـع أحـلام:

- هدِّئي أعصابكِ قليلاً ، وتذكَّري أنَّ من آداب السلوك أن تنظري إلى مـضيـفـك بـوجـه بشوش ، وتحـدِّثـيـه بمـا يسرُّه ...

- إنَّني متوعِّكة ، ولا أظنُّ أنَّني سأتمكَّن من تحقيق ما تطلبه منِّي .

- مـعـكِ حـقٌّ ... مـا أطـلـبـه مـنـكِ أمـر صـعبٌ للـغـايـة ... هل تريدين أن أشحذ منكِ موعداً من أجل ابتسامة ؟

- إنَّني مستاءة جدّاً ، ولستُ أعرف السبب الذي يدعوني للقيام بزيارة لستُ راغبة فيها ... حتَّى أنَّ الهديَّة التي حملتها فرضت عليَّ فرضاً ...

- أحلام هي مثل أختي ... ولا حاجة إلى تكرار ذلك ألف مرَّة ...

رجعت أحلام من المطبخ حاملة صينيَّة القهوة ، فلاحظت أنَّ الجوَّ ليس على ما يرام . لم تقل شيئاً ، بل انشغلت بصبِّ القهوة ، فخاطبتها سميرة ، محاولة أن تخفِّف من صعوبة الموقف :

كنَّا نتحدَّث عن عمل منيف ... إنَّه يغيب أيَّامـاً عـن البيت ، ولا أعرف أحياناً متى سيعود ...

قبل أن تنهي سميرة كلامها ، نهض منيف عن مقعـده ، وهو يقول :

قهوتكِ طيِّبة يا أحلام ... لقد شربت فنجاني ... كان ساخناً جدّاً ، غير أنَّني لم أشعر به . يبدو أنَّني صرت خالياً من الشعور ... إنتبهي إلى نفسكِ وإلى عادل ...

إتَّجه نحو الباب ، وأحلام تسير معه ... ثمَّ التفت إلى زوجته بصعوبة ، وقال لها : أنتظركِ في السيَّارة .

 

^ ^ ^

 

( قرية البحيرة - بعد ثلاثة أيَّام ) .

زحف ضوء الصباح على البحيرة الهادئة ، وهبَّت نسائم رقيقة ، فارتقصت أوراق الحور في الوادي الذي يمتدُّ إلى البعيد كأنَّه لا يريد أن ينتهي .

لقد هطل مطرٌ غزيرٌ يوم أمس ، فارتفع منسوب البحيرة ليصل إلى طـريـق تـرابـيَّة ، تـتـعرَّج على مـقـربـة مـن الـبـيـوت القليلة التي تربض هـنـا وهـنـاك على مرمى حـجـر مـن الوادي .

هذه البيوت يسكنها أثرياء وموظَّفون في الدولة ، يميلون إلى حياة هادئة بعيداً عن صخب المدينة وازدحامها . فالوادي منعزل عمَّا حوله ، وقد زادته البحيرة التي تتربَّع في وسطه رهبة وجمالاً ، إلاَّ أنَّه موحش في كثير من الأحيان ، خصوصاً في الليل ، حين يسود صمت مخيف ، يقطعه نباح كلب أو عواء ذئب جائع . ولولا أنَّ ضوء القمر الفضِّيَّ ينعكس في الليالي الصافية على سطح الماء ، لما بدا شيء في الوادي يوحي بأنَّ فيه حياة .

كان المطر في الليلة الماضية كصنانير امرأة عجوز مـرتجـفة ، تضرب الأشجار فتهرُّ أوراقها ، وتدقُّ على النوافذ والسطوح بدون كلل . ولكنَّ الغيوم انسحبت رويداً رويداً عند الفجر ، وبدأت السماء تستعيد لـونـهـا ، ونزلت من السطوح عصافير باتِّجاه البحيرة .

تقلَّب منيف في فراشه ، ثمَّ فتح عينيه بتعب ، ونظر إلى النافذة ، فرأى خيوط الشمس تشقُّ طريقها عبر الستائر البيضاء .

كانت سميرة أفاقت مبكرة ذلك الصباح ، فلجأت إلى المطبخ ، حيث جلست إلى طاولة صغيرة ، تحتسي فنجان قهوة أعدَّته على عجل ، وتتصفَّح أوراق مجلَّة .

هجم عليها صوت منيف :

سميرة ...

- أنا هنا ... في المطبخ .

- هل القهوة جاهزة ؟

- نعم .

وضعت المجلَّة على الطاولة ، ونهضت من مكانها لتسير إلى الباب الزجاجيِّ الذي يفصل بين المطبخ والحديقة .

إنَّ أجمل ما يمكن أن ترنو إليه عين إنسان في هذه اللحظة هو مشهد الحديقة والبحيرة تتلألأ من ورائها .

كـانت العصافير الملوَّنة ترفرف على شجرة تفَّاح ، فابتسمت سميرة كأنـَّها عثرت على شيء أضـاعـتـه مـنـذ زمـن .

رأت في الطبيعة الجميلة بعد المطر ، ما يشبه حال إنسان فقد الأمل ثمَّ وجده ماثلاً أمامه ...

إلتفتت إلى الوراء عندما سمـعت وقـع خـطوات منيف ، فاصطنعت الاهتمام به :

صباح الخير ... هل نمتَ جيِّداً ؟

- أحتاج إلى شهر متواصل من النوم .

سكبت له فنجاناً من القهوة ، وسألته :

هل سيطلبونك اليوم إلى العمل ؟

- إنَّني الآن في إجازة ، قبل البدء بالمشروع الجديد ... بيد أنَّهم قد يتَّصلون بي في أيِّ وقت ...

صمت قليلاً ليرتشف قهوته ، فيما كانت سميرة منشغلة بالنظر إلى طيور الحديقة .

قال لها بصوت عال :

تخرَّجتُ من الجامعة مهندس كيمياء ، وكنت أعتقد أنَّني سأجد عملاً يشعرني بقدر من الحرِّيَّة فوجدت أنَّه يستحيل العمل في هذه البلاد إلاَّ مع مؤسَّسة الصناعة . لو لم أشتغل معهم ، لكنت الآن بدون وظيفة ...

- وما هي أخبار المشروع الجديد ؟

- سأبدأ بتنفيذه قريباً مع بضعـة مـهـنـدسين آخـرين في الصحراء ...

- في الصحراء ؟!

- نعم ... هكذا تريد المؤسَّسة ... وبما أنَّني إنسان آليٌّ في دولة لا تعترف بحرِّيَّتي ، فما عليَّ إلاَّ الموافقة على كلِّ ما تطلبه منِّي ...

- وأنا سأبقى في البيت بمفردي مرَّة أخرى ؟

- أنتِ وزيـاد ... سوف يـخـفِّـف عـنـكِ مـرارة الـوحـدة ... ألا يـزال نائماً ؟

- نعم ... سآخذه بعد ساعة إلى مدرسة الحضانة .

صمتت سميرة وأطرقت برهة ، ثمَّ أضافت :

إنَّ غيابك المتواصل عن البيت سيفقدك الكثير من مشاعر الأبوَّة ...

- أبداً ... إنَّ عملي هو جـزء مـن إحساسي بـالمسؤوليَّة . وأنا أرفض أن أعيش كما يعيش الرجال المدلَّلون ... لقد تعلَّمت لكي يكون لي دور على خشبة الحـيـاة .

- أفهم ذلك ... وفي الوقت ذاته لا أفهم لماذا أنت ملتزم مع المؤسَّسة إلى هذا الحدِّ ؟

- إنَّني متورِّط معهم ، إذا صحَّ التعبير . فمنيف يوسف حـرامـلي تحـوَّل إلى حـقـيـبـة ملـيـئـة بـالأسرار ... ولم يـعـد مسموحاً له أن يـتـصرَّف كـمـا يـريـد ... هـل فـهـمتِ مـاذا أعـني ؟

- هدَّدوك ؟

- شيء من هذا القبيل ... فـنـحن نـعـمـل مع دولـة ، وحـزب ، ونظام ... لا مع أناس يحترمون تطلُّعات الفرد وآراءه .

- وكم ستغيب عن البيت هذه المرَّة ؟

- مدَّة طويلة ... حوالي أسبوعين لوضع اللمسات الأخيرة على المشروع ، وأسبوع آخر للإشراف على بدء العمل ... و ...

- وثلاثة أشهر لإنهاء العمل ...

- لا تقلقي . سأطلب إجازة .

- وإذا سمحوا لك تزورني ... شيء جميل !

- إذا لم أكن لبقاً عرَّضتُ حياتي للخطر ... هل تريدينني أن أهرب من البلاد ، وأطلب اللجوء السياسيَّ في وطـن بـديل ؟

- إنَّه خطأك منذ البداية . لم يكن يـنبغي أن تشتغل مـعـهـم ... لقد عَرضَت علينا هيئة البناء والاستثمار مبلغاً كبيراً من المال ، مقابل بعض الأراضي التي تمتلكها ، فرفضت البيع ... كـان يمكن أن نـفـتـح مصلحة تجـاريَّة ونعيش بكرامة. 

- لست راغباً في البيع .

- كما تشاء ... ولكن هل فكَّرت يوماً بما يعتريني من ألم وقنوط ؟ إنَّك تتركني كورقة تبغ يابسة بين أربعة جدران ... أبحث عن السعادة ولا أجدها . هل هي في الحديقة ؟ أم في الوادي الموحش ؟ أم في أعماق البحيرة ؟ السعادة موجودة في داخلي كأنَّها نـار تحت الـرماد ... وأنت لا تنفخ فيها لتشعلها .

كانت تتكلَّم بحدَّة ، وأنفاسها تتقطَّع ، وهو يـصغي ويـهـزُّ برأسه .

رنَّ جرس الهاتف ، فأسرع إليه :

ألو ...

- ........

- أهلاً حضرة العقيد صبحي ... خير إن شاء الله ...

- ........

- حسناً ... ولكن ...

- ........

- إذاً سأرتدي ثيابي بسرعة ... سأكون عندك في غضون ساعة ...

- ........

- لا ... لا أحد .

- ........

- بالتأكيد ، فـالأمـر يـهـمُّني بـقـدر ما يهمُّكم ... ليس من داع للقلق .

- ........

- سأراك بعد ساعة ... إلى اللقاء .

وضع منيف السمَّاعة من يده ، ونظر إلى زوجته التي كانت تصغي إلى كلِّ كلمة يقولها لمحدِّثه . لم تترك له مجالاً للكلام ، بل قالت له بهدوء :

ثيابك في الخزانة ... غسلت لك الـقـمـيـص الأزرق يوم أمس ...

- شكراً ... أرجو أن تتفهَّمي ظروفي الصعبة .

غادر المطبخ لا يلوي على شيء . وكانت هي في شبه غيبوبة . سمعت خطى وراءها . كـان زيـاد قد استيقظ من النوم ، فلم تلتفت إليه . كانت عيناها معلَّقتين بالبحيرة التي تبدو من وراء الباب الزجاجيِّ كمشهد صـامت أخرس ... أمَّا شجرة التفَّاح في الحديقة ، فقد غادرتها العصافير الملوَّنة . لعلَّ هناك شجرة أخرى في مكان ما راحت تفتِّش عنها. 

 

^ ^ ^

 

رنَّ جرس الباب في بيت منيف حراملي .

سألت سميرة :

من ؟

فأجابها صوت لا تعرفه :

نزار وجدي ، من شركة عمران للتأمين .

فتحت الباب ، ففوجئت بشابٍّ وسيم يعاجلها بابتسامة دافئة ، وهو يقول :

آسف أيَّتها السيِّدة على الزيارة المفاجئة . إنَّني مندوب الشركة في المنطقة ... ومن واجبي أن أعلمكم بأنَّ عقد التأمين على البيت سينتـهـي بـعـد شهـر واحـد ... لقد حاولت الاتِّصال بكم عدَّة مرَّات ، فلم أوفَّق ... يبدو أنَّكم غيَّرتم رقم الهاتف ...

- معك حقٌّ ... تفضَّل ، أدخل ... ليس من اللائق أن تبقى خارجاً ...

- شكراً لكِ ... هـذه بـطـاقـتي ، ورقم هـاتفي عـلـيـهـا .

أخذت سميرة البطاقة من يده ، ونظرت إليها قليلاً ، فيما كان هو يسير معها إلى غرفة الاستقبال التي لا تبعد كثيراً عن الباب .

أتيحت لهـا فـرصة لتتأمَّله عن كثب . كـان شديـد الوسامة ، طويلاً ، عيناه سوداوان كبيرتان ، وشعره فاحم يردُّه إلى الوراء ... يـرتـدي ثيابـاً مـن المخمل الأخضر الأنـيـق .

سألته إذا كان يحبُّ القهوة ، فأجاب :

أجـل ... قـهـوة حلـوة إذا سمـحتِ .... لا أحبُّ المـرارة في أيِّ شيء .

غابت المرأة بعض الوقت ، ثمَّ عادت ومعها القهوة ، فوجدت أنَّه قام من مكانه ، وراح يتأمَّل في اللوحات الزيتيَّة المعلَّقة على الجدران ...

- لوحات جميلة ، لا شكَّ أنَّ الذي اختارها يميل إلى الرومانسيَّة ، ولديه ذوق شفَّاف .

قال ذلك ، وعلامة تـعـجُّب بـادية على وجهه ، فأجابته :

لقد اخترتها بنفسي ، فزوجي لا يهتمُّ كثيراً بأثاث البيت . إنَّه يعمل مع مؤسَّسة الصناعة التابعة للدولة ، ويقضي معظم وقته خارج المنزل ...

- ولذلك لا أراه موجوداً ...

هزَّت برأسها موافقة ، فانتبه نزار إلى أنَّ زيارته في غير محلِّها . أرتشف قهوته بسرعة ، مستعجلاً المغادرة .

كانت سميرة قد جلست قبالته تتأمَّله دون أن ينتبه .

رمقها بنظرة سريعة ، فلاحظ بعض الأسى في عينيها . كانت ساكنة ، هادئة .

وقف ليعتذر ويغادر ، فقالت له :

لم نتحدَّث عن عقد التأمين ...

- العقد ؟ آه ... أعذريني ... سوف نجدِّد لكم العقد بالشروط نفسها التي وافقتم عليها السنة الماضية . لكن على زوجكِ أن يوقِّع ، بصفته مالكاً للبيت ، في أيِّ فرصة يجدها مناسبة قبل الحادي والعشرين من هذا الشهر .

