هل كلمة "الله" ملك لأحد؟ المنشأ والأصول في عصور قبل الاسلام

 

د. جميل الدويهي

لأدب مهجريّ راقٍ

 

وصل الجدال حول ملكيَّة كلمة الله (عزّ وجلّ) إلى حدود لا تُصدِّق، بل هي أقرب إلى الخيال والكوميديا، حيث دخلت الكلمة إلى قوس المحاكم، وتبارى في الدفاع عنها المحامون وجهابذة القانون، بل سقط قتلى وجرحى، ودُمِّرت ممتلكات بسببها، فهل كلمة الله موضوع قانونيّ؟ وهل يمكن لفئة من الناس أن تدَّعي أنَّ استخدام  لفظ الجلالة منوط بها دون سواها؟

إنَّ مصادرة كلمة الله ولو بالطرق القانونيَّة، إنَّما تخالف أبسط قواعد المنطق والتاريخ، أمَّا الأحكام الصادرة بخصوصها فمن شأنها أن تعرِّض الحقيقة للخطر، وتعيدنا إلى عصور الظلام والاستبداد وحصريّة الحقوق العامّة، كأن يقال مثلاً إنّ اسم العلم "موسى" ملك لطائفة معينة، فليس للطوائف الأخرى الحقّ في استخدامه، أو يقال إنَّ الإنجيل المقدّس ملك حصريّ للطوائف المسيحيّة، ولا يحقّ لغيرهم اقتناؤه أو قراءته، أو أن يقال إنَّ الوصايا العشر إنَّما هي فقط من مقتنيات إسرائيل ولا يمكن لغير الإسرائيليِّين التقيّد بها. 

لقد كانت كلمة الله معروفة في الديانات القديمة، ولكنَّها كانت تُلفظ بشكل آخر، تبعاً للغة المتداولة في العصور الغابرة، فكلمة "إيل" عند الفينيقيِّين كانت تعني الإله الأكبر، وكذلك عند جيرانهم العبرانيّين. وكانت لفظة "إيل" في المدن الفينيقيّة كصور وصيدا وأوغاريت تشير إلى عظيم الآلهة في مجتمع متعدّد الآلهة، فالفرق بيننا وبين الفينيقيّين أنّ إيل هو إله متسلّط وقادر بين مجموعة من الآلهة، بينما الله عندنا فواحد أحد لا شريك له في الألوهة.

المعنى إذن تغيَّر لكنّ اللفظة لم تتغيّر، وقد جاء في قاموس "لسان العرب" أنّ إيل اسم الله تعالى بالعبرانيّة أو السريانيّة، كما جاء في "القاموس المحيط" أنّ إيل بالكسر اسم الله تعالى.

 ومن الأسماء المرتبطة بكلمة "إيل" جبرائيل (في القرآن الكريم جبريل)، ومعناها رجل الله أو قوَّة الله وجبروته، وميخائيل (في القرآن الكريم ميكائيل) ومعناها من مثل الله؟ وإسرائيل ومعناها عبد الله، ويُقصد بها يعقوب بن اسحق بن ابراهيم عليهم السلام، وإيلات، واللات (صنم عند عرب الجاهليّة). وكانت المعابد في فينيقيا تُدعى "بيت إيل" أي منزل الإله. وجاء في قصيدة فينيقيّة عُثر عليها في أوغاريت: 

إذّاك نزل الإله اللطيف الرحيم إيل/ عن سدّة عرشه/  وجلس على الأرض... 

فكما يبدو من النصّ المقتضب أنّ الإله إيل كان إلهاً لطيفاً، ورحيماً، وله عرش. وهذه الصفات الثلاث (اللطف، والرحمة، والجلوس على العرش) هي من الصفات التي ما نزال نعرفها إلى يومنا هذا.

ومن الصفات الأخرى التي كان الفينيقيّون يؤمنون بأنّ الإله إيل يتميّز بها: أبو البشر، إله الدهر، ربّ الزمن، إله الآلهة أو كبير الآلهة أو خالق الآلهة، خالق الأرض، الحكيم، العاقل، المحبّ... إلخ.  

ولا ريب في أنّ لفظة "إيل" هي ذاتها لفظة "إنليل" في الديانة السومريّة القديمة، ومعنى "إنليل" السماوي الذي يسكن في أعالي الكون. وكان الفينيقيّون والسومريّون يتشاركون في العديد من السمات التي يختصّ بها كبير الآلهة سواء أكان إيل أو إنليل.

ولكي لا يُقال إنَّنا نعتمد فقط على اثنتين من أقدم الديانات المعروفة لكي نبرهن أنَّ أصل كلمة الله هو "إيل"، لا بدّ لنا من أن نعتمد على الديانة اليهوديَّة التي وردت فيها ألفاظ كثيرة تشير إلى إيل تحديداً ومن غير تردّد، فـ"إيل إيلواه" في اللغة العبريّة تُرجمت إلى العربيّة: الله القدير والقويّ، و"إيلوهيم" تُرجمت: الله الخالق القدير، و"إيل شدّاي" تُرجمت الله القدير، و"يهوه إيلوهيم" تُرجمت: الربّ الإله، و"إيل إيليون" تُرجمت: الله العالي، و"إيل روي" تُرجمت: إله الرؤية،  و"إيل عولام" تُرجمت: الله الأزليّ، و"إيل جبهور" تُرجمت: الله القدير.

