الحوت

لأدب مهجريّ راق - جميع الحقوق محفوظة لجميل الدويهي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لم يكن في المدينة كلِّها رجل أقوى من عبد الله الحوت.

كان عمدة الميناء، وسيِّد البحر بدون منازع.

أمسكني مرَّة من كتفي، وأنا واقف على الشاطئ، وهزَّني قائلاً:

أنت جبان حقّاً... هل ستظلُّ خائفاً إلى الأبد؟!

كانت يد الحوت قاسية، كحجر طحن. وكان وجهه كبيراً، منتفخاً كوسادة، وأسنانه تبرز من بين شفتيه مكسَّرة، صفراء، تكاد تهرُّ. أمَّا عيناه،

فمتألِّقتان كنجمتين في صحراء، وابتسامته واسعة.

أدركت أنَّ وجهه المتوتِّر لن يعود إلى طبيعته إلاَّ إذا كنت لائقاً معه، ووافقت على أنَّ البحر فنجان كبير... محبرة... وعاء تجوب فيه المراكب.

قال لي: أنظر أيَّها الرعديد، كيف أبتلع البحر ولا يبتلعني!

قفز في الماء، فانشطرت موجة تحت بطنه، وغاص بضع لحظات. خفت أن يموت اختناقاً، لكنَّه خرج سعيداً كطفل أهوج، وهو يبصق الماء من فمه:

أرأيت؟! عليك أن تتعلَّم السباحة.

- دعني وشأني أيُّها الحوت!

- إفترض أنَّ مياه الفيضان غمرت المدينة في يوم من الأيَّام... كيف ستنجو بنفسك؟!

لم ينتظر عبد الله منِّي جواباً، فقد رمى بنفسه في موجة عالية، وانجرف بها إلى الشاطئ.

 

^ ^ ^

 

قبل أن أصبح صديقاً لعبد الله، كنت أراه من بيتي الذي لا يبعد سوى خطوات قليلة عن البحر. كان يمتلك مركباً صغيراً... وكثيراً ما راقبته وهو يبحر وقت الغروب، معه شبكة يطرحها في البعيد، وقنديل شحيح يستضيء به في الظلام.

وعندما اشتغلت في تفريغ السفن عند الميناء، أعطاني ربَّان سفينة يونانيٌّ مصباحاً يعمل بالبطَّاريّة؛ فخطر في بالي أن أقدِّمه إلى عبد الله... وهكذا

تعارفنا، ثمَّ توطَّدت علاقتنا، واكتشفت يوماً بعد يوم أنَّ الحوت لديه قلب طيِّبٌ، وميل شديد إلى الفكاهة.

كان عازباً وشرهاً... وقد رأيته بضع مرَّات يغطس عن صخرة، أو يسبح على ظهره، ثمَّ ينظر بطرف عينه إلى امرأة مستلقية على الرمال، ليعرف ما إذا كان قد أثار إعجابها... وكان عنيداً، يكره أن يخالفه أحد في رأيه، لكنَّه تحمَّلني، وأنا أرفض أن أتعلَّم السباحة على يديه.

قال لي ذات مرَّة:

إذا أصبحت ماهراً في السباحة، ستذهب معي لنصطاد السمك... ستكون مسروراً بالأسماك التي سنعود بها...صدِّقني... في البحر كنوز لا تُقدَّر

بثمن...

رضخت أخيراً، وتعلَّمت. وبعد أشهر صرت أبرع من الحوت، فأنا أصغر منه سنّاً، وليس عندي بطن ثقيل... كان هو معجباً بمهارتي، وقد برهنت أنَّني أفضل منه في الغطس من مكان عال، وفي الغوص، والسباحة على الظهر. ولم يكن متضايقاً أبداً من تفوُّقي، بل كان مسروراً لأنَّه علَّمني وانتصر على خوفي من جبروت البحر وأخطاره.

وصلت مع الحوت إلى البحر البعيد، ونشرت معه الشباك ، وأصبحت أعرف صيَّادين كثيرين كان يشرب معهم الكحول، ويغنُّون في دكَّان قريبة من الشاطئ. غير أنَّ صداقتنا لم تعمِّر طويلاً، فقد مات الرجل بذبحة قلبيَّة، وحزنت عليه كأنَّه أخي الحقيقيُّ. ومنذ ذلك الحين، أصبحت أكثر عزلة في بيتي.

كنت أنظر من نافذتي إلى البحر، فأراه في متناول يدي، وأتذكَّر الحوت... وفي أيَّام الشتاء، كان الموج يقترب منِّي أكثر، ولا يظلُّ بيننا سوى طريق من الرمل، حفرته عجلات السيَّارات.

ذات صباح، سمعت صراخ امرأة. كانت وحيدة على الشاطئ، تنتف بشعرها، وتولول.

كان واضحاً أنَّها فقدت أحداً في الماء.

ركضت لأساعدها، فوجدتها تشير إلى مكان ما. رميت بنفسي في اللجَّة، ونزلت إلى أعماق المياه عدَّة مرَّات... كنت أتنفَّس بقوَّة، ثمَّ أنحدر إلى القعر، فأكنِّس الرمال والحصى بيديَّ، وفيما كنت أعود إلى سطح الماء، كنت أستطيع أن أرى المرأة وهي تبكي، ويتناهى صراخها إليَّ، كأنَّه يأتي من جوف بئر عميقة.

كانت أذناي مسدودتين، وعيناي تحترقان، وأنفاسي تتقطَّع.

مرَّت الدقائق بطيئة، قبل أن أعثر على الغريق عالقاً تحت صخرة، فأمسكته من إحدى ساقيه وسحبته بما تبقَّى عندي من قوَّة... وعندما وصلت به إلى الشاطئ، ارتمت المرأة فوقه وراحت تبكي، فعرفتُ عندئذ أنَّه زوجها... كان بطنه منتفخاً، وفمه مفتوحاً، وعيناه حمراوين، وليس من أمل ضئيل في إنقاذه.

مرَّت أيَّام على تلك الحادثة، وطيف الرجل المسكين لم يفارقني. ولم أفكِّر البتَّة في أنَّ شجاعتي ستنقلب عليَّ شرّاً خطيراً.

حضر إلى بيتي شرطيَّان، معهما المرأة المفجوعة، فاستغربت الزيارة، ثمَّ اعتقدت أنَّ السيِّدة جاءت لتشكرني على معروفي... ولكن لماذا يرافقها شرطيَّان؟!

قالت المرأة بحدَّة، وهي ترشقني بنظرة كلُّها لؤم:

هذا هو الرجل!

نعم، أنا هو الرجل... تمتمتُ وراءها، فعاجلني شرطيٌّ بالقول:

أنت سحبت زوج هذه السيِّدة غريقاً من البحر...

- صحيح...

- هل كان ميتاً؟

- بالطبع... أتعتقدون أنَّني خنقته؟!

- هل لاحظت أنَّ ساعة يده لم تكن معه عندما أخرجته من الماء؟

- وكيف لي أن ألاحظ شيئاً كهذا؟!

- الرجل نزل إلى الماء وفي معصمه ساعة...

- وما شأني أنا؟!

- هل الساعة التي في يدك كانت معك بينما كنت تسحب الغريق؟

- نعم... أذكر ذلك...

- دعنا نراها...

فككت الساعة من يدي، وناولتها للشرطيِّ، فصاحت المرأة وهي تجهش بالبكاء:

ساعة زوجي... أعرفها...

أخذَتِ الساعة من يد الشرطيِّ، وراحت تقبِّلها وتضمُّها إلى صدرها، وأنا ساكن أخرس... كنت أتفرَّج على المشهد الساخر الذي كافأتني به الأقدار، فأشعر بالغثيان.

خرجت من صمتي، لأخاطب المرأة في غضب:

قاتلك الله أيَّتها الأنثى الناكرة للفضل... هل تثأرين منِّي بعد ما فعلته من جميل؟! هذه ساعتي...

فتحت المرأة حقيبة صغيرة كانت تحملها، وأخرجت منها ورقة مطويَّة، ودفعت بها في وجهي قائلة:

وهذه كفالة الساعة، عليها اسمها وجميع أوصافها، واسم زوجي وتوقيعه...

حدَّقتُ في الكفالة، فإذا هي لساعة تشبه ساعتي، فارتبكت، وتعثَّرت في الكلام...

دنا منِّي الشرطيُّ وسألني:

هل لديك شاهد بأنَّ الساعة هي لك؟

فكَّرت قليلاً ثمَّ أجبته:

أتذكَّر أنَّ كفالة كانت عندي، غير أنَّني

أضعتها. والمحلُّ الذي اشتريت منه الساعة لم يعد موجوداً... كان لديَّ صديق وحيد، لكنَّه مات... والبحَّارة الذين أعرفهم لم يروا ساعتي، لأنَّني لم أكن أضعها في معصمي عندما أمضي في البحر.

- لكنَّها كانت معك يوم سحبت الغريق.

- كانت معي لأنَّني كنت في بيتي عندما سمعت هذه المرأة تصرخ وتستغيث، فخففت لنجدتها، ورميت بنفسي إلى الماء غير آبه بالساعة ولا بيوم الساعة.

- أليس عندك أقارب أو جيران؟

- أعيش في هذا المنزل منذ خمس سنوات... لا أزور أحداً ولا أحد يزورني... هناك في الجوار حانوتيٌّ عجوز أشتري أغراضاً من عنده، ولست أعتقد أنَّه يميِّز بين ساعتي وساعة رجل آخر.

 

^^^

 

حُكم عليَّ بالسجن مدَّة شهر، بتهمة استغلالي موت أحدهم للاستيلاء على مقتنياته. وبرغم الألم الذي عانيت منه وراء القضبان كان هناك عذاب

أشدُّ يأكل جسدي.

تصوَّرت زوجة الغريق ، وكأنَّها شبح بارد لا قلب له ولا روح... فلو كانت من لحم ودم، لكانت ردَّت جميلي أضعافاً... لكنَّها أطفأت غليل شرِّها بمعاناتي، وارتقصت جوارحها، وهي تسمع القاضي يتلو قرار الحكم عليَّ. أمَّا أنا فكنت ذاهلاً، مصفرّاً وساخراً...

مرَّت في مخيِّلتي صور كثيرة وأنا في السجن. تخيَّلت المرأة وهي تطرق على بابي، حاملة إليَّ هديَّة، وهي تقول:"إنَّك رجل نبيل، ومهما فعلت فلن أستطيع أن أكافئك..."

وتذكَّرت زوجها بالصورة المخيفة التي كان عليها بعدما أخرجته من تحت الصخرة... محوت

المشهد من أمامي لشدَّة هلعي منه... وتذكَّرت الحوت... لا بل وجدته واقفاً أمامي في ظلام السجن. لم يكن مختلفاً عن الماضي: بطن كبير، ووجه منتفخ، وأسنان مكسَّرة، وضحكة صارخة... قلت له بعتب:

أنا في السجن يا عبد الله، وخيبتي أكبر من أن توصف، وأنت تضحك؟!

- لا تيأس... عليك أن تتذرَّع بالصبر الجميل...

- ليتك تعرف ماذا جرى!

- أنت لم ترتكب جريمة...

- حاولت إنقاذ غريق، فأغرقتني زوجته في ورطة... مَن يستطيع أن يعثر على ساعة في بحر؟!

لم يردَّ الحوت على تساؤلي، فقد رحل مسرعاً، وتركني في دهشة عظيمة.