- بالتأكيد ... سأخبره بما جئت من أجله ، وهو سيتَّصل بكم لاحقاً ...

- شكراً لكِ ...

نهض عن أريكته وسلَّم عليها بحرارة ، وهو يقول :

أسعدني لقاؤك أيَّتها السيِّدة . أرجو أن تتَّصلي بي إذا احتجتِ إلى مساعدة ... طاب يومكِ .

 

^ ^ ^

 

لم تكن سميرة مدمنة على الخروج من بيتها ، لكنَّ شعورها بغياب زوجها الطويل حرَّضها على شيء من الحرِّيَّة . فهي كعصفور أسير يحتاج إلى هواء طلق ، وينظر إلى بيته كأنَّه زنـزانـة مظلمة ، تضيق جدرانـهـا يـوماً بعد يوم .

أغلقت باب المنزل كمن يغلق بـاباً على هـواجس الماضي . نظرت إلى شجرات الحور العالية التي تشرف على البوَّابة الحديديَّة من جهة الطريق ، فوجدت أنَّ قاماتها ارتفعت أكثر من ذي قبل .

كانت الأوراق خضراء لامعة تعانق النسيم العليل ، ويحدوها إلى الغد أمل في الحياة والسعادة .

إنَّ الأغبياء فقط هم الذين يطرحون أجسادهم ونفوسهم في غياهب الموت قبل أن يموتوا .

قادت سيَّارتها بهدوء على الطريق المتعرِّج ، وكانت تتنشَّق الهواء بملء رئتيها .

أرادت ألاَّ تفكِّر بزوجها ، ففكَّرت به رغماً عنها ، وشعرت بضيق .

عندما وصلت إلى جـانب البحيرة ، أوقفت سيَّارتـهـا ، وراحت تراقب طيور البطِّ وهي تسبح بغبطة . فكَّرت بقيمة الحرِّيَّة التي منحها الله إلى هـذه الـطـيور ، وتساءلت : لماذا لا يستطـيع الإنسان أن يـعيش هـذه الحرِّيَّة ؟

إنَّ العقل حوَّل الإنسان إلى آلة تتسابق مع آلة أخرى ... ولو كان هذا الإنسان يعيش في غابة ، يشرب من ماء النهر ، ويأكل ممَّا تجـود بـه الأشجار ، لما فكَّر بأنَّ هناك أرضاً يجب أن يمتلكها ، ولا بيتاً يحافظ عليه ، ولا وطناً يقتل ويُقتل مـن أجلـه .

تمتَّعت سميرة بمشاهد الطبيعة ، وملأت قلبها بموسيقى البحيرة ، وهي أجمل بكثير ممَّا تصنعه أوتـار مـوسيقيٍّ مـاهر. وكم تمنَّت لو أنَّها تستطيع أن تفترش الأرض هنا على الضفَّة الحالمة ، وتجعل من هذا المعبد الجماليِّ مـأوى لها ، ترفض مغادرته !

لقد أوحت لها الطيور السابحة بمقدار المرارة التي يعيش فيها البشر ، فهذه الطيور تعمل بانتظام وسعادة ، وجميعها متساوية في الطول والعرض والارتفاع ، ورؤوسها شامخة لا تنحني ، إلاَّ إذا أرادت أن تستحمَّ أو تبترد تحت أشعَّـة الشمس .

من هو العظيم في هذه القافلة من طيور البطِّ ؟ ومن هو التابع والمتبوع ؟ ومن هو الخائف والمخيف ؟ ومن هو القاتل والمقتول ؟...

كانت الأسئلة تتزاحم في رأسها الصغير ، حتَّى أستولى عليها التعب ، فرمقت البحيرة بنظرة وداع ، ورجعت إلى سيَّارتها ، لتقودها بهدوء بين البيوت الصغيرة .

عند أحد المنعطفات ، لمحت سيَّارة حمراء ، ورجلاً يسند ظهره إليها ، كأنَّه ينتظر مساعدة من أحد .

إنتبهت إلى أنَّه نزار وجدي .

فكَّرت للوهلة الأولى أنَّ عليها ألاَّ تكترث به ، لكنَّها ندمت على سوء التصرُّف ، وقالت في نفسها : ألم أكن قبل لحظات أعتقد أنَّ الطيور أفضل من الناس ، وهي تتصرَّف بدون عقل ؟ فلماذا أسيء التصرُّف تجـاه إنسان يحـتاج إليَّ في موقف صعب ؟

توقَّفت وعادت إليه ، فوجدته مبتسماً ، ولا يشعر بالغضب . وعندما التقت نظراتهما ازداد سعادة .

أنتِ ؟

هتف لها ، فجاوبت بدون أن تفكِّر :

وأنتَ أيضاً ؟ ماذا حدث ؟

- سيَّارتي معطَّلة .

إقترب من زجاج سيَّارتها مسلِّماً :

- كيف حالكِ ؟

- بخير ... شكراً ... سيَّارتـك جـديـدة ، فـمـاذا جـرى لها ؟

- لست أدري ... إنَّها المرَّة الأولى التي تـتـعـطَّل فيها .

- هل تريد مساعدة ؟

- بالطبع ... لكنْ لا أعرف ماذا أفعل ... هل هناك ميكانيكيٌّ في هذه البقعة المنعزلة من العالم ؟

- أعرف واحداً يعمل في بيته ... إنَّه على مسافة بعيدة من هنا ... هل تريد أن أوصلك إليه ؟

- نعم ... أعني إذا لم يكن هناك من إزعاج ...

- أبداً ... تفضَّل .

كانت في تلك اللحظات تتحوَّل إلى امرأة مختلفة . وعندما فتح باب سيَّارتها ، استقبلته بابتسامة ، ففهم أنَّها غير متضايقة منه . رآها جميلة أكثر من المرَّة الماضية ، عندما زارها في المنزل ، ولكنَّها ما زالت على كآبتها .

قادت سيَّارتها بصمت ، وذهنها بحر مضطرب .

كانت تحسُّ بحرارة مفاجئة ، لوجود رجل قريب منها . وهذه هي المرَّة الأولى التي تجرؤ فيها على الاقتراب من رجل غير زوجها . أمَّا لماذا يحرِّك نزار ظمأها الأنثويَّ إلى عصر جديد ، بعد أن ذبلت في عصور الحجر ؟ فهو السؤال الذي بدأ يقلقها ، ويشغل بالها .

قالت له فجأة :

- كم تعتقد أنَّ إصلاح سيَّارتك سيستغرق ؟

- لست أدري ... ربَّما ساعتين أو ثلاثاً ...

- وأين ستقضي ذلك الوقت ؟

- سأنتظر ...

- وستجوع ...

- صحيح . نسيت أن أسألكِ : هـل هـنـاك مـطـعم قـريب ؟... ما رأيكِ لو دعوتكِ إلى الغداء ؟ ...

- هل تحاول أن تردَّ جميلي ؟

- بالعكس ... سوف تقومين بعمل جميل آخر إذا قبلتِ دعوتي ...

- إنَّك جريء ...

- دعوة إلى الغداء ... ليس فيها شيء ...

- ولجوج أيضاً ...

- إذا كان لا بدَّ من تعبير آخر ، فهو أنَّني أصرُّ على تحقيق طلبي ... ولا أحبُّ أن أشعر بالخيبة ...

ضحكت بصوت عالٍ ... وفهم من أيماءة رأسها أنَّها موافقة على دعوته .

 

^ ^ ^

 

مضى أسبوعان على غياب منيف عن بيته . وسميرة وحيدة في هواجسها وهمومها . لقد أصبحت أيَّامها متشابهة ... تستيقظ من النوم كلَّ صباح ، فتأخذ ابنها إلى مدرسة الحضانة ، وتعود لتعمل في المنزل ، أو لتهتمَّ بالحديقة . وقليلاً ما تخرج من دائرة مرسومة لها بخطٍّ أحمر .

لم يحدث شيء مثير في حياتها ، سوى التقائها بنزار وغدائها معه . فهل يكون ذلك بداية لقصَّة حبٍّ عاصفة يكتبها القدر ، ويسير بها كيفما يشاء؟

إنَّ القدر هو صاحب السلاح الأقوى في معركة غير متكافئة ، وهو الذي يحوِّل الناس من مساكين إلى ذئاب ... فهل ستصبح امرأة ذئبةً كاسرة عندما تحبُّ رجـلاً غير زوجـهـا ؟

لقد أصبحت تشتاق إلى نـزار كلَّما لجـأت إلى نفسها . ولم تنجح محاولاتها اليائسة للهروب من رغبة جـامحة في التغيير ، تجتاح كيانها .

كانت تنام على أحلام غامضة ، وتصحو على أمل في لقاء الرجل الذي يقف على عتبة القلب ، ويطرق بكلتا يديه ، طالباً الدخول .

تلك الليلة رأت حلماً لن تنساه : كانت تقف على ضفَّة البحيرة ، فشاهدت زورقاً أبيض يتهادى على صفحة الماء ... وعلى متنه رجل ، أشار إليها بيـده لكي تـأتـي إليه . أحسَّت بـأنَّ جسدها يتلاشى ، وراحت تمشي نحوه في الماء ، فلم تغرق .

كان الرجل هو نزار . أصعدها إلى الزورق ، وراح يجذِّف إلى البعيد ، حيث لا يوجد إنسان . وهناك ، ترك المجذافين من يده ، واقترب منها فأطبق بشفتيه المالحتين على فمها ، فغمرتها رعشة طيِّبة . أغمضت عينيها وفتحتهما ، فوجدت نفسها وحيدة في الزورق وهو يتمايل برفق عند الشاطئ ، حيث يقف منيف وأحلام غاضبين متوعِّدين .

أفاقت مذعورة من هذا الحلم ، فنفضت الغطاء عن جسدها النحيل ، وسمعت قلبها ينبض بـقوَّة .

نظرت حولها ، فلم تجد أحداً غير زياد . كان نائماً في سرير خشبيٍّ قـريب مـن سريـرها ، وعلى ثـغـره ابتسامـة طيِّبة .

عطشت إلى فنجان قهوة ، فترنَّحت في سيرها إلى المطبخ .

فكَّرت بأنَّ من حقِّها أن تعيش ، وأن تلجأ إلى أيِّ وسيلة تنقذها من الفراغ الذي تغرق فيه .

إستعادت الحلم ، فتساءلت : لماذا يقبِّلها نــزار ويختفي ؟ أيكون ذلك مقدِّمة للعبة خطيرة ، لا تلبث أن تداهمها رياح العقل فتطيح بها ؟ وما معنى أن يظهر منيف وأحلام في المشهد ذاته ، وهمـا غـاضبـان مكفهرَّان ؟

شربت آخر قطرة من فنجانها ، ثمَّ نظرت إلى ساعتها بلهفة ، كأنَّها تستعجل الوقت إلى موعد مع أحد .

 

^ ^ ^

 

كان نزار ينتظر في المطعم بفارغ الصبر ؛ ينقر بأصابع يده على الطاولة أمامه ، وينظر كلَّ دقيقة إلى ساعـة يده . لاحظ بعض الجالسين في المطعم ارتباكه ، فخبَّأ ما يكتنفه من لوعة الانتظار بابتسامة مزيَّفة .

دخلت سميرة تبحث عنه ، فوجدته واقفاً وكأنَّ قوَّة خفيَّة جذبته . كانت ابتسامته أكبر من وجهه .

قالت له على الفور :

أعتذر لتأخُّري . لقد اغتنمت فرصة ذهابي إلى المدينة ، فاشتريت بعض الثياب .

- لا يهمُّ . كنت قلقاً عليكِ فقط ... هل عثرتِ على ثياب جميلة ؟

- لقد اخترت عدَّة فساتين وقوارير عطور ... الأسعار مرتفعة هذه الأيَّام .

مدَّت يدها إلى حقيبة سوداء كانت تحملها ، فأخرجت علبة صغيرة وقدَّمتها إليه .

نظر إليها متعجِّباً ، وقال :

ما هذه ؟

- آلة حلاقة من نوع جيِّد ، لكنَّني اشتريتها بثمن معقول .

- شكـراً جـزيـلاً ، لم يكـن عـلـيـكِ أن تـكـلِّـفـي نـفسكِ ...

- أكلِّف نفسي بماذا ؟ إنَّني أتقرَّب من شركة عمران للتأمين ...

ضحك نزار من قلبه ، ثمَّ قال :

- لم نعد نتحدَّث في قضايا العمل ... لقد أصبحت خائناً للوظيفة ... ماذا نطلب للغداء ؟

- أيَّ شيء تطلبه لنفسك .

- حسناً ...

أشار إلى النادل ، وقال له بضع كلمات ، قبل أن يلتفت إلى سميرة ليقول لها :

أرى أنَّك سعيدة اليوم ... ولكنَّ هناك حزناً في داخلك لا يخفى على أحد .

- حزن أم عتب ؟

- إذا كان عتباً ، فعلى من ؟

- على الحياة . إنَّني لم أعد أصدِّق أنَّ هناك شيئاً اسمه الحرِّيَّة .

- هناك حرِّيَّة ، ولكنَّنا لا نعرف كيف نعيشها ... الحرِّيَّة تشبه قمَّة جبل . بعض الناس يعيشون تحتها ، ويحثُّهم طموح مرير على الوصول إليها ، غير أنَّهم يفشلون ويظلُّون عند السفح ... وهناك أناس آخرون يصلون إلى القمَّة ، ثمَّ يستولي عليهم طموح جـديـد ، فيسقطـون مـن الجهة الأخرى ... هؤلاء هم الذين يعيشون ما بعد الحرِّيَّة ، فيفقدونها .

- عندما نخسر حرِّيَّتنا نخسر كلَّ شيء ...

قطع النادل الحديث عندما جاء بالطعام ، فرتَّبه على الطاولةالطاولة وانصرف ...

قال نزار :

هل تحبِّين أن أخبركِ عن حلم رأيته ؟

- ما هو ؟

- لقد رأيتكِ في منامي ليلة أمس . كـنتِ على شاطـئ بحيرة ، وكنت أنا على متن زورق أبيض ، فأشرت عليك أن تأتي إليَّ ...