وإذا ذهبنا إلى الجزيرة العربيّة وعصر ما قبل الإسلام (يُسمّى اصطلاحاً بالعصر الجاهليّ)، نجد أنَّ لفظة "الله" كانت منتشرة بكثرة في أسماء الأعلام، وفي الشعر، وفي أحاديث العامّة بطبيعة الحال. وليس جديداً أن يُقال إنّ اللفظة ذاتها المحرّفة من "إيل" كانت معروفة في أوساط المسيحيِّين، واليهود، والصابئة والحنفيّة والوثنيّين على حدّ سواء. ولم يكن الإسلام معروفاً في تلك المرحلة. وقد عثرنا في أسماء الشعراء الذين عاشوا قبل الإسلام على نِسب وردت فيها كلمة "الله"، فأميّة بن أبي الصلت، وهو شاعر معروف ينتسب إلى جدّه عبد الله بن أبي ربيعة، والنابغة الجعدي هو قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة، وأعشى باهلة هو عامر بن الحارث بن رياح بن عبد الله بن زيد بن عمرو بن سلامة...  ومن الشعراء الآخرين الذين وردت كلمة الله في أسمائهم: الأصمّ الكلبي، جذيمة الأبرش، ذو الكفّ الأشلّ، زهير بن جناب بن عبدالله بن كنانة، ويزيد بن عبد الله بن سفيان، وحاتم الطائيّ المشهور بكرمه وشعره هو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج، وأخو حاتم الطائيّ من الرضاعة هو عبد الله الثقفي، وزوجة حاتم هي ماوية بنت عبد الله. 

جميع الأسماء التي ذكرنا تدلّ على أنّ لفظة "الله" كانت معروفة بل شائعة في عصر ما قبل الإسلام. وليس غريباً أن يكون اسم والد النبي محمد (صلعم) عبد الله بن عبد المطلب.

كما وردت لفظة الله في كثير من الشعر الذي قيل قبل الإسلام، فها هو زهير بن أبي سلمى يقول في معلّقته الشهيرة:

ولا تكتمنّ الله ما في نفوسكم            ليخفى، ومهما يكتم الله يعلمِ

يؤخَّر فيوضَع في كتاب، فيّدّخر        ليوم الحساب، أو يعجّل فينقمِ...

ويصف زهير رجلاً كريماً يُدعى هرم بن سنان فيقول:

فلو لم يكن في كفِّه غير نفسه         لجادَ بها، فليتّقِ الله سائله...

إنَّ شاعر الحوليّات يستخدم كلمة "الله" بدلالتها المعروفة في عصره، كما يشير إلى حقائق دينيّة مفادها أنّ الإنسان لا يستطيع أن يخفي شيئاً عن الله، لأنّ الله يعلم الخفايا، والله يسجِّل في كتاب ما يفعله الإنسان، فيحاسبه في يوم الحساب، أو ينتقم منه في الحال. وهذه المفاهيم الدينيّة التي يذكرها زهير ما زالت معرفة لدى الناس إلى يومنا هذا.

والملك الضلّيل امرؤ القيس يذكر كلمة الله في شعره فيقول:

أرى إبَلي والحمد لله أصبحت            ثقالاً إذا ما استقبلتْها صعودُها

ويقول النابغة الذبياني:

حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبة             وليس وراء الله للمرء مذهب

ويقول حاتم الطائيّ:

لحى الله صعلوكاً مُناه وهمُّه            من العيش أن يلقى لبوساً ومَطعما

ويقول أيضاً:

أأفضح جارتي وأخون جاري؟        معاذ الله أفعل ما حييتُ.

من الواضح إذن أنّ كلمة الله كانت كثيرة التداول في أزمنة سبقت الإسلام، وقد تكون تسرّبت إلى المجتمع آنذاك من الديانتين اليهوديّة والمسيحيّة، أو أنَّها كانت متوارَثة من عصور سبقت الديانتين، وبقي الناس يستخدمونها  إلى جانب عبادتهم للأصنام. ونحن نعرف أنَّ الشاعر زهير بن أبي سلمى كان وثنيّاً (البعض يعتقد أنَّه حنفيّ من أتباع ابراهيم عليه السلام)*، وقصّة إسلام ابنه كعب مشهورة في التاريخ، فقد فضَّل كعب أن يظلّ طويلاً على دين أبيه (الوثنيّة)، قبل أن يعلن إسلامه. فكيف يكون زهير قد جمع إلى جانب وثنيّته اعتقاده بأنَّ الله يعلم كلّ شيء وأنّ لديه كتاباً يسجّل فيه ما يفعله الناس لكي يحاسبهم آجلاً أم عاجلاً؟ 

بعد هذا العرض التاريخيّ لاستخدام كلمة الله، بدءاً بالديانات القديمة، وانتهاء بعصر ما قبل الإسلام، يبدو لنا أنَّ لفظة "الله" هي لفظة عالميَّة Universal، غير محدّدة في إطار تاريخيّ أو جغرافيّ، وليست مسجّلة حصريّاً كمُلك لأيّ طائفة أو اتّجاه. وقد تتغيّر اللفظة: God أو Dieu، لكنّ الأساس هو أن يظلّ استخدامها حقّاً مشروعاً لجميع الناس، وإلاّ فنحن على حافّة عصر استبداديّ قد تُصادَر فيه الشمس أو يُحجَب الهواء.