غفوت في إحدى الزوايا، لأستيقظ فيما بعد على صوت شرطيٍّ يفتح باب سجني، وهو يقول:

عليك أن تعود إلى بيتك... أنت بريء.

- كيف؟! أمضيت في السجن عشرة أيَّام، وأنا بريء؟

- أرجوك لا تعقِّد الأمور. لقد تأكَّدنا أنَّ الساعة التي كانت معك هي ساعتك...

- كيف تأكَّدتم؟

- عثرنا على ساعة الرجل الغريق...

- ماذا؟!

- نعم... جاء رجل بحَّار يدعى عبد الله الحوت إلى مركز الشرطة يحمل ساعة، وقال إنَّه عثر عليها في شباك صيده.

- الحوت؟! أنتم تمزحون... أين هو؟!

- أعطانا الساعة ورحل في سبيله...

- هل تعرفون إلى أين ذهب؟

- كلاَّ... كان مستعجلاً...

- هل قال شيئاً؟

- قال: "كيف تضيع الساعة في بحر؟! البحر فنجان قهوة... محبرة...وعاء..." كلام من هذا القبيل.

- إنَّه هو... عبد الله الحوت. كنت أعتقد أنَّه ميت... لا... لا يمكن أن يكون ميتاً... لعلَّه الآن حولي...

تركت الشرطيَّ في حيرة من أمره، وغادرت السجن لا ألوي على شيء... توجَّهت إلى حانوت للزهور، فاشتريت باقة ورد ملوَّنة، ورحت أعدو كالمجنون إلى قبر عبد الله الحوت. كان صامتاً، كئيباً، مسكوناً بالرهبة... صلَّيت بحرارة، ووضعت باقة الورد عليه... كان الأسى يعتصرني.

ظللت واجماً عند القبر حتَّى المغيب. وعندما أدرت ظهري لأغادر المكان، عبرت حمامة بيضاء من أمامي واستقرَّت على القبر، تهدل بحزن، وانهمرت أوَّل مطرة من الخريف على وجهي.

[] [] []

 

الهارب    

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لأدب مهجريّ راق

كان يحمل دمه على كفِّه، وهواء ملوَّث يدخل إلى أنفه الكبير. هواء فيه رائحة كبريت. ويسمع بين الحين والآخر صوت أنين يخرج من أعماقه، كأنَّه صوت عالم يتداعى.

  إنَّه يشعر بتمزُّق في رئتيه، وهو يعدو إلى مكان ما بين الأبنية الداكنة؛ لكنَّه يحبُّ أن يشاغب في الخريف، ويتباهى بأنَّ غيمة سوداء تجمَّعت في الأفق البعيد كثياب امرأة ثكلى، لا تستطيع أن تحدَّ من جموحه، وبأنَّ الريح عاجزة عن تحطيم وجهه.

  وعندما كان رفاقه يلجأون إلى مخابئهم تحت الشرفات والجسور، وفي عربات القطار الصدئة، هاربين من المطر والهواء، كان هو يتخيَّل أنَّ الطبيعة عجوز شمطاء، تحاول أن ترعبه، وتقتلع من نفسه شهوته الدائمة إلى التحدِّي.

  ومع ذلك كان يخاف من الموت، ولا يفهم كيف أنَّ قوَّة ليس لها جسد قادرة على تهديم جسده... ولعلَّه كان يعتقد أنَّ وجوده في الحياة شيء رائع، فإذا غادرها سيفقد حرِّيَّته إلى الأبد. وكانت تتراءى له في بعض الأيَّام صُور قد لا تخطر على بال غيره من الناس: ذلك الحجر الذي يضعونه فوق صدره بعد أن يموت... الظلام الذي يطبق على روحه... التراب الذي يهيلونه عليه... كيف سيتنفَّس من خلاله؟!

كيف سيرى نور الشمس؟! كيف سيخرج إلى العاصفة كطائر جبليٍّ؟! كيف سيعود إلى بهجته؟! وكيف سينتفض من تحت الأرض ليرقص في العراء؟!

  

^ ^ ^

 

  في الضجيج المتمادي لأسئلته تلك، أحسَّ بأنَّ الخطر يحدق به، وأنَّ مصيره يتأرجح بين رغبته في الحياة، ورغبة الأشرار في قتله والتمثيل بحسده الضعيف.       

  ففي مساء رماديٍّ خرجوا إليه، وجوهاً صفراء، وعيوناً كأوكار الوطاويط... قاماتهم عالية، وفي أيديهم الهزيلة بنادق مخضَّبة بالعَرق والدم.

  رآهم يغادرون موقف الحافلات، ويهرولون في الشارع، ورؤوسهم لا تظهر من معاطفهم السوداء.

  كانوا يحثُّون الخطى تحت سماء مكفهرََّة، توقَّفت للتوِّ عن المطر، ويلاحقونه إلى كلِّ مكان يتَّجه إليه.

  توارى عن أنظارهم، وقدماه لا تلامسان الأرض، فهم رجال كثيرون، وهو رجل واحد، وليس معه شيء ليدافع به عن نفسه غير أظافره.

   وصل إلى زقاق ضيِّق، فتنشَّق رائحة مرض...

  سمع ثرثرتهم وراءه، فأسرع إلى حديقة عارية، وهو ينظر حوله بفزع.

  ظهروا له بين الأشجار، فخفَّ إلى بيت مهجور ليختبئ فيه، غير أنَّهم لحقوا به إلى هناك، فطار من نافذة...

  إلى أين ستحمله رجلاه، بعد أن ضيَّقوا عليه الدنيا؟

  تصوَّر أنَّه ملاك في قفص ، وأنَّهم شياطين… ومرَّت في خياله مشاهد الرعب التي تحيط بعالمه؛ فهؤلاء الرجال ما برحوا منذ عصور يقدِّمون الذبائح لإله كافر.

  أصدروا أحكاماً بالقتل في محاكم عرفيَّة.

  طَمروا الجثث في مقابر جماعيَّة.

  نصبوا خيامهم فوق الدمار.   

 حمَّلوا الأسرى في شاحناتهم كما ينقلون المواشي.

 مرَّغوا الوجوه في التراب...

 سمع دقَّات قلبه المتسارعة، وهو يعدو في حفرة ماء،

وهم لا يفقدون له أثراً.

  صرخ في قرارة نفسه:

  يا أبناء الأفاعي!

  ثمَّ تنفَّس بصعوبة، وأردف:

  لن تقتلوا حيواناً برِّيّاً!

  ظنَّ أنَّه ابتعد كثيراً، فأخذ بعضاً من الراحة، وهدأت روحه لحظة، ثمَّ تناهى إلى أذنيه صوت، فأطلق ساقيه للريح...

  كان يسابق اللحظات دون أن يتعب، فوصل إلى طريق مزدحم بالسيَّارات. لم ينتبه إلى شيء، فاصطدم بسيَّارة مسرعة، وتهاوى.

  صاح به سائق السيَّارة، وهو يستعجل إليه بقلق:

  هل جننت؟!لأدب مهجريّ راق

  وقال آخر:

  لعلَّه سكران!

  مسح بكفِّه المرتجفة دماً عن وجهه، وسأل باضطراب:

  هل أنا بخير؟

  أجابه السائق:

  تبّاً لك! جرح بسيط...

  - كانوا يطاردونني... رجال يحملون بنادق في هواء الخريف...

  - أنت مخمور يا رجل... ألديك زوجة لنتَّصل بها؟

  - أبداً!

  - أب... أخ... صديق؟!

  - لا أحد... وُلِدتُ من شجرة... هل ذهب الرجال المسلَّحون؟

  - أيُّ رجال؟!

   -  هؤلاء الرجال هناك... يريدون أن يضعوا حجراً فوق صدري…

   - يبدو أنَّهم ذاهبون إلى حفلة، ولا يضمرون لك شرّاً...   

  - والبنادق التي معهم؟

  - ليست معهم بنادق... إنَّهم يحملون مظلاَّت... وها إنَّ أحدهم قادم ليرى ما حدث!

  عندما سمع ذلك، سرت في شرايينه رعشة أمل. نظر بعينين برَّاقتين إلى الناس الذين يحيطون به. كان أحدهم يحمل مظلَّة. تفرَّس فيه طويلاً، واشتعل فرح غامر في محيَّاه.

  إجتاحته رغبة في الغناء، ولم يكترث لقطرات الدم المتساقطة من جبينه.

  كان الهواء يُصارع أغصان شجرة باسقة، امتدَّت كشبح في السماء. دخلت نسمة نقيَّة إلى حياته، فاستقبلها بذراعين مفتوحتين.

  نهض عن التراب وهرول إلى جنونه، والرجال ينظرون إليه باستغراب، وعلى شفاههم أسئلة صعبة.

[] [] []

 



























 

لأدب مهجريّ راق

أرواح النبلاء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  أحببتُ هذه الجارية... هذه الزنجيَّة الحبشيَّة الضعيفة، منذ أن كانت فتاة صغيرة.

  لا أذكر كم مرَّة غسلت قدميَّ، وهي صامتة!

  تمنَّيتُ أن أسمع لها شكوى، وكدت أقول لها ذات يوم: أيَّتها الفتاة السوداء، أما حان لكِ أن تثوري؟! أن تنتصبي أمامي غاضبة، وترفضي الإهانة؟!

  كانت تسكت دائماً، فكأنَّها تعرف أنَّ قدرها أن تولد، وتكبر، وتموت كشجرة مهمَلة في تراب مالح.

  كان عمري آنذاك ستَّة عشر عاماً، وهي في العاشرة. وعندما كبرنا قليلاً، أصبحت أراها جميلة؛ ولعلَّني الملك الوحيد في التاريخ الذي استهوته فتاة سوداء، هي خادمة في قصر أبيه.

  أعجبني فيها صمتها، حياؤها، ابتسامتها الساخرة من كلِّ شيء. كنت أراقبها حين ترتِّب المائدة، وتنفخ في النار، وتحتطب، وتكنِّس الأدراج، وتطوي الثياب، وتعدُّ القهوة، وتقصُّ الزهور... وأنظر إليها عندما تهدأ، وتتثاءب، وتخلع ثيابها لتنام؛ فلم أجد فيها شيئاً يجعلني لا أحبُّها. كان سكوتها يحزُّ في قلبي، ويحاصرني بأسئلة صعبة.

  طلبت منكَ أن تعتقها، فرفضتَ. وقلت لك: هذه الفتاة كبرت في قصرنا، وأصبحتُ أشعر أنَّها ليست غريبة عنَّا، فلماذا لا تعيد إليها ما فقدته في طفولتها

المريرة، لتعيش كما يعيش أبناء البشر الآخرون؟!

  جدَّفتَ على أفكاري، وانصرفتَ عنِّي دون أن تردَّ بكلمة واحدة مهذَّبة.

  كنتَ قادراً على إيجاد مئة فتاة مثلها، تكون جارية في قصرك، ولكنَّك تخلَّيت عن الشجاعة، وتصوَّرتَ أنَّ اتِّخاذ قرار جريء، سيجعلك مختلفاً عن الملوك الذين سبقوك، وستخسر به سلطة موروثة، تتيح لك استعباد مَن وُلدوا أحراراً.

  لقد زوَّجتَني، يا أبي، ابنة ملك صديق. قلتَ لي: أبناء الملوك يتزوَّجون بنات الملوك. ولم أجرؤ على الاعتراض، فأنا ولدك الوحيد، ووليُّ عهدك... وسيكون مخزياً لك أن أتزوَّج من جارية.

