مقدّمة

بقلم الأديب د. جميل الدويهي

 

كانت السيّدة مريم رعيدي الدويهي على مقاعد الدراسة، عندما كتبت نصوصها الأولى، وقد ضاعت جميعها, وكنت أشجّعها دائماً على الكتابة، وأطلب منها أن تطلعني على ما تكتبه ليكون لي رأي متواضع فيه، لكنّها كانت تبتعد عن الفكرة، لمشاغل الحياة وضغوط الأسرة، والهجرة الدائمة من مكان إلى آخر، حتّى كان عام 2015، عندما أخذ مشروعي "أفكار اغترابيّة" يشقّ طريقه بثبات، ليعلن نهضة أدبيّة اغترابيّة من أستراليا، فانضمّت مريم إليه، ومضت تحلّق في سمائه، جناحاها الكلمة الراقية والمبدعة، والفكر الإنسانيّ الذي يسمو إلى فوق، ولا يلتفت إلى مطامير التراب.

وفي خطواتها المبكرة على الجسر العتيق، لا تنسى الأديبة مريم الأسماء والذكريات والأمكنة، فهي تحنّ إلى الماضي، وكأنّها تريد الانتقام من حاضرها المليء بالمرارة وخيبات الأمل. فقد عانت مريم الكثير من المصاعب في رحلة القلق والغربة عن وطن بعيد وقريب، ولا تنفصل عنه، فاسمعها تخاطب هذا الوطن قائلة:

يتعب العمر من الانتظار

وأحترق شوقاً إليك…

أيّها المتألّم

الواقف تحت المطر…

النازف من جرح قديم…

ردّني إلى ذراعيك

لأولد من جديد

وردة للعاشقين

وعصفورة للحبّ والحنين…

فننجو أنا وأنت

من عذاب السنين.

إنّها تشعر بألم الفراق، وتشتاق إلى عناصر الطفولة: البيت، الأرجوحة، الخيمة، شجرة الجوز، النبع… وكثير من الأشياء التي تركتها وراءها في المكان والزمان، غير أنّها ما زالت تعيش فيها وتعود إليها بين الفينة والأخرى، فتتفاجأ بأنّ كلّ ما كانت تحبّه قد تغيّر وتبدّل، فها هي تزور النبع (نبع القرية) لتستقي منه، فلا تجد فيه قطرة تروي غليلها، فتنهمر دموعها من الخيبة:

ونقطه من النبع

ما قدرت إشرب...

وصارت دمعتي جنينه...

ونبع تاني

سرح من عَينِي...

وعن البيت تقول:

مشتاقه إرجع عالبيت العتيق

تا إرسم عالحيطان

وإنسى حكاية عمر ما لها عنوان...

دخلك ابعتلي خصلة نور

من فوق ضيعتنا

تا خزّق سواد الليل

وتْرنّ من هاك الوديان ضحكتنا...

وصَلّي معي يا قمر

تا إرجع عا بلادي

وشوف البحر الهادي...

وإقطف من النجوم باقه

وإشلحهن عا إيدين إمّي المشتاقه.

وبين الحنين إلى البيت والإبداع في التصوير الفوتوغرافي (دمعتي جنينه - خزّق سواد الليل - وترنّ من هاك الوديان ضحكتنا - وإقطف من النجوم باقه)… تظهر الأديبة مريم كمبدعة ذات منحى رومنطيقيّ، وكثيراً ما تحاول تغيير الزمن، وإعادة عقارب الساعة، لتكون لها فرصة الرجوع إلى غبطة طفوليّة خسرتها، وخسرت معها الكثير:

هيك الزمان...

كتار كانو هون وفلّو

حتّى الشجر ما بيبقى محلّو...

وبدال ما رجّع الدقيقه

ضاع من إيدي الزمان كلّو.

