"تعلّق قلبي طفلة عربيّة" لامرئ القيس

قمّة التجديد في شعر عربيّ قديم

الدكتور جميل ميلاد الدويهي

 

 

 

 

 

 

 

 

نقف في مطالعتنا هذه عند واحدة من أشهر قصائد امرئ القيس الكنْدي: "تعلّق قلبي طفلة عربيّة"، لكي نتحدّث عن الشعر الشعر والإعجاز الإعجاز.

وفي رأينا المتواضع أنّ امرأ القيس قمّة لا يطالها شاعر آخر عاش قبل الإسلام إلاّ بشقّ النفس. وقد حذا حذوه شعراء كثيرون، وتلمّسوا طريقته في عصور لاحقة، فتجديده بحر من أيّ الجهات أتيته، وكان العصر محدود الوسائل والأشكال، والشاعر يأخذ أوصافه من البيئة التي عاش فيه. فإلى أيّ مدى جدّد امرؤ القيس في قصيدته؟ وما هي نواحي تجديده؟

من العدل أن نقول إنّ المطالع في عصر امرئ القيس لم تحد عن الوقوف عن الأطلال، وتلك طريقة شائعة، لا نلوم الشعراء عليها، ولكنّ امرأ القيس أراد أن يجدّد وأن يعطي شيئاً مختلفاً عن معاصريه، فحشد في المطلع مجموعة من النباتات والحيوانات التي تعيش في بيئته الصحراويه، في نظم إعجازيّ قلّ نظيره، بل لا نقع على مثله في الشعر العربيّ. وقد يقول قائل: لماذا يذهب امرؤ القيس في اتجاه الحشد اللفظي والتسميات، وكان يمكن أن يختصر؟ ونحن نجيب: إنّ الموسيقيين الكبار لم يختصروا في الموسيقى بل أفاضوا وانتقلوا من لحن إلى لحن غير عابئين بالوقت الذي تستغرقه السيمفونية. هكذا أراد امرؤ القيس من الحشد كأنّه يقول: "إفعلوا مثلي إذا كان في إمكانكم أيّها الشعراء":

"فانبتَ فيه من غشَنْض وغَشْنَضٍ ورونقِ رندٍ والصلنْددِ والأسلْ

وفيه القطا والبومُ وابنُ حبوْكَلٍ وطير القطاط والبلنْدد والحجل

وعنثلةٌ والخيْثوانُ وبرْسلٌ وفرخُ فريقٍ والرفلَّةُ والرفل

وفيلٌ وأذيابٌ وابن خويْدرٍ وغنسلةٌ فيها الخفيْعانُ قد نزل

وهامٌ وهمهامٌ وطالعُ أنجدٍ ومنحبكُ الروقَينِ في سَيرِه مَيَل."

إذن مجموعة طويلة وعريضة من الأسماء حشدها في تحّد للمقتدرين، وفي تقديرنا أنّ لا أحد سبقه ولا أحد لحقه في هذا الحشد الإعجازي. فالغشنض تبدو كلمة مستعربة وهي نبات صحراوي، والغشنض مثله، ورونق الرند نبات عطري الرائحة، والصلندد نبات أيضاً، والأسل شجر طويل له أشواك تصنع منه الرماح. والقطا ضرب من طير الحمام، والبوم طائر معروف، وابن حبوكَل (قد يكون ابن حبوكر) الذئب أو الثعلب، طير القطاط نوع من الطيور يشبه الحمام، والبلندد هو شجر ولكننا نعتقد أنّه من أسماء الحيوانات التي كانت معروفة في عصره وماتت التسمية. الحجل طائر معروف. عنثلة أنثى الضبع، والخيثوان ذكر الضبع، وبرسل من الحيوانات البرية (الضبع أيضاً)، وفرخ فريق ضبع صغير، والرفلّة أنثى ضبع طويلة الشعر والرفل ضبع طويل الشعر. والفيل معروف، والأذياب ذئاب، وابن خويدر ابن الحمار الوحشي، الخفيعان: الجراد، والهام طائر صغير، وهمهام: الأسد الشجاع، وطالع أنجد: الحمار الوحشي، ومنحبك الروقين: الثور ذو القرنين...

