لماذا نكتب؟

بقلم الدكتور جميل الدويهي

لأدب مهجريّ راقٍ

 

يطرح الأستاذ فضل عبد الحيّ سؤالاً: لماذا نكتب؟ وأجيبه: نحن نكتب للفشل والإحباط والشعور بالذنب، ونكتب للفراغ، لأن الفراغ يسمع والوجود لا يسمع.

لو كنّا نكتب لليوم لكنّا انتهينا من الكتابة، لأنّ اليوم ينتهي والغد لا ينتهي.

ندفع بكتابنا إلى مثقف، فلا يكلّف نفسه كلمة شكر، وفي فكره أنّ علينا نحن أن نشكره لأنه قبـِل أن يأخذ الكتاب، أو أنه إذا شكرنا فسننشر كتاباً آخر، وهو لا يعلم أنّنا سننشر مهما حدث من أمره.

ويسألني الناس: لماذا قصيدتك في مئوية سعيد عقل التي هي 74 بيتاً على قافية واحدة، ومطلعها:

سعيدُ مهلاً إلى أين الرحيلُ بنا               وأنت بعد فتيٌّ مثلما الزهَــــرُ

ليس عليها في مواقع الانترنت سوى تعليق واحد؟ أقول لهم: الجواب عند أرسطو، فهو أعلم منّي بالمنطق.

ويسألني آخرون:  كتاب مثل "في معبد الروح" لا يُكتب عنه سوى بضع كلمات هنا وهناك، بينما نصوص عاديّة تحوز على مدائح لا تُعدّ ولا تُحصى. كيف هذا؟  فأضحك وأقول: هذا دليل على فشلي وانزوائي كما طائر جريح في غابة. ألا ترون كم نحن نعيش في معابد الروح؟ الحقّ أقول لكم: المشكلة ليست في معبد الروح بل في أماكن أخرى. ومعبد الروح "تقليد"، فلماذا لا نقيس على "وقلت أحبّكِ؟" أو على "طائر الهامة"؟

ويقول أحدهم: أنت تعترض على جبران، والريحاني، وغوته ونيتشه... فمَن أنت منهم؟ أجيب: أنا حيّ مثلما هم أحياء. ويقول آخر: لو استطعنا أن نمحو كتاب "النبيّ" من الوجود، كنّا أصبحنا جميعاً مبدعين، فأجيبه: أنت لا تستطيع أن تمحو الموجود، كما لا تستطيع أن تمحو اللاموجود.

ويقول لي أحد المصوّرين: إجلس هناك لتمدحني، فأجيب: إذا امتدحتُك أحتقر نفسي.

ويقول لي أحدهم: سمعنا وشاهدنا مقابلة لفلان وعلتان ولم نسمعكَ إلا قليلاً تتحدّث في الأدب والفكر، وإصدارك للكتب مناسبات جيّدة للكلام. فأقول: مَن قال هذا؟ أقابل نفسي كلّ يوم على المرآة، وأتحدث مع رجل آخر يسير إلى جانبي لا يراه الناس. الحقّ أقول لكم إنّ ظهوره يثير الذعر.

وأقول لأحدهم: لست شاعراً، الله هو الشاعر، فيقول: إذا كان الله شاعراً، فلماذا تكتب أنت؟

ويقول أحدهم: "في معبد الروح" أقصى ما تستطيع أن تفعله، فأقول: كلّ شيء بداية، ولا خفيّ إلاّ سيُعلم.

على الشاعر أن يعيش وحيداً، مهملاً، وليس عنده جوقة تطبّل له. الشاعر يكتب ولا يلتفت إلى الوراء. يتخبّط في أمواج الزمن والموت يحيط به، ولا يُبالي بشيء، لأنّ الكلمة جبل، والجبل لا ينحني.

نحن نشعر بالخجل عندما يقدّم لنا أحدهم فنجان قهوة، ونكون جائعين فنمرّ بجماعة يأكلون، فنُدْعَى إلى الغداء ونقول: أكلنا للتوّ. ونحن في الحقيقة نشتهي أن نأكل التراب، لكنّنا لا نحبّ ن نأكل من زاد غيرنا. ولذلك يقول لنا كثيرون: سنكتب عمّا كتبتُم، انتظروا حتّى مجيء غودو، فنقول لهم: كتبْنا ولسنا جائعين. كبرياؤنا يمنعنا أن تكتبوا.