إرتجفت يـدا سميرة ، وبدت آثار المفاجأة على وجهها . سألته بسرعـة بعد أن أفلتت من رهبة اللحظـة :

وماذا حدث بعد ذلك ؟

- لم أعد أذكر ... لقد برد الطعام ... لماذا لا نأكل ؟

كانت جائعة ، وتشتهي كسرة خبز . بيد أنَّها فكَّرت في الحلم الذي رآه نـزار . إنَّه يشبه الحلم الـذي قـضَّ مضجـعـهـا... فهل تتشابه الأحلام كما تتشابه الحقائق ؟

فضَّلت ألاَّ تبوح له بما رأته ، فسألته عن حياته .

وقبل مغادرتهما المطعم ، همس لها :

هل تحبِّيين أن نكون صديقين ؟

فأجابت :

إنَّني خائفة بعض الشيء ... حاول ألاَّ تتَّصل بي عندما يكون زوجي في المنزل ...

- كيف سأعرف أنَّه موجود ؟

- سوف أتَّصل بك أنا .

- فكرة جيِّدة ... هل ما زلتِ تحتفظين برقم هاتفي ؟

- نعم ...

- لا تضيِّعيه ... فالأشياء المهمَّة غالباً ما تضيع من أصحابها .

 

^ ^ ^

 

بدأت سميرة تقترب من نـزار ، وتحبُّ أن يكون قـريـبـاً منها . وأصبح كلُّ شيء تراه أمام عينيها يحثُّها على المغامرة معه .

كان الباب الذي يفصل بينها وبين الخارج بمثابة حاجز وهميٍّ ، لا تبتعد الحرِّيَّة عنه سوى خطوتين .

تردَّدت كثيراً في تحطيم هذا الباب المغلق ، لأنَّ الحرِّيَّة التي تلحُّ في طلبها ستصبح أزمة كبرى ، إذا لم يتحكَّم بها الفكر الواعي .

شاهدت من خلال الزجاج زورقاً أبيض يتهادى فوق البحيرة ، ونورساً جائعاً يطير فوقه . أتكون روحها تحوَّلت إلى ذلك الطائر ، الذي يبحث عن شيء يقتات به ، وهو يصيح ويتوعَّد ؟

فكَّرت بمنيف البعيد ، فأشفقت عليه ، وبنزار القريب ، فاشتاقت إليه .

لقد أصبح كلُّ واحد في هذه الدنيا التي تحيط بها رمزاً لهزيمة أو انتصار . وسكَّان هذه البلاد من أقصاها إلى أقصاها لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة : إنَّهم منيف الرجعيُّ المهمل الذي ابتاع جارية . وزياد البريء . وأحلام العميقة كبئر ، ذات العينين الحادَّتين كأفعى . وعادل المتكوِّم كخطيئة مميتة عند باب قبر . ونزار الذي أرسلته العاصفة من مكان بعيد ، من جزيرة منسيَّة ، فأشعل الدنيا وراح يرقص على جمرها .

إتَّصل بها منيف مرَّات ، فسمعت في صوته صدى القرون الغابرة ، وتمنَّت ألاَّ يطول حديثها معه . واتَّصلت بنزار ، فاقتحمها فرح داخليٌّ ، وأسرَّت له بأنَّها في ضجر قاتل ، وبأنَّ حياتها مطوَّقة بأسلاك من حديد .

قالت له :

سألتَني في المرَّة الماضية إذا كنت أحبُّ أن نكون صديقين . إنَّ الظروف لا تزال تمنعني من إطلاق العنان لرغباتي الشخصيَّة ، فأنا تمثال من الخشب ... يتنفَّس لكنَّ الهواء لا يدخل إلى صدره ، ويـفـتح عينيه ولكن لا يرى . لم أخرج مع أحد منذ تزوَّجت إلاَّ معك ... واكتشفت أنَّك إنسان مهمٌّ بالنسبة لي .

كانت كلماتها تلك إعلاناً للثورة ، وتأكيداً على هروبها من أسوار بيتها إلى شارع صاخب ، ليس فيه نظام ولا شرطيٌّ يدقِّق في الأحاسيس وخفايا القلوب .

إنَّها ترى في نزار ملجأ تأوي إليه في وحدتها ، وهو يرى فيها امرأة جميلة ، مثيرة ، وغنيَّة ... لكنَّها تبحث عن كنز السعادة المفقود .

 

^ ^ ^

 

الصحراء واسعة لا حدود لها ، وليس فيها ما يشير إلى أنَّ إنساناً وطئها منذ عصور إلاَّ طريق ضيِّقة تمتدُّ إلى ما وراء الأفق ، كأنَّها خيط أبيض في بساط من الرمل ، يتلوَّى تحت أشعَّة الشمس الحارقة .

كان منيف يقود سيَّارة الجيب ، وإلى جانـبـه العقيد صبحي يرتدي بذلة عسكريَّة ، ويخفي عينيه بنظَّارتين سوداوين .

لم يكن الرجلان يتكلَّمان ، فكلاهما تعب . لقد كان عليهما أن ينزلا من الطائرة ، ويتوجَّها فوراً إلى مركز المشروع الذي يبعد عن المطار بضعة أميال .

وصلت السيَّارة إلى حاجز عليه جنـديَّان ، فـأدَّيـا تحيَّة ، ورفـعـا الحـاجـز ، فـتـابـعت سيرهـا المـتـعـرِّج ، لـتـنـتـهـي عـنـد مـبنى كـبـير من الـباطون ، تحـيـط بـه تـلال مـن الـرمل ، فـتـوقَّـفت أمـام المبـنـى ، حيث تـرجَّـل مـنـيـف والـعـقـيـد صبـحـي .

إتَّجه العقيد منفرداً نحو بـاب حـديديٍّ ، فضغط على أزرار مرقَّمة فانفتح ، ثمَّ أشار على منيف بأن يدخل قبله .

سار الرجلان في نفق طويل تضيئه مصابيح شاحبة ، حتَّى وصلا إلى قاعة واسعة وُضعت في وسطـهـا بضع كراسيَّ.

كان خمسة مهندسين آخرين وصلوا إلى المكـان قبل قليل ، فاستقبلهم الضابط عدنان ، المسؤول الأمنيُّ عن المركز وأدخلهم إلى القاعة ، فجلسوا ينتظرون وصول العقيد .

وقف المهندسون ، فسلَّم عليهم العقيد واحداً واحداً ، ثمَّ صعد إلى منصَّة عالية ، فخيَّم صمت ، وراح المهندسون يصغون إلى ما سيقوله :

" أيُّها الرفاق الأعزَّاء ،

لن يكون حديثي طويلاً ... أودُّ أن أعلمكم ، بالنيابة عن وزير الدفاع ، بعض الحقائق المهمَّة عن المشروع الذي ستعملون فيه .

إنَّه لشرف كبير أن تخدموا هذا الوطن وحزبـه العظيم . وقد أثبتُّم دائماً أنَّكم مخلصون للقيـادة الحكيمة ، التي ترعى شؤونكم وتحافظ على كرامتكم . ولذلك تمَّ اخـتـيـاركم دون سواكم لإنجاز هذا المشروع الحيويِّ ، الـذي نـهـدف به ، إلى تطوير قدراتنا الدفاعيَّة وحماية أمننا .... ونحن نكرِّر لكم وعدنا بمنحكم امتيازات رفيعة ، ومخصَّصات ماليَّة ضخمة ... ونؤكِّد أنَّ الأسلحة التي ستنتجونها لن تُستخدم ضدَّ بلد آخر إلاَّ في حال الدفاع عن النفس . ولقد حصلنا على معلومات مفادها أنَّ دولة مجاورة تمكَّنت من صنـع أسلحة كـيـمـيـائـيـَّة ، ولـن يكون ممكـنـاً ردعـهـا عـن تـوجيه تـلـك الأسلـحـة إلينـا في المستقـبـل إلاَّ بـإنـتـاج أسلـحـة ممـاثـلـة . "

نظر المهندسون ، بعضهم إلى بعض ، وقد فوجئوا بأنَّ العقيد يكشف لهم عن سرٍّ خطير ... أمَّا هو فتابع بدون أن يكترث لنظراتهم المتسائلة :

" ... يجب أن تعلموا أنَّ هذا المشروع يرمي إلى إنتاج أسلحة جرثوميَّة . لقد أنشأناه في مكان سرِّيٍّ ، وأحطناه بأجهزة الإنذار الحديثة وبنقاط مراقـبة عسكريَّة ... وبكلمة أخرى ، إنَّ الناس يجهلون ما يحدث هنا ... في مؤسَّسة الصناعة ... وأنتم تحتفظون بأهمِّ أسرار المؤسَّسة ، ولن تـبـوحـوا بها لأحد ... وفَّقكم الله . "

نزل العقيد صبحي عن المنصَّة ، فأفاق المهندسون من دهشتهم . لقد جاؤوا إلى هنا من أجل الحصول على معلومات لها علاقة بمشروع لإنتاج نوع جديد مـن الـقنابل . ولم يخطر في بالهم أنَّ مؤسَّسة الصناعة حصلت على التقنيَّة اللازمة لصنع أسلحة جرثوميَّة .

فيما كان العقيد يصافحهم ، كانت نظراته حادَّة ، واثقة ، ويده قاسية . وعندما انصرف ، أحسَّ المهندسون بأنَّهم أصبحوا في داخل قفص لا سبيل للهروب منه ... فالعقيد لم يهدِّدهم أو يجبرهم على شيء ، لكنَّه غادرهم مسرعاً ، كأنَّه لا ينتظر كلمة منهم . لقد أخذ موافقتهم قبل أن يوافقوا ، لأنَّ السلطة هنا كالقدر الجشع ، لا مفرَّ منها ، ولا حاجة إلى سؤالها عن باب للنجاة .

 

^ ^ ^

 

( بعد أسبوع ) . في غرفة صغيرة ، جلس العقيد صبحي وراء مكتبه مكفهرّاً ، غاضباً .

كان ينتظر أحداً ، فنظراته الحادَّة تنتقل بسرعة بين ساعة الحائط والباب ، ودخـان سيجـارته المتسارع يكاد يخنق الغرفة .

دقَّ أحد على الـبـاب ، فأطفأ سيجارته ، وقال بلهجة آمرة :

تفضَّل .

دخل منيف جادّاً ، وحيَّا ، فردَّ العقيد بحزم :

مرحباً ... إجلس ... لـقـد أبلغني بعض زملائك امتعاضك من المشروع .

- إمتعاضي ؟! إنَّني متحفِّظ ليس أكثر .

ضرب العقيد بقبضته على المكتب ، ورفع صوته بغضب :

إسمع يا منيف ... إنَّني لا أحبُّ اللعب على الكلام ، ولن أفتح القاموس لأفتِّش عن الفرق بين ممتـعـض ومتحفِّظ ... هذا العمل الذي نقوم به مهمٌّ لنا جميعاً . إذا نجح نجحنا ، وإذا فشل خسرنا الدنيا والآخرة .

- أعتذر لصراحتي ، يا سيِّدي ... وإذا سمحت لي بالكلام أكثر ، قد أتمكَّن من توضيح وجهة نظري ...

- لك ملء الحرِّيَّة في أن تقول ما تشاء ...

- أعـتـقـد أنَّ أيَّ عـمـل نـقـوم بـه يحـتـمـل الـفشل والنـجـاح ، ولذلك لا يجب أن نـتفاءل بنجاح المشروع منذ الآن .

- هذا كلام خطير ...

- كلام واقعيٌّ ... فحسب المعطيات والموادِّ المـتـوفِّـرة لدينا ، قد لا نستطيع أن نصل إلى تحقيق هدفنا .

- المهندسون الآخرون يقولون غير ذلك .

- لكلِّ واحد رأيه ... وأظنُّ أنَّ بعض الزملاء لا يريدون المجاهرة بما يفكِّرون به ...

- نحن لا نجبر أحداً على فعل ما يكرهه . المهندسون أبلغوني شخصيّاً بأنَّهم راضون عن سير المشروع ... لم أسمع من أحد سواك أنَّه لن ينجح ...

- سيِّدي العقيد ، إنَّني لم أقل ذلك أبداً ... قلت : إنَّ نجاحنا غير مضمون ... هذا توقُّع ... قـد يخـطئ وقـد يـصيب ...

نهض العقيد فجأة من مكانه ، ومشى خطوتين في الغرفة ، فكاد يصطدم بجدارها . أراد أن يختار ألفاظاً مناسبة لتخطِّي الحاجز الذي حاول منيف أن يرسمه بكلماته ؛ فالقوَّة لا تعترف بعوائق تقف أمامها ، ولا بعقل يحكمها .

إلتفت فجأة إلى منيف ، وقال له بشدَّة :

إنَّ المشروع يجب أن يتمَّ ، وليس مسموحاً لأحد أن يشكِّك في مستقبله ... لقد أعطيتك الحقَّ في الكلام في ظلِّ الحرِّيَّة المتاحة ، وينبغي ألاَّ تتعدَّى الحرِّيَّة مصلحة الوطن والدولة ... إنصرف ...

- والإجازة التي وعدتني بها ؟

- صحيح ... لقد نسيت .. خـذ هـذه الأوراق واملأها ، ثمَّ أعدها إليَّ اليوم ... إنَّك تستحقُّ إجازة قبل البدء بالمراحل الأخيرة من العمل .

- شكراً يا سيِّدي .

- نحن نقدِّر أتعابكم ... ونحترمك أنت شخصيّاً ... وعـنـدمـا ينـتـهـي ما نقوم به ستنال مكافأة كبيرة ... هل أنت مسرور؟

- مسرور ؟ نعم ... بالتأكيد ... هل تسمح لي بالانصراف ؟

- أتمنَّى لك التوفيق .

خرج منيف من الغرفة مسرعاً ، وكأنَّه يغادر سجناً خانقاً يزدحم بالرعب والإرهاب والذلِّ . كاد يسمع خطواتٍ ثقيلة لشبح أسود يلاحقه ، ويشدُّه من قميصه لكي يبقى رهينة في هذا المكان الضيِّق . دارت عيـناه عدَّة مرَّات كـعـقـارب الساعـة ... وأحسَّ بـأنَّ النفق الـطـويـل الذي يسير في داخـله لن ينتهي قبل أن يبتلعه . كانت الجدران البيضاء الكالحة تحيط به من كلِّ صوب ، كأجنحة ملائكة في لحظة الموت ...

