الأفكار الفلسفيّة عند جبران خليل جبران- محاضرة ألقيت في جامعة سيّدة اللويزة (2007).

بقلم الدكتور جميل الدويهي

 

لأدب مهجريّ راقٍ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نبالغُ إلى حدٍّ ما، عندما نقول: إنَّ جبران خليل جبران كان فيلسوفاً. ولعلَّ النقَّاد الذين اعتبروه كذلك، لم يميِّزوا بين الفيلسوف الذي ينصبُّ اهتمامُه على معرفة الحقائق المتعلِّقة بالكون، والحياة، والموت وما وراءَه، وطبيعةِ الخالِق... وبين الأديبِ صاحب الأفكار الفلسفيّة، الذي يهتمُّ بالأدبِ أوَّلاً، ويناقش في بعض نصوصه هموماً وقضايا فلسفيّة محدَّدة.

يقول الدكتور غسّان خالد في مقدِّمة كتابه "جبرانُ الفيلسوف": إنَّه لم يكتب هذا الكتاب من زاوية النظر إلى جبران على أنّه فيلسوف بالمعنى التقليديّ المتعارَف عليه في تراث الفكر... فالمنهجيّةُ التي تتَّصف بها الكتابة الفلسفيّة التقليديّة، هي برودةٌ في استنتاج الأحكام، وعرضِها... وهذه المنهجيّةُ غريبةٌ في العموم عن آثار الرجل (أي جبران). ويسمِّي خالد ميولَ جبران إلى الفلسفة "بالتطلّع الفلسفيّ"، ويُضيف: "إذا اعتبرنا الماورائيّات فرعاً رئيساً في الفلسفة، عثرنا على الكثير من مناحيها في العديد من كتاباته"(1)

أمّا الناقد جميل جبر فيقول: "لو نظرنا إلى كتابات جبران من هذه الزاوية الدقيقة، لما وجدنا فيها مذهباً فلسفيّاً متكاملاً، بل خواطرَ فلسفيّة يُكوِّنُ مجموعُها نهجاً فكريّاً خاصّاً في الحياة "(2)

نحن إذن أمام جبران خليل جبران الأديب، الذي ضمَّن أدبه أفكاراً فلسفيّة عميقة، وله - كما يقول الأب يوحنّا قمير- في مجالات الفلسفة مواقفُ وآراء(3) كالألوهة، والموت، والخلود، والدين، والتديّن، والتفكير الإجتماعيّ الإصلاحيّ، ونبذِ التخلُّف والتقليد، والطموحِ إلى العدل الفردوسيّ، والنقاء الإنسانيّ الرفيع... (4)

وسنحاول إلقاء الضوء على ثلاثٍ من أهمّ الأفكار الفلسفيّة الجبرانيّة: الخير والشرّ، التقمّص، والحلوليّة.

 

أوَّلاً: الخيرُ والشرّ:

في كتابه "النبيّ" يقدِّم جبران خليل جبران نصّاً غيرَ مألوف عن الخير والشرّ، فيقول: "إنَّني أستطيع أن أحدِّثكم عن الخير لا الشرّ الذي فيكم، لأنّه أليس الشرّ هو بعينه الخيرُ المتألِّم...؟" (5)

من الواضح أنَّ جبران يعتبر الناس جميعاً خيِّرين، وإذا كان من شرٍّ في نفوسهم، فهو خيرٌ في الأصل، ولكنّه خير متألِّم من جوعه وعطشه. وكأنّ جبران يريد أن يقول إنّ الإنسان الشرِّير أصبح شرّيراً لجوع وعطش فيه.

ويشبِّه جبرانُ الإنسانَ الذي يعتبره الناس شرِّيراً بالسفينة التي تضيع في البحار لكنّها لا تَغرق إلى قعر البحر. كما يُشبِّه الإنسانَ الذي يسعى إلى خير نفسه بجذور الشجرة التي تسعى إلى الغِذاء من الأرض، ولكنَّها من جهة أخرى، تقدِّم الغذاء للثمرة... ثمّ يُدافع عمَّن لا يستطيع عمل الخير، فيشبِّهه بالكسيح البطيء الذي يتأخَّر في الوصول إلى محجَّته.

ولا يلوم جبران السلحفاة إذا لم تكن سريعةً كالظباء، وكأنَّه يرفع اللوم عن الإنسان المتقاعسِ عن فعل الخير ويُبَرِّئه، ويرمي اللومَ كلَّه على ظروف الإنسان، وواقعِه، وطبيعةِ خَلقِه وعلاقته بالبيئة التي يعيش فيها.