______________________

*نرى أنّ زهيراً بن أبي سلمى لم يكن حنفيّاً، بل كان وثنيّاً، اعتماداً على أبيات بعث بها ابنه بجير (وكان قد أسلم) إلى ابنه الآخر كعب الذي رفض أن يُسلم، فقال:

من مُبْلغٌ كعباً فهل لك في التي               تلوم عليها باطلاً وهي أحزمُ

إلى الله لا العزى ولا اللات وحده            فتنجو إذا كان النجاء وتسلم

لدى يومِ لا ينجو وليس بمُفلتٍ               من الناس إلاَّ طاهرُ القلب مُسلم

فدين زهيرٍ وهو لا شيء دينُه               ودينُ أبي سلمى عليَّ محرَّم.

 

يتّضح من الأبيات أنّ دين زهير بن أبي سلمى كان لا شيء في نظر ابنه المسلم، ويَذكر اللات والعزّى وهما صنمان معروفان قبل الإسلام، وذكرهما في المناسبة يتناقض مع إحتمال أن يكون زهير حنفيّاً. لكنَّنا لا ننكر إطلاقاً أن يكون زهير قد عرف الحنفيّة في حياته الطويلة.

 

تعليقان على المقالة:

 

محمد اسماعيل ـ صنعاء اليمن يقول...

يسلم قلمك.. مقال رائع جداً، واكاديمي جداً، ومقنع جداً، ويجب ترجمته الى الماليزية بغية استخدامه كحجة دامغة في محكمة الاستئناف التي ستنظر بالدعوى المقامة من أقليات مسيحية ضد الأغلبية المسلمة التي لا أتمنى، لا أنا ولا غيري من المسلمين الشرفاء، أن ننتمي اليها. هي ضالة وتقود الكون الى ضلال.
د. جميل الدويهي. أكرر يسلم قلمك.
محمد اسماعيل ـ صنعاء اليمن

16 أكتوبر، 2013 7:16 ص

____

سهيلة المصطفى ـ الاسكندرية ـ مصر يقول...

مقال رصين ومقنع، نقلته الى صفحتي على الفايس بوك لتعم المعرفة بين الوجوه الكالحة من ماليزيين وغيرهم.
د. جميل الدويهي عرف كيف يكون محامي دفاع ناجح ليس عن الأقليات المسيحية، بل عن الله نفسه، جل جلاله، وعمّت محبته. له مني التحية.

16 أكتوبر، 2013 9:41 م

____

د. جميل الدويهي يقول...

الأخ العزيز محمّد اسماعيل،
شكراً لك على رسالتك الطيّبة، وليس غريباً عنك هذا الانفتاح الفكريّ، وأنت ابن اليمن السعيد، المجيد في التاريخ، ومنبع الفروسيّة والشعر. أمّا الدين يا أخي، فهو ديننا جميعاً، ونحن لا نفرّق، فالله خلقنا من شعوب وقبائل، ولو شاء لجعلنا أمّة واحدة. نحن ندافع عن الحقيقة والحقّ، ونرفض التعصّب من أيّ جهة أتى.
لك منِّي أجمل تحيّة. وإلى أصدقائنا في اليمن: حيّاكم الله.
جميل

16 أكتوبر، 2013 10:59 م

____

د. جميل الدويهي يقول...

الأخت العزيزة سهيلة المصطفى،
شكراً لكِ على رسالتك اللطيفة، وكم أنا سعيد لأنَّكِ شاركتني في نظرتي العادلة إلى القضيّة، فنحن جميعاً أبناء الله، وهناك مَن يسعون للتفريق بيننا من أجل خراب العالم، وهم من جميع الطوائف. وإنَّني في مقالتي أدافع عن الحقّ والحقيقة، وأرجو من الله عزّ وجلّ أن يحفظك، ويحفظ مصر الغالية علينا جميعاً من كلِّ شرّ.
لكِ أجمل تحيّة، وللحبيبة مصر سلام من لبنان الذي يحبّها ويحبُّكم إلى الأبد.
جميل

16 أكتوبر، 2013 10:59 م

 

جميع الحقوق محفوظة للأديب اللبناني المهجري د. جميل الدويهي (يسمح بأخذ 15 في المئة من المقال لأغراض علمية - يشترط ذكر صاحب المادّة)