إنَّه خائف ولا يُسمح له بأن يصرِّح بخوفه ... فالمشروع هزيل ، والمهندسون لا يعملون كفريق علميٍّ متكامل ، هدفه تحقيـق الـنـجـاح ، بـل كـمـجـمـوعة مـن المـتـنـافسين الـذيـن يـريـدون إظـهـار ولائـهـم للـدولـة ، فيتحوَّلون إلى جواسيس .

كان بينهم كإنسان مـعـصوب العينين ، مقـطَّب الشفتين . إذا تجرَّأ على قول كلمة تنهال الأجوبة عليه كالصواعق ، فيعود إلى صمته كملاذ أخير .

في هذه اللحظات ، مرَّت في ذهنه صورة امرأة ، فالتهمته نشوة ، ثمَّ عاد ليفكِّر من جديد في الواقـع . إنَّه واقـع هشٌّ ، يقوم على مبادئ غير صحيحة .

تمنَّى لو أنَّ انفجاراً يطيح بـهـذا المشروع ، فيحوِّله إلى رماد ؛ بيد أنَّه عاتب نفسه على هذا التفكير ، فانتصار الإنسانيَّة سيكون انتصاراً ناقصاً ، إذا سقط الشرُّ مضرَّجاً بدمائه بين جثث الأبرياء .

 

^ ^ ^

 

عبَّرت أحلام عن فرحها عندما زارها منيف .

عانقته بحرارة عند الباب ، فبدا شاحباً وكئيباً .

سألها عن عادل ، فأخبرته بأنَّه في غرفته .

دخل إلى المطبخ ، فصبَّ كوباً من الماء وشربه على عجل ، ثمَّ رفع رأسه إلى فوق .

إقتربت منه مرَّة ثانية وأمسكته من يده ، وراحت تنظر بتمعُّن إلى وجهه ، لعلَّها تقرأ فيـه مـا يخبرها بشيء عـن حـالـه .

بحث بتعب عن كرسيٍّ يتهالك عليها . وجلست هي غير بعيدة عنه ، ترنو إلى الحزن المتراكض في ملامح وجهه ، فيكاد يمحوها .

تردَّدت في توجيه أيِّ سؤال إليه .

كانت تنظر إليه فقط ، وتحاول أن تقنعه بنظراتها بأنَّ عليه أن يتكلَّم .

قال لها بهدوء وتأثُّر :

كنت ذاهباً إلى البيت ... لقـد أردت مـفـاجـأة سميرة وزياد ... فكانت المفاجأة من نصيبي أنا ...

لم تفهم ماذا يـقصد ، فـدنت منه أكثر ، ووضعت كفَّها فوق يـده الباردة ، كـأنَّها تطلب منـه أن يستمرَّ في كلامه ، فأردف يقول :

كان هناك رجل آخر في منزلي ...

- ماذا تقول ؟!

سألت أحلام متعجِّبة ، فأجابها :

نعم ... توجَّهت إلى البيت في سيَّارة تـابعة للمؤسَّسة ، فرأيت سميرة تتحدَّث إلى رجـل عـنـد الباب ... لم أعرف من هو، فتابعت طريقي لكي لا يراني أحد منهما ... أوقفت سيَّارتي بعيداً ، ثمَّ مشيت بمـحـاذاة الأشجـار ، فـإذا بـالرجـل يـصعـد إلى سيَّارته ، وهي تلحق به لتصعد إلى جانبه .

- هل تأكَّدت من أنَّه رجل غريب ؟

- نعم .

- وأين كان زياد ؟

- لقد دأبت على وضعه في مدرسة الحضانة .

- وماذا حدث بعد ذلك ؟

- دخـلتُ إلى البـيـت ، فـوجـدتـه يـفـوح بـرائـحـة خـيـانة ... رائحة لم أشمَّ مثلها من قبل في بيتي ... كانت غرفة نومي غير مرتَّبة ، وقد وجدت هذه الورقة إلى جانب السرير ... يبدو أنَّها سقطت منه ...

أخذت أحلام الورقة ، ونـظـرت إليها بإمعـان ، ثمَّ همست :

إيصال مصرفيٌّ باسم نزار وجدي ... من هو نزار هذا ؟

- ليس مهمّاً من يكون ... المهمُّ أنَّ سميرة خائنة وزوجها رجل مخدوع ... إنَّها المرَّة الأولى في حياتي التي أشعر فيها بأنَّني حقير إلى هذا الحدِّ ... لقد عدتُ إلى بيتي فـوجـدت فـيـه حـريـقـاً ... وانـدلـع حريق آخر في قلبي لا تطفئه البحار...

- علينا ألاَّ نحكم على الأمور قبل أن نتأكَّد ...

- نتأكَّد من ماذا ؟ تأكَّدتُ وانتهى الأمر ... حاولت اللحاق بهما فلم أتمكَّن ، فعدت إلى مدرسة الحضانة ... وطلبتُ مقابلة زياد ... أرادني أن أصطحبه إلى البيت ، فقلت له إنَّ أمَّه ستأتي بعد قليل وتأخذه ... تـركـتـه بـصعوبة ... فقد كنت مشتاقاً إليه ... وأخذت أقود سيَّارتي بلا هدف ، فرأيت سميرة والرجل عـنـد البـحيرة يتبادلان القبل ... كم تمنَّيت أن أقتلهما معاً !... لكنَّ إنساناً مثلي لا يـؤذي أحـداً ... بلى ... سأؤذيـهـا ... بشيء واحد ... إنَّها لن تكون زوجتي بعد اليوم ... سأبتعد عنها إلى آخر العالم ...

- وزياد ؟

صمت منيف ، وطفرت دمعة حزينة من عينيه ، لم يتمكَّن من السيطرة عليها . مدَّت أحلام يـدهـا الرقـيـقـة إلى وجنـتـه لتمسحـهـا ، فـأفـاق مـن غـيـبـتـه ، وقـبـض على مـعـصمـهـا .

إبتسمت له ، فظلَّ حزيناً . كان هناك شيء في داخلها يصرخ به :

أنـا مـعـك دائـمـاً ، فـدعني أرفعك مـن ركام الهزيمة البشعة ...

خاطبها ويده لا تزال في يدها :

سأقول لكِ شيئاً مهمّاً ...

- ما هو ؟

- لقد صدمت مرَّات كثيرة في حياتي ، واتَّخذت مواقف صعبة ... لكنَّ أصعب هذه المواقف كان عندما حوَّلت نفسي إلى رجل بدون قلب ... هل تعرفين كم مرَّة بكيت ؟ عندما افترقنا بكيت ، وعندما ولد عادل بكيت ... وعندما مات زوجكِ بكيت ... لكنَّ هناك خسارة سأظلُّ حزيناً من جرَّائها طيلة حياتي ... إنَّني أشعـر بـأنَّ بيتي لم يـعـد لي ، وأبحث عن ملجأ ...

- وماذا ستفعل الآن ؟

- لست أدري ... إنَّني خائف على زياد ... ولن أتخلَّى عنه ... سوف أعود إليه مهما طال الزمن ، لأنقذه من أزمة تعصف بحياته وهو لا يدري ...

- يجب أن تعود إلى البيت ...

- لم يعد هناك متَّسع من الوقت ... عليَّ أن أتوجَّه بعد ثلاثة أيَّام إلى العمل ...

- يمكنك أن تفعل الكثير من الأمور في ثلاثة أيَّام .

- صحيح ... لكنَّني أمرُّ بمرحلة صعبة وخطيرة . لم أعد قادراً على تغيير حياتي ... هل سأتشاجر مع زوجتي ؟ ... وهل سيفيدني ذلك ؟ ... لقد خرجت من حقيقتي إلى عـالم مـزيَّف ، كلُّ ما فيه مرعب ... وأنا الآن مستسلم لمشيئة الغير، ولا أجد وسيلة لأدافع بها عن نفسي ... فهل تصدِّقين أنَّني أصبحت هزيلاً إلى هذا الحدِّ ؟

توقَّف منيف عن الكلام برهة ليلتقط أنفاسه ، ثمَّ التفت إلى أحلام التي كانت تلتقط دمعة كرجت على خدِّها ، فسألها :

هل تسمحين لي بأن أنام هنا الليلة ؟

إحمرَّ وجهها ، وكأنَّ بركاناً انفجر في داخلها . قالت له :

- أتسألني ؟ هذا بيتك ... هـنـاك مكان يتَّسع لك دائماً ، وخصوصاً عندما تضيق بك السبل ...

إلتصقت به ، وضمَّته بحرارة إلى صدرها .

كان بمثابة طفل غريب لعنته أقداره ، فلم يشفق عليه سوى قلب أحلام الدافئ .

 

^ ^ ^

 

اتَّصل منيف بزوجته ليعلمها بأنَّه قادم إلى البيت ، فهاجمته بالسؤال :

هل كنت هنا يوم أمس ؟

- نعم ... لقد أخذت إجازة ؟

- ولماذا لم تأتِ إلى البيت ؟

- كنت مشغولاً ببعض الأعمال .

- هذا غير صحيح . لقد أخبرني زياد بأنَّك زرته في المدرسة ...

- كان عندي قليل من الوقت لأذهب وأقابله ... وكم أتمنَّى أن يبقى اليوم في البيت لكي أراه مرَّة أخرى !

- حسناً ... سأنتظرك .

دخل منيف إلى منزله ، كأنَّه غريب ... فلم يمكث فيه طويلاً ، غير أنَّه أمضى بعض الوقت مع ابنه ، ثمَّ اختلى بزوجته، وصارحها بما رآه يوم أمس ... قال لها بدون مقدِّمات :

إنَّني أعترف بأنَّ غيابي عن البيت أحدث أزمة . لكنَّها لم تكن تكفي لأن يتخلَّى أحدنا عن الآخر ... فهناك مشكلة أعمق من ظروف عملي ... وإنَّ ما حدث بيننا يعود إلى أنَّنا لم نشعر يوماً بالحبِّ الذي ينبغي أن يكون مرادفاً لزواجنا .

فهمت سميرة أنَّ زوجها يعرف أموراً كثيرة ، ففضَّلت عدم المو اجهة ، لكي تترك له فرصة أكبر للكشف عن ذاته ، فأردف :

لقد رأيتكما أمس ، ولم يـعـد مـفـيداً أن نتستَّر على الجـرح ... ولست آتياً إلى هنا لأنتقم ، أو لأقتل أحداً ، كما يفعل رجال آخرون ... سأعود إلى عملي . وأطلب منكِ شيئاً واحداً : إنتبهي إلى زياد ... ولا تـدعـيـه يتـأثَّر بما يجـري ... عندما يـنـتهي المشروع ، سأعود إلى هنا ، لكي نتحدَّث معاً في ما يجب أن نفعله في المستقبل .

كانت سميرة حمراء ، يتساقط من جبيـنـهـا عـرق حـارٌّ ... تركها منيف وسط الحريق ، وأسرع يغادر المنزل كما دخل إليه ، غريباً ، منبوذاً ، تطارده الأحزان .

 

^ ^ ^

 

( بعد أيَّام ) . الصحراء تكاد تبتلع نفسها من القيظ والعطش ، والشمس تحرق الرمال فتحوِّلها إلى جسد أحمر ، يمتلئ شهوة .

ليس من كائن يتحرَّك في هذه البقعة المنعـزلة مـن الأرض ، ما عدا بضعة جنود يذوبون عرقاً ، وقد لجأ بعضهم إلى خيام صغيرة من سعف النخيل ، هرباً من الحرِّ اللاذع .

فجأة هزَّ المشروع انفجار ضخم ، فأحال جزءاً منه إلى قطع ممزَّقة من الحديد ، تبعثرت فوقها حجارة سوداء .

حدث كلُّ ذلك في لحظات قليلة ، والجنود عند الحاجز القريب يفرُّون في كلِّ اتِّجاه ، أو ينبطحون وراء كثبان الرمل العالية ، لكي يحتموا من شظايا الانفجار ، وهم لا يصدِّقون ما رأته أعينهم .

سمُعَت صيحات استغاثة ، ثمَّ اختفت وسط هدير النار . وتحوَّلت السماء إلى خرقة دامية ، عليها شريطة من دخان أسود .

كان العقيد صبحي في منزله عندما تلقَّى مخابرة من وزارة الدفاع .

تكلَّم المتَّصل بسرعة وعصبيَّة ، والعقيد لا يملك أن يقول شيئاً ، كان أصفر ، باهتاً ، مرتجفاً .

وبعد لأي استطاع أن يسأل :

هل لديكم معلومات عن الموادِّ ؟

- نعتقد أنَّها بأمان ، فقوَّة الانفجار لم تصل إلى الطابق الرابع تحت الأرض ...

وقعت سمَّاعة الهاتف من يد العقيد ، وغادر بيته راكضاً . كان يفكِّر بما يمكن أن يفعله لمواجهة الكارثة .

إتَّصل من سيَّارته بالقيادة العامَّة ، وطلب إخفاء أيِّ دليل على أنَّ المشروع كان يستعدُّ لإنتاج أسلحة محرَّمة دوليّاً .

كان خائفاً جدّاً من أن تصل أخبار الانفجار إلى الرأي العامِّ ، فتقع فضيحة طالما حاول النظام طمسها وتمويه الحقائق بشأنها .

 

^ ^ ^

 

سميرة تتقلَّب في فراشها ، فقد هاجمها صوت هدير أشبه بانفجار بركان ، أو كأنَّ طائرة اصطدمت بالأرض ، فظلَّ صدى شظاياها يتردَّد إلى حين .

نزلت عن سريرها ، وفكَّرت أن تتَّصل بنزار . وضعت يدها على سمَّاعة الهاتف ، وتردَّدت ...

دقَّت ساعة الحائط ، فاهتزَّت المرأة ، وصعد من حلقها صوت خائف .

الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل ، ومن عادتها أن تنام قبل العاشرة .

تناولت كتاباً ، وعادت إلى فراشها ، فقرأت عدَّة صفحات ، ثمَّ أسندت رأسها إلى حديد السرير وغفت بصعوبة .

في الصباح ، رنَّ جرس الهاتف مرَّتين ، فلم تسمع ، ورنَّ طويلاً في المرَّة الثالثة ، فأفاقت مضطربة .

من يكون المتَّصل ؟

فركت عينيها المتعبتين ، وهي تنهض لتتَّجه إلى الهاتف .

