قاضي القضاة

شعر الدكتور جميل الدويهي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في قوسِ مَحكمتـي وقفتُ، وفي يَدِي

 

سَيفُ العدالةِ والقــــــرارِ المُـذْهِـــلِ

 

وأمــــــــامَ عينِــي كبرياءُ حبيبتـي

 

وبـــراءةٌ في ثغرِهـــــــــا المتدلِّلِ...

 

فـرفعْتُ مِطرَقـــتـي، وقلتُ بحـِـدََّةٍ:

 

"لا تهـزَئِي بمشاعـــري، وتُـمـثِّلي!

 

قـاضـي القضاةِ أنـا، وعندي هَيبَةٌ،

 

فتهيَّبـي أمـْــــــــري، ولا تتوسَّلي!

 

أَتْـلـو عليكِ جمـيـعَ مـا اقترفت يـدا

 

كِ مــن الجـرائمِ فـــي هَوايَ الأوَّلِ:

 

عانيتُ مـنـكِ، ففي جبِينـِي طَـعْنــــةٌ

 

لم يُشفِنـي مـنهـا دواءُ الصيدلــــــي!

 

وأضَـعتُ فـيـكِ حقيقتـي، يا كِــــذْبـةً

 

مـــــا كنتُ أفهمُها بضَربِ المَنـْدَلِ...

 

قلبي الوفـيُّ على الرصيفِ تركتِهِ...

 

وحَـــرقتِ أعصابي بـغـاز الخردَلِ!

 

وهـجـرتِـنـي فـي كلِّ يــــومٍ مـرَّةً...

 

ورجَعتِ لي كالخاطــــئِ الُمتـذلِّلِ...

 

إنِّـي شربتُ الـبحرَ كـــي تتغيَّري...

 

وتعبتُ مــــــن تعَبـي، ولم تتبدَّلي...

 

يـــا مَـنْ لـهـا أعـْطيتُ كلَّ سعادةٍ،

 

فـإذا الـكآبةُ كلُّـهـا والبؤسُ لــــــي!

 

أينَ المفرُّ، وقــــد وقعتِ ضحيَّتـي؟

 

فتقبَّلي حُــــكْـــمـــي عليكِ... تقبَّلي:

 

سِجنُ النساءِ لكلِّ مَــن كذبتْ، ومَن

 

أحْببتُها، فـتـمـرَّدتْ فــــــي هيكلي...

 

خلفَ الـــحــــديـــدِ ستقبَعينَ وحيدةً،

 

وستركعينَ علــــى الترابِ المُهمَلِ...

 

وستأكلين الليلَ مــــن جـــــوعٍ، ولن

 

 أعطيكِ خبزاً يابساً كــــــــي تأكلي...

 

والمـــــاءُ ممــنـوعٌ إليكِ دخـُــــولُه...

 

وإذا شربتِ، فمِنْ عَصــــــيرِ الفًُلفُلِ."

 

فبكتْ أمامي كالحَــمـــــامِ، وثرثرتْ

 

ورنتْ إلى عـيـنـــــــيَّ، كالمتسَوِّلِ...

 

قالت: رجـوتُكَ أيُّــهــا القاضي، فهل

 

أحظى بعفو ٍ، كيْ أعـــــــودَ لمنزلي؟

 

كيفَ الجمـــــالُ تريــــــدُ أن تُلقي به

 

مــــــــــــا بين قُضبانٍ وبــابٍ مُقفَلِ؟

 

كيفَ الطَّليقـــــــانِ اللذانِ تـَوثَّـــبـــــا

 

ترْميهِما فـي ظـُلمــــــــــــةٍ لا تنجَلي؟

 

إن كـــــان عندَك رغـــبـــــةٌ في قبلةٍ،

 

لا شيءَ يـــمـــــنــــعُ أن تكونَ مُقبِّلي...

 

فضحكتُ منها، وامتثلتُ لــــرأيِــِهــــا

 

وسكرتُ مــــــــن شَفةٍ بلونِ المخمَلِ...

 

وحملتُها بـــيــــــن الـيــديــْــنِ كطفلةٍ،

 

وشممتُ تفَّاحـــاً، وعطـــــــرَ قرنفُلِ...

 

مـــــــن بعدِ مـــــــا كنتُ القويَّ أمامَها،

 

سلَّـــمــــــــتُ أمــري، واحتفلتُ بمقتَلِي.

 

جميع الحقوق محفوظة للشاعر الدكتور جميل الدويهي