ولا بدّ أنَّ جبران في رومنطيقيّته، قد تأثَّر بالديانة المسيحيّة التي تدعو إلى الغفران، وتأثَّر أيضاً بأدباء الرومنطيقيّة الذين دافعوا عن الخطأة والمجرمين والمنبوذين. فهو يسأل: "مَن هم الذين صلبوا هذا اللصّ على الشجرة؟ أملائكةٌ نزلوا من السماء؟ أم رجال يغتَصِبون ويسرِقون كلَّ ما تصل إليه أيديهم؟ ومن قطع رأس هذا القاتل؟ أأنبياءُ هبطوا من العَلاء أم جنودٌ يقتُلون ويسفِكون الدماء أينما حلّوا؟... وما هي الشريعة؟ من رآها نازلةً مع نور الشمس من أعماق السماء؟ وأيُّ بشريٍّ رأى قلبَ الله فعلِم مشيئتَه في البشر؟ وفي أيِّ جيل من الأجيال سار الملائكة بين الناس قائلين: أُحرُموا الضعفاءَ نورَ الحياة، وأفْـنـُوا الساقطين بحدّ السيف، ودوسوا الخطأة بأقدام من حديد؟"(6)

إنَّه يعتقد أنَّ معاقبة الضعفاء والساقطين والخطأة هي الجريمةُ بعينها، ويقول في "البدائع والطرائف": "إن رأينا شرطيّاً يقود رجلاً إلى السجن، علينا ألاّ نجزُمَ في أيِّهما المجرِم. وإن رأينا رجلاً مضرَّجاً بدمِه وآخر مخضوب اليدين، فمن الحصافة ألاّ نُحتِّم في أيِّهما القاتل، وأيِّهما القتيل"(7). وفي هذا الكلام انتقاد واضح لمن يضعون الشرائع والقوانين التي تفصل بين الخير والشرّ، ولا تُراعي الطبيعة الإجراميَّة للعقاب الذي يفرِضه المتحكِّمون. وفي أقصوصة بعنوان "الإله الصالح والإله الشرّير"، يؤكِّد جبران أنّ الناس يخلِطون بين الخير والشرّ، إذ يقول الإله الشرّير: "أنا مستاء جدّاً لأنّ القوم في هذه المدّة الأخيرة صاروا لا يميّزون بيني وبينَك"، ويُجيب الإله الصالح: " إنّ هذا هو ما يحدث لي أيضاً في كلّ يوم"(8)... فهل صحيح أنّنا نميّز بين الخير والشرّ؟ وهل نستطيع، بعد أن تعايشنا مع الأنظمة والقوانين الموضوعة ورضخنا لها، أن نفهم كيف أنَّ المجرم قد يكون خيِّراً، وكيف أنَّ الخيِّر قد يكون مجرِماً؟

 

ثانياً: الحلوليّة:

هي الاعتقادُ بوجودِ الله في نفس الإنسان، والتوحُّد بينهما. وما من شكّ في أنَّ جبران حاول في "السابق" و"التائه" و"المجنون" و"النبيّ" و"حديقة النبيّ" أن يتمثَّل بالسيِّد المسيح. ويُروى أنّه كان يرى أحلاماً عن المسيح، وكان شغوفاً بالصليب، فقد كانت لديه سجّادةٌ جداريّةٌ في نيويورك يتوسّطُها صليبٌ. كما أنَّه كتب "يسوع ابن الإنسان" انطلاقاً من حبِّه العميق للناصريّ.

ولعلَّ جبران أراد أن يعبِّرَ عن نفسه كنبيٍّ حقيقيٍّ يبشِّر الناس، فاسمعه يقول:

" عندما كنت معلّقاً بين الأرض والسماء، رفعوا رؤوسهم وحدّقوا إليّ وهم يتمايلون عجباً... وفيما هم مجتمعون حول الصليب رفع واحدٌ منهم صوتَه وقال لي: "عن أيّ ذنبٍ تُكفِّريا هذا؟" ثمّ قال آخر: "بربّك قل لنا ما الذي دعاك إلى التضحية بنفسِك؟"(9)

يبدو جليّاً أنّ جبران يُريد أن يتشبَّه بالمسيح في صلبه، كما تشبَّه به في تعاليمِه وأمثلتِه ورموزه، ففي كتاب النبيّ هو المصطفى الذي يعِظ الناس، وفي نصّ "المحبَّة" لا يختلف كلامُ جبران كثيراً عن كلام المسيح في إنجيل يوحنّا. ويظهر المنحى التبشيريُّ أيضاً في "حديقة النبيّ": "يا رفاقي، ويا أحبّائي، ستُلاقون في طريقِكم رجالاً ذوي أظلاف، فاعطوهم من أجنحتِكم..."(10)، فالرفاق الأحبّاء هم تلاميذ النبيّ.