حملت السمَّاعة ، فإذا بصوت أحلام يداهمها متقطِّعاً ، مضطرباً :

سميرة ... هل استمعتِ إلى المذياع هذا الصباح ؟... هـنـاك خبر عن المؤسَّسة ... لقد وقع حادث ...

- حادث ؟!

- نعم ... إنفجار ... كشفت عنه إذاعة أجنبيَّة ...

- قد يكون الخبر كاذباً ...

- يجب أن نتأكَّد ... فوسائل الإعلام المحلِّيَّة لم تذكر شيئاً عنه ...

- سأحاول الاتِّصال بوزارة الدفاع للسؤال عن منيف ...

- هل يمكنكِ إعلامي بما جرى ؟

- بالطبع ...

 

^ ^ ^

 

فشلت سميرة في الاتِّصال بزوجها ، ولم تستطع الحصول على أيِّ معلومات عن مكان وجوده من وزارة الدفاع ، ونفى الموظَّفون في الوزارة وقوع أيِّ حادث . وعندما طلبت منهم مقابلة زوجـها ، أبلغـوهـا بأنَّ هـذا غير ممكن في الـوقت الحـاضـر ، ويـنـبـغي أن تـنـتظر عدَّة أيَّام ، فأسقط في يدها ، وأخذ الشكُّ يتسرَّب إلى قلبها .

توجَّهت إلى الوزارة ثلاث مرَّات في ثلاثة أيَّام متتالية ، وأصرَّت على مقابلة أحد المسؤولين ، فسُمح لها بعد انتظار طويل بالتحـدُّث إلى مـوظَّـف من الدرجة الثانية ، فأبلغها بأنَّ زوجها بصحَّة جيِّدة ، وقد أُرسل في مهمَّة خاصَّة ، وسيعود بعد أربعة أيَّام .

- إذا لم يتَّصل بكِ بعد أربعة أيَّام ، عودي إلينا ، ونحن سنأخذكِ إليه ، لتتأكَّدي من أنَّه بخير .

- ولماذا لا يتَّصل بي في الوقت الحاضر ؟

- بسبب طبيعة المهمَّة التي يقوم بها . لسنا مضطرِّين إلى الكشف عن معلومات الوزارة .

إنقضت المهلة التي حدَّدها الموظَّف ، فعـادت إلى الوزارة لتسأل عنه ، فقيل لها إنَّه غير موجود . أخـذت تصرخ بغضب ، فاقترب منها حارسان ، وطلبا منها المغادرة ، فرفضت . حملاها إلى الخارج وأغلقا الباب .

في تلك اللحظة ، وصلت سيَّارة عسكريَّة ، نزل منها ضابط ، فرأى المرأة تبكي والحارسين واقفين في الداخل ينظران إليها . سألها :

هل أنتِ زوجة منيف حراملي ؟

تفاجأت من سؤاله ، فردَّت عليه بأمل :

نعم ... كيف عرفت ؟

- لقد أخبروني بأنَّكِ تحاولين الحصول على معلومات عن زوجك ...

- هذا صحيح .

تفضَّلي معي إلى مكتبي ... أنا الضابط حسن ، وقد كلَّفني العقيد صبحي بنقل رسالة إليكِ ...

العقيد صبحي ؟

إنَّها تتذكَّر هذا الاسم ، فقد سمعت به من منيف ، عندما كان يتحدَّث إليه ذات مرَّة في الهاتف .

سار الضابط أمامها بخطوات هادئة ، فـفـتح الحارسان الباب ، وتراجعا إلى الوراء ، وهما يؤدِّيان التحيَّة العسكريَّة .

لم يكن سهلاً على المرأة أن تخفي عذابها المستمرَّ منذ أيَّام ، وقد انطبع في وجهها ، فأصبحت كعجوز صفراء ، منفوشة الشعر ، مرهقة .

هل منيف بخير ؟

سألته بإلحاح شديد ، فأجابها وفي نظراته القاسية شيء من الحزن :

أعتقد يا سيِّدتي ، أنَّكِ امرأة واقعيَّة وشجاعة ، تؤمن بأنَّ الدنيا فيها خير وشرٌّ ، فيها جمال وقبح ...

- أرجو أن توضح كلامك أكثر ...

- كنَّا على وشك الانتهاء من مشروع كبير ، وحدث أمر غير متوقَّع . كان منيف واحداً من المهندسين القلائل الذين نعتزُّ بهم ...

بدأت سميرة ترتجف كورقة داهمتها الرياح ، فلم يراعِ الضابط شعورها ، وكأنَّه عرف أنَّ اللحظة المؤاتية لقول الحقيقة لن تتوفَّر له ، فأردف بصوت حزين :

هل سألتِ نفسكِ : لماذا أنتِ وحيدة في هذه المعركة من أجل الحقيقة ؟ وأين النساء الأخريات اللواتي لهنَّ أزواج وأبناء وأشقَّاء قد يكونون واجهوا المصير ذاته الذي واجهه زوجك ؟... لقد أبلغناهنَّ بأنَّ فاجعة حصلت ، وطلبنا منهنَّ ألاَّ يعطين معلومات لأحد ... لأنَّنا سنقوم بنشر الحقائق اللازمة في الوقت المناسب ... وهذا جزء من واجبنـا تجـاه المـواطـنين ... صدِّقيني ... لو عثرنا على أيِّ أثر لمنيف ، لما كنَّا تركناكِ تسألين عنه ... إنَّنا لا نخفي شيئاً . وقـد أصدرنا اليوم بياناً إلى وسائل الإعلام نشرح فيه ما حدث .

كانت سميرة تضع يديها على وجهها ، رافضة أن تصدِّق ما يرويه الضابط .

قال لها بأسى :

أعتقد أنَّ الأحـلام الجميلـة تـتـلاشى مثـل الـغـبـار في الهـواء ... لقد مات منيف ، لكنَّه ترك لـنـا ذكريـات لا تغيب ... إنَّه بطل في ساحة الفداء من أجل الوطن ...

وقعت سميرة على الأرض ، كأنَّها ماتت .

 

^ ^ ^

 

حزنت أحلام كثيراً لموت منيف ، وحزنت أكثر لأنَّه قبل موته بوقت قصير ، رأى من سميرة وعشيقها المجـهـول مـا أهانه ، فرحل منطوياً على نفسه ، يحبس في قلبه غصَّة .

كان منيف بالنسبة لأحلام إنساناً رائـعـاً ، أحبَّتـه في المـاضي ، وسوف تظلُّ تحبُّه .

لقد حزَّ في نفسها أن يموت في حادث فظيع ، ويختفي أيُّ أثر له في أتون اللهيب . وفشلت محاولاتها لنسيان المشهد ، وهي لم تشاهده . كان موته رهيباً ، وهي تراه أمام عينيها يصرخ ويحترق ، وخيبته تحترق معه .

كان منيف رجلاً واقعيـّاً ، وربَّما يكون اقتنع بأنَّ سميرة لا يجب أن تتحمَّل مسؤوليَّة خطإها وحـدها ... ولو تمكَّن هو من امتلاك قلبها ، لما تخلَّت عنه وأحبَّت رجلاً سواه .

لم تمضِ أيَّام على موته ، حتَّى بدأ نزار لا يفارق سميرة ، ثمَّ فاتحها برغبته في الزواج بها ، فـوافـقت ، وكان زفافهما سريعاً ، مقتضباً ، لم يحضره سوى زياد وبعض المدعوِّين من قبل نزار .

كلَّفت سميرة محامياً شهيراً من المدينة بإنجاز المعاملات اللازمة لتحويل أملاك زوجها الراحل إليها ، ففوجئ بأنَّ منيف لا يملك شيئاً .

إستعجل المحامي حضور سميرة ونزار إلى مكتبه ، فأخبرهما بالحقيقة :

على الرغم من عدم وجود وصيَّة من قبل منيف ، فإنَّ زوجته في حكم القانون ترث جميع أمـواله المنقولة وغير المنقولة ، على أساس أنَّه ليس لديه أيُّ وريث آخر ما عدا ابنه القاصر .

- كلام جميل ...

قال نزار بكثير من الحماس ، فأضاف المحامي بـصـوتٍ عـالٍ :

لكنَّني لم أعثر في جميع الدوائر المختصَّة عن أيٍّ من أملاك منيف ... سوى البيت عـنـد الـبـحيرة ، وقـطـعـة أرض صغيرة .

- ماذا ؟‍‍!

صرخت سميرة ونزار بصوت واحد ... وتـابـعت سميرة بحـدَّة :

تعني أنَّه لا يملك أموالاً في المصارف ؟

- لا أريد صدمكما بهذه الحقيقة ... قبل أن يموت زوجكِ سحب مـن البنوك ستَّمـئـة ألـف دولار أميركيٍّ ، هي كلُّ أمواله المنقولة .

- وأين هذه الأموال ؟

- سؤال منطقيٌّ أسألكم إيَّاه منتهياً بأكثر من علامـة استـفـهـام ... إنَّ مهمَّتي كمحام لا تشمل ملاحقة الأموال المسحوبة .

- والأراضي ؟

- باعها قبل وفاته إلى هيئة البناء والاستثمار ، ولم يترك سوى قطعة أرض صغيرة ، يـبدو أنَّ الوقت لم يسمح لـه ببيعها ...

- وأين ثمن الأراضي ؟

- قبضه نقداً ، وأخفاه كما أخفى أمـوالـه التي سحبـهـا من البنوك ...

- ولماذا يفعل ذلك ؟

- إذا كنتما لا تعرفان ، فهل سأعرف أنا ؟! كلُّ ما أعرفه أنَّه تخلَّص من كلِّ شيء في وقت قصير ... وكأنَّه كان على عجلة من أمره .

إنصرف المحامي ليخرج بعض الأوراق من حقيبته ، فلاحقه سؤال من سميرة :

وما العمل الآن ؟

- بالنسبة للأراضي لا شيء ... لقـد بيعت وانتهى الأمر . أمَّا بالنسبة للأموال ، فيجب أن نعرف أوَّلاً إلى أين ذهبت لكي نستطيع أن نتصرَّف ... إنَّ عندنا أملاً ضئيلاً جدّاً في استرجاعها ، هذا إذا استطعنا أن نثبت أنَّها موجودة مع إنسان آخر لسبب من الأسباب ، وهو أمر في غاية الصعوبة .

على أيَّة حال ، إذا حصلتما على معلومات جديدة أخبراني بها ، وأنا دائماً مستعدٌّ لأيِّ خدمة .

إستعصى على سميرة القيام عن كرسيِّها لتغادر مكتب المحامي ، فقد كانت مفاصل قدميها مشلولة ، وكان نزار يابساً في مكانه كأنَّه كيس من القشِّ .

 

^ ^ ^

 

أرخى الليل سدوله على البحيرة ، فأصبحت كوعاء كبير من الحبر ، وسط غابة من أشجار عالية ، يداعبها نسيم عليل وينهمر عليها ضوء القمر ، فيخيَّل للناظر إليها أنَّها أشباح خرجت لتوِّها من كهف عميق ، وراحت ترقص في هدأة الليل .

عوى ذئب ، فاختلجت المياه ، وسرت قشعريرة في جذوع الأشجار ، ثمَّ ظهر من وراء أجمة شبح أسود .

تردَّد الشبح هنيهة ، وأنصت لعواء الذئب الذي عاد يـرتـفع ، ثمَّ راح يخـبـط بـقـدمين ثقيلتين على درب مـتعرِّجة .

كان سكَّان البيوت الصغيرة قد لجأوا إلى النوم ، لكنَّ بيت منيف حراملي ظلَّ وحده ساهراً .

أطفأت سميرة الأضواء الخارجيَّة للمنزل ، وبعد دقيقة أطفأت جميع المصابيح ، وتركت غرفة نومها متوقِّدة بضوء أحمر هزيل .

ظلَّ الشبح يسير على الدرب ، وأنفاسه لاهثة ، حادَّة .

كان جادّاً في سيره نحو هدف .

وصل إلى البوَّابة الخارجيَّة للمنزل . دفعها بكلتا يـديه ، فلم تنفتح . تسلَّق عليها بثقل ، وهرول باتِّجاه نافذة مفتوحة ، لا يفصلها عـن الخـارج إلاَّ ستارة رقيقة ، فأزاحها بأصابعه على مـهـل ، ونظر إلى الداخل .

سميرة في فراشها ، ترتدي مـلاءة مـن الدانـتيل الأسود ، ونزار إلى جانبها يحاول تقبيلها ، فلا تتجاوب معه .

كانت تحملق في سقف الغرفة ، وأفكارها بعيدة .

قالت وكأنَّها تحدِّث نفسها :

غريب ما جرى ... إنَّني لا أصدِّق ... هل أنا في حلم أم في يقظة ؟ رجل يموت ، وتموت معه أمواله ... لا بدَّ أنَّ أحلام تعرف شيئاً ... أحلام ... هذه المرأة المجهولة ... التي كان يعاملها كأنَّها قريبة له ... كنت أقرأ في نظراتهما بُعداً آخــر لا يجـرؤان على الــبــوح بــه ... غــداً سأذهب إلـيـهـا ... وسأحاول انتزاع الحقيقة منها ... إنَّها امرأة ماكرة .

كان نزار واجماً . يستمع إليها ويحدِّق في الفراغ . وعند النافذة كان الشبح الأسود يتنصَّت ، متوهِّج العينين ، يتنفَّس بصعوبة ، فيتصاعد البخار من فمه .

صمتت سميرة لحظات ، قبل أن تتابع :

قد يكون أراد معاقبتي ... ولست ألومه على ذلك ...

قامت عن السرير فجأة ، وكأنَّها سمعت صوتاً .

نظرت إلى النافذة ، فلمحت ظلَّ رجل يتحرَّك بسرعة تحت ضوء القمر ، فصرخت .

هبَّ نزار واقفاً ، وأسرع إلى حيث كانت تنظر ، فلم يعثر على شيء . صاح بها :

ماذا دهاكِ ؟

فردَّت متلعثمة ، مرتجفة :

كان هناك رجل ... أحد في الحديقة ...

- أنتِ خائفة من المجهول .

- لا ... لقد كان هنا ... رأيت ظلَّه .