إنّه التسليم بإرادة القدر ومسيرة الزمان، فلماذا تضيّع مريم وقتها في البحث عن ساحر يعطيها ما تريد؟ هناك جواب واحد: إنّ الرجوع بالزمن يدخلها في ذكريات جميلة، فتفرح كطفلة وجدت لعبتها بعد أن بحثت عنها طويلاً، ليتبيّن أنّ اللعبة نفسها من وهم وسراب. كما أنّ الناس الذين رحلوا من بيننا لن يعودوا، وإن كانوا يصرخون في الذكريات:

لقينا الجسر

ضايع بين اليوم وبُكره

وما بقي منّو

غير الذكرى...

تاري اللي كان

هوّي حكايه

بعبّ الزمن مخبّايه...

واحتلّ الصمت المكان

من وقت ما رحنا

ومطرح اللي التقينا

وضحكو عينينا

ما عدنا لقينا مطارحنا.

والجسر العتيق هو موضوع الكتاب الأبرز، صورة مكانيّة لكنّها زمانيّة أيضاً… الجسر هو الشاهد الحزين على اصفرار الأشجار، ورحيل الناس، وبعضهم ذهب ولن يعود:

أمّا عن موضوع الحبّ في مجموعة مريم، فهو الوجه الآخر الذي لا ينفصل عن الإطار الزماني، والمنحى الوجداني العميق الذي تتبعه، فالحبّ عندها صفاء والتزام حياتيّ، بل هو مغامرة واحدة لا تتكرّر في الحياة: مع رجل هو أغلى من الروح:

خلّي ضحكتي حدّك

وين ما بتروح

وخلّي عيوني

متل قنديل عا دربك

وكل لحظه

روحي بتوصل لعندك

لأنك أغلى من الروح.

وملامح الرجل الذي تحبّه مريم تتداخل في ملامحها، فلا تعود تعرف نفسها:

إنت البحر

وأنا المركب

اللي ضايع فيك

وبين السفَر والسفر

بفتّش عا حالي

تا لاقيك…

لكنّ قصص الحبّ ممزوجة دائماً بالأحزان، فالحزن لا يفارق مريم التي انعكست تجاربها، وهمومها، وانشغالاتها المتكرّرة بين سفر وآخر، على مجمل كتاباتها، فاسمعها تقول:

سكوتك إنت وعم تتطلّع لبعيد
من هون للطفوله
أجمل غنيّه سمعتها...
لحن رحباني رقيق
بالصبح الغميق
وابتسامتك قهوة مرّه
متل الإيّام اللي مرقو
والإيّام اللي رح يمرقو...
وأنا بشرب هالابتسامه
منشان ما تهرب من قدّامي
متل ما بيهرب

من إيدينا الزمان
وبيضيعو منّا الأسامي.

الابتسامة مرّة كطعم الحياة، وهي تشرب ايتسامة الحبيب، خوفاً من أن يغادر على حين غرّة، وتبقى وحدها أسيرة الحرمان والذكريات المعذّبة.

وهكذا تمضي مريم رعيدي الدويهي في شغفها مع القلم، وهو شغف نبيل، رقيق، وشفّاف، من مدرسة "أفكار اغترابيّة" التي تؤمن بأنّ الكلمة المضيئة هي الكلمة التي تخرج من الروح وتذهب إلى الروح، فلا إقذاع، ولا تهتّك، ولا انتهاك لحرمة الأدب، بل إغراق في البراءة السامية التي تعكس شخصيّة الكاتب وعلوّ أفكاره.

هنيئاً لمريم رعيدي الدويهي بهذه الباكورة، المليئة

بقطاف وجنى، هو في ظنّي أوّل الغيث، ولا بدّ من عمل جليل آخر، ولن يطول الزمن.

 

 

_____

 

أعمالي أضعها أمامك

أعمالي كلّها

وحياتي كلّها

أضعها أمامك يا إلهي

وأطلب رضاك…

وأطلب منك أن تنظر إليّ

نظرة الأب الحنون

فخذ منّي ما يرضيك

وسامحني على ما لا يرضيك…

ليكون لي أن أعيش

في ظلّ حمايتك

فأمجّدك وأسبّحك

وأشكرك على كلّ عطاء.