ويذهب جبران إلى أبعدَ من هذا، فيجعل من الإنسان إلهاً، فاسمعه يقول:

" الإنسان إله يرتفعُ إلى ألوهيَّته في بطء شديد" (11) ولعلّه قال ذلك لإحساسه بالعظمة، ولرغبة جامحة لديه في أن يكون سامياً كالآلهة. وفي "المجنون" يقول جبران "إنّه وُلد قبل كثيرين من الآلهة"(12)، ويخاطبُ الله قائلاً: "أنا أمسُكَ وأنت غدي"

( 13) وفي "العواصف" يقول: منذ البدء والإنسانُ يعبد نفسه، ولكنّه يلقّبها بأسماء مختلفة باختلاف ميوله وأمانيه، فتارة يدعوها البعل، وطوراً المشتري، وأخرى الله"(14)، ولسنا بحاجة إلى مزيد من الشرح لنوضِح كلام جبران الذي مفادُه أنّ الإنسان يعبد اللهَ في ذاتِه.

وقد يكون جبران انطلق من المسيحيّة في نظرته إلى التوحّد، أو من فلسفة نيتشيه التي تعتقد بقوّة الإنسان، فالمسيحيّة تجعل الله يحلّ في الإنسان عن طريق المناولة، والقدّيس إيريناوس، أحد آباء الكنيسة يقول: "صار الله إنساناً، ليصير الإنسان إلهاً"، والقدِّيس بطرس في رسالته الأولى يقول: "نحن شركاء في الطبيعة الإلهيّة"، ولكنّ جبران يبالغ في اعتباره الإنسان إلهاً، ولعلّ هذه المبالغة دفعت الكثيرين إلى اتّهامه بالخروج الفاضح على أصول الديانة.

 

ثالثاً: التقمّص:

التقمص هو الاعتقاد بانتقال الروح بعد الموت من جسد إلى آخر، فإذا كان الإنسان خاطئاً تحِلُّ روحه في جسد حيوان، وإذا كان صالحاً يعود في جسد إنسان آخر عدّة مرّات، إلى أن يحين موعدُ انصهارِه بالخالق.

وقد تعرّف جبران بالتقمُّص عندما نزل في الحيّ الصيني في بوسطن، حيث اطَّلع من بعض سكّان الحيِّ على هذه الفكرة. وقد تكون لاعتقاد جبران بالتقمّص علاقةٌ بنفسيّته المتمرِّدة الرافضة لفكرة الموت، وبإيمانه بعظمة نفسه، وبحرّيته المطلَقة، وبرغبته في أن يضاهيَ الأنبياء، وأن يُحقِّق الخلود. فالتقمُّص هو "فكرةُ الإنتصار على العدميّة، ورفضُ الفناء، وبالتالي التوقُ إلى الخلود. أيقن جبران أنَّ حياة واحدة لا تكفي لتُحرِّر الإنسانَ من شوائبه الدُنيَويّة، فتجعلَه جديراً بلقاء ذاته المُثلى... وأنّ لا بدّ من حيواتٍ سبعٍ يطويه الله في نهايتها في أعماقه."(15)

وقد ذّكرتْ عدّةُ مراجع أنّ جبران أكّد لماري هاسكل أنّه بدأ كتابة الشعر في سنّ العاشرة، وأنّ قصائده الرومنطيقيّة التي كتبها في سنّ مبْكِرة كانت تُغنّى على ألسنة الناس في لبنان وسوريا، كما عرض على ماري هاسكل لوحة قال إنّه رسمها عندما كان في الخامسة من عمره. وبكلمة أخرى:  لقد زعم جبران أنَّه كتب الشعر في سنّ العاشرة بعد حيوات سابقة، ورسم في سنّ الخامسة بعد حيوات سابقة أيضاً.

وأخبر جبران ماري هاسكل أيضاً أنّه عاش مرتين في سوريا، ولكنْ لفترة قصيرة، ومرة في إيطاليا، إلى سنّ الخامسة والعشرين، ومرّة في اليونان حتى سن الثانية والعشرين، ومرّة في مصر حتّى الشيخوخة، وعدّة مرّات في العراق، ومرّة في الهند، ومرّة في بلاد فارس. وأخبرها كذلك أنّه يستطيع أن يرى بوضوح ما سيحدث بعد ألف عام(16).