  وضعتُ مصلحة العرش فوق مصلحتي، وصرت زوجاً لامرأة نبيلة. كانت سيِّدة رائعة، لكنَّها تركتني عندما رجعتُ من معركة ضدَّ قبيلة متمرِّدة فاقداً يدي اليمنى. قالت لي: تصوَّر أنَّك ستحملني إلى السرير

 بيد واحدة! سوف أسقط منك على الأرض... وتصوَّر أنَّك ستدافع عن مملكة أبيك باليد اليسرى! سوف ينتصر عليك الأعداء، وأصبح أنا سبيَّة...

  عادت إلى بيت والدها، وعدتُ أنا إلى واقعي، أجرُّ أذيال الخيبة.

  ثمَّ زوَّجتَني ابنة أحد وزرائك، وخاطبتَني قائلاً: ابنة الوزير جميلة، ورصينة كوالدها، فإذا تزوَّجتَها تكون إلى جانبك ملكة حكيمةٌ في المستقبل... أنت ابن ملك، وليس عيباً أن تتزوَّج من ابنة وزير.

  وتحقَّقت رغبتك يا مولاي... وعاشت معي ابنة الوزير سنتين. كانت حكيمة كما قلت، ولذلك تخلَّت عنِّي بعدما عدتُ من معركة ثانية فاقداً إحدى عينيَّ. حاولتُ أن أقنعها بأنَّني أستطيع أن أرى بعين واحدة، 

فقالت: الحكمة تقضي بأن يكون الملك بعينين اثنتين، فسألتها: ما جانب الحكمة في ذلك؟! قالت: العين الأولى تراني بها، والثانية لترى الناس... فإذا فقدت العين التي تراني بها، فإنَّك لن تراني بعد الآن، وإذا فقدت العين التي ترى بها الناس ، فأنت لست بملك.

  وبعدها يا أبي، حملتَ إليَّ كتاب التقاليد، فتحتَه أمامي، وأقسمت بروح جدِّي أنَّ أبناء الملوك يستطيعون أن يتزوَّجوا من بنات قادتهم العسكريِّين، ولم أخالف كلامك أيضاً؛ فأنا الآن لا أعتقد أنَّ الزنجيَّة ستكون سعيدة لو زُفَّت إليَّ. وزوَّجتَني ابنة قائد الجيش. كانت بة الجمال، وصارمة كأبيها. بل إنَّها كانت رجلاً أكثر منها امرأة؛ وعاشت معي أربع سنوات، ثمَّ هجرتني بعدما سقطتُ عن حصاني وتحطَّم كاحلي، فأصبحت أعرج، ولم يفلح الأطبَّاء في إصلاحي.

  قالت لي زوجتي ابنة العسكريِّ، وهي تغادر قصرنا: إنَّك لا تستطيع الوقوف إلاَّ على قدم واحدة، ثمَّ لا تلبث أن تسقط بعد قليل، فتنهار، وتنهار معك مملكتك.  

  كانت تلك أطول مدَّة عشتها مع زوجة، وانتهت كغيرها بألم.

  لم يبقَ عندي أمل صغير يضيء سواد أيَّامي، إلاَّ تلك الحبشيَّة الرقيقة.

  قلت لها ذات مساء: أتقبلين بي زوجاً؟ فارتعدتْ. ظنَّت أنَّني جننتُ. فهمستُ لها: اطمئنِّي! ستكونين زوجتي. وفي اليوم التالي، توجَّهتُ إليك. رجوتُك أن تصغي إلى نصف انسان، فأصغيتَ. رفعتُ قضيَّتي إليك. حاولتَ الاستنجاد بكتاب التقاليد، فرفض أن ينفتح. كنتَ في زاوية صعبة، ولم يكن سهلاً عليك الاعتراف بأنَّ النبل الحقيقيَّ موجودٌ في روح امرأة سوداء، بعد أن سقطت أرواح النبلاء على أدراج القصر وتحطَّمت. رأيتُك بارداً كالثلج. لمست يديك لأصدِّق أنَّك لم تمت بذبحة قلبيَّة. وبعدما نزلت دمعةٌ من إحدى عينيك، هززت برأسك موافقاً. وفي اليوم التالي تزوَّجتُ من الزنجيَّة.

  مرَّت الأعوام، وفقدتُ عيني الثانية، ولويتُ عنقي وأصابني مرض عضال... والجارية لم تتخلَّ عنِّي لحظة. وأحياناً تنسى أنَّها ملكة، فتسألني إذا كنت أريد أن تغسل لي قدميَّ؛ فأعاجلها بكلمات اعتذار، وأرفعها بيد واحدة إلى فوق، إلى حيث لا يصل الملوك.

 

[] [] []

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

14



 

ورقة رابحة                     لأدب مهجريّ راق

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لن تعرفني في هذه المدينة الباردة. أنا حطبُ الأيَّام. أنا الثلجُ المتساقط بين كلمة وكلمة.

هرمتُ هنا كهذه الأشجار العارية في فضاء رماديٍّ. ثيابي حيَّكتها العاصفة... وبيتي غرفة صغيرة فيها سراج منطفئ.

لم يشتعل هذا السراج منذ عصور. لقد أصبح زينة في عيد انتظاري. وليس في غرفتي أثاث، ما عدا أوراق متناثرة هنا وهناك، ألمُّها بيدي المرتجفة... أقرأها وأسأل نفسي عمَّن كتب سطورها، فلا تجيب.

أصبح عمري في هذا اليوم أربعين عاماً. هرولتُ إلى دكَّان قريب، واشتريتُ أرخص هديَّة، قدَّمتها إليَّ، وشربت معها كأس ماء، حتَّى لا يقال: لم أسكر في عيد ميلادي.

إشتهيت البيرة. قال لي أحد أقربائي: سأشتري لك زجاجة.

دخلنا إلى حانة، وشربنا. كان حولنا أناس كثيرون، يضعون أموالهم في آلات فتبتلعها، وأبتلع خيبتي...

لقد شعرت دائماً بأنَّ العدالة مفقودة. وكنت في الأيَّام القليلة الماضية أمرُّ بجانب إحدى البنايات، فأقول: لو كنت أملك عاموداً واحداً منها، لما كنتُ فقيراً. وذات مرَّة رأيت عمَّالاً يهدمون بناية، فصرخت بهم: حرام عليكم! تهدمونها، وأنا ليس عندي سرير أضع رأسي عليه! دفعوني بأيديهم الملوَّثة، وهم يصيحون: إذهب من هنا أيُّها  لحسود!

في الحانة نفسها، سمعتُ رجلاً ينادي على مسرح عالٍ: بعد قليل، سنسحبُ الورقة الرابحة لسيَّارة جديدة. لم يبقَ عندنا سوى عشر ورقات... مَن يشتريها؟

نهض قريبي عن كرسيِّه، وتوجَّه إلى المسرح بزهو، فاشترى ورقتين.

عاد بعد قليل، وهمس في أذني: واحدة لي وواحدة لك. قلت له: أبداً... أبداً! أنت اشتريت الورقتين... لكنَّه أصرَّ على موقفه، ورمى بالورقة أمامي على الطاولة؛ فرأيتُ أنَّ من غير اللائق أن أردَّها إليه.

سحب الرجل الذي على المسرح الورقة الر ابحة، وأذاع رقمها على الحاضرين: ثلاثة، ثلاثة، أربعة.

كانت تلك ورقتي، فقفزت من مكاني مذعوراً، وانتبه الجميع إلى سذاجتي.

قال رفيقي بفرح: ربحتَ... فأجبته بسرعة: أنت ربحتَ... هذه الورقة لك. غير أنَّه أكَّد لي أنَّني أنا الرابح، وأمسكني من كتفي، ومشى معي إلى المسرح لأعطي الورقة للرجل. كنت أنظر في عيني قريبي لأعرف ما إذا كان نادماً على إعطائي الورقة الرابحة بدون مقابل، فوجدته مسروراً، ولعلَّه كان يقرأ أفكاري أيضاً، فقال لي:

أنتَ محظوظ... لا ترتبك! إنَّ عندي سيَّارة جديدة، وأنت لا تملك سيَّارة.

وما كاد ينهي جملته، حتَّى اقترب من المسرح رجلٌ غنيٌّ، ضخم الجثَّة، تلتمع الجواهر في يديه وحول عنقه. أشار إلى ورقته، وهو يقول: معي الرقم نفسه.

نظرت إلى ورقته بدهشة واستغراب. صحيح... الرقم نفسه... كيف حدث هذا؟!

تعجَّب الحاضرون، وساد هرج ومرج. فنطق الرجل الذي على المسرح بكلمات مشؤومة: يبدو أنَّ خطأ في طباعة الأوراق قد أدَّى إلى هذه البلبلة... سنعيد السحب.

كيف؟! صرخت بغضب... تعيدون السحب؟! كلاَّ... يمكن أن نقتسم ثمن السيَّارة بيني وبين الرجل الغنيِّ. نفعل أيَّ شيء... لقد ربحنا.

قال الرجل الغنيُّ: لا نقسم ثمن السيَّارة... إمَّا لي وإمَّا لحضرتك. أحدنا يتنازل للآخر.

قلت له بدون تفكير: تنازل أنت!

فصاح: لماذا أنا يا مصارع الثيران؟!

قلت: لأنَّك غنيٌّ وأنا فقير، ولأنَّ عندك سيَّارة وليس عندي واحدة.

إزداد صياحه، فطرشني بلعاب طار من بين أسنانه القليلة: وحقِّ الملائكة، لن أتنازل لك!

أردتُ أن أهجم عليه وأضربه بين عينيه، لولا أنَّ قريبي دحرني بنظرة فيها عتاب وندم وشفقة، وأخذني من يدي ليصطحبني إلى مكاني، فأعيد سحب الورقة، وربحت امرأة عجوز مقعدة، ظننت أنَّها وُلدت قبل التاريخ.

خرجتُ من تلك التجربة مبتسماً أكثر، وساخراً، ومحطِّماً رأسي في جدار. لقد اكتشفتُ الآن لماذا أنا مطارد كلصٍّ بغيض، ولماذا لا يشتعل سراجي، ولماذا أنام بدون غطاء والثلج من حولي، ولماذا لا تنفعني صلوات أمِّي وأبي، ولماذا ليس معي درهم في جيبي أشتري به رغيف خبز؟!

أصبحت شديد العبث، غوغائيّاً... لم يعد لديَّ وقتٌ للبحث عن عمل، فأنا مشغول بوصف من ينغِّصون عيشتي، ورسمهم على الجدار كأرانب وحيَّات وعصافير وسلاحف.

جعتُ بعد أيَّام قليلة، ولم أتمكَّن من الحصول على تفَّاحة مهترئة. ضاقت الدنيا في وجهي... عثرت على جريدة، تركها صاحبها على مقعد في حديقة.

قلَّبتها، فوجدت فيها إعلاناً يقول: "رجل غنيٌّ يحتاج إلى رجل فقير لينـزِّه كلبه. الخبرة غير ضروريَّة"...

إتَّصلت بالرجل، وعندي بعض الأمل بأنَّ الوظيفة المعروضة ستكون من نصيبي، ففاجأني بفرحة عارمة، وهو يقول: وجدتك من السماء، فأنا محام... وليس عندي أحد يهتمُّ بكلبي. أرجوك أن تسارع إلى نجدتي حالاً.

