الرجل الذي بكى

بقلم د. جميل الدويهي

 

أكثر ما يُغبط الشاعر أن يحفظ الناس أعماله ويرددونها. وقد حدثت لي هذه الغبطة مرّات، فذات يوم كنت أقود سيارتي على "بلمور رود"، فرأيت رجلاً أسمر نحيلاً يسير على الرصيف في اتجاه ريفروود. كان الرجل ابراهيم سعد (توفاه الله إلى رحمته) الذي التقيت به قليلاً من المرات قبل ذلك، فتوقفت وطلبت منه أن يصعد إلى سيارتي لأوصله، فما إن فتح باب السيارة وجلس إلى جانبي، وغمرني بالتحية حتى ألقى على مسمعي قصيدة "العدل" كاملة، وهي قصيدة بالفصحى، من غير أن يحذف منها كلمة أو يتلعثم في حرف أو ينسى بيتاً.

ويعيد الكرّة على مسمعي أيضاً الأستاذ محمد حسين العمري الذي لم أكن أعرفه إلا من خلال كتاباته القيمة، فإذا به ذات يوم يدخل إلى مكتبي في جريدة "المستقبل" بوجهه الباسم، وأدبياته الرائعة، ويلقي على مسمعي قصيدة بالعامية كنت نشرتها في الجريدة، يقول مطلعها:

تا قُـــول كيف عشقت بكّيت البِكي      ولبّست آخــــر يـــوم بدلِه مجعلكِه

وعــــا مرايتِك إنتي كأنِّك ما حــدا      ويا ريت فيي كنت أعرف شو بكي.

أيضاً ألقاها كاملة. وعجبت من ذاكرته، ومن الإطراء الذي أحاط القصيدة به. واعترفت أمامه بأنني لم أحفظ القصيدة كما حفظها هو.

وكثيراً ما يطالعني الشاعر الصديق، والأخ الكبير، الدكتور مروان كسّاب ببيت من قصيدة كتبتها:

"ولقيتْ حالي ضــــايع بغابة صدى         عطشان قلبي وفاضيه خوابي الزمان"

ويبدي الدكتور كساب المرهف والرقيق إعجابه بتعبير "ضايع بغابة صدى"، وهذا الإعجاب شهادة من شاعر عريق ألقّبه دائماً بقلعة تنورين.

والدكتور عصام الحوراني، الناقد والأكاديمي البارع، يردّد من قصيدتي "جدي القديم"، وهي قصّة عن رجل عجوز كتبتُها بالفصحى على السطر وعلى طريقة الرواية، لكن على وزن "مستفعلن"، وأدخلت عليها الميجنا:

يـــــا مايله عالعين عينِك مائلِه         بحبّك أنا وحبِّك لغيري مـــا إلي

وما زال عندِك بعد نقطة ماء لي      كوني كريمـــه وريِّحـي أعصابنا.

لكن الموقف الأكثر تعبيراً عن شغف الناس بالشعر حدث معي مساء الأربعاء الماضي (24-6-2015)، وفي حفل إفطار أقامته بلدية بانكستاون بمناسبة شهر رمضان المبارك. والتقيت في الحفل برجل لا أعرفه، لكنني رأيت في ملامحه رقيّ الإنسان، والآدمية بأبهى صورها. وبعد السلام، فهمت منه أنه يقرأ الصفحة 23 في جريدة "المستقبل" باستمرار، ويتتبع ما أكتبه فيها، إلى أن قال: قصيدتك عن سعيد عقل رائعة، وقصيدتك التي نشرتها في العدد الماضي كانت كذلك أيضاً، فقلت: أيّ قصيدة؟ قال: التي يقول مطلعها:

عالعين يا بو الزلف ما بقيتْ غنّيلو    هللي تركني ومشي وضلـّيت ناديلو

من بعد وجّي ما كان بيشبـه التفّاح     لونو الحقيقي انمحى واصفرّ منديلو.

وقبل أن يكمل الرجل المطلع رأيته يبكي، وانهمرت دموعه، وكان عدد من الزملاء حاضرين، فتعجب بعضهم، وتعجبت أنا أيضاً، بينما كان الرجل يأخذ منديلاً ويمسح دموعه، فيصفرّ المنديل أيضاً بين يديه.

لم أشأ أن أسأل الرجل عن حاله، ولا لماذا بكى؟ فقد تكون عنده قصّة تجرحه، والقصيدة فعلت فعلها في قلبه. لكنني أكبرت شعوره، وعظمت من ذوقه الأدبي، ومن إحساسه المرهف وإنسانيته التي انفتحت أمامي كما ينفتح البحر أمام الصياد. وانتظرت حتى انتهى الإفطار، فذهبت إليه وسلّمت عليه بحرارة، فعانقني وقبلني، فقلت له: أريد أن أقبّلك في رأسك، فأحنى رأسه وقبلته كما يقبل الابن الصغير والده... كانت تلك الأمسية واحدة من أكثر الأمسيات التي هزّت مشاعري، وعلى الرغم من اعتذاري الشديد لأنني جعلت الرجل يتألم ويبكي، لكنني ما أزال أحتفظ بصورته ولن تفارق عيني، وسأقول له دائماً: يا لك من رجل كبير!