 

ضبابة من كحل الليل

 

حملتني العاصفة

إلى غير مكاني
فبكيت عمراً
بعد أن غابت عن الأنظار مدينتي
وضاع منّي عنواني
فدخلت في ضبابة

من كحل الليل
لا يخترقها الخيال...
وقفت وحيدة 
أتكئ على جدار الصمت
ومن خيوط العتمة لبستُ عباءة...
ضاق الوقت بمشاعري
قما عدت أفهم حقيقتي...
إلى متى البقاء هنا؟
وكيف أنجو بنفسي 
من شِباكِ العتمة الداهمة؟
رفعتُ صوتي إلى الأعالي
وتوسّلت...
وخفت أن أبقى في وحدتي

إلى الأبد...
انتظرت البرق
لأشقّ طريقي
وأحطّم أجنحة الظلام...
لكي إلى النور أمضي...
وأرتفع من التراب
ليس إلى التراب...
بل إلى أعالي السماء.

 

عتاب

 

كم يلزمك من الوقت

لتعرف حقيقتي...

وتراني في مرآة ذاتك!

كم تحتاج إلى الصبر

لتدرك كم أنا شفّافة

كمرآة من بلّور…

تكاد تجرحها عقارب الزمان!

 

عندما يطول الانتظار

تضطرب مشاعري

وأصبح مثل إناء

في زاوية منسيّة…

فأنا أنتظر كلّ ثانية

لأعيش الفرح…

وأنت فيها حارسٌ لأفكاري…

وأحلامي الورديّه...

فلمَ تبطئ في الحنين

وتعبث بأقداري؟

وهل رأيت كيف أنّ الضجر

اقتحمَ المكان

واحتلّ مقعدنا الصغير

وداس على الأقحوان؟

 

تعال… يا سيّدي

اقترب منّي...

فالعمر يسبقنا

ونحن واقفان

تحت شجر الأحزان...

وكلّ ما نحتاج إليه

قصّة جديده

وغمضة عين

تأخذنا إلى مدينة بعيده.

الزمن الهارب

 

سأظلّ أبحث عنك

ولن أتعب

ايّها الزمان الهارب من أمامي…

إلى أين تشقّ الطريق؟

تطرحني على رخام حاضري

لأعيش في الشقاء

أفتّش عن أحلامي

في زحمة أيّامي؟

مطلوب أنت

ومحكوم عليك

لأنّك سرقت أجمل ما عندي...

أخذت طفولتي

وضحكة كبرت معي

كانت تسبقني

وتضيء في الدروب…

سأطاردك إلى مجاهل الأرض

وأقتفي أثرك

لكي أعرف أين خبّأت قصّتي

وصندوق ذكرياتي

وكنوز الفرح الجميلة…

وإذا تعبتُ يوماً من اللحاق بك

واستسلمتُ لخيبتي

فإنّك لن تجد خلاصاً

من أفكاري…

وحتماً سأثار منك

لانّك غيّرت عمري

وأقداري.

 

محطّة أمان

 

مشيت طويلاً طويلاً

لأصل إلى محطّة أرتاح فيها

وأهجر حقيقة

ما كانت تشبهني

وأخلع عن جسدي ثوب الشقاء

وغبار الأيّام.

 

سكنتُ في قلبك لأشعر بالأمان

بعيداً عن الهواجس…

وتجوّلت فيه بحرّيّة...

وفي غفلة من الزمان

نسيت الأحزان…

 

أخذني إليك فرح غامر

ما كنت أعرفه منذ ولادتي

وقلتَ لي إنّك تحبّني..

وتتوقّف الأرض عن الدواران

إن ضاع حبّي منك…

كنت أملك صمتي وحيرتي

وأخبرتْك نبضات قلبي

عن كلّ ما في داخلي من شعور…

 

أيّها الحارس الأمين لأحلامي

أخاف أن أخسرك ذات يوم

وتصبحَ شيئاً من ذكرياتي

وقد أردتك أن تكون حقيقتي

وأجملَ قصّة في حياتي.