أعطاني عنوانه، فهرولت إليه. لم يكن بيته بعيداً جدّاً. تكلَّم كثيراً وأنا صامت. قال: ستأخذ "بوبي" صباحاً وتعيده في المساء... سأعطيك طعامه وشرابه، وطعامك أيضاً... فلن تحتاج إلى شراء قطعة خبز في النهار... لكن أرجوك... إنتبه إلى الكلب. إذا داهمه خطر، مُتْ أنت وخلِّصهُ. إذا عاندك لا تعانده... وإذا أزعجك لا تزعجه، وإذا عضَّك لا تعضَّه. إنَّه حيوان لا يفهم... وأنت انسان، أليس كذلك؟ راعِ شعوره... إعتبره ابنكَ الصغير... أفهمت ماذا أعني؟

قلت له: سأبدأ عملي غداً، إذا شئت. ولكن يجب أن أشتري قليلاً من الأغراض... فهل تقرضني بعض المال؟

تعجَّب من سؤالي، فالعمل كراعي كلاب لا يتطلَّب عدَّة، لكنَّه مدَّ يده إلى جيبه فأخرج منها مبلغاً صغيراً دفعه إليَّ دون اعتراض.

في اليوم التالي، أخذت الكلب الصغير، ورحتُ أجرُّه في الشوارع، والحدائق، وعلى الشواطئ...

وبعد ساعتين فقط بدأ يجرُّني، فأخذني وراءه إلى أماكن لم أزرها من قبل...تهارش مع كلاب، وأولاد صغار لا يعرفهم، ونبح في وجوه العجائز... ثمَّ نبح في

وجهي من جوع وعطش. جلست معه تحت شجرة باسقة في حديقة، وفتحت زاده وزادي... كانت تفوح من طعامه رائحة طيِّبة، ومن طعامي رائحة لا تطاق.

نظرت في صحنه، فوجدته مليئاً باللحم المسلوق والحساء... ووجدت في صحني قطعة جبن يابسة وشريحة لحم مجفَّف.

لم أعط الكلب فرصة ليبدأ في التهام طعامه، فاعتذرت منه، ثمَّ استوليتُ على صحنه وأعطيته صحني.

[] [] []

 

 

 

 

 

 

 

مليحة      لأدب مهجري راق

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   "قلت لكِ: ليست ابنتي، ولا أعرفها".

   احمرَّت عينا حازم القرداعي، وانتفخت شرايين رقبته، بينما كانت زوجته رضيَّة تحلب البقرة في الزريبة المكشوفة وراء المنـزل. ورضيَّة تعرف أنَّ الحديث مع زوجها أثناء تناوله الطعام يزيده نفوراً وغضباً؛ فقد عاشت معه ثلاثين سنة متواصلة، وذاقت الأمرَّين من قسوته، حتَّى باتت لا تفعل شيئاً إلاَّ برضاه، وتخشى أن تحرِّك ساكناً إذا كان يزعجه.

   والقرداعي مستهاب في القرية؛ فالجميع يخافون سطوته، وقد أضفت عليه ملامحه البدائيَّة مزيداً من الهيبة والوقار؛ فهو طويل القامة، عريض الوجه والمنكبين، أشعث الشعر، ذو شاربين غليظين... إذا غضبَ تلبَّدت أساريره، وارتقص حاجباه، وارتجفت الخيزرانة في يده كأنَّه يهمُّ بالضرب.

   ورضيَّة ساذجة على خوف. تتجنَّب الخطأ مع زوجها، ولكنَّها غالباً ما تخطئ؛ والأخطر من هذا أنَّها أصبحت تخلط بين الخطأ والصواب. وعندما تجالس جاراتها تكشف لهنَّ عن آثار الخيزرانة على ساقيها الضعيفتين، شاكية من أنَّ زوجها لا يعجبه عجب.

   ذلك الصباح أخطأتْ؛ فقد نزلت عن لسانها كلمات متردِّدة:

   ولكنَّها... ابنتنا الوحيدة.

   - كانت ابنتنا... قلت لكِ مئة مرَّة إنَّها كانت ابنتنا، ولم تعد كذلك... لقد شقَّت عصا الطاعة، وهربت مع مرزوق، فلتذهب معه إلى جهنَّم الحمراء!

   سكتت رضيَّة، وهي تمسح دمعة كرجت على خدِّها، ثمَّ تظاهرت بالاهتمام في العمل، وشدَّت بأصابعها المتعَبة على ضرع البقرة، وقالت بصوت خافت:

   المرأة ليس لها إلاَّ الطاعة...

  لم تنتبه إلى أنَّ زوجها ترك طعامه، وأبعد الطاولة الصغيرة إلى طرف المصطبة، واقترب منها ليصغي إلى كلِّ كلمة تقولها، فإذا بصوته العالي يطنُّ في أذنيها:

   أراكِ تتمتمين! لماذا لا ترفعين صوتكِ لكي أسمع جيِّداً؟!

أتخافين؟ إنَّ المرأة لا تخاف، وإن كانت تبدي ذلك. مَن كان يتوقَّع أنَّ مليحة ستجرؤ على عمل كهذا؟! لقد ربَّيتُها أحسن تربية، وضحَّيت بالكثير من أجل إسعادها. وبرغم فقرنا، حاولتُ أن أوفِّر لها ولكِ الحياة الكريمة... صحيح أنَّني قسوت عليها أحياناً، غير أنَّني في المقابل علَّمتها وأرشدتها إلى طريق الخير والصواب، فكيف وسوس لها الشيطان وفعلت هذه الفعلة؟!

   كان صوت القرداعي يزداد ارتفاعاً، فكتمت رضيَّة أنفاسها إلى حين، واعتقدت أنَّ عليها مسايرة الموقف، فقالت بصوت ضعيف:

   يفرجها الله يا رجل... يفرجها الله!

   كنت دائماً أقول: يفرجها الله، وأتذرَّع بالصبر. لم يكن والدي غنيّاً، فأنا راعٍ ابن راع... كنت أرى أثرياء القرية يبنون العمارات، ويوسِّعون أراضيهم على حساب الفقراء، ويكدِّسون الأموال في المصارف، فأحسدهم، وأتمنَّى لو أنَّني غنيٌّ مثلهم... ولكنَّني لم أكن أعرف ماذا أفعل لأحقِّق هذه الأمنية. وعندما كبرت مليحة قلت: هذه هديَّة السماء إلينا. إنَّها وحيدة وجميلة، وسوف يتقدَّم لخطبتها شبَّان أغنياء، ونرتاح من عيشة الفقر والضيق... فانظري يا رضيَّة، أين نحن الآن؟ لا مليحة عندنا، ولا الثروة تعرف طريقها إلينا.

   إنتظر القرداعي جواباً من زوجته بدون جدوى، وراح ينظر إليها بأمل، وهي ترفع دلو الحليب من تحت البقرة، وكأنَّه يستعدُّ لجولة أخرى من الكلام... أسرع يلفُّ سيجارة، فدفعها إلى فمه دفعاً، وسحب منها نفساً عميقاً أتى على نصفها. وقبل أن تمسح رضيَّة العرق عن وجهها بطرف ردائها الأسود، جذبها من يدها، وأجلسها بقربه قائلاً:

   إسمعي يا رضيَّة، هذا اليوم أريدكِ أن تتكلَّمي. أقسم لكِ أنَّني لا أضمر لكِ شرّاً... فقولي... ألستُ على حقٍّ في غضبي من مليحة؟

   - بلى... طبعاً... أنتَ على حقٍّ... ولكنْ...

   - ولكن ماذا؟!

   - إنَّ مليحة من لحمنا ودمنا... ثمَّ هي ابنتنا الوحيدة الطيِّبة، التي انتظرنا طويلاً قبل أن ننجبها... أنسيتَ ذلك؟

   - مليحة ملعونة بنت ملعون... والله لو وصلتُ إليها الآن لقتلتها... تصوَّري أنَّها رفضت ابن فايز الصائغ، لكي تتزوَّج من مرزوق... مرزوق هاني الفرَّان... ماذا عند مرزوق غير الفقر والعذاب؟ إنَّه أنحس منَّا... لو تزوَّجت من ابن الصائغ لكنَّا الآن في أحسن حال. ذهب ...ذهب يا رضيَّة... مَن يتخلَّى عن الذهب... ليحصل على طحين؟!

   إسترسل القرداعي في التعبير عن نقمته، فارتجفت شفتاه، وهطل عرق حارٌّ من جبينه، وأردف بكثير من المرارة:

   لن نزورها، ولن نبارك زواجها. وأنتِ... لا أريد أن أسمع بعد الآن ذكرها على لسانكِ... أفهمتِ؟

   - فهمت.

   نهض من مكانه متنحنحاً، فرفع الخيزرانة، ولوَّح بها في الهواء، فأغمضت زوجته عينيها، ولم تفتحهما إلاَّ عندما سمعته يجأر:

   أنا ذاهب إلى السوق. سأعود بعد ساعتين... لا تتأخَّري في إطعام البقرة.

   بينما كانت قدما القرداعي تخبطان الأرض الترابيَّة باتِّجاه البوَّابة الصدئة، كانت رضيَّة تحمل دلو الحليب، وتدخل به إلى البيت، وهي تبتلع غصَّة كادت تفرُّ من عينيها. سكبت فنجاناً من الشاي، وجلست قبالة النافذة الصغيرة، وراحت تنظر إلى البعيد، ثمَّ مدَّت يدها إلى جارور عتيق، فخطفت منه صورة مليحة، وقرَّبتها من عينيها حتَّى كادتا تلتهمانها. ومن بين الدموع تراءت لها، كمشاهد حيَّة، ذكريات الأيَّام القليلة الماضية:

   لقد استخدم حازم كلَّ عبارات الترغيب والترهيب لإقناع مليحة بالزواج من جلال الصائغ، وهي تتهرَّب من القبول بحجَّة صغر سنها. ولم يكن الوالد يعلم بأنَّ ابنته ذات التسعة عشر ربيعاً تعيش قصَّة حبٍّ بريئة مع مرزوق، وهو شابٌّ يكبرها بحوالي السنتين، يعمل مع والده في فرن القرية الوحيد...

   ويظلُّ القرداعي يعدِّد لابنته فوائد الزواج من جلال، فتتظاهر بالقبول على مضض. وفي اليوم التالي، تذهب إلى السوق ولا تعود؛ فيبحث عنها والداها طويلاً، ويشيع خبر في القرية بأنَّ ابن الفرَّان اختفى أيضاً، وأنَّ مليحة هربت معه وتزوَّجا. وبعد يومين من الهواجس ومشاعر القلق والتوتُّر، تصل رسالة إلى القرداعي وزوجته من مليحة، تعلمهما فيها بزواجها من مرزوق، وتطلب منهما الرضى...

   كانت رضيَّة تستعيد تلك الذكريات بألم، وتبحث في المدى البعيد عن صُور أخرى مفقودة. وفجأة هدر صوت حازم في الخارج:

   رضيَّة... عجِّلي يا رضيَّة! لقد سمعت نبأ في القرية... نبأ سارّاً جدّاً...

   شعرت المرأة بأنَّ وراء لهجة زوجها وعودته بهذه السرعة أمراً غير عاديٍّ. وفيما كانت تهرول نحوه بخطى مرتبكة، كان فمه ينفجر بضحكة كبيرة، وعيناه تلمعان بفرح وهو يقول:

   ثروة... ثروة كبيرة! ابن الفرَّان لديه عمٌّ في أميركا يملك ثروة لا تقطعها النيران...

   - ثروة؟!