إنّ هذا التعداد يعتبره البعض ضرباً من ضروب الانحطاط في الشعر، لكنّه في جانب آخر إثبات لا ريب فيه على قدرة الشاعر التي لا تضاهى والتي لم يُسبق إليها في عصره من جهة وضع الألفاظ في إطار شعريّ وقالب مختصر.

وكأن الشاعر لم يكتف بهذه العراضة اللفظية، فذهب في بعض مفاصل القصيدة، وهو يتغزل بالطفلة العربية سلمى، ليكرّر تكراراً عجيباً لم نألفه في القصيدة الجاهلية:
"فهِيْ هيَ وهْيَ هِيْ وهِيْ هيَ وهْيَ هِيْ مُنى لي من الدنيا من الناس بالجمل

ألا لألا إلا لآليء لابث ولا لألا إلا لآليء من رحل

فكم كم وكم وكم؟ وكم كم وكم وكم؟ قطعت الفيافي والمهامة لم أمل

وكاف وكفكاف وكفّي بكفها وكاف كفوف الودق من كفّها انهمل

فلو لو ولو ولو، ولو لو ولو ولو دنا دار سلمى كنت اول من وصل

وعن عن وعن وعن، وعن عن وعن وعن أسائل عنها كل من سار وارتحل

وفي في وفي وفي، وفي في وفي وفي وفي وجنتي سلمى أقبل لم أمل

وسلْ سل وسل وسل، وسل سل وسل وسل وسل دار سلمى والربوع فكم أسل".

وإذا نظرنا إلى البيت الأوّل من هذه الأبيات نجد أنّ الشاعر يعطي أهمّيّة قصوى للصوت على حساب المعنى. فلفظة "هي" جاءت بثلاثة أشكال مختلفة "هِيَ" و "هْيَ" و"هِي"، لكي يستقيم الوزن. ولسنا ندري كيف استطاع الشاعر أن يحفظ هذا الشعر في زمن لم يكن فيه الشعر يكتب بل يحفظ. وقد يكون الغناء ساعده على هذا الحفظ، فهو شاعر غنّاء، كان يعاقر الخمرة بكثرة وينشد قصائده إنشاداً. والسؤال الذي يطرحه قارئ هذه الأبيات الغريبة في تركيبها اللفظيّ: هل كان امرؤ القيس يكرّر لمجرّد التكرار القبيح؟ أم كان يكرّر لغرض فنّيّ في استعراض لمهارة قلّ نظيرها؟

قد ينقسم الناس حول هذا الموضوع كما ينقسمون بين من يعتقد أنّ القصيدة تكون في معناها، وبين من يرى أنّ الشعر في مبناه وشكله وألفاظه. وبين هذا وذاك يتركنا امرؤ القيس في حيرة من أمرنا، لكنّنا لا نناقش في أنّه رائد التشكيل اللفظيّ الغريب الذي لا نرى مثيلاً له في عصر ما قبل الإسلام (الجاهليّ اصلاحاً).

وبعيداً عن الإطار اللفظي نتوجّه إلى معاني القصيدة لنكشف عما فيها من تجديد سبق عصره، فالتجديد الأبرز هو النرجسيّة غير المألوفة في عصر الشاعر الكنْديّ، فامرؤ القيس هو أوّل مصاب بداء النرجسيّة في الشعر العربي قاطبة، بل في التاريخ العربي كلّه:

"وقد كنت أسبي الغيد أمرد ناشئًا ويسبينني منهنّ بالدلّ والنقل..."

ويروي الشاعر لقاءه مع سلمى وأتراب لهافي حوار قصصي لم يسبقه أحد إليه:

"فقالت لأتراب لها: قد رميته فكيف به إن مات أو كيف يحتبل؟

أيخفى لنا إن كان في الليل دفنه؟ فقلنَ: وهل يخفى الهلال إذا أفل؟"

وبعد عشرات من السنين سيأتي شاعر أمويّ اسمه عمر بن أبي ربية، فيتأثر بامرئ القيس ويأخذ من حصاده، ففي قصيدته الشهيرة: "هل يخفى القمر؟" يسطو عمر على فكرة "هل يخفى الهلال إذا أفل؟"لامرئ القيس، كما ينشئ حواراً بين المرأة وأتراب لها، مستخدماً "قالت لأتراب لها" بعينها من غير خوف أو وجل، فاسمع عمراً بن أبي ربيعة وهو يقول:

"للتي قالت لأتراب لها قطف فيهن أنس وخفر
إذ تمشين بجو مؤنق نير النبت تغشاه الزهر... إلخ."