 

قرّرت الرحيل

 

منذ أن فقدتُ مقعدي

قرّرتُ الرحيل

إلى مكان بعيد

يعيش فيه الصمت

ولا يصل إليه الخيال

ولا نغمة وتر...

هناك سأقيم عرش مملكتي

ويكون الفرح سيّداً

على حياتي

وأكون أنا مليكةً

على قراري...

تعبت وأنا ألملم

وجع الأيّام

فهربت من ذاتي

ومحوت الحاضر

من أفكاري...

لا أريد أن يراني أحد

ويعرف أحزاني...

شفّافة كزجاجة كأس

تكاد تجرحني النسمات...

لن أصدّق بعد الآن

سوى شعوري

ولن أسمع

إلاّ نبضات قلبي...

وعلى مرآة نفسي

لن أرى إلاّ نفسي.

 

 

كلمات إلى الوطن

 

تعْبر في ذاكرتي

كنسمة ربيعيّة…

تقْطع المسافات مسرعة

تنشر العطر

على المفارق والساحات

ثمّ ترحل بصمت…

ولا أزال أترقّب حضورها

لكي تحلو المواعيد…

 

يتعب العمر من الانتظار

وأحترق شوقاً إليك…

أيّها المتألّم

الواقف تحت المطر…

النازف من جرح قديم…

وليس من أحد

يضمّد روحك المعذّبة...

ردّني إلى ذراعيك

لأولد من جديد

وردة للعاشقين

وعصفورة للحبّ والحنين…

فننجو أنا وأنت

من عذاب السنين.

 

تأمُّل

 

وقفت وراء نافذتي

وقرّرت أن أخرح

من قضبان وحدتي

ومن ذاتي

قبل أن يبتلعني الضجر…

نظرت إلى الطبيعة

لأسألها:

إلى أين تسير بنا عجلة الفصول؟

 

كانت الغيوم سوداء وغاضبة

تجرّها عربة الرياح...

وأشجار الغابة

تركض في كل اتّجاه

ولكنّها لا تصل إلى مكان…

لا طير فيها

ولا نغمة

تكسر أجنحة الكآبة…

 

حطّم البرق زجاج السماء

وتبعته رعدة قويّة

اهتزّت لها مفاصلي…

وفي لحظة

تسابقت حبّات اللؤلؤ

لتنهمر على شرفتي

وتكتب صفحة شفّافة

هي عن السماء حكاية…

أنا بعض ما فيها

ووجوه الناس الذين أحبّهم…

 

تأمّلت في هذا السحر

وعاجلني سؤال:

كيف يولد الناس مرّة أخرى

من حبّات المطر؟

 

صارت دمعتي جنينه

 

حبّيت بعد غياب

زُور نبعة الميّ

وكان عا بالي دوق طعمتها...

ورجّع صفا الإيّام

اللي انسرقت منّي...

راح العمر وشلحْنا

عا مفارق بعيده،..

وبعدو الحلم ناطر

حسّيت حالي بأرض غريبه

وما عدت إتذكّر

منين الطريق...

شو اللي جرى تا تغيّر هالزمن؟

ووين هالضحكات تشرّدو؟...

والنسمه الربيعيّه

اللي كانت ترافقني

والملقى...

والمواعيد عا درب العين

كيف صارو حكايات منسيّه؟

وحيده لقيت حالي

ملبّكه ومحيّره...

ما لقيت حدا يدلّني،..

وشفت الوجوه مغبّره...

قعدت عا حجر

تا فلفش دفتر الماضي...

ويا ريت طير زغير

بياخدني معو

تا إسمع رنين الساقيه...

قبل ما تروح السنين الباقيه...

وهيك الأمل

راح عا غير مطرح..،

والعطش ما بينطر

تا يجي بكرا...

العطش أغمق من الفكره...

وبعد ما ضجرتْ

من السؤال...

رجعت لملم خيبتي

وتعَب ظنّي...

ونقطه من النبع

ما قدرت إشرب...