   - نعم ثروة... مال... وأحلى ما في الأمر أنَّ العمَّ الغنيَّ جدّاً ليس له أولاد، وقد علم بزواج مرزوق، فأوصى له على الفور بنصف ثروته، ووعده بالنصف الآخر بعد أن يموت.

   - يعني وهبه كلَّ ثروته؟!

   قالت المرأة ذلك وهي تطير من الفرح، فأجابها:

   كلَّها... أموال منقولة وغير منقولة...

   - وما الذي يؤكِّد أنَّ الخبر صحيح؟

   - صدِّقيني... الذين ذهبوا إلى الفرن هذا الصباح، سمعوا الخبر بالتفصيل من هاني الفرَّان.

   كان يتكلَّم، وشارباه الكثَّان يتخبَّطان طلوعاً ونزولاً. قهقه بضحكة عالية وهو يأمر زوجته:

   هيَّا يا رضيَّة، هيَّا... أقفلي النوافذ والأبواب بسرعة. سنذهب لتهنئة الزوجين السعيدين.

   - صحيح؟! أما قلتَ إنَّ مليحة ليست ابنتنا؟!

   - ليست ابنتنا؟! أنا قلت ذلك؟! يا لي من أحمق! إنَّها ابنتنا بالطبع... هل ينكر أحد ابنته؟! دعي كلَّ شيء واتبعيني.

   ركض القرداعي أمام زوجته، مردِّداً:

   ابنتنا بالطبع... هل ينكر أحد ابنته؟!

   أرادت رضيَّة أن تعبِّر عن شكِّها بعودة القرداعي إلى رشده، فأفلتت من شفتيها كلمات لم تستطع ردَّها:

   يا ربِّ، ليكن الخبر صحيحاً، حتَّى تظلَّ مليحة ابنتنا!

 

[] [] []

يوم سكت العندليب

 لأدب مهجري راق

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الطقس ربيع، لكنَّ غيمة رماديَّة حجبت ضوء الشمس فجأة، فرفع خليل السقَّاوي بنظره نحو السماء، ومسح عرقاً تصبَّب من جبهته، ثمَّ انحنى ليلمَّ أعشاباً قطعها بمنجله من حديقة المنزل.

توقَّف برهة عن العمل عندما سمع غناء عندليب على شجرة قريبة. هذا العندليب يسكن في الحديقة منذ زمن طويل، ولا يغادرها إلاَّ قليلاً. أتكون الطيور تعرف أنَّ الوطن الصغير أوسع من العالم كلِّه، وأنَّ حبَّ الأرض هو أعظم حبٍّ في الوجود؟!

أسند خليل منجله إلى جذع حورة عجوز، وتوجَّه إلى البركة ليغسل يديه المضمَّختين بعبير التراب.

نظر في الماء مليّاً كأنَّه يبحث عن وجهه الضائع.

لقد تغيَّر وجهه كثيراً منذ رحيل إخوته عن المدينة، رافضين العيش تحت بنادق المحتلِّين. أمَّا هو، فقد فضَّل أن يبقى حيث وُلِد، على الرغم من شعوره الدائم بأنَّ تراباً ينسلخ عن جسده يوماً بعد يوم، حتَّى أصبح غريباً عن وطنه وهو فيه.

الحياة في الأرض أغلى من كنوز الغربة...

هكذا كان يقول والده، رحمه الله، ولا يزال صوته عالقاً في العشب والشجر، وهائماً حول البيت الذي عمَّره بيديه منذ سبعين سنة أو أكثر بقليل.

مدَّ خليل أصابعه المتعبة إلى الماء، كأنَّه يحاول أن يعيد وجهه المتساقط منه إلى مكانه. إنتظر دقيقة ليهدأ الماء، فرأى الوجه ذاته، وقد عبر فيه قطار عمره، فغارت عيناه، وابيضَّ شارباه، وتزاحمت تجاعيده.

غرَّد العندليب لحناً شجيّاً، وتأرجحت ورقة لوز في الفضاء الصغير، قبل أن تسقط على صفحة الماء، فيتبعثر وجه خليل، وتتحطَّم ملامحه.

عاد الرجل إلى واقعه، حين خرجت زوجته وداد إلى الحديقة، تحمل صينيَّة القهوة. سألته:

هل انتهيت من العمل؟

أجابها بصوت مرهق:

ليس عندي الكثير لأفعله. قطعت بعض الأعشاب التي لا ينبغي أن يكون لها مكان في الحديقة.

إبتسمت الزوجة، ثمَّ وضعت الصينيَّة على حافَّة البركة، وناولته خرقة بيضاء ليمسح بها وجهه.

سألها دون أن يلتفت إليها:

هل طارق في البيت؟

- إنَّه مع الأولاد خلف مدرسة المعارف.

- ولد شقيٌّ! كم مرَّة قلت له: إنَّ دروسه أهمُّ بكثير من اللعب مع أترابه؟!

- ولكنَّ المدارس مقفلة منذ أسبوع بأمر من الحاكم العسكريِّ، ولا يعلم أحد متى ستفتح أبوابها...

- مهما يكن... عليه أن يهتمَّ بتحصيله العلميِّ... لا أريده أن يكون جاهلاً مثلي... إذهبي إليه فوراً وأعيديه إلى البيت.

كانت وداد تعتقد أنَّ زوجها لا يحبُّ طارق؛ فهو ليس والده الحقيقيَّ. لقد ماتت زوجة خليل، فتزوَّج من وداد، وهي أرملة أيضاً، وكان عندها ولدان: واحد متزوِّج، وطارق الذي يعيش معها.

كرسيٍّ عالية، وشفيق واقف أمامه يحدِّثه باهتمام، وهو يصغي ويلتفت بين الفينة والفينة إلى الباب الزجاجيِّ، كأنَّه يخاف من قدوم أحد. وما إن وصلت

أصبح عمر طارق ثلاثة عشر عاماً، ولا ينفكُّ خليل يعامله بحزم وشدَّة. وكانت وداد تنحاز إلى جانب الصبيِّ وتدافع عنه. ولعلَّها كانت ترى فيه رجلاً صغيراً سيحميها في المستقبل كما تحميه الآن.

أسرعت المرأة نحو المدرسة، فوجدت بعض الأولاد يلعبون. لم يكن طارق معهم. سألتهم عنه، فأخبروها بأنَّه ذهب مع شفيق البقَّال إلى حانوته.

أحسَّت المرأة ببعض الخوف، لكنَّها هدَّأت من روعها، فشفيق ليس غريباً عن المدينة، والجميع يعرفون أنَّه رجل طيِّب.

حثَّت الخطى إلى الحانوت، فرأت ابنها جالساً على كرسيٍّ عالية، وشفيق واقف أمامه يحدِّثه باهتمام، وهو يصغي ويلتفت بين الفينة والفينة إلى الباب الزجاجيِّ، كأنَّه يخاف من قدوم أحد. وما إن وصلت والدته حتَّى أسرع بالاعتذار من محدِّثه، وركض إليها تسبقه ابتسامة مصطنعة، كان يحاول أن يهدِّئ بها قلقاً عميقاً ظهر على وجه المرأة، وكاد ينفجر صرخة عالية من بين عينيها الغاضبتين.

 

^ ^ ^

 

كان خليل ينهب غرفة الجلوس بخطوات عصبيَّة. دخلت زوجته وابنها، فعاجلهما بالسؤال:

لماذا تأخَّرتما؟ أليس لأنَّ طارق لم يكن عند المدرسة؟

لم يجيبا، فصرخ بهما:

ماذا حدث؟ أخبراني...

أدرك طارق أنَّ فرصته في النجاة بدأت تضيق. نظر إلى أمِّه كأنَّه يرجوها أن تقول شيئاً لتنقذه من العقاب، فلم تنبس ببنت شفة... قال لخليل وهو يستجمع الكلمات المبعثرة من خضمِّ أفكاره الهائج:

كنت ألعب مع رفاقي في مكان آخر.

- كاذب... لقد رأيتك وأمَّك تخرجان من حانوت شفيق البقَّال.

- كنت تراقبنا؟!

سألته الأمُّ بنبرة حادَّة، فأجابها:

تأخَّرتما، فذهبت وراءكما...

- ولماذا لم تكلِّمنا؟!

- كنت أريد معرفة ما إذا كان طارق صادقاً معي أم لا! والآن بعد أن ثبت بالدليل القاطع أنَّه يكذب عليَّ، فأرجو أن يخبرني بالتفصيل عمَّا كان يفعله في الحانوت.

خرج الولد من دوَّامة خوفه، وقال بنبرة واثقة:

كنت ألعب مع الأولاد، فجاء شفيق وسألنا إذا كنَّا نرغب في المشاركة بمظاهرة يوم غد.

- لماذا ذهبت معه وحدك؟!

- لقد وافق بعض الأولاد على السير في المظاهرة...

- وأنت؟

- لم أوافق لأنَّني خائف منك، فطلب منِّي أن أرافقه إلى حانوته ليطلعني على بعض الصُوَر والمنشورات.

- وهل اطَّلعتَ عليها؟

- نعم... إنَّها صُوَر لشهداء ومنشورات عن الثورة... رأيت أنَّه سيكون شيئاً جميلاً لو مات الانسان من أجل بلاده...

- أسكت أيُّها الأحمق! نحن لن نموت ليعيش غيرنا. الفقراء هم الذين يموتون، والأغنياء يبنون القصور على عظامهم... هذه الثورة ليست منظَّمة، ولن يُكتب لها النجاح أبداً لأنَّها تقوم على أكتاف قلَّة قليلة من الشعب.

- الرجل قال غير ذلك... قال: إنَّنا جميعاً في المعركة من أجل الحرِّيَّة، ويجب أن نقاتل المحتلِّين بكلِّ وسيلة حتَّى نخرجهم من بلادنا.

- شعارات فارغة... مَن منهم قدَّم للوطن أكثر ممَّا قدَّمنا؟... قتل المحتلُّون والدي، وهو رجل عجوز، في

حقله... ورحل إخوتي إلى أميركا، فأصبحوا أغنياء، وبقيت هنا وحدي مؤمناً بأنَّ العالم كلَّه ليس أغلى من ورقة شجر في الحديقة التي زرعها أبي بعرق يديه.

كاد خليل ينهار تحت مطرقة صوته المتهدِّج، وازداد وجهه نحولاً، فمدَّ يده المشقَّقة ليمسح دمعة مالحة انحدرت على خدِّه... ثمَّ التفت إلى طارق وسأله:

هل تحبُّ أن تشترك في المظاهرة؟

- إذا سمحتَ لي...

- أسمح لك؟! هل أنت مجنون؟!... سأحبسك غداً في البيت من الصباح إلى المساء، ولن تخرج منه إلاَّ بإذن منِّي... أفهمت؟

- إذا حبستَني سأهرب من النافذة...

لم يعرف طارق كيف خرجت هذه الكلمات من فمه، فقد كان لا يجرؤ على قولها في الماضي، ولكنَّه الآن خائف على حرِّيَّته، وهي أعظم القيم التي يملكها، حتَّى بات هروبه من النافذة يمثِّل أقوى حالات التحدِّي للعبوديَّة والضعف. غير أنَّ الأب كان عنده شعور مختلف: شعور الحاكم الذي يملك السيطرة على رعيَّته، ولا يريد أن يحدث شيء في التاريخ يقلِّل من أهمِّيَّة هذه السلطة أو يضعفها؛ فما إن سمع الولد يتحدَّث عن الهروب، حتَّى انقضَّ عليه يريد أن يضربه، فاختبأ المسكين خلف أمِّه... لكنَّ الرجل تمكَّن من الوصول إليه، فراح يصفعه بقوَّة، فأوقعه أرضاً... ولم يتركه إلاَّ عندما سمع وداد تصرخ به وهي تشدُّه من ثيابه: 

رجل مجنون! ستقتله...