لقد ظُلم امرؤ القيس عندما أصبحت جملة "هل يخفى القمر؟" كلاماً شائعاًعند العرب، ولم تشع جملة: "هل يخفى الهلال إذا أفل؟"، فذاع البديل وأهمل الأصيل.

ولكي لا ينتقدنا أحد في ما نسوقه من تشابه بين امرئ القيس السابق وعمر بن أبي ربيعة اللاحق، نحيل أيضاً إلى معلقة امرئ القيس وفيها:

"فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها لما نسجتها من جنوب وشمألِ"...
وإلى مطلع لعمر بن أبي ربيعة:

"هيّج القلب مغان وصير دارسات، قد علاهنّ الشجر
ورياح الصيف قد أزرت بها تنسج الترب فنونا ، والمطر..."

فـ"النسيج" من عمل الرياح، وهو واحد عند امرئ القيس وعمر بن أبي ربيعة الذي يسرق الكحل من العين كما تقول العرب.

ولا شكّ في أنّ امرأ القيس هو أبو القصّة الشعرية، وكثير من أشعاره قصصية:

"سموت إليها بعدما نام أهلها سمو حباب الماء حالاً على حال

فقالت: سباك الله إنك فاضحي ألست ترى السمار والناس أحوالي؟"...إلخ

"ولما دخلت الخدر خدر عنيزة فقالت: لك الويلات إنّك مرجلي

تقول وقد مال الغبيط بنا معاً عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزلِ"... إلخ

وفي القصيدة التي نناقشها يقول امرؤ القيس:

"وقلتُ لها: أي القبائل تنسبي لعلي بين الناس في الشعر كي أسل

فقالت: أنا كنديّة عربيّة فقلت: لها حاشا وكلا وهل وبل

فلمّا تلاقينا وجدت بنانها مخضّبة تحكي الشواعلَ بالشعل

ولا عبتُها الشطرنج خيلي ترادفت ورخّي عليها دار بالشاه بالعجل

فقالت: وما هذا شطارة لاعب ولكنّ قتل الشاه بالفيل هو الأجل"...

لقد كان امرؤ القيس مولعاً بالقصّة الشعريّة ورائدها الحقيقيّ، ويبدو أنّ عمراً بن أبي ربيعة أعجب بهذ الطريقة بعد كم من السنين فجعلها خطّاً له أيضاً.

وماذا عن شعراء آخرين أخذوا من امرئ القيس أيضاً؟

هذا هو الدارمي يعجب بامرئ القيس في قوله:

"لها مقلة لو انها نظرت بها إلى راهب قد صام لله وابتهلْ

لأصبح مفتونا معنّى بحبها كأن لم يصم لله يوماً ولم يُصلْ"

والدارمي هو ربيعة بن عامر، شاعر عباسي كفيف جاء بعد امرئ القيس بمئتي سنة تقريباً، ويقال إنّ بائع خمُر سوداء(أغطية رأس للنساء) كسدتْ بضاعته، فطلب من الدارمي أن يؤلف له شيئاً عن الخمارالأسود فيغنيه ويستطيع أن يبيع ما كسد، فقال له الدارمي غَنِّ هذا:

"قل للمليحة في الخمار الأسودِ ماذا فعلتِ بزاهدٍ متعبِِّدِ؟

قد كان شمّر للصلاة ثيابه لما وقفتِ له بباب المسجد

ردّي عليه صلاته وصيامه لا تقتليه بحقّ دين محمّدِ.

فذهب البائع وغنّى ما علّمه الدارمي فباع للنساء جميع ما معه من خمُر سوداء.