ونرى أناساً لا يكتبون إلاّ الفراغ، والفراغ مادّة أيضاً، فتنهمر عليهم النعَم، فلا نتألّم ولا ننزعج، ولكننا نبحث وراء الستائر عن المعلّم أرسطو، ونخاف أن يضيع.

أليست لطخة عار في تاريخنا أن نغضّ النظر عن الجمال ونمتدح البشاعة؟

مدحني أحدهم ذات يوم، فخجلت، وبعد ساعة من الصمت: سألته: هل لديك محام قدير؟ ظنّ أنّني خرجت عن الموضوع، فقال: كيف هذا؟

وأُخبر فضل عبد الحي بأنني منذ جئت إلى أسترالي في الرحلة الأخيرة أكتب مرّتين في كلّ عدد من جريدة "المستقبل"، وأنشر عشرات المقالات والقصائد والأعمال النثريّة في المواقع الإلكترونية، وأطبع 4 كتب في أقل من أربعة أشهر، و6 كتب في 6 أشهر، أنّما التعليقات على أعمالي جميعها فلا تتجاوز أصابع اليد. وقبل أن يفتح فضل عبد الحي فمه ليتكلم أسأله: كيف هذا؟!

الناس الذين من أمثالنا يُكتب عنهم إذا أخطأوا فقط. كلما تفوَّهوا بخطيئة نزلتْ عليهم أجنحة الوطاويط.

وأخبرُ فضل أيضاً أنّ هناك من يتمنّى عودة التاريخ إلى الوراء، لكي لا يرى معبد الروح. وأخبره أيضاً أنّ كتابي أصلاً لا يليق، وقد جاء "في معبد الروح" عن طريق الحظّ، أو ترجمتُه عن الأسبانيّة لكاتب من تشيلي غير معروف، أو... أو هو مخطوطة كانت لكاهن وخبّأها في جدار كوخه، ومات قبل أن يطبعها، فاستوليت عليها بعد وفاته، وجعلتُها كتاباً وضعتُ عليه اسمي. وقبل أن يجيب فضل: أسأله بتعجّب تامّ: كيف هذا؟

وقد يقول فضل: بعض الكتب فيها خطر. فلماذا لا نبلغ الشرطة؟ وقد يقول: لست أدري لماذا هذا الشتاء فيه كثير من الضيق والاضطراب والقلق.

كتبتُ ذات مرّة عن معاناتي، فهاجمني قوم غاضبون. قلت لهم: لماذا تهاجمونني؟ أليس لأنّني تحدّثت عن المعاناة التي سبّبتموها لي؟ وكيف عرفتم أنّني أقصدكم لو لم تكونوا مذنبين؟ وكيف عرفتم أنّني على باطل ولست على حقّ؟ فانسحَبوا وعادوا على أعقابهم صاغرين.

وأراد أحدهم أن يقول: مَن يكتب في معبد الروح لا يكتب غير ذلك. قلت له: ألستَ أنت مفكّراً كبيراً، وقد بلغتْ شهرتك الآفاق؟ فلماذا تكتب "غير ذلك"؟

وقال لي أناس آخرون: أنت كتبت "في معبد الروح"، فكيف تكتب شيئاً أقلّ منه مستوى؟ قلت لهم: لماذا لم تقولوا عن معبد الروح كلمة جيّدة قبل أن تقولوا ما يسيء؟

وحاول أناس آخرون أن يجعلوا من شجاري مع سائق سيّارة الأجرة عذراً لكي يتحدّثوا عنّي بسوء، فقال لهم سائق السيارة: تمهّلوا أيّها الناس، فهذا الرجل هو مَن اشترى لي السيارة وزوّجني ابنته، وأنقذني من الغرق عندما سقطتُ عن ظهر باخرة في وسط المحيط، وكتبَ لي جميع أمواله وثروته، فاشْكروه قبل أن تقتلوه.

لماذا نكتب؟ يطرح فضل عبد الحي سؤالاً، فأقول له: لكي أرى فواهاً فاغرة، وعيوناً قلقة لا ترى النوم، فمن صغَري أحبّ أن أشاغب، ويسعدني الإصرار على الإصرار، وأن أخيّب ظنّ الآخرين، فهكذا ولدتُ من شجرة سنديان، من خشب لا يتنجّر.