ثمَّ أجهشت بالبكاء، وافترشت الأرض إلى جانب ولدها، فأخذت تداعب شعره وتمسح دموعه المنهمرة على وجنتيه.

بعد برهة، التفتت إلى زوجها الذي أخذ الغضب منه كلَّ مأخذ، وقالت له بثورة خافتة:

إنَّك لا تحبُّه... لم تحبَّه يوماً... بل أنت تكرهه لأنَّه ليس ابنك... ولن يكون كذلك...

قبل أن تنهي كلامها، اتَّجه خليل إلى الحديقة، وهو يتمتم، ويتحدَّث إلى الهواء.

كان العندليب يغنِّي على شجرة عالية إحدى أغانيه الحزينة.

 

 ^ ^

 

الموت للاحتلال...

لا لحياة الذلِّ...

نعم للحرِّيَّة...

إرحلوا عن بلدنا...

شعارات كانت تنطلق عالية من أفواه المتظاهرين الذين جاء أكثرهم من القرى المجاورة، بعضهم يحمل العصيَّ والمعاول والحجارة، وبعضهم يرفع رايات ويافطات كبيرة. وقد اصطفَّ جنود مدجَّجون بالسلاح على الأرصفة، واتَّخذ جنود آخرون مواقع لهم عند مداخل الشوارع. وكانت آليَّات ضخمة تنطلق مسرعة من الثكنات القريبة، لكي تسدَّ الطريق على المتظاهرين.

سُمعت طلقات رصاص متفرِّقة، وانهمرت الحجارة على الجنود، فردُّوا بإطلاق النار، وسقط جريح.

كان المواطنون عازمين على الوصول إلى مقرِّ الحاكم العسكريِّ، ليقدِّموا إليه مطلباً وحيداً: خروج المحتلِّين من البلاد، فتصدَّى لهم الجنود، وتمكَّنوا من تطويق المظاهرة وحصرها في شارع ضيِّق، فاشتبك المتظاهرون معهم، وانفجرت قنبلة عند مدخل الشارع.

صرخ رجل عجوز: تراجعوا! فاختفت صرخته في الدخان.

كان طارق في مقدِّمة المظاهرة، يحمل علماً صغيراً، ويلوِّح بقبضته صائحاً، متوعِّداً. وعلى بعد أمتار قليلة كان خليل السقَّاوي يركض باحثاً عنه وسط الجموع المتزاحمة.

لقد هرب الولد من البيت لكي يشارك في معركة الحياة.

صاح أحد الرجال:

قنبلة... تفرَّقوا... قنبلة!

وهتف آخر:

القنابل لا ترهبنا...

إنبطح كثيرون على الأرض، وفرَّ آخرون ليختبئوا وراء الأشجار والسيَّارات، فيما كان طارق يسير إلى الأمام، غير عابئ بشيء، حتَّى رأى القنبلة تتدحرج وتستقرُّ على مقربة منه.

وقف لحظة مغمض العينين، وشهق كأنَّه شعر بالموت يدخل في عروقه. وقبل أن تنفجر القنبلة كان خليل يرتمي فوقها، ويغرز أظافره في الأرض، وهو

يصيح عالياً:

أهرب يا طارق...أهرب!

فأخذ الموت صوته.

 

^ ^ ^

 

وداد زائغة العينين، ذابلة. تلمُّ بمنديل أبيض حبَّات الدمع التي تكرج فوق خدَّيها.

كانت تهزُّ برأسها، وهي تسمع كلمات المعزِّين، وطارق إلى جانبها يبكي بمرارة، وينظر إلى صورة معلَّقة على الحائط، عليها شريطة سوداء.

تذكَّرت وداد ما قالته لخليل في لحظة غضب وقسوة:

إنَّك لا تحبُّه... لم تحبَّه يوماً... بل أنت تكرهه لأنَّه ليس ابنك... ولن يكون كذلك...

حاولت أن تهرب من صوتها، فألقت بنظرة عبر النافذة إلى الحديقة، حيث يخيِّم صمت كئيب...

كانت تلك المرَّة الأولى، منذ دخولها إلى هذا البيت، التي يمتنع فيها العندليب عن الغناء.

 

[] [] []

 

الدرّاجة  لأدب مهجري راق

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كانت الدنيا ضيِّقة عليه مثل غرفته الصغيرة، حيث يمتدُّ سرير متداعٍ، وطاولة صنعها والده من خشب.

هذه الدنيا لا تتَّسع لكلِّ شيء يريده: ساعة يد، وقلم ذهبيٌّ يطلُّ كمدينة مضيئة من جيب سترته، وألعاب مختلفة، ودرَّاجة ملوَّنة كدرَّاجات الأولاد الآخرين.

الأطفال في حيِّه كانوا أغنياء، لأنَّ كلَّ واحد منهم كانت عنده درَّاجة، يمتطيها بعد أن يعود من المدرسة في المساء، أو في العطلة، فيمتلئ الحيُّ جلبة، وتتماوج الألوان الزاهية في موكب يسابق بعضه، وتشقُّ الفضاء زمامير صاخبة ورنين أجراس.

كان يطلب من رفيق له أن يعيره درَّاجته... وهيهات أن يستطيع ركوبها لأمتار قليلة! فسرعان ما كان رفيقه يستعيدها منه، مأخوذاً بضجيج الآخرين وبهجتهم، أو عازماً على اللحاق بهم.

في عيد ميلاده الثاني عشر، سأله والده عن الهديَّة التي يحبُّ أن يشتريها له، فأجابه بفرح عظيم: درَّاجة!

إضطرب الوالد، وتصبَّب عرق من جبينه... فقد كان معتاداً على ألاَّ يطلب منه ابنه هديَّة غالية؛ فثمن الدرَّاجة قد يتجاوز ما تحتاج إليه الأسرة من طعام وشراب في أسبوع أو أكثر.

إختار الوالد ألفاظه بعناية وقال:

حسناً... سأشتري لك سيَّارة صغيرة في عيد ميلادك... تعال معي إلى السوق لكي تختار السيَّارة التي تحبُّ، وعندما تنجح في نهاية السنة سأشتري لك درَّاجة.

أصبحت عنده سيَّارات كثيرة... جميعها زهيدة الثمن... يرتِّبها على الطاولة في غرفته، وينظر إليها متألِّماً.

أفهمته أمُّه ذلك اليوم أنَّ حصوله على درَّاجة لن يكون أمراً سهلاً، فأبوه يكدح في النهار والليل لإطعام الأسرة... وسألته أن يذهب إليه، ويعتذر عمَّا سبَّبه له من إحراج.

إنصاع الولد لأمر والدته، فأوحى لأبيه بأنَّ رغبته في الحصول على درَّاجة لم تكن إلاَّ رغبة عابرة، وليس على الوالد أن يشقى من أجل تحقيقها... غير أنَّ صورة الدرَّاجة لم تفارق خياله؛ فقد كان يشعر بالحزن والمرارة عندما يشاهد أترابه يسوقون درَّاجاتهم بفرح وفوضى... كانت تلك الآلة العجيبة سيِّدة أحلامه وضالَّته المنشودة، التي قد لا يتمكَّن أبداً من الحصول عليها.

 

^ ^ ^

 

كانت الأسرة تعيش في بيت قديم، استأجره الوالد من امرأة غنيَّة تعيش في منـزل مجاور.

وقد دأبت تلك السيِّدة على زيارة الأسرة مرَّة في كلِّ أسبوع... وأصبح الولد يشعر نحوها بشيء من المودَّة؛ فهي- على كبر سنِّها- جميلة الوجه، أنيقة الثياب، وطيِّبة المعشر... وقد أعجبه فيها عمق نظراتها، ورقَّة صوتها، ورأفتها بأهله... واكتشف أنَّها ليست كالأغنياء الآخرين الذين ينظرون إلى الفقراء نظرة فيها الكبرياء والتشفِّي. ولاحظ أنَّها كانت تحرص على معاملته بلطف ومودَّة، فتطبع قبلة حارَّة على جبينه، أو تداعب شعره بيدين دافئتين، فيرتبك ويحمرُّ وجهه خجلاً.

سأل والدته عنها، فأخبرته بأنَّ زوجها سافر إلى البرازيل بعد أن تزوَّجا ببضعة أشهر، وتزوَّج هناك امرأة ثانية، ثمَّ انقطعت أخباره...

ذات يوم، سألته المرأة أن يذهب معها إلى بيتها، ليساعدها في حمل بعض الأغراض... وبينما هو عندها، تراءى له أنَّها تتقرَّب منه، فخاف واضطرب... وأفلح في الوصول إلى الباب، فخلعه ليخرج منه إلى الهواء.

دبَّت قشعريرة في عروقه، وهطل منه عرق. ركض إلى بيته وهو يتنفَّس بصعوبة، فكأنَّ رئتيه مثقوبتان، وقلبه يكاد ينخلع من مكانه.

سألته أمُّه عن احمرار أذنيه، فلم يجب. كان غائباً عمَّا حوله، وكانت غابة من الأسئلة تنبت في رأسه.

في اليوم التالي، خرج إلى حقل مهمل وراء بيته، فجمع أخشاباً ومسامير، وراح يركِّبها لتصبح درّاجة:

درَّاجة من خشب، بدون عجلتين.

وقف أمامها كما يقف النحَّات أمام قطعة فريدة تكاد تنطق. ركب عليها، فجنحت به وسقطتأرضاً... حكَّ رأسه، فاكتشف أنَّه ارتكب أخطاء في صناعتها. أخذ أخشابا أخرى ومسامير وراح يدقُّهابحجر... درَّاجة، درَّاجتان، ثلاث درَّاجات... معرض لدرَّاجات الخشب.

كان يضرب المسامير بقوَّة، فيطير بعضها ليقع الحجر على أصابعه، بيد أنَّه لم يكن يعرف للألم طعماً. كان عليه أن يخترع أكبر عدد من الدرَّاجات، لكي ينتقم ممَّا يشعر به من حرمان.

رأته المرأة من شرفتها، فتعجَّبت. كان يقفز إلى كلَّ درَّاجة فيجرِّبها، ثمَّ يترجَّل عنها غاضباً لأنَّها لم تتحرَّك من مكانها. وجد نفسه غير قادر على صنع درَّاجة حقيقيَّة، فبكى وعاد إلى بيته مهزوماً.

كان يذهب إلى الحقل المهجور كلَّ يوم، حاملاً أغراضاً جديدة: مسامير، قطع حديد، عجلات صدئة... محاولاً أن يبتكر درَّاجة يمكنها أن تسير.

خطرت للمرأة فكرة رائعة، فهرعت إلى السوق، واشترت درَّاجة حمراء. أخذتها إلى الحقل ووضعتها بين درَّاجات الخشب. وعندما جاء الولد كعادته ليشتغل، فوجئ بالدرَّاجة بين الأشكال الخشبيَّة الهزيلة، فكاد يرقص من الفرح... نظر حوله، فلم يجد أحداً. خطر له أنَّ والده اشترى له الهديَّة وأراد أن يفاجئه بها، فطار إليه يشكره على صنيعه، ويبدي إعجابه بالطريقة التي وضع بها الدرَّاجة في الحقل بين الدرَّاجات الخشبيَّة... كان الأب متلعثماً، لا يصدِّق ما يرى ويسمع. أراد أن يتكلَّم، لكنَّ ابنه استدار عنه، ومضى فوق درَّاجته يرنُّ بجرسها، ويخبر رفاقه عن كرم والده.