ونحن لا نرى في شعر الدارمي ما يختلف عما قاله امرؤ القيس، فامرؤ القيس يستخدم المقلة أي العين كأداة لإغراء الكاهن، والدارمي يستعمل الخمار الأسود وسيلة لإغراء رجل الدين المسلم (لم يكن الإسلام معروفاً في عصر امرئ القيس).

ونشير هنا أيضاً إلى تشابه لفظي ومعنويّ بين عنترة وامرئ القيس، وقد عاشا في زمن واحد تقريباً، فعنترة يقول في مطلع معلّقته:

"هل غادر الشعراء من متردّمِ؟ أم هل عرفت الدار بعد توهم؟"

وامرؤ القيس يقول:

"فلمّا عرفتُ الدار بعد توهمي تكفكف دمعي فوق خدي وانهمل"...

فهل أخذ عنترة عن امرئ القيس أيضاً؟ أم كان التعبير: "عرفت الدار بعد توهم" شائعاً في الجاهليّة بين العامة؟

وفي العصر الأموي يأخذ شاعر آخر هو يزيد بن معاوية من امرئ القيس بطريقة فاضحة، فيقول:

ولما تلاقينا وجدت بنانها مخضبه تحكي عصـاره عـــــندمِ 

وما هذا البيت سوى تكرار شبه كامل لبيت امرئ القيس:

ولمّا تلاقينا وجدت بنانها مخضّبة تحكي الشواعلَ بالشعل...

أمّا وصف امرئ القيس للمرأة فلا يضاهيه أحد:

"تعلق قلبي طفلة عربية تنعّم في الديباج والحلي والحلل...

فتلك التي هام الفؤاد بحبها مهفهفة بيضاء درية القبل

كأنّ على أسنانها بعد هجعة سفرجلَ أو تفاحَ في القند والعسل

رداح صموت الحجْل تمشي تبخترا وصرّاخة الحجْلين يصرخنَ في زجل

غموض عضوض الحجْل لو أنها مشت به عند باب السبسبيّين لانفصل"...

إنها فتاة عربية غنية تتنعم بالديباج والجواهر الثمينة، بيضاء، مهفهفة، على أسنانها سفرجل أو تفاح ممزوج بالعسل وعصير القصب. تمشي تبخترا... ولعل أجمل بيت في هذا الوصف المجيد هو البيت الثالث الذي يصف الأسنان، وهو وصف ممتنع على أعظم الشعراء ولا يخطر في بال على الرغم من أنّ عناصره ماديّة وسهلة المنال.

ويساوي هذا البيت في جماله وانسيابه بيت آخر يصف فيه كيف عانق الفتاة حتّى تقطع عقدها:

"وعانقتها حتى تقطّع عقدها وحتى فصوص الطوق من جيدها انفصل

كأن فصوص الطوق لما تناثرت ضياء مصابيح تطايرنَ عن شُعل."

لله درّك يا امرأ القيس كيف تصف أحجار الطوق اللامعة وهي تتطاير كأنّها أضواء مصابيح تطايرت في ليل. عناصر مادّيّة رفعتَها إلى مستوى الروح وسحرت وأسكرت.

وتمضي أيّها الملك الضليل في قصّتك الشعريّة إلى النهاية لتروي لنا كيف لعبت الشطرنج مع الفتاة، وكنت تقبّلها في كلّ "دست"واحدة من القبل، فقبلتَها تسعاً وتسعين قبلة وواحدة أيضاً وكنت على عجل، كأنّك راكض إلى النار التي أعدّت للشعراء وأنت قائدهم إليها:

"فقبّلتها تسعاً وتسعين قبلةً وواحدة أيضاً وكنتُ على عجل"...

وعندما تغادر في عجلة من أمرك تتركنا مبهورين ومندهشين من قصيدة هي من أبدع ما قيل في الشعر العربي، وفيها من التجديد ما يسبق عصره، ويجعلك في طليعة الشعراء العباقرة والمتمرّدين على القوالب في تلك الحقبة من الزمن.

 

(جميع الحقوق محفوظة - يسمح بأخذ 15 في الئة من المقالة لأغراض علمية مع ذكر المصدر)

 

 

 

 

 

 

 



 

to the Wix Blog!