الدويهي الذي خالف أمر الكنيسة ودفن جبران خليل جبران

بقلم د. جميل الدويهي

 

 

 

 

 

 

 

صورة نادرة من يوم مأتم جبران خليل جبران في بوسطن

ويبدو نعشه ملفوفاً بالعلم الأميركي والمونسنيور إسطفان الدويهي إلى يسار الصورة

 

بين جبران خليل جبران وزغرتا علاقتان وطيدتان يُعتزُّ بهما، الأولى علاقته بمي زيادة (ماري الياس زياده) الأديبة اللبنانيّة التي ولدت في الناصرة وعاشت في مصر ولبنان. مي زيادة إهدنيّة زغرتاويّة من عائلة زياده المعروفة في زغرتا، انتقل أهلها إلى شحتول في كسروان، ثمّ إلى الناصرة. وجبران في رسائله إلى مي وفي أكثر من مكان يشير إلى أنّها ابنة إهدن ونبع مار سركيس. ولا يقول جبران ذلك لو لم تكن مي قد أخبرته بأنّها زغرتاويّة إهدنيّة. أمّا لماذا عُرفت مي بأنّها من شحتول وليس من زغرتا، فهذا ناتج عن إهمال من أهالي زغرتا بالطبع.

أمّا العلاقة الثانية التي كانت لجبران مع أحد أبناء إهدن، فهي العلاقة مع المونسنيور اسطفان أسعد الدويهي الذي ولد في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ودرس اللاهوت في روما، ثمّ أصبح كاهناً في عام 1905.

في كنيسة الأرز- بوسطن صورة مرسومة بقلم الرصاص معلّقة في البهو وموقّعة باسم جبران، والرجل الذي تمثّله هو المونسنيور إسطفان الدويهي. والدويهي المذكور مؤسّس كنيسة الأرز، فقد شحن خمسة أطنان من حجارة إهدن إلى بوسطن بالباخرة لبناء الكنيسة بمساعدة شقيقه سركيس الدويهي.

وكان جبران خليل جبران صديقاً للمونسنيور الدويهي، وكانا يتبادلان الزيارات، وكان جبران يحترم رجل الدين المارونيّ ويبدي إعجابه به لأنّه "ذو أخلاق عالية وعلوم عالية وزاهد في المال."

وكان منزل جبران خليل جبران في بوسطن مجاوراً للكنيسة، ولكنّ جبران لم يُشاهد مشاركاً في الصلاة.

وينتقل جبران خليل جبران إلى نيويورك، ويكون ما يكون من مواقفه من رجال الدين، وهي مواقف معروفة لا حاجة بنا إلى تكرارها. ويُتّهم جبران بالماسونيّة وبمخالفته للديانة في العديد من المواقف العلنيّة وأهمُّها إيمانه بالتقمُّص سبع مرّات وصولاً إلى التوحّد مع الإله، ففي النصّ الأوّل من كتاب المجنون "كيف صرت مجنوناً" يروي جبران كيف سرق اللصوص أقنعته السبعة التي تقمّص بها في حيواته السبع السابقة وركض في الشوارع يصيح مذعوراً، فرأى الشمس (رمز للإله)، ولم يعد في حاجة إلى أقنعته (أي توحَّدَ مع الله ولم يعد في حاجة إلى حياة ثامنة). وإضافة إلى ذلك كانت لجبران مواقف ثوريّة من موضوع الخير والشرّ، فجبران رأى في كتاب "النبيّ" أنّ الناس خيّرون، وليس هناك شرّ، بل خير متألّم... والإنسان يفعل الشرّ لأنّه يجوع ويعطش. ورأي جبران هذا يناقض ما ذهب إليه في بواكير أعماله وخصوصاً "المواكب" حيث يقول:

والخير فـــي الناس مصنوع إذا جُبروا

والشرُّ فــــي الناس لا يفنى وإن قبروا.

ولا شكّ في أنّ جبران كان من جملة الأدباء الذين استهواهم غوته وعلاقة "فاوست" مع الشيطان، فجعل جبران من الخوري متعاوناً مع الشيطان ويتساعدان على الطريق. كما أنّ جبران برّر للعديد من الخطأة والمجرمين أعمالهم، على طريقة فيكتور هيجو والرومنطيقيّين الفرنسيّين عامّة. وذُكر أنّ جبران وقبل وفاته بقليل بمرض السلّ رفض استقبال الكاهن الذي جاء إلى بيته لكي يتمّم واجباته الدينيّة. وبناء على هذه المواقف مجتمعة اتّخذت الكنيسة قراراً صارماً بحقّ صاحب "النبيّ" وحرّمت دفنه على الطريقة الكنسيّة المعروفة. وتروي بعض المصادر أنّ الجفاء بين الكنيسة وجبران قد حدث في وقت مبكر جدّاً أي عندما كان جبران في بداية رحلته مع القلم.

ويروي روبن واترفيلد في كتابه:

‘Prophet, the Life and Times of Khalil Gibran’,

أنّ كاتب النبيّ رفض أن يتمّمَ واجباتِه الدينيّة، وكاد يُحرَم من رتبة الدفن، غير أنّ كاهناً لبنانيّاً هو المونسنيور إسطفان الدويهي أقام له الرتبة في كنيسة الأرز في بوسطن (ص 273).

وقد اعتبر المونسنيور الدويهي أنّ قرار الكنيسة بحرمان جبران هو قرار خاطئ، فطلب من أسرته ومعارفه أن ينقلوا الجثمان من نيويورك إلى بوسطن، وهناك أقام له رتبة الدفن وأشاد بمزاياه، ثمّ تقدّم المونسنيور وفداً كبيراً إلى مرفأ بوسطن لتوديع جثمان جبران إلى لبنان. وفي عظته التي ألقاها في الكنيسة قال المونسنيور الدويهي: "إذا كنّا نؤمن بالمحبّة الواردة في إنجيل يوحنّا، وإذا كنّا نؤمن بالتوبة والغفران وموت وقيامة المسيح، نتساءل: مَن منّا يضمن أنّ هذا الرجل الكبير(أي جبران) لم يطلب المغفرة قبل موته؟ والذي يرفض الصلاة (أي الكاهن) عليه يقع هو في الخطيئة."

هذا الرجل الذي لم يرضَ بأن يموت جبران كما يموت الكافر المرذول، يعتبر ثائراً على الكنيسة، والكنيسة لم تحاسبه على ثورته... وقد مات شهيداً عندما اندلعت النار في كنيسة الأرز فأصرّ على الدخول إليها لتخليص كأس القربان، وبينما هو خارج منها والكأس في يده سقط ميتاً على الباب.