وصارت دمعتي جنينه...

ونبع تاني

سرح من عَينِي...

 

بتقلّك الياسمينه

 

حبّيت عيونك...

ومن أوّل صدفه تلاقينا

هربتْ من نظراتك

ورحت لبعيد

وبقيتْ صورتك بعيوني.

 

عالمخدّه طول الليل

لفتاتك بيلحقوني

متل صوت الريح

من نومي بيوعّوني

وإنت بعيونك جنون الزمان

وحكاية أحزان…

 

العاصفه عم تهدر برّا

وبرد كانون غطّى الحيطان

وفي ورده دبلانه

ناطره تا تفرح بتوب جديد

ويضحكو المواعيد…

والياسمينه اللي غمرها النسيان

بدها تشلح طرحتها

عا شبابيك المدينه

وبسمة ربيع تودّيلك

وتسكب عطر مقابيلك…

وبتقلّك الياسمينه

إنت وأنا

وحدنا قدّام البيت...

اقطفني من حالي

وأنا من وقت اللي كنت زغيره

تا تحبّني شو تمنّيت.

 

شجرة الجوز

 

شجرة الجوز القديمه

اللي عمرها من عمر أجدادي

حبّيتها

وعنها بخبّر ولادي…

كبرتْ تحت فيّاتها

وتعلّمت منها

كيف بتحدّى الريح العنيده

والشتي ما بياخد معو

أحلامي السعيده.

عاليه هالشجره

وبتضلّ طول الصيف

تهدل عليها اليمامه

وبتعلا

لحدّ السما بتعلا

وما فيها تطال أحلامي...

 

كنت أقعد أنا وهيّي

من أوّل الصيفيّه

عمّر بيت من طين وحجر

وخبّي ألعابي الطفوليّه

وأجمل قصص بكتابي…

وكنت إسبق ولاد الزغار

عالمرجوحه

اللي صار لها معلّقه من سنين

وبعدهن عليها بصمات بيّي معلّمين…

هالشجره العتيقه بتعرف دعساتي

وفيها تخبّر عن ذكرياتي…

قولَك معقول بعدها ناطره

تا نرجع ولاد زغار...

ونقطف الضحكه غمار غمار؟

أو رح تبقى مع الصمت وحيده

بيمحيها ضباب الوادي...

وغيابي عن صيف بلادي

بالغربه البعيده؟

 

 

تركني حبيب العمر
 

طلّّ القمرعا شبّاك قوضتنا

وشوش وقلّي:

ليش الحلو زعلان؟

وليش دمع الغيم

عم يكرج عالمخدّه؟

وضلّ يسألني

تا يعرف الأسرار

ويعرف اللي صار...

خبّيت الحكايه

وبقيت عالسكّيت

وما بين صمتي

 وبين تنهيدي

طلعت من حالي

وعا غفله ردّيت:

تركني حبيب العمر

صرلو سنه سنتين

وما بعرف سافر لوين؟

لا خبر

لا سلام

ولا كلمة عتب...

ترجّع الماضي الحلو

وتشفي القلب

من جرح انكتب.

 

قمر سرّاق

 

كنت بدّي روح عا سهريّه

بالضيعه الجبليّه

وشو كنت خايفه

إترك البيت

وينشغل بالي

ويفوت حدا من تحت الباب

تا يسرق منّي الغالي...

كان القمر سهران

عم يتسرّق عالبردايه

وعم يرسم

خيالات عالحيطان

ويرافق الرايح والجايي...

سألتو: يا قمر

فيك تنطر البيت بغيابي؟

الحراميّه كتار

عم يطلعو من الغابه...

ابتسملي وشعرت بأمان...

لمّا رجعت عالبيت

لقيت المزهريّه

قزازها مكسّر

والورده قلعت فستانها الأحمر...

وفتحتْ الخزانه

لقيت المرايه اللي حبّيتها

وخبّيت فيها أسرار

سرقها القمر البيغار 

وعالمرايه ضحكتَك

وعيون سود كبار.