توجَّه نزار إلى النافذة مرَّة أخرى ، فأزاح الستارة بـعنف ، ومدَّ نظره إلى الخارج فلم يجد أحداً . عاد إلى زوجته ، فطوَّقها بذراعيه قائلاً :

لمـاذا لا تلجإين النوم ؟ إنَّك تشغلين أفكاركِ كـثيراً ...غداً تذهبين إلى أحلام وتسوِّين الأمور ... تصبحين على خير .

 

^ ^ ^

 

 

 

 

 

 

فاجأت سميرة أحلام بزيارتها ، فارتبكت الاثنتان ، واحتارت أحلام للوهلة الأولى في ما ينبغي أن تفعله تجاه ضيفتها ، ثمَّ رأت أنَّ عليها إبداء الاهتمام بها ، وإشعارها بأنَّها لا تتَّخذ منها موقفاً سلبيّاً .

كانت سميرة متعبة ، مقطَّبة الجبين ، لا تضع مساحيق على وجهها ، ويبدو أنَّها لم تنم ليلة أمس .

إبتسمت أحلام تمثيلاً ، وبدا على شفتيها سؤال حائر .

قالت سميرة بانفعال :

هل تسمحين أن أطلب مساعدتكِ في أمر مهمٍّ ؟

- إنَّني مستعدَّة لأيِّ خدمة ...

- تعرفين أنَّ منيف - رحمه الله - كان يملك أموالاً في المصارف ، وكان لا بدَّ من نقلها إليَّ بعد وفـاتـه بصفتي أرملته ، غير أنَّها اختفت .

- إختفت ؟!

- نعم ، فقد سحبها من المصارف ... كما أنَّه باع الأراضي ... ولسنا نعرف ماذا فعل بثمنها ...

- أمر غريب ... وما شأني أنا بذلك ؟

- قد يكون أوحى إليكِ بأنَّ عنده أموالاً في مكان ما ...

- لماذا أنا ؟

- لست أدري ... لقد كان يشعـر نحـوكِ بـعـطـف خـاصٍّ ... فإذا أخفى عليَّ وعليكِ أمراً كهذا ... فلن يكون هناك إنسان آخر يعلم به .

ظنَّت أحلام أنَّ ضيفتها توجِّه إليها اتِّهـاماً غير مبـاشر ، فخاطبتها بنبرة قويَّة :

كان منيف يشعر نحوي بعطف خـاصٍّ كما تـقـولين ، لأنَّني كنت أحترمه وأقدِّره ... ولم أطعنه في الظهر يوماً ... لقد مات ، ولا يزال حاضراً في خيالي كإنسان حيٍّ ... أمَّا عن خصوصيَّاته ، فمَـن أنـا لأسأله ؟ إنَّني خادمة سابقة في بيت أبيه ، ولماذا يجب أن يبوح لي بمكنونات صدره ؟

تداعى صوتها ، وارتسم حزن عميق في محيَّاها ، فعمدت سميرة إلى تهدئتها قائلة :

أعتذر عمَّا بدر منِّي ... هل تسمحين لي بالانصراف ؟

- رافقتكِ السلامة .

خرجت سميرة مسرعة ، تجرُّ وراءها أذيال الخيبة .

قادت سيَّارتها متأمِّلة زائغة ، حتَّى وصلت إلى جانب البحيرة ، فأوقفت المحرِّك ، وانحنت تبكي بصوت عالٍ .

سمعت طيور البطِّ تثرثر في المياه الزرقاء ، فمسحت دموعها بباطن كفِّها ، وطفقت تنظر إليها .

إنَّ الطيور لا عقول لها ، ولذلك تشعر بسعادة لا مثيل لها عند الناس . فالبشر يسخِّرون أفكارهم لخدمة الشرِّ الذي يتحكَّم فيهم ، وقلَّما شعروا بأنَّ الخير له وجود في حياتهم ، وهم يناضلون من أجل المزيد من الثراء .

لو كانت هي جاهلة مثل هذه الطيور ، لما كانت منهمكة في لعبة المال . فالبهائم تمتلك الدنيا كلَّها ولا تتخاصم على ثروة .

إنَّ الإنسان يعتبر صراعه في الحياة دليل قوَّة ، ولكن من أجل ماذا ؟ أمن أجل قتل روحه بيده ، ودفن القيم النبيلة تحت أطنان الحديد ؟

أرادت أن تصرخ بهذه الأفكار ليسمعها أحد ؛ بيد أنَّها خضعت لقوَّة لا مفرَّ منها ؛ فليس من إنسان في هذا العالم يحتاج إلى كلِّ المال ، لكنَّ كثيراً منه يجعله يشعر بالطمأنينة والارتياح .

كان هناك شبح أسود يقف أمام سيَّارتها ولا تراه ، فقد ظلَّت تحدِّق بالطيور وتفكِّر .

أدارت رأسها إلى الأمام لكي تهرب مـن أعماق تأمُّلاتها ، ففوجئت بالشبح واقفاً أمام سيَّارتها .

كان يلفُّ رأسه بشال ، فلا يـظهر منه شيء سوى عينيه .

صرخت من الفزع ، فلم يتكلَّم أو يتحرَّك . ظلَّ واقفاً أمام السيَّارة .

إحتارت في ما تفعل ... وأحسَّت بقشعريرة تجتاح جسدها كالكهرباء ... فأسرعت إلى رفع زجاج النوافذ المحيطة بها ، وأحكمت إقفال الأبواب .

إستطاعت أن تدير محرِّك السيَّارة بعد جهد ، علَّها تخيفه ، فلم يبرح مكانه . وبعد قليل مشى ببـطء نحو الغابة .

راقبته ، وقلبها يتخلَّع من الهلع ، بينما كان يدخل بين الأشجار الكثَّة ، دون أن يلـتفت إلى الوراء ، وبقيت وحدها تلهث بقوَّة ، فيرتفع صدرها ويهبط .

نظرت حولها ، فلاحظت أنَّ ماء البحيرة ساكن ، يكتنفه صمت غامض . لقد هربت طيور البطِّ إلى مكان بعيد ، وحلَّق نسر في الفضاء .

 

^ ^ ^

 

عادت سميرة إلى بيتها مرتعبة ، فارتمت على أريكة وبدأت بالهذيان :

نـزار ... كـان هنـاك شبـح أسود ... هـنـاك عـنـد البحيرة ... لا أدري من هو ... وقف أمام سيَّارتي ولم يقل شيئاً ... ثمَّ اختفى بين الأشجار ...

خطر لنزار أنَّ المرأة فقدت رشدها ، فسعى إلى تـهـدئتها :

حسناً ... حسناً ... تمالكي أعصابكِ ... وتحدَّثي إليَّ بوضوح .

- وضوح ماذا ؟ هناك مَن يلاحقني ... لقد رأيت طيفه عند النافذة فلم تصدِّقني ... هل تصدِّقني الآن ؟

- نعم ... هل آذاكِ ؟

- أبداً ... لكنَّني خائفة .

- أتشتبهين بأحد ؟

- كلاَّ ... كان يخفي وجهه ، فلم أتبيَّن ملامحه .

عادت إلى البكاء ، فجلس نزار إلى جانبها وضمَّها إلى صدره ... فاطمأنَّ قلبها إلى حين .

 

^ ^ ^

 

إتَّصلت مديرة المدرسة بسميرة ، وطلبت منها الحضور بسرعة لاستعادة ابنها ، لأنَّ أمـراً طـارئاً حصل ، واستدعى إغلاق المدرسة .

ظنَّت سميرة أنَّ حادثـاً وقع لزياد ، فطمأنتها المديرة بأنَّه بخير ، وأنَّ جميع الأهالي أُبلغوا بالحضور إلى المدرسة لأخذ أبنائهم .

لقد شاهد الأطفال قرب المدرسة إنسانـاً غريباً ، يرتدي ثياباً سوداء ولا يظهر له وجه ، وتكرَّر ذلك عدَّة مرَّات ، قبل أن تحضر الشرطة ، وتنصح بإغلاق المدرسة مؤقَّتاً ، خوفاً على الصغار ...

ونفَّذت قـوَّات الأمـن عمليَّة بحث واسعة عـن ذلك الغريب ، فلم تعثر له على أثر . لقد فرَّ باتِّجاه البحيرة ، وتوارى عن الأنظار .

 

^ ^ ^

 

كانت أحلام تغسل أواني المطبخ ، عندما فوجئت بحركة وراءها . كان الباب مغلقاً ، ولم تنتبه إلى أنَّ أحداً فتحه .

إلتفتت فرأت رجلاً فاحماً ، يخفي وجهه وراء شال من الصوف ، ويحمل حقيبة .

أخذها الهلع ، فجمدت في مكانها ، ووضعت يدها على سكِّين حادَّة كانت بين الأواني .

تسارعت دقَّات قلبها ، وكـادت تصرخ . أرادت أن تسأله : من أنت ؟ وماذا تريد ؟ فلم تستطع تحريك شفتيها .

وضع الـرجل الحقيبة على الأرض ، وقال بصوت أبحَّ :

لا تخافي . لست أريد بكِ شرّاً ... أريد أن أتحدَّث إليكِ .

- تتحدَّث إليَّ ؟ ... أنا ؟ بخصوص ماذا ؟

- بخصوص أشياء كثيرة ... هل عادل في غرفته ؟

- عادل ؟ أنت تعرفه ؟ ... إيَّاك أن تقترب منه ...

- لن أقترب منه ، ولن أؤذيه . وأنتِ لا أضمر لكِ إلاَّ الخير ... صحيح أنَّني إنسان مخيف ... وإذا كشفت لكِ عن وجهي سأخيفكِ أكثر ، لكنَّني مسالم ...

تضاءل خوف أحلام ، غير أنَّها لم تضع السكِّين مـن يـدهـا . كانت تتأمَّله من رأسه حتَّى أخمص قدميه ، لعلَّها تعرف من هو ، إلى أن عاجلها بالقول :

لن يكون سهلاً عليكِ تصديق أنَّ إنساناً مات سيعود إلى الحياة .

وضعت يدها على فمها لتخنق صرخة عالية ، صعدت من أعماق قلبها :

أنت ... أنت منيف ؟!

- نعم ... أنا منيف ... لم أكن ميتاً ... بل كنت شبه ميت ... لقد تشوَّهت في الانفجار وتشوَّه صـوتـي ، فأخذوني إلى مستشفى ، ثمَّ إلى مخبإ سرِّيٍّ ، وأبـقـوني هناك تحت حراسة مشدَّدة ، منتظرين أن أموت في أيَّة لحظة ... حتَّى تمكَّنت من الهرب في شاحنة للنفايات ... وهم الآن يبحثون عنِّي في كـلِّ مكـان ... إنَّني هـارب في نـظـرهـم ...

- ولماذا يريدونك في الأسر ؟

- لأنَّ عندي معلومات عن المشروع ، وهم يخشون أن أبوح بها لأحد ...

- كانوا يثقون بك في البداية ...

- لم تكن الكارثة قد وقعت بعد ... فالمهندسون جميعهم ماتوا ، ومعهم بعض الجنود ... وهناك محقِّقون دوليُّون يبحثون عن أدلَّة ... لقد نجوت لأنَّني كنت في المصعد لحظة وقوع الحادث ... وقد خرج المصعد من سطح المركز ، وسقط على بـنـايـة مجـاورة مـن جـرَّاء قـوَّة الإنـفجار ...

كانت أحلام مصدومة بما تسمعه ، ويكاد جسمها يسقط في مكانه .

سألته بنبرة خافتة :

ماذا ستفعل الآن ؟ هل أخبِّئك عندي ؟

- لا ضرورة لذلك ... فحياتي انتهت . إنَّهم سيقبضون عليَّ عاجلاً أم آجلاً ... وما أعيشه الآن هو مشهد مـن الخاتمة . وإذا تمكَّنت من النجاة إلى حين ، فسأنعزل كـذئب في غـابة ، لا يخرج من مأواه إلاَّ لكي يشرب مـن مـاء البحيرة ، أو يسدَّ جوعاً يؤلمه ... إنَّ رجلاً مثلي لا ينبغي أن يكون له ظلٌّ .

- بماذا يمكنني مساعدتك ؟ إنَّ عـقـلي يكاد يـذهب منِّي ، ولا أعرف كيف أتصرَّف ... أتجلس لأعدَّ لك طعاماً أو شراباً ؟

- كما في الماضي ؟

- لا تتحدَّث عن الماضي .

- بلى ... أتحرمين رجلاً أضاع مستقبله من الحديث عن ماضيه ؟ ... إنَّ الماضي هو كلُّ ما أملكه الآن .

- أرجوك ...

- لا ... يجب أن تعترفي أنتِ أيضاً بأنَّ حياتكِ كانت ذلك الماضي ، وليس شيئاً سواه ... هل أنتِ الآن على قيد الحياة ؟ وهل هناك سعادة في الوجود تساوي تلك السعادة التي عشناها معاً ؟

- تذكَّر أنَّك أقسمت لي ذات يوم بأنَّك لن تعود إلى فتح دفاتر الزمن طالما أنت حيٌّ ...

- عـنـدمـا كنت إنسانـاً عـاديّاً ، كنت أفي بــوعــدي لـكِ ... كان حبِّي لكِ يأمرني ، فأنفِّذ ... أمَّا الآن ، وبعدما أصبحت ضحيَّة من ضحايا المجزرة ، فإنِّي نادم على كلِّ لحظة تنكَّرت فيها لقلبي ...

صمت منيف برهة ، ثمَّ أضاف :

لقد خانتني سميرة بجسدها ، وخنتها بأفكاري ... كنتِ أنتِ الوحيدة التي أفكِّر بها ، وكنت أتعذَّب مع نفسي ، لأنَّني مضطرٌّ على التنكُّر لمشاعري من أجلكِ فقط ... لقد ظلَّت علاقتي معكِ أهمَّ بكثير من علاقتي مع أيِّ إنسان آخر ... وكنتِ بالنسبة لي كلَّ امرأة ...

- كفى ...