وفي كتاب "المجنون" يروي جبران حكايةً غريبة، مفادُها أنّه فقَدَ أقنعتَه السبعة التي كان يرتديها في حيواتِه السبع السابقة، فخرج من بيته يصيح: اللصوصُ الملاعين سرقوا أقنعتي، إلى أن رأى الشمس لأوّل مرّة في حيواته.(17)

وفي الإشارة إلى العدد "سبعة"، يبدو أنّ جبران تأثّر بالشاعر الإنكليزيّ ويليام بلايك الذي يعتقد أنّ النفس تجاهد في حيوات سبع للخلاص. (18)

وفي أوّل أقصوصة كتبها جبران بعنوان "رماد الأجيال والنار الخالدة" تحدّث عن عاشقين عاشا في عام 116 قبل الميلاد، ثمّ التقيا عام 1890 ميلاديّة(19).

 

ويُمكن القول: إنّ المواقف الفلسفيّة المتطرّفة التي اتّخذها جبرانِ خليل جبران، في علاقته مع الحياة والموت والطبيعتين الإلهيَّة والبشريّة، جعلته يبدو في نظر العديد من الناس ثائراً على أصول الديانة، ويروي روبن واترفيلد في كتابه:

‘Prophet, the Life and Times of Khalil Gibran’,

أنّ كاتب النبيّ رفض أن يتمّمَ واجباتِه الدينيّة، وكاد يُحرَم من رتبة الدفن، غير أنّ كاهناً لبنانيّاً هو المونسنيور إسطفان الدويهي أقام له الرتبة في كنيسة الأرز في بوسطن(20). وقد رأى كاتب هذا المقال شخصيّاً في الكنيسة نفسها عامَ 1996 صورةً رسمَها جبران بقلم الرصاص للكاهِن المذكور، وقد كانا صديقين حميميْن.

وهكذا بدا لنا أنّ جبرانَ الثائر، كانت له مصادرُ وحيه الخاصَّة، ورؤيةٌ مختلِفة لحياة الإنسان وطبيعته، فارتفع بذلك من مرتبة الأديب، إلى مرتبة الأديب المتفلسف. ورغم أنَّه لم يكن "فيلسوفاً" بالمعنى المحدَّدِ للكلمة، فإنَّ رصيدَه في الفكر الفلسفيِّ يُضاف إلى رصيدِه ككاتب مثقَّفٍ، وشاعر حميميٍّ، ورسَّامٍ رمزيٍّ. لقد كان ذلك العظيم من لبنان فعلاً عدَّةَ رِجالٍ في رجلٍ واحد.

 

المصادر والمراجع:

(1)غسّان خالد: جبران الفيلسوف، مؤسّسة نوفل، بيروت، 1983، ص10

(2)جميل جبر: جبران في عصره وآثاره الأدبيّة والفنّيّة، مؤسّسة نوفل، بيروت، 1983، ص151

(3) يوحنّا قمير: جبران في الميزان، دار المشرق، بيروت، 1992، ص236

(4) يعقوب أفرام منصور: جبران بين التجنّي والإنصاف، دار عصام حدّاد، بيروت، 2006، ص 11

(5) المجموعة الكاملة المعرّبة، دار الجيل، بيروت، لا تاريخ، ص 125

(6) المجموعة الكاملة العربيّة، دار الجيل بيروت، لا تاريخ، ص151

(7) المصدر السابق، ص574.

(8) المجموعة الكاملة المعرّبة، ص29.

(9) المصدر نفسه، ص34-35

(10) المصدر السابق، ص 454

(11) المصدر نفسه، ص 375

(12) المصدر نفسه، ص11

(13)المصدر نفسه، ص 12

(14) المجموعة الكاملة العربيّة، ص432.

(15) جميل جبر: جبران في عصره وآثاره الفنّيّة والأدبيّة، مؤسّسة نوفل، بيروت، ص 164-165

(16) جهاد فاضل: الأدب الحديث في لبنان، دار رياض الريّس، لندن، ص270-272

(17) المجموعة الكاملة المعرّبة، ص 11

(18) Denis Saurat; William Blake, Ed. La Colombe, Paris, 1954, p. 124

(19) المجموعة الكاملة العربية ص97

(20) Robin Waterfield: Prophet, the Life and Times of Khalil Gibran, the Penguin Press, London, 1998, p 273

 

 جميع الحقوق محفوظة- (يسمح باستخدام 15 في المئة من المقالة لأغراض علمية مع ذكر المصدر)