بعيدَك

(إلى د. جميل الدويهي)

 

إنت وراجع

من سفر الكلمه
عا جبينك حبر الوديان
وضوّ القمر

عم يطلع من سطور
كانو وجع الليل
انْكَرّ خيط القصايد

من قميصك
وعطر "أراميس" اللي بتحبّو
غرّق المدينه
وسألو أميرات عنك...
سْرَقْتك من الصلا
وهربتْ فيك

عا أبعد من طرواده
حبستك بالحلم...
وما خليت حدا يعرف وينك...
وصلّيت

تا ينمحى عذاب الإيّام
عن جبينك العالي...
يا جبل بعيد
قدّيش إلو

عم يتساير مع نجمه؟...
معك يا أمير القصايد
صارت القصيدة

قمح وبيادر
وتعب الحصادين...
ومن شبّاكك بينزل الوحي
تا يغطّي الطرقات والشوارع...
أيّا كتاب مش إنت؟
أيّا غنيّه؟
أيّا حكايه

عن الفجر والحرّيّه؟
والكتب صارو قطيع
من غيم ودهب...
واللي انكتب
بالسحر انكتب...
والعيد طفل زغير
عم بيعربش عالحيطان...
عم يغلب المسافه
وبتصير الحروف أعراس...
وإنت متل المارد
عيونك ابتسامه
وكنوزك حنين وغضب

وخيل سودا

متل خيل العرب.

 

دقيقه ضايعه

 

كتبتُ نصّاً بعنوان "دقيقه ضايعه" يحاكي نصّ الأديب د. جميل الدويهي "دقيقة زمن" المنشور على صفحته على موقع فايسبوك. وفي ما يأتي نصّ الأديب الدويهي يليه النصّ الذي كتبته:

 

دقيقة زمن (جميل الدويهي)


دقيقه ما كانت تروح من بالي. عطيتْني جرْح تا إحملو وإمشي. وقالتلي: ممنوع تتطلّع لورا. كان لازم تسْرق قلم كحْلتها. تاخد معك لون بلوزتها. شو أنا بدّي ضلّ ساعدَك؟ ما عندي عشّاق غيرك؟ من أوّل الزمان بلاقيهن معذّبين... وصابرين. وبيحطّو الحقّ عليّي... لأنّي بنت الوقت، والوقت هوّي اللي غلّط مش أنا. وبيني وبينك... إنتْ كمان بتحبّ الغلط... كان فيك تمسكها بإيدها. كان فيك تتطلّع بعيونها عن قريب وتقلّها: بحبِّك. كان فيك تغْمرها... كان فيك تغيّرها، وعيونها اللي هربو سنين يعْقلو... ويصيرو غنيّه، وشفافها يصيرو ورده بالمزهريّه.

 

دقيقه ما كانت تْروح من بالي، بعد سنين انتظار. ما عرفتْ كيف هِربِت من بين إيديّي. شفتو حدا من الناس بيلحق دقيقه تا يخلّصها من بُكره. هيّي بتركض بالشوارع، بالمدينه العتيقه، بتتخبّى تحت الشجر، وبتسافر بعربيّات، وبركض وراها، وما بقدر لاقيها لأنّو بتتنكّر. يا هالدقيقه الوحيده اللي خايفه منّي... لو بتُوقفي شي مرّه، تا نتصالح أنا وإنتي، تا ترجّعيني عالمطرح. هونيك التقينا أنا وهيّي، وكان عندي حديث ما فيّي قلتو. الناس كانو متل عسكر، وكيف بدّي قول بحبّ عيونك؟ بحبّ هالغابات اللي فيهن أسرار؟ كنت بدّي إغمرها تا تفُوت بضلوعي، بسّ الوقت حمل غْراضو وطلِع عالسفينه، وما ودّعنا. ونحنا السفَر مبارح وجّعنا، وبكره رح بيوجّعنا.