- دعيني أتكلَّم ، فإنَّ الزمن يجري بسرعة ... دعيني أحدِّق فيكِ بعدما فقدت رؤية الجمال الآدميِّ وأصبحت الدنيا ظلاماً في عينيَّ . إنَّني ذبيحة الرعب ، التي احترقت في أفران الأنظمة المخيفة ... وأسمع الكلاب النابحة تجري ورائي كـذئب هـارب من قـفـص ... صدِّقيني يا أحلام ، إنَّ العالم لا يحتاج إلى مبادئ ... بل يحتاج إلى براءة الحبِّ والسلام ... يحتاج أن يعيش الناس فيه ، وكأنَّهم من وطن واحد ... لا هويَّة لهم ولا لون ولا أحزاب ... يجب أن يعود البشر إلى طبيعتهم الأولى ، فلا يكون عندهم تمييز بين قريب وبعيد ... يجب أن تُلغى الحدود وتزول الدول ، ويتعانق الأبيض والأسود ، وتختفي صور الموت والدم عن صفحات الكتب ... يجب أن يـأتـي مخلِّص إلى هذه الأرض ، فيحطِّم المدافع ، ويقفل مصانع الأسلحة ، ويحوِّل آلات الحديد إلى معاول يشقُّ بها الفلاَّحون تـراب حقولهم ... عند ذلك ... عندما لا يعود هناك حدٌّ قاطع بين النعم واللا ، يمكنني أن أحملكِ على فرس بيضاء ، وأعبر المدينة صائـحاً في النـاس : هذه زوجتي وليست سميرة .

- يا إلهي ... لا تقل ذلك ... لا تقل ذلك أبداً ... إنَّك ترتكب خطيئة كبيرة ...

قالت ذلك بصوت متهدِّم ، يخنقه بكاء مرير ، لكنَّه أضـاف :

لقد بدأ الأمر بيننا مثل كذبة بيضاء ، وصارت الكذبة قصَّة جميلة ... أتذكرين تلك الليلة ... عندما كنَّا وحيدين في المنزل ، وكنتِ ترتدين لباساً أبيض ؟ لـقـد خـرجت الأرض عـن مسارهـا آنـذاك ... ولم يـعـد في الـدنـيـا أنـثى غير أحلام ... كـنتُ ألجـأ إلـيـكِ مـثـل الـطير المـذبـوح ، لأجـد كلَّ مـا فـيـكِ رائـعـاً ... وأغـرق في أعـمـاق حنـانـك الـلامـتـنـاهـي ...

- ووعـدتـني أنَّك ستـبـتـعـد عـنِّي عـنـدمـا تـزوَّجـت بحـاتم ...

- فعلت المستحيل لكي أحترم هذا الوعد ... لكنَّ أيَّ إنسان قد يخطئ ...

- خطيئتنا كانت كبيرة جـدّاً ، وكانت ثمرتها ولداً مسكيناً ...

- ليكن مَن يكون . إنَّه ولدكِ منِّي ... إنَّه السرُّ الذي لا يعرفه إلاَّ أنا وأنتِ ... لقد مات حاتم وهو يعتقد أنَّ عادل ابنه ... وبعد موته أقسمتُ مرَّة أخرى على الابتعاد عنكِ بأيِّ ثمن ... ولكنْ ... كيف تبتعد الشجرة عن حقلها والطائر عن سمائه ؟!

كانت أحلام تبكي حتَّى أصبح صوتها مسموعاً .

لم يقترب منها ، بل دفع بالحقيبة أمامه قائلاً :

إحتفظي بهذه .

- ماذا فيها ؟

- أموالي ... خبِّئيها ولا تخبري أحداً بشأنها .

- إنَّها الأموال التي جاءت سميرة تسألني عنها .

- إيَّاكِ أن تتظاهري بأنَّني أعطيتكِ شيئاً ... يجب أن تخفي هذه الحقيبة تحت الأرض ... وعنـدما يكبر زياد وعادل ، أقسميها بينهما بالتساوي ... هذه هي الطريقة الوحيدة التي استطعتُ أن أضمن بها انتقال الأموال إلى الولدين ، بعيداً عن أطماع سميرة ... ألن تفتحي الحقيبة ؟

هزَّت برأسها موافقة ، فأدار منيف ظهره ومشى بسرعة إلى الباب ، فاختفى وراءه ... طاردته المرأة وهي تصرخ به ليعود إليها ، فلم يجب .

 

^ ^ ^

 

تلاسن نزار وسميرة ، وارتفع صوتهما . فقد اختلف نزار مع شركة التأمين ، وترك عمله فيها ، ومكث في البيت لا يبحث عـن عمل آخر .

سألته عن سبب قعوده ، فأجابها بأنَّه لا يشعر برغبة في العمل ... وقـد يكون ذلـك شعوراً مؤقَّتاً لا يلبث أن يزول .

وتأكَّدت المرأة من أنَّ زوجـهـا بات يحبُّ الجلوس في البيت ، عندما اتَّصلت به شركة تأمين أخرى ، لتعرض عليه وظيفة جيِّدة لمدَّة سنة قابلة للتجديد ، فرفض هذا العرض بحجَّة أنَّه يطمح إلى الحصول على عمل دائم .

كان في بادئ الأمر مطمئنّاً إلى أنَّ الثروة التي تركها منيف ستصبح له ، باعتباره زوجاً للوريثة الشرعيَّة ، وقد تعرَّض لصدمة كبيرة عندما علم من المحامي بأنَّ هذه الثروة باتت على كفِّ عفريت .

ولم تكن سميرة غائبة عن الأزمة النفسيَّة التي يمـرُّ بهـا الـرجل ، فقد مرَّت بها أيضاً ، وكادت تحوِّل حياتها إلى جحيم لا يطاق ؛ فبيتها أصبح كئيباً ، تسيطـر عليه أجواء القنوط .

أرادت أن تعرف : هل أحبَّها نزار حقّاً ؟ أم أحبَّ الغنى الذي سيؤول إليها في يوم من الأيَّام ؟

لقد بدأت قصَّتهما بالحبِّ . وعندما تلجأ إلى نفسها ، يتراءى لها أنَّ علاقتهما كانت مستعجلة ، طائشة ، فرضتها ظروف قاهرة ؛ ولذلك سرعان ما خفَّ إوارها وكادت تتلاشى ...

ولعلَّ حالة الكسل التي يعيشها نزار ، تعود إلى ضياعه بين الرجاء والفشل . فهو من جهة لا يزال يتوقَّع أن تعود الثروة إليه ، ومن جهة ثانية أصبح يعاني من الخيبة التي سبَّبها له اختفاء الأموال . وقد دأب على الاتِّصال بالمحامي ، كما كان يلحُّ على سميرة لكي تزور أحلام مرَّة أخرى ، لاستجوابها .

 

^ ^ ^

 

وصل العقيد صبحي في سيَّارة جيب إلى بيت حراملي ، فترجَّل منها ، وطلب من الجنديِّ الذي كان يقودها أن ينتظره خارجاً .

تقدَّم بخطوات ثابتة إلى الباب ، فرنَّ الجرس ، ووقـف ينتظر ...

إستقبله نزار ، فأنزل العقيد قبَّعته وحيَّاه باحترام .

دخل الرجلان إلى غرفة الاستقبال ، وكانت سميرة في المطبخ ، فغسلت يديها ، ونشَّفتهما بمئزر كانت تلفُّه حول خصرها .

تدحرج إليها صوت نزار :

وصل العقيد صبحي ...

سوَّت المرأة هندامها على عجل ، وأخفت بعض ما كان على وجهها من ملامح التعب ... لكنَّها كانت صفراء ، جافَّة، وغير قادرة على تصنُّع ابتسامة .

وقف العقيد مسلِّماً عليها ، واستعجل بالكلام :

آسف لتأخُّري عن الموعد ، فالسائق الذي معي لا يعرف المنطقة جيِّداً ، وقد أضعنا طريقنا عدَّة مرَّات ...

- لا بأس ...

قالت ، وهي تجاهد لاستبدال وجهها بـوجـه آخر أكثر لياقة ...

تابع العقيد صبحي يقول وهو يضع قبَّعته على طاولة صغيرة بجانبه :

كان عليَّ أن أقوم بهذه الزيارة إلى بيتكم ، لأنَّ في حوزتي حقائق مهمَّة تتعلَّق بكم شخصيّاً ... هل لي أن أتحدَّث إليكِ أيَّتها السيِّدة على انفراد ؟

وقع السؤال على رأس نزار كالصاعقة ، فأبدى بعض التردُّد ، ثمَّ قال للضيف الذي كان يحدِّق فيه منتظراً جوابه :

طبعاً ... طبعاً ... لمَ لا ؟ على الرحب والسعة ...

إنصرف يجرُّ أسمال هزيمة لم يكن يتوقَّعها ، وظلَّت سميرة مضطربة ، فسألها العقيد :

هل أنتِ على ما يرام ؟

- نعم ...

- إنَّني لا أعرفكِ شخصيّاً ، ولكنَّ الضابط حسن أخبرني عنكِ ... لا بدَّ أنَّك تتذكَّرينه ... فقد كلَّفته القيادة لإبلاغكِ بذلك الحادث المشؤوم ... وقد جئت بنفسي هذه المرَّة ، لأطرح عليكِ سؤالاً صعباً للغاية .

- تفضَّل .

- هل التقيتِ بمنيف في الآونة الأخيرة ؟

- منيف ؟ تقصد زوجي الذي مات ؟!

- نعم ... هل رأيتِه في مكان ما ؟... هنا مثلاً ؟... من المهمِّ أن نحصل على معلومات عنه ، وأنتِ الوحيدة التي تستطيع مساعدتنا ...

- حضرة العقيد ، هل تعتقد أنَّني مجنونة ؟

- لا أبداً ... أنتِ محقَّة في هذا التساؤل ، فالموقف صعب للغاية ، ومن واجبي أن أشرح لكِ ما حدث بالتفصيل ، متحمِّلاً مسؤوليَّة كلِّ كلمة سأقولها ... لقد حصلت لعبة خطيرة وقاسية ، وكنَّا جميعاً خاسرين فيها ... إنَّك إنسانة طيِّبة ، ولا أعتقد أنَّني سأقول عنـكِ شيئاً مختـلفاً ذات يوم ... ستسألينني كيف عرفت ذلك ؟ ... إنَّني أحسن قـراءة الوجـوه ... أمَّا منيف ، فقد كان رجلاً شهماً ونـبـيلاً ، لكنَّه لم يكن شديد البأس ... إنَّه لم يتدرَّب أبداً على استخدام بندقيَّة ...

كانت سميرة واجمة ، خرساء ، تنظر إلى وجه العقيد المتصبِّب عرقاً وهو يقول :

العسكريُّ أيَّتها السيِّدة ، يظلُّ في نـظـر الآخرين إنساناً مخيفاً ، يحذِّرون الأطفال منه ، ويصوِّرونه مجرماً وقاتلاً ... غير أنَّ المظاهر السلبيَّة قد تخفي قدراً كبيراً مـن المشاعـر الـطيِّبة ... هل تعرفين مثلاً أنَّني عندما أخلع بذلتي العسكريَّة أتحوَّل إلى رجل آخر من لحم ودم ، يتألَّم كما تتألَّمون ، ويبكي مثلما يبكي أحدكم ؟

لم تنبس المرأة ببنت شفة ، لأنَّها كانت تنتظر منه الدخول في صلب الموضوع الـذي جـاء مـن أجله ، فأردف :

لقد كان على الضابط حسن أن ينقل إليك خبراً مؤلماً ، والآن أودُّ الاعتذار عمَّا بدر منَّا ، فقد حـصل خـطـأ في التعبير ... في الإخراج ... في ترتيب الأحداث ... لقد كنَّا معاً داخل مسرحيَّة مليئة بالمفارقات الصعبة ... ومن هذه المفارقات أنَّ إنساناً مات ، عاد فجأة إلى الحياة ...

صرخت سميرة من ذهول ، وقد أصبحت عيناها حجرين كبيرين . رشقت العقيد بسؤال يائس :

هل أنت تهذي ؟

لم يأبه لصدمتها ، فترك الكلمات تتساقط من فمه :

إنَّني آسف جدّاً ... فقد كنتُ ضحيَّة كما كنتِ أنتِ ...

كان الانفجار هائلاً ، فسقط جميع ما خطَّطنا لـه تحت الـركام ، ولم ينج من الحادث لا أنا ولا أنتِ ولا منيف ...

- أتعني أنَّه لم يمت ؟

- مات في الجوهر ، وبقي في الصورة ... ظلَّت له هيئة إنسان ... رجل مشوَّه أكلته النيران والتهمت وجهه ، فلم ينجُ منه سوى عينيه وأسنانه ...

- أرجوك ... قل لي إنَّك تكذب عليَّ ... إنَّ ما تتفوَّه به يشبه صخرة هائلة تتحطَّم عليها آمالي ، فكيف سمحت لنفسك بأن تتلاعب بمشاعري وتقوِّض حياتي ؟

كانت تصرخ بجنون ، وهو تائه يبحث عن كلمات جـديدة . قال لها :

صدِّقيني ... أنا موظَّف مأمور ... رجل في مثل هذه الثياب يفقد ملامحه ، ويصبح أداة في يد الشرِّ ... قد تتعجَّبين إذا قلت ذلك ، لأنَّ أبناء السلطة يجب أن يكونوا رافضين لأوامر القلب والضمير ... وعليهم أن يكونـوا صـوراً متحرِّكة ، تتلقَّى التعليمات ، وتنفِّذ دون أن يكون لها رأي أو اعتراض ... غير أنِّي تعلَّمت كثيراً ممَّا جرى مؤخَّراً ... فقد كرهت لغة الحرب والسلاح ، وأسعى للحصول على لغة أخرى لا تحتوي على هاتين الكلمتين ... إنَّ حريق المشروع أحرق مـبـادئ وشعارات هـزيلة ، وكم أتمنَّى أن أخلع ثـيـابـي ، وأصير عـامـلاً بسيطـاً يـزرع الأرض ويـدعـو للخير والسلام !

إنتبهت سميرة إلى أنَّ كلام العقيد أصبح أكثر إيحاء وعمقاً . إنحرفت عن مقعدها لتصير قريبة منه ، راجية أن يخبرها بما حدث لمنيف ، بعيداً عن الرموز ، فأجابها بدون تردُّد :

كان منيف الناجي الوحيد ... وكنَّا ننتظر أن يموت ... وقد أبلغناكِ بخبر وفاته تنفيذاً لرغبة القيادة ... كنَّا نتعرَّض لضغوط دوليَّة ... هذا كلُّ ما أستطيع قوله ، فاسمحي لي أيَّتـهـا السيِّدة ، بـعـدم الـبـوح بـتـفـاصيـل أخـرى لـضـرورات أمنيَّة .