كانت المرأة حينذاك تلقي من شرفتها إلى الرجل الصغير بنظرة وادعة، وتتمنَّى لو أنَّها تستطيع أن تخبره بما فعلته من أجله.

لم تكن في الوجود سعادة أكبر من تلك السعادة التي أعطتها له.

 

[] [] []

 

 

 

 

 

 

 

 

أهل الظلام

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   

 

  في ليلة عاصفة من ليالي كانون، وصل إلى المدينة رسول، وطلب مقابلة الملك.                 لأدب مهجري راق 

  "ليدخل"...

  أشار الملك على أحد جنوده، فغاب لحظة، ثمَّ عاد ومعه الرسول، يجرُّ على الرخام ذيل ردائه الأسود، فيترك وراءه خطّاً طويلاً من الماء...

  كان الرسول متعباً، فقد جاء من مدينة بعيدة، وفي الطريق هاجمته العاصفة كغول جائع، فتعارك معها، وكاد يعود على أعقابه. لكنَّ ملكه أمره بأن يسلِّم

الرسالة مهما صادف من أخطار.

  إنَّه لا يزال يسمع هدير العاصفة، وكأنَّها ما برحت تركض وراءه، غير أنَّه شعر بطمأنينة وهو يسير في جنبات القصر المنيف، حتَّى وصل إلى أمام الملك، فانحنى صاغراً.

  بادره الملك بالكلام:

  ماذا وراءك؟

  - رسالة يا مولاي من مولاي المفدَّى...

  طلب الملك من أحد حرَّاسه أن يحمل الرسالة إليه، ففتحها وراح يقرأها على عجل، وسرعان ما تلبَّدت أساريره، وارتقصت شفتاه، وأخذت يداه ترتجفان، ثمَّ نظر إلى قادته ووزرائه، الذين كانوا متلهِّفين ليعرفوا ماذا في الرسالة؟ ولماذا جعلت ملكهم يخرج عن أطواره؟ وبعد برهة التفت الملك إلى الرسول، وصاح به:

  مولاك يتحدَّاني؟!

 لم يجب الرسول من خوفه، ونزلت قطرة ماء من شعره المبلَّل على وجهه، فمسحها بكفِّه، ثمَّ أغمض عينيه وفتحهما على صوت الملك وهو يقول:

  متى كانت الشعوب التي حولنا تجرؤ على إغضابنا؟! ومتى كنَّا ندفع الجزية؟! لا... هذه البلاد لم تخضع لفاتح، فأبناؤها أشدَّاء بواسل، خضعت لهم أمم، ووصلت سفنهم إلى جزر بعيدة، فأنشأوا فيها دولاً تهابها دول الأرض.

  بينما كان الملك يتكلَّم، كان القادة ينظرون بعضهم إلى بعض، وأيديهم على سيوفهم، فازداد خوف الرسول، وكاد يقع في مكانه، لكنَّ الملك نزل عن عرشه وتوجَّه إليه، فوضع يده على كتفه، وقال له بهدوء:

  عد إلى مولاك أيُّها الرسول الأمين، وقل له: نحن كنَّا أصدقاءه الأوفياء... وهكذا نفضِّل أن نكون دائماً... أمَّا وقد أرسل يهدِّدنا، فإنَّ الأمور قد تغيَّرت كثيراً... لقد أعلن الحرب علينا بعد أن عاهدناه، ووقفنا إلى جانبه في السرَّاء والضرَّاء... ونحن لا نخاف من الحرب... سندافع عن أرضنا وشرفنا حتَّى آخر رجل، ولن نكون عبيداً لأحد، فالحياة أو الموت ولا شيء بينهما... إنصرف!

 

^ ^ ^

 

  المعركة حامية، والجند على الأسوار يستبسلون في الدفاع عن مدينتهم، فيتساقطون واحداً وراء الآخر. والملك ينتقل من موقع إلى موقع، شاهراً سيفه، يحضُّ المدافعين على القتال.

  لكنَّ المدن المجاورة انحازت إلى الأعداء، فازدادوا عدداً وعدَّة، وبدأ الخناق يضيق على المدينة، فغصَّت الشوارع بالقتلى، واختلط عويل النساء بصراخ الأطفال، وقرقعة السيوف، وصهيل الخيول الهاربة من رائحة الدماء.

  أصيب الملك بسهم فسقط مضرَّجاً بدمائه، وبدأت خطوط الدفاع تنهار، فرأى القادة أنَّ لا نفع من مواصلة القتال، فأمروا بعض فرسانهم بتجميع مَن ظلُّوا أحياء من أهل المدينة، وتهريبهم عبر الأنفاق. وفي دقائق معدودة كانت النار تلتهم المدينة بكاملها، فيدخل إليها الأعداء وهي رماد منثور.

 

  سار أهل المدينة في الأنفاق المظلمة، حتَّى وصلوا إلى شاطئ البحر، فشاهدوا كاهناً يصطاد سمكاً. إقترب منه أحد القادة وأخبره بما حدث لشعبه، وطلب منه المساعدة، فأومأ الكاهن إليهم بأن يتبعوه إلى معبد كبير، يربض على تلَّة عالية تشرف على البحر، وهناك قدَّم لهم الماء والطعام.

  جلس الكاهن يستمع باهتمام إلى قصَّة المدينة المنكوبة، كما رواها له القادة، الذين سألوه أيضاً عن مخبإ يمكن اللجوء إليه، خوفاً من انتقام الأعداء... فأرشدهم إلى كهفٍ لا يعرف بوجوده أحد من الناس، وقال لهم:

  إنَّ الكهف عميق في الأرض، وليست له أبواب ما عدا باب صغير لا يمكن أن يدخل منه إلاَّ انسان واحد كلَّ مرَّة، فعليكم أن تدخلوا إليه واحداً وراء الآخر.

  وهل الكهف كبير؟

  سأل واحد من القادة، فأجابه الكاهن:

  كبير جدّاً، ولن يضيق بكم... وستكونون فيه آمنين من كلِّ خطر.

  - وكيف نقفله؟!

  - بحجر يوجد بالقرب من الباب. بعد أن تدخلوا جميعاً، تسدُّونه به ولن ينفتح بعد ذلك أبداً.

  - وإذا أردنا أن نخرج من الكهف ذات يوم، فماذا نفعل؟

  - تقولون: "إظهر أيُّها النور!"، فينفتح الحجر من تلقاء نفسه وبدون عناء منكم. تذكَّروا هذه الكلمات، فهي المفتاح الوحيد الذي يمكنه إزاحة الحجر من مكانه.

  - حسناً... سنذهب فوراً إلى الكهف، لأنَّ أعداءنا لن يهدأ لهم بال قبل أن يعرفوا إلى أين هربنا... شكراً لك أيُّها الكاهن الجليل على مساعدتنا، ونحن لن ننسى معروفك أبداً.

 

^ ^ ^

 

  دخل أهل المدينة إلى الكهف، وأقفلوه بالحجر كما علَّمهم الكاهن، ومكثوا هناك أعواماً كثيرة . وكانوا يشربون الماء من نبع رقراق في داخله، ويأكلون من

غابة مترامية الأطراف نبتت في أرجائه، وقد وجدوا فيها من جميع الأشجار المثمرة والحيوانات الأليفة، فلم يحتاجوا إلى شيء من خارج الكهف، فجعلوه وطناً لهم لا يغادرونه أبداً.

  وفي ذات يوم، خشي بعض القادة على أبناء شعبهم من الضياع في الكهف ونسيان بلادهم الأولى، فجمعوهم وقالوا لهم:

  نحن ما جئنا إلى هنا لكي نعيش في عزلة إلى الأبد؛ فالأعداء فرضوا علينا الرحيل واستعمروا بلادنا، ومن واجبنا أن نفعل شيئاً لاستردادها. إنَّ الوطن الذي عاش فيه آباؤنا وأجدادنا هو الوطن الذي يجب أن نعيش ونموت فيه؛ وإذا أردنا أن نستردَّه، فعلينا أن نخرج من الكهف، ونبدأ حرباً على الأعداء لا هوادة

فيها حتَّى ننتصر عليهم، أو نبذل أرواحنا على مذبح الشهادة.

  كان أهل المدينة يصغون باهتمام إلى ما يقوله قادتهم، لكنَّ بعضهم لم يبدِ استعداداً للخروج من الكهف، والعودة إلى الهواء والنور، فقال أحدهم:

  لقد أصبح الكهف بمثابة وطن لنا، أحببناه وربَّينا أولادنا فيه، فلماذا نترك ما فيه من خير وجمال، لنرجع إلى بلاد هربنا منها عندما عجزنا عن المقاومة؟!

  - إنَّ الظروف آنذاك هي التي فرضت علينا التقهقر، وقد تكون تلك الظروف تغيَّرت الآن، وأصبح ممكناً القيام بثورة لتحرير الأرض...

  - لن نضحِّي بأولادنا ونسائنا من أجل الثورة...

  - بلى، من أجل الحرِّيَّة ترخص الدماء.

  - ولماذا لم نضحِّ عندما كنَّا في وسط المعركة؟

  - لأنَّ موتنا كان بدون ثمن... فالأعداء كانوا أقوى منَّا بكثير، ولذلك رأينا أنَّ من الأفضل أن ننقذ شعبنا من الزوال، إلى أن تحين فرصة أفضل للمقاومة...

  - والكهف؟!

  - الكهف هو الخيانة والظلام والخوف... والحرِّيَّة لا تتمسَّح على الجدران، ولا تأكل من عشب الغابة، ولا تشرب من ماء الجدول. إنَّ طعام الحرِّيَّة وشرابها هما النور الطالع من أعماقنا، والدم المتفجِّر في صدورنا... الحرِّيَّة خبز الكرامة، ومن ليس عنده من هذا الخبز يجوع، ولا يشبع أبداً، ولو كانت لديه كلُّ ثروات العالم. 

  سادت فترة من الصمت، قبل أن يقول أحد القادة:

  الأفضل أن نترك لكلِّ انسان حقَّه في تقرير مصيره، فمَن يريد أن يخرج معنا من الكهف، عليه أن يدرك أنَّ النضال محفوف بالمخاطر والتضحيات، فالحرِّيَّة ليست إلاَّ وردة في حقل الدماء... ومن يختار البقاء هنا يكون فضَّل السلامة على تحرير بلاده.

  وما كاد القائد ينهي كلامه، حتَّى انقسم أهل الكهف إلى مجموعتين: واحدة اختارت البقاء في الكهف، والثانية قرَّرت مواجهة الأعداء.                               صرخوا: "إظهر أيُّها النور!"، فانزاح الحجر، وغادر المؤمنون بالحرِّيَّة وراء قادتهم، وأرواحهم متوثِّبة إلى استعادة الحقِّ، وبقي في الكهف أبناء الضلال وأحفاد الهزيمة.  

  شنَّ رجال الثورة حرباً ضارية على الأعداء، فانتصروا عليهم، وأخرجوهم من مدينتهم. وعقدوا تحالفات مع دول مجاورة، فأصبحوا قوَّة لا يستهان بها. وفي غضون سنوات قليلة، تمكَّنوا من إعادة بناء المدينة، فأصبحت واحدة من أقوى المدن في عصرها، وعاش سكَّانها في غنى وسعادة.

