الناس لا يتذكَّرون- النوع الرابع (الشعر المدوّر)

لجميل الدويهي

 

 

لأدب مهجريّ راقٍ

الناسُ لا يتذكَّرونَ، لأنّهم لا يُبصرونَ من الوجوهِ سوى الوجوهِ، وعندما يتساقطُ العصفور من أرجوحةٍ، لا يقرأون وداعَهُ، ويخبّئون غبار أعينِهم، كأنَّ الموتَ من فعلِ النيازكِ، أو سؤالٌ في تراب العمرِ ليس له جوابْ.

 

عيناهُ تحت الشمسِ، مثلُ منازل الفقراءِ، مثلُ الريحِ، والتفَّاحِ، مثلُ الوردةِ العطشى، وفوق جناحِهِ نغمٌ تحدَّرَ من سلالاتِ العواصفِ والرعودِ. وصمتُه أقوى من البركانِ. مَن يعطيهِ من قمحِ السهولِ مدينةً، ليعيشَ فيها، يستريحَ من الطريقِ؟ ومَن سيطعمُهُ إذا غابَ الصباحُ عن الوليمةِ؟ حائرٌ جدّاً، ومندهِش، لأنَّ الناس لا يتذكَّرونَ حديثه أبداً، وما صنعت يداهُ من الجبالِ، وكيف كان يحبُّهم، ويسيرُ في أحلامهم، ويضيعُ. إنَّ الليل سكّينٌ تمرُّ على الكتابِ، فلا يظلُّ من الحروفِ سوى الضبابِ، ولا يظلُّ من الصلاةِ سوى دماءٍ خلفَ بابْ.

 

كان المكانُ مسافراً، والريحُ منديلاً يلوِّحُ في المساءِ. وكانَ فوق خزانةِ الأيّام أفكارٌ مقدَّدةٌ، وملحٌ للشتاءِ. وكان مصلوباً على الكرسيِّ، قهوتُه الرمادُ، وعنده عشبٌ لقطعانِ الغيومِ. هو الذي يأتي إليه الناسُ من كلِّ القرى، كي يأخذوا منه، ولكنْ ما تزالُ وراءه وأمامَه تمتدُّ أرصفةُ الغيابْ.

 

قالوا ، وقد أخذوهُ من حقلِ الرياحِ إلى حرائقهم: كأنَّ غناءَهُ سيفٌ، ونحنُ نريدُ أن تبقى الهياكل مثلما كانت، فلا أحدٌ يفرِّقنا، ويصرخُ في وجوه البائعين: "أبي هنا، وأنا هنا، فخذوا الحمامَ إلى منازله. خذوا خشب الموائدِ. واخرجو من بيت أهلي"، مثلما قال الكتابْ.

 

إنّي أقدّر كيف ينكسر الزجاجُ، فإنّ لي جسر التخيّلِ عندما أتصوّرُ الأشياء قبل حدوثِها، فغداً يفيضُ البحر فوق إنائه، والناس لا يتغيَّرونَ، لأنّهم لم يطحنوا قمحاً لجوع الأنبياء، ولم يزالوا يعبدون الله في شجر الخطايا. مرّة أحببتُهم، وقتلتُهم، ورميت في شبّاكهم خزفَ الضبابْ.

 

البيتُ من ورقٍ، وعند البيتِ أبياتٌ محطّمةٌ. هنا كان الصباحُ يخاطبُ الكهّانََ، يفترشُ الحصيرَ. وكان في أصواتِـهـم ذهباً، وفخّاراً من العصر البعيدِ، فمنذُ أن رحل الملوك، تـهـدَّمت أفكارُهم، وتفرّقوا. لم يبقَ لي من بعدهم حجرٌ على حجرٍ، ولمْ... حاولتُ أن أروي تفاصيل الجريمةِ... غير أنّي لم يكن حرفٌ على شفتِي، ولمْ... ونظرتُ نحو قبيلتي الأولى التي غادرتُها، فوجدتُها في الصمتِ نائمةً، وعاجزةً عن التفكيرِ. لم أصغِ إليها لحظةً أخرى، فإنّي متعَبٌ جدّاً، ويرميني العذابُ إلى العذاب.

 

شكراً لمن عزفوا على الجسرِ القديمِِ، ومَن يوزِّعون الخبزَ والحلوى على الأطفالِ. مَن يمشي معي في رحلةٍ من أرجُوانِ الدمعِ، مِن نارٍ وأمطارٍ؟ نشرتُ قصائدي في الشمسِ مثلَ شقائق النعمانِ. حين دخلتُ بين الجوعِ والأوجاعِ، لم يأخذ يدِي أحدٌ، فأينَ الراقصونَ؟ وأينَ أجدادي، وأولادي، ومَن كتبوا إليّ، وكنت في جُزرٍ، أفتّش عن قناديلِ الخيالِ، وأقطفُ الأبراجَ من شبّاكِها؟... كنتُ الضحيّةَ منذ أنْ بدأ القتالُ، هنا سقوطي عند تمثالي، ومن حولي السماءُ تحطّمت وتناثرت بين القِباب.

 

وغداً أعودُ كما أعودُ الآنَ. إنّ الجمرَ في عينيّ. إنّ البحرَ تحت يديّ. أعبرُهُ، ويعبُرُني، ويرميني على أكياسِ معجزتي. فليس هناكَ في الميناءِ غيرُ سفينتي، وأنا. وحين تمرُّ فوق البحر أشرعتي، يطيرُ إليَّ عن أَسوارِهِ قمرٌ، وتصرخُ بين أغنيتي وأغنيتي رَباب.

 جميع الحقوق محفوظة للشاعر جميل الدويهي