- وأين هو الآن ؟

- أنتِ تعرفين أكثر منِّي ... أليس كذلك ؟

- ماذا تقصد ؟!

- أعتذر على تسرُّعي ... إنَّنا بأمسِّ الحاجة إلى معرفة مكانه ونخشى أن يبوح بأكاذيب ، فقد أثَّر الانفجار على عقله ... وأنتِ إذا رأيـتـه وتحدَّثتِ إليه ، لا تصدِّقي شيئاً مـن رواياته ... لقد ألَّفها في المستشفى الذي وضعناه فيه ، وظنَّ أنَّها صحيحة ... على كلِّ حال ، إنَّ أيَّ حرف يقوله قد تستخدمه أطراف معادية للتأثير على الأمن القوميِّ للبلاد ... من هنا خطورة الموقف ، وقد دخلتِ أنتِ الآن في دائرة الخطر ، فأرجو ألاَّ تخبري أحداً بما سمعتِه منِّي ... هل فهمتِ ما أعنيه ؟

- فهمت ... ومَن سيحميني من الشبح ؟

- أيُّ شبح ؟!

- لا شيء ... لا شيء ... إنَّني خائفة .

- أنتِ زوجته ، ولن يؤذيكِ . أتسمحين لي بالانصراف ؟

تهالكت سميرة ، والدموع جامدة في عينيها .

دخل نزار ، فقالت له دون أن تنظر إليه :

منيف ما زال حيّاً .

 

^ ^ ^

 

إتَّهم نزار سميرة بأنَّها أهملت قضيَّة الأموال ، واتَّهمته بأنَّه أصبح عاشقاً للمال ، لا يفكِّر إلاَّ به .

هل تريدينني أن أعيش مفلساً ؟

كان سؤاله قاسياً عليها ، فثارت وصرخت به :

أتزوَّجتني من أجل الحصول على الثروة ؟ ... عندما تعارفنا كان منيف على قيد الحياة ، ولم يكن لديك شروط قبل زواجنا ... فماذا بك الآن ؟

- ما تقولينه صحيح ، لكن ماذا نخسر لو بقينا معاً وربحنا المال ؟

- إفترض أنَّ المال غير موجود ...

- أفترض ؟! ولماذا أفترض ؟ إنَّ الثروة قريبة منَّا ، ولا نعرف أين هي ...

- وما حيلتي أنا ؟

- إنتِ لا تفعلين شيئاً للحصول على حـقوقـنا الضائعة ...

- بلى ... ولكنَّ منيف مات ، ثمَّ عاد إلى الحياة ، وهذا يلغي حقِّي في الوراثة ...

- هراء ... الدولة تلاحقه ...

- هذا لا يعني أنَّه سيموت ... فقـد يـعيش سنوات طـويـلة ...

- نقتله .

- ماذا ؟!

- الأمر بسيط ... إنَّه سيأتي إلى هـنـا عـاجلاً أم آجلاً ... ولن يكون صعباً قتله ...

- أنت مجرم .

- سنقتله دفاعاً عن النفس ...

- منيف إنسان مسالم .

- سندَّعي أنَّه حاول قتلنا ... أو أنَّنا ظننَّاه سارقاً أراد اقتحام المنزل ... رجل مثله سيكون من السهل إلصاق أيِّ تهمة به ...

- لا شكَّ أنَّك مجنون ... إذا قتلته ، هل ستعرف أين هي الثروة ؟

- قد يبوح لنا بذلك تحت التهديد ...

- تعني أنَّك ستقبض عليه وتحتجزه ... تخلَّ عن أحلامك يا نزار ، وفكِّر مرَّة واحـدة بـطـريـقـة إنسانيَّة ...

- أصبحت تخافين عليه ؟!

- أعطف عليه ، إذا صحَّ التعبير ، وأتصوَّر كم عانى من العذاب الذي لا يستحقُّه ...

- امرأة وفيَّة !

- إنَّك تحاول إهانتي ، وهذ أمر أرفضه ... إنَّني لا أزال إنسانة من لحم ودم ...

- لا حاجة بكِ إلى التمثيل ...

- أرأيت ؟ لقد أصبحت قاسي القلب ، ومـتـعـجـرفاً ...

أعتقد أنَّنا لن نتَّفق على المستقبل . إنَّني أعيش صدمة هائلة بسبب المفاجآت التي تطوِّقني من كلِّ جانب ، وأنت لا تريد مشاركتي في همومي ...

- هل هذا ما توصَّلتِ إليه ؟ بالأمس القريب كنتِ تتَّصلين بالمحامي ، وتحضِّينه على العمل من أجل نقل الأموال إليكِ ، ثمَّ تحوَّلتِ فجأة إلى راهبة .

- طريقتك في الكلام أصبحت تزعجني . وحرصك على أخذ أموال غيرك يزعجني أكثر ... وكم كنت أتمنَّى لو أنَّك حريص على كسب مالك بعرق جبينك . لقد تـصوَّرت أنَّك ستصبح ثـريّاً ، فـتماديت في الأحلام ... وكان عليك أن تفكِّر بالفرق بين رجل حافظ على ثروته وأضاف إليها ما جناه بعمله ، وبين رجل اتِّكاليٍّ يخشى أن يـضيـع منه زاد غيره .

كانت تتكلَّم بغضب ، وكلُّ مفاصل جسدها تهتزُّ .

تأثَّر بما قالته ، وهمَّ بصفعها على وجـهـهـا ليسكتها ، فنظرت إليه بقسوة ، لتعيده إلى صوابه .

كان واضحاً أنَّ لـغـة القوَّة لن تفيده ، فعمد إلى تلطيف الجوِّ ، ومخاطبتها بصوت هادئ :

ينبغي ألاَّ نتردَّد في سعينا للحصول على المال .

- إحصل عليه وحدك .

- هل تخلَّيتِ عنِّي ؟

- إنَّني أمنحك السلطة الكاملة ، لتقوم بأيِّ عمل يوصلك إلى غايتك المنشودة ، بواسطة القانون . والقانون لا يسمح لك بالسطو على أموال أحد ...

- الأخلاق ليست مطلوبة في الوقت الحاضر ... لقد كنتِ لطيفة مع أحلام ، فماذا جنيتِ ؟

- تغيَّرت أمور كثيرة ... وأنت ترفض الاعتراف بأنَّ منيف لم يمت .

- إذاً ... أنتِ لستِ متـحمِّسة للحصول على الثروة ؟

- لا .

- وتعتقدين أنَّ صاحبها حيٌّ يرزق ؟

- بالضبط ...

- وما هو دوري ؟

- أنت زوجي ، ولا أدري إذا كان منيف في هذه الحال هو زوجي أيضاً ...

- لا تدرين ؟ أإلى هذا الحدِّ سيطرت عليكِ كوميديا الأخطاء ؟... إنَّني لن أرضى بهذا الواقع الذي يُفرض عليَّ فرضاً ... سأتوجَّه إلى البحيرة ، وأنتظر منيف ... قـد أتـفـاهم معـه على حـلٍّ يرضينا جميعاً ...

- أرجوك لا تفعل . إنسَ قضيَّة المال ... وفكِّر في طريقة يمكن أن نخرج بها من هذه الورطة ...

لم يسمع ما قالته ، بل أسرع إلى غرفة نومه ، وأغلق الباب وراءه . أخرج مسدَّساً من جارور ، وحشاه بستِّ رصاصات .

كانت سميرة يابسة في مكانها ، تنظر في الهباء علَّها تشاهد ظلَّ منيف .

لم تعد خائفة منه ، وكم تتمنَّى أن تتحدَّث إليه !

كادت تصرخ إلى نفسها بالسؤال :

لماذا أشفق عليه بعدما تنكَّرت له وكرهته ؟

توجَّهت إلى المطبخ ، تبحث عـن شيء بـارد تسدُّ به رمقها . صبَّت كـوب عصير ، والتفتت إلى الخارج حيث الحديقة المهملة ، فرأت شجرة التفَّاح صفراء ، ليس فيـهـا حياة . سمعت وقع خطوات بطيئة وراءها ، فاهتزَّت ، وسقط كوب العصير من يدها .

كان زياد قد ترك غرفة نومه ، يشكو من جوع ، فابتسمت له ابتسامة كبيرة ، وأجلسته على حضنها عند الطاولة لكي تطعمه .

سمعت محرِّك سيَّارتها يدور ، فقالت لزياد :

إطمئنَّ ، سأقلُّك بالسيَّارة الكبيرة ... ألا تحبُّها ؟

إبتسم لها ، فعانقته ، وطبعت على جبينه قبلة حارَّة .

 

^ ^ ^

 

أوقف نزار السيَّارة على ضفَّة البحيرة ، وظلَّ في داخلها ، والمسدَّس في يده .

كان لا يريد الخروج إلى العراء ؛ فقد تراءى له أنَّ غريمه لن يظهر من مخبإه ، إذا عرف أنَّ أحداً غير سميرة ينتظره .

إرتعش ماء البحيرة ، واهتزَّت الأشجار ، فشدَّ نزار بيده على المسدَّس ، وتمتم بكلمات مجبولة بالعرق .

صاح نورس ، فاخترق صوته حجاب الصمت الذي يلفُّ المكان . مسح نزار عرقه بظاهر كفِّه ، وأخفض رأسه كأنَّه يختبئ من أحد يطارده .

كان يريد أن يقترب منيف إلى أقرب نقطة ممكنة ، دون أن يتبادر إلى ذهنه أنَّ سميرة ليست في السيَّارة .

لاح رجل من بين الأشجار ، فتقوقع نـزار . نظر الرجل يميناً وشمالاً ، قبل أن يتقدَّم بحذر شديد نحو السيَّارة ، ليقف أمامها .

قفز نزار إلى الخارج ، والمسدَّس في يده . صفعته الشمس في وجهه ، فلم يأبه لها ، وصاح :

لا تتحرَّك ... أنت منيف ...

لم يردَّ منيف عليه ، لكنَّه بدا منفعلاً . أضاف نزار :

الآن ستخبرني أيـن هـو المـال ، إذا أردت أن تنجـو بنفسك ... أين أخفيته ؟

استمرَّ منـيـف صامتاً ... ونزار يحدِّق فيه ، منتظراً جوابه . سطعت الشمس على صفحة البحيرة ، والتهمت وجه نزار ، فازداد احمراراً وعرقاً . صرخ به مرَّة أخرى:

أين هو المال ؟... سأعطيك نصف دقيقة لتجيب ، وبعدها سأطلق النار ... هيَّا ... قل لي أين المال ؟

هدرت سيَّارة قرب البحيرة ، فالتفت نـزار ليرى سميرة ، وقد وصلت على عجل :

ماذا تفعل ؟

صاحت به ، وهو شاهر مسدَّسه ... فلم يصغِ إليها ... بل رفع صوته أكثر مخاطباً منيف :

- إنَّ صبري يكاد ينفد ... قل لي أين المال ؟

نظرت سميرة إلى منيف وخاطبته بحدَّة :

لا . لا تقل له ... ولو هدَّدك بالقتل ، لأنَّه سيقتلك في أيَّة حال ، لكي يتمكَّن من الحصول على الثروة .

- أنتِ ؟ أنتِ معه ؟!

إستدار إليها نزار متعجِّباً .

- نعم أنا معه ... إنَّه حيٌّ يرزق ... ألا ترى ؟

- كان حيّاً يرزق ... وأنا سأقضي عليه ... هل تريدين أن تعرفي كيف ؟ أنـظري إلى المشهد ... ولن يخيب أملكِ أبداً...

صوَّب نزار المسدَّس جيِّداً إلى منيف ، وهمَّ بإطـلاق النار ، فأوقفته سميرة مرَّة أخرى :

إذا قُتل منيف ، لن تحصل على شيء ... إنَّك سترتكب جريمة عقوبتها الإعدام ... وإذا كنت تسعى للحصول على المال عن طريق القتل ، فإنِّي لست معك .

جمد نزار في مكانه ، وأخذ ينظر إلى زوجته ، ليتأكَّد من أنَّها جادَّة في كلامها . فرآها تمدُّ يدها إلى داخل السيَّارة ، وتخرج صفيحة مليئة بالوقود ، فتفتحها .

صبَّت الوقود على نفسها ، وأمسكت بعلبة ثقاب .

صرخ بها نزار :

لا .

قالت له :

إذا أردتَ أن أحترق هنا ، يمكنك أن تطلق النار . إنَّني لست مهتمَّة بالثروة ، ولا أريد أن أعرف أين هي ... لقد ضاعت منَّا وانتهى الأمر ... ألم تقل ذات يوم إنَّ الأشياء المهمَّة غالباً ما تضيع من أصحابها ؟

أخفض نزار مسدَّسه ، معترفاً بانكساره ، بينما كانت سميرة تشيح بوجهها عنه لتخاطب منيف :

وأنت ؟ ماذا تريد منِّي بعد الآن ؟ هل تريدني أن أعتذر ؟ أم أن أقتل نفسي تكفيراً عن خطيئتي ؟ ... لقد حاولت أن أحبَّك فلم أوفَّق ... قد أكون مذنبة ، ولكنَّني لا أتحمَّل وحدي تبعات ما حصل ... نحن كلُّنا ضحايا ... وهناك مجرمون كثيرون من حولنا ... وأبشع ما في جريمتهم أنَّهم يرتكبونها وهم غائبون ... إنَّك إنسان بدون وجه ، ولا هويَّة ، ولا ملامح ... والسلطات تبحث عنك ... نحن لا نريد منك شيئاً إلاَّ أن تذهب إلى البعيد ، إلى الغابة المجهولة ، إلى أرض ليس فيها أحد سواك ... ولا تعد إلى هنا أبداً ...

إستدار منيف ، ومشى نحو الأشجار ، هارباً من حزنه .

حجبت غيمة عابرة وجه الشمس ، فاضمحلَّ ، ومرَّ ظلٌّ أسود على صفحة البحيرة .

كان نزار وسميرة صامتين ، يحدِّقان بمنيف وهو يبتعد رويداً رويداً حتَّى لم يعد له أثر .

سمعاه يبكي مثل طفل صغير ، ثمَّ صار البكاء يعلو ، فأصبح عواء ذئب .

 

                                        انتهت - جميع الحقوق محفوظة للأيب اللبناني المهجري د. جميل الدويهي