  وبعد مدَّة، تذكَّروا أهلهم في الكهف، فأرسلوا إليهم رجلاً يخبرهم بأنَّ مدينتهم تحرَّرت، وأصبح بإمكانهم أن يعودوا إليها... صرخ لهم من الخارج مرَّات ومرَّات، فلم يسمعوه، فأخذ يبكي ويلطم وجهه، حتَّى تعب من البكاء، واستبدَّ به يأس قاتل.

  ركب على حصانه ليعود إلى المدينة، فظهر له الكاهن واقفاً على صخرة، وقال له:

  إنَّ الكهف لن ينفتح بعد الآن، فالذين آمنوا بالحرِّيَّة استحقُّوا الحياة،  والذين فضَّلوا العيش في غياهب الخوف، سيظلُّون إلى الأبد محرومين من رؤية الشمس، التي لا تشرق على الجبناء والمتخاذلين.

  - ولكنَّنا، أيُّها الكاهن الجليل، نريد أن يعود أهل الكهف إلينا.

  قال الرجل ذلك بتأثُّر شديد، فأجابه الكاهن:

  أنتم تريدون ذلك، لكنَّ شريعة الحياة ترفض أن ينعم المتردِّدون بانتصار حقَّقه الأبطال، وتأبى الحرِّيَّة أن تُعطى هبةً للذين سكنوا في القبور، وتحجَّرت أجسادهم في العتمة الأبديَّة... إنَّ الذين أحبُّوا العبوديَّة لا يحقُّ لهم أن يقطفوا من ثمار الحرِّيَّة... عُد أيُّها الرجل إلى مدينتك، واخبر أهلها بما سمعت، وقل لهم: إنَّ أهل الظلام قد أصبحوا شيئاً من الماضي، وليس لهم طريق إلى المستقبل.

 أدار الكاهن ظهره للرجل وغاب وراء الصخور.

 وفي طريق عودته إلى المدينة، فوجئ الرجل بأنَّ المعبد الذي كان على التلَّة قد اختفى، ولم يعد له أثر.

[] [] []

 

حمار المدينة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المشهد نفسه يتكرَّر عند الخليج… ومن يرونه يعتقدون أنَّه صورة مصغَّرة عن الجنون الذي ترتديه المدينة قبل أن يسقط النهار في فم المحيط، ويشهق شهقته الأخيرة في معبدٍ من ضباب وزبَد.

الرجل الحمار يقتات علفه من عرق جبينه، فالدراهم القليلة التي يرمي بها سائحون معجبون على مقربة من رسنه لن تجعل منه غنيّاً، بيد أنَّها ستشتري له قليلاً من الطعام، وقارورة جعة، ثمَّ يرتاح من عمله المضني، فيرتِّب أشياءه في حقيبة، ويلجأ إلى رصيف أعرج، فينام على أحد المقاعد، ويغمض عينيه على صور الحقول والأودية المكسوَّة بالعشب.

كان يرتدي وجه حمار، وجلد حمار، وذيل حمار، فلا يظهر من الإنسان الذي فيه شيء، وينتصب لساعات مزعجة على يديه ورجليه، كأنَّها قوائم أربع… وأثناء عمله يهزُّ برأسه كأنَّه يبعد الذباب عن أذنيه، وحيناً آخر ينهق بتعب، فيضحك الناس ويتعجَّبونَ، ويقول لهم من تحتِ وجهِ الحمارِ:

لماذا تضحكون من رجل ينهق؟

ثمَّ يحرِّك ذيله كأنَّه حمار حقيقيٌّ.

لم يحاول أحد من الناس أن يعرف من هو فعلاً، ولا اعتقد المارَّة أنَّه يحمل هُويَّة، أو أنَّه يفكِّر في أمور كثيرة، فالحيوان ليس له عقل، وهم لا ينظرون إلى الصورة الغائبة التي يخفيها تحت جلده، بل يعتقدون أنَّه مهرِّج، أو مهووس بشخصيَّة الحمار، وهي شخصيَّة راقية لا تقتل، ولا تسرق، ولا تشتهي امرأة قريبها، ولا تشهد بالزور. غير أنَّ الرجل كان يتقمَّصُ واقعه باختيار منه، بعدما انهالت يد القدر بالسوط على ظهره، فانشقَّ جلده، وبكت عيناه، وتبعثرت آماله، وحين أراد أن يصرخ في وجه الحياة، تحجَّر لسانه وخانته الكلمات.

قبل أن يصير حماراً، وجد نفسه مقيَّداً بإشارات حمراء وخضراء، ومحكوماً بهواء مريض يدخل في رئتيه فيسعل ويبصق دماً، وسمع سيَّارات الشرطة وراءه فاختبأ تحت جدار.

واستفاق من نومه على نعيق غراب، فحمل صمته تحت إبطِه، واستقلَّ القطار إلى ضاحية مسكونة بالأشباح، حيث يشتغل في مصنع للمياه المعدنيَّة ويعطش.

وأحبَّ امرأة وتزوَّج وأنجب أولاداً، فإذا به يركض وراء لقمة هاربة، حتَّى يلتقطها بأطراف أصابعه، فيجدها لا تكفي ما عنده من شعوب جائعة وأفواه لا ترحم... وكان الجميع يطلبون منه أن يموت في روحه لكي يعيشوا في أجسادهم، فإذا مرض عاقبوه، وإذا تعب أطبقوا عليه من كلِّ صوب وأوب، وفي أيديهم فؤوس يقطِّعونه بها إرباً. وإذا شاخ ونزل عليه فالج، أقاموه عن كرسيِّه بالقوَّة ودفعوا به دفعاً إلى مصنع المياه ليملأ الفراغ بالعطش...

ذات يوم، أعلن الثورة عليهم، وقرَّر أن يتخلَّى عن أنظمتهم المقدَّسة، فارتدى ثوب حمار، وعثر على روحه في روحه. وعلى الرغم من التعب الذي كان يعتصره في الشارع، إلاَّ أنَّه لم يشعر لحظة بأنَّه غريب عن الحيوانِ الذي تداخل فيه على غفلة من الزمن...
كان ينظر بعينين كبيرتين إلى أطفال يضحكون منه، ولا يتوغَّلون إلى أعماقِ نفسِه لكي يبكوا معه وعليه... كانوا يعبِّرون عن دهشتهم بفرح، وكان يشرح لهم بسكوت مرير أنَّ حقيقته رائعة، وأنَّ وقوفه المتواصل علامة فارقة في جبين الأيَّام، وانتصار مذهل على أنقاض عالم متناقض، لا يريد بعد الآن أن يكون ضحيَّة من ضحاياه.

 

[] [] []

 

وراء الباب الموصَد لأدب مهجري راق 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لم أعرف حتَّى الآن ماذا يعنيه ذلك الصباح.

كان صباحاً غريباً، لم أر مثله قَطُّ، وقد لا يطلع صباح مثله على حياتي.

استيقظت على أزيز بعوضة في أفق غرفتي. كان أزيزاً مزعجاً، فنهضت بسرعة، ولوَّحت بقبضتي، محاولاً قتل البعوضة وهي تطير في الهواء.

كانت علبة الدواء المنوِّم على المنضدة قرب سريري، وعلى المنضدة أيضاً رسالة قديمة جدّاً.

مشيت بثقل إلى مرآة يكسوها غبار كثيف ككلِّ شيء في المنزل. مسحت الغبار، ونظرت إلى وجهي. صرخت من الهلع. كان شخص آخر في المرآة. كنت أنا في المرآة، لكنَّني الآن رجل عجوز جدّاً. فهل نمت سنوات طويلة؟

كان وجهي مخيفاً، والتجاعيد تحتلُّه كأقنية في حقل، أمَّا شعري الذي كان أسود كالليل، فقد تحوَّل إلى بياض كثيف، وتحته غارت عيناي المحمرّتان كأفق يحتضر.

سألت نفسي: ألم أكن متزوِّجاً؟ فاين زوجتي، وأولادي؟

كنت متزوِّجاً فعلاً، وها صورة سوداء وبيضاء لأسرتي معلَّقة على الجدار. ماذا كانت أسماء زوجتي وأولادي؟ وإلى أين ذهبوا؟ وهل ضجروا من نومي، واعتقدوا انَّني ميت فرحلوا؟

فتحت الرسالة القديمة، وقرأتها بسرعة. لقد أرسلها إليّ صديق منذ ثلاثين عاماً.  يبدو أنَّني نمت ثلاثين سنة متواصلة، ولم يوقظني أحد.

هرولت إلى الشرفة علَّني أرى أحداً من الناس، فأسأله عن نفسي، ففوجئت بأنَّ بيتي ينتصب وحيداً على حافَّة وادٍ عميق ليس له قعر. لو تقدَّمت خطوة واحدة إلى الامام، لكنت سقطت في الهوَّة.

أين العالم الذي كنت موجوداً فيه قبل ثلاثين سنة؟

ربَّما يكون على الجهة الثانية من الوادي. بيدَ أنَّني عندما نظرت إلى البعيد، لم أر إلاَّ فضاء أزرق صافياً، وفراغاً قاتلاً لا يعقل ان يكون فيه بشر.

سألت بصوت عال:

هل العالم ما زال موجوداً؟

لم يجبني أحد، فبكيت بكاء مرّاً، وقرَّرت أن أرمي بزجاجة في الوادي، لأكتشف ما إذا كان له عمق.

ألقيت بالزجاجة، فانحدرت، وانحدرت، دون أن يسمع لها صدى. وبعد مدَّة اصطدمتْ بالأرض.

فرحتُ بأنَّ الأرض ما زالت موجودة، على الرغم من أنَّني كنت وحدي معلَّقاً فوقها. ثمَّ سمعت جلبة في أسفل الوادي. أناس يثرثرون، فصرخت ولم يسمعني أحد: أين أنتم أيُّها الناس؟ وكيف أستطيع الوصول إليكم؟

خطرَ لي أن أفتح باب المنزل، لأرى ما إذا كان سيؤِّدي إلى مكان. وكم كانت دهشتي عظيمة، عندما رفضَ الباب أن ينفتح!... دفعته. ركلته. أحضرت مطرقة وحطَّمته، فإذا بالثلج يغطِّيه من الخارج إلى أعلاه، والجليد ممسك بأطرافه. الثلج باب مقفل آخر، ولا يمكن أن ينفتح.

يا الله، من أين جاء الثلج إلى هذه الجهة من البيت، والسماء فوق الشرفة زرقاء صافية؟ لقد كُتب عليَّ أن أبقى محبوساً وراء باب موصَد... فهل أنام من جديد؟ أخذت حبَّة منوِّم وقرَّبتها من فمي. ثمَّ تساءلت: ماذا سيحدث لو نمت ثلاثين سنة أخرى؟ ربَّما سيكون عمري مئة عام، وربَّما لن أستيقظ إلاَّ بعد أن أموت... جميل أن يموت الإنسان من غير أن يعرف.

أخذت قلماً وورقة. نفضت عنهما الغبار المتكاثف، وكتبت للآخرين، قبل أن أبتلع حبَّة الدواء:

"أيُّها الناس الذين يثرثرون، لقد عدت إلى النوم في المنزل المنفصل عن العالم. أرجو أن ينقذني أحد منكم... كما أرجو أن تخفِّفوا الثرثرة قليلاً... خفِّفوا الثرثرة، قاتلكم الله".