 

امحيني من الفكرَه، ونامي عا مخدّة الأحلام، بركي

بمْرق وبشْرب قهوه معك، حدّ شبّاك الياسمين. بتأمّل بصابيعك المشغولين من حرير غالي كتير. وبسألك: دخلِك ليش صابيعنا بسّ يلتقو، بتبْرم الأرض فيّي؟ لو كلّ صابيع العشّاق بيلتقيو بدقيقه وِحده، ما منحتاج للشمس، ولا للقمر بالليل. كانت المدينة بتضْوي من شمع عم بيدُوب. عشر شمعات إلك، وعشر شمعات إلي. وتمْرق دقيقه ورا دقيقه، أنا وإنتي منْصير حكايه غميقه. وكلمة "حبيبي" من شفافك العرقانين... وحدها بتكون الحقيقه.

 

نصّ مريم رعيدي الدويهي:

 

بدّي شي سنه

تا فتّش عا الدقيقه اللي ضاعت...

لازم إمشي عا الطرقات

إبرم بالشوارع

وعا جسر المدينه إسأل الحرّاس...

وجرّب أعرف إذا بعدها ناطره عالمحطّه

أو راحت عا محطّه تانيه...

والناس يستغربو من سؤالي...

شلحت نظره صوب الغابه اللي قبالي

بركي شي طير عالشجر العالي

بيخبّرني وين راحت هالدقيقه...

وبعد ما مرق الوقت وداخ السؤال

قعدتْ من تعبي

وشكيت للمجهول أمري ...

ولمحت خيّال جايي عا حصانو

وقف شوي وسألني: ليش ملبّكي؟

حكيتلّو عن الدقيقه

اللي ضاعت وما لقيتا...

قلّي: "هيك الزمان...

كتار كانو هون وفلّو

حتّى الشجر ما بيبقى محلّو"...

وبدال ما رجّع الدقيقه

ضاع من إيدي الزمان كلّو.

 

ما تعلّمت النوم بالكتب

(إلى رجل لم يتعلّم النوم...)

 

كلّ الحصادين

بيرجعو عالبيوت

من عشيّه
إلا إنت

يا رفيق الليل والقمر
عا تيابك قمح
وصوتك بيادر...
وإيدين مشتاقه تمسك إيدك
تا تاخدها من العتم للنور...
يا ناطورالزمان

والقصر المسحور...
بتتطلّع بالنهر وبتقول:
هالنهر ما بيرجع لورا
ويمكن ما بيروح لمطرح...
وليش بيقولو مراكب السفر 
ما رح يرجعو؟...
وإنت أسفارك غميقه
وقنديلك بيضوي

بهالليل العتيق...
والحبر بيطلع من الشبابيك
وبيمشي عالطريق...
بيرسم حدّ البيوت

صور ولاد 
راجعين من المدرسه
وصورة إلك 
إنت وعم بتحيّط تياب للفكره
وبيكرّو الخيطان

من هلق لبكرا...
كلّ الناس بينامو
وإنت ما بتعرف تنام...
وبتقول:

ما تعلّمت النوم بالكتُب...
وإذا بغفا

يمكن خاف من الأحلام
وبيمرقو هيك الإيّام...
وإنت عم تزرع ورد بالحقالي
تا يتعبو الليالي
وبتغنّي:

"هالحقول وساع
والدني بتساع"...
ومكتوب عا جبينك
إنّك مارد الإبداع.

فلاّح
 

فلاّح تعبان
ومشغول بالو
الموسم كبير

وكيف رح يحوّش هالغلال؟
بيراقب اللي رايح
واللي جايي
بيتطلّع شمال ويمين
وخايف من السرّاقين
والرعيان المسرّبين...
بيركض ورا الصبيان
بالسهل وبالحفافي
وبس يتعب

بيقعد بفيّ الصفصافه
وإذا حدا عالكرم يتطلّع
صرختو بتعلا...
وبشهر آب

كنت أنا ورفقاتي
مرقْنا حدّ الكرم

واشتهينا
كانت العرايش متل العرايس
والعنب قناديل مضويّه...
مدّيت إيدي عا خصله
وطلع صوتو

متل الريح القويّه
خفت منّو

وصرت قدّ الكمشه... 
والجوع وقع عالأرض
وانكسر... 
وبعدو دهَب العنقود

معلّق برمشي.

