الحُرّيّة أو الحُرّيّة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إن أسوأ ما ابتلي به شرقنا هو أزمة الحُرّيّة، ولولا تلك الأزمة لما قامت الثورات، وانتفض الناس على الأنظمة، وكيف يقبل الإنسان الحرُّ بأن يُحكم بالقمع والإرهاب وأن يُقاد كما تقاد الحيوانات إلى المزارب؟ وكيف يرضخ لأنظمة السجون التي غصّت بالآلاف فاختنقت وخُنقت؟

لقد هبّت ثورة الربيع العربي في تونس بعد أن ضاقت السبل بالناس، فوجدوا نفسهم مهمّشين على الرصيف، والفقر يأكلهم، بينما كان القادة يكدّسون الثروات ويذيقون الأتباع من المرّ ألواناً. ونجحت أنظمة الاستخبارات الساهرة على كل شاردة وواردة في تصوير الربيع العربي على أنه جحيم، ويا لها من فكرة عجيبة اخترعتها العقول المكلسة، لقمع الثورات في مهدها وتخيير البشر بين نوعين من الحكم: إمّا الحكم المطلق لإرادة الفرد وإمّا حكم الإرهاب المتأتّي من داعش ومشتقاتها، حتى أن العديد من الخبراء والمحلّلين اعتقدوا أنّ ظهور المنظّمات الإرهابية كان عملاً مقصوداً من أجل تخويف الناس، وجعلهم يعتقدون أن "الربيع" ما هو إلا خريف مجلل بالسواد.

ولكنّ الثورة التي حاول الكثيرون تحييدها عن مسارها الصحيح نجحت في تونس، وأكّدت على أن "الربيع" ربيع ولا شيء آخر، كما نجحت في مصر، بعد معاناة ومخاض. وهذا ليس غريباً، فالثورة الفرنسية استغرقت أكثر من ثلاثين عاماً لتعلن انتصارها بتهديم الباستيل عام 1789، وسادتها أخطاء، فأدخَل الثوّار من أتباع ديدارو الملحد امرأة مومساً إلى كنيسة نوتردام وكأنّها قديسة، وبدا في النهاية أن القدّيسة الحقيقية هي الحُرّيّة.

وإن المبشِّرين بالعبوديّة كثيرون، يحملون على ظهورهم إرث الماضي، وينفخون السموم، وكما لاحقت الأنظمة المستبدّة الأحرار إلى أصقاع الأرض، فإنّ هؤلاء المبشّرين يسهرون على الأفواه، ويحللون كل كلمة تقولها، ويستنبطون المعاني من أعماق روحك، ويحوّرون حديثك، ويراقبون مشيتك وهيئتك، ومتى تاكل وتنام؟ ومتى ذهبت إلى الطبيب،؟ ولماذا تحدثت على الهاتف؟ وماذا في جيبك وتحت إبطك؟ فليس عندهم عمل مثمر في حياتهم إلا ما أوكلهم به الواجب المقدس والالتزام السياسي أو الطائفي الذي ولدوا وعاشوا من أجله، فلا تسمعهم مرة واحدة ينتقدون أربابهم، ولا يشيرون إلى عاهة أو مشكلة أو زلّة لسان، فالكمال في نظرهم ليس لله وحده. وهؤلاء يغضّون النظر عن مشاهد الدمار والقتل ويصوّرونها على أنها مشاهد للتسلية من فيلم لوالت ديزني. ويرون أيضاً كيف يتساقط الأبطال والأحرار، ويساقون إلى السجون كما تساق الإبل، فيقولون عن ذلك إنه متعة سماوية... فمَن لم يذُق طعم الحُرّيّة في حياته، كيف يعطيها للآخرين؟

أيُّها الناس،

إذا لم تعرفوا الحُرّيّة فأنتم جاهلون من قبائل الثلج والخمول، وإذا لم تقدسوا الحُرّيّة وتتقدّسوا بها، فإن معابدكم من رماد وأحلامكم من تراب.

سيقولون لكم في المجالس إنّ الحُرّيّة هي لفظة جاءت بها الصُّدفة، وليس لها معنى في القواميس والكتب المقدّسة، وسيقولون أيضاً أمامكم: إذا تحرّرتم من العبوديّة والخنوع، فأنتم تستجيبون لنداء الثورة، والثورة من صنيع الشياطين، والذين يقولون ذلك هم أولئك الذين ينظرون إلى الشمس ولا يرونها لأنّهم يرتدون أقنعة من خيوط الظلام... الذين يكرهون حُرّيّتكم هم عبيد الكتب الصفراء التي جاءت بها الأنظمة، وقد وُلدتم في العواصف الرياح، فلا  نظام يقيّدكم ولا موت يأخذ أمكنتكم.

الذين يرفضون أن تتكلموا وتكتبوا وتقرأوا هم حرّاس الزنازين، حيث العتمة الأبديّة ونعيق الغراب. هم أحفاد الشرائع الآثمة التي سطّرتها أيادي الشؤم في العصور البائدة، ولم يزل كتبتُها يولدون ويموتون على أسرّة مخلعة، وينشرون الويل والخراب.

حطِّموا الاقفاص التي علقوها على مداخل القصور وانقضُّوا على التماثيل المجنحة وعلى مدائح الفريسيّين والكذبة، فالخوف لا ينجب طفلاً، الموت لا يعطي حياة، وإن البحيرة الراكدة ليس فيها سوى العدم الذي يتغطّى بالماء... وإذا خيّروكم بين العبوديّة التي تعطيكم الأمان والحُرّيّة التي تعطيكم الخطر، فقولوا إن خياركم واحد من اثنين: إمّا الحُرّيّة وإمّا الحُرّيّة.

جميع الحقوق محفوظة للأديب الدكتور جميل الدويهي