قصّة حبّ قصيره


غلّت يمامه بشجرة العنّاب

وصارت تتسرّق

عا تنين حلوين

تسمع أخبارهم

وتنقل حكي...

وتخبّر عن قصّة حبّ

من قصص الخيال...

فرحت الغابه لضحكاتهن

وغارت النسمه

من عطر لفتاتهن...

وما عاد الليل

يشكي من الضجر...

ولا تعبو العينين

من طول السهر.

 

ومن بعد مدّه

نزلتْ ضبابه

متل تياب الحطّابين

ومحيت صورهم

وتشلّع حلا الإيّام

وانكسر برج الحنين...

ما بقي من هاك الحكايه

غير الصدى...

بكيتْ الغيمه عالمقعد

والزمان تجعّد

عا وراق الورده.

 

ابتسامتك قهوه مرّه

 

أنا وإنت
عالجسر العتيق
ونظرة حنين من عيونك
هيّي ربيع الشجر
والعطر اللي بيغفى

عا كتف الوادي...
هون انزرعنا بالريح
هون الحَكي رفّ يمام
هون عْطيتني إيدك
والنهر عالي
أعلى من الخيّاله...
وما خفت إغرق
لأنّك معي صَلاتي
وترتيلة عمر
وسكوتك إنت وعم تتطلّع لبعيد
من هون للطفوله
أجمل غنيّه سمعتها...
لحن رحباني رقيق
بالصبح الغميق
وابتسامتك قهوة مرّه
متل الإيّام اللي مرقو
والإيّام اللي رح يمرقو...
وأنا بشرب هالابتسامه
منشان ما تهرب من قدّامي
متل ما بيهرب

من إيدينا الزمان
وبيضيعو منّا الأسامي.

 

يا قمر سهران

 

يا قمر سهران بعبّ الشجر

قولك بعد بتطول غربتنا؟

وبعدو هوا تشرين بيتذكّر مطارحنا؟

مشتاقه إرجع عالبيت العتيق

تا إرسم عالحيطان

وإنسى حكاية عمر ما لها عنوان...

دخلك ابعتلي خصلة نور

من فوق ضيعتنا

تا خزّق سواد الليل

وتْرنّ من هاك الوديان ضحكتنا...

وصَلّي معي يا قمر

تا إرجع عا بلادي

وشوف البحر الهادي...

وإقطف من النجوم باقه

وإشلحهن عا إيدين إمّي المشتاقه.

أنا والمجهول

دخلتْ بالمجهول
وما عرفتْ الطريق

لوين بيودّي
وصرتْ إمشي

وإمشي...
تا تعبتْ وداخ العمر فيّي...
وكانو سرقوني الحراميّه...

قعدتْ تحت شجرة خريف
هربانه من الريح
مرَق خيّال قدّامي...
وسألني: منين جايي؟
ومين إنتي يا صبيّه؟
تخبّيت بتيابي من الخوف
وما قدرت ردّيت...
ضحكلي
وصار يحْكِيلي خبار
عن بلاد بعيده
فيها تلج ونار...
وقبل ما تلبس الضيعه
تياب العتمه الرماديّه
عرفت

إنّو هيدا هوّي المجهول
ومتلي أنا
ما عندو بيت 
ولا عندو هويّه.

 

غابو الإيّام

 

سرقتْ كمشة إيّام

وخبّيتهن بكتابي...

وكنت كلما طلعت الشمس

إفتح الكتاب

تا شوف إذا الإيّام ضجرو

أو غرقو بالنعس...

وما كنت لاقي غير الحبر الأسود...

ما تركو رسالة وداع

وكيف طلعو من الشبّاك

والشبّاك مسكّر؟

كيف ركضو بالمدينة

وما حدا شافهن؟

سألت عنهم البيّاعين

قالولي:

ما حدا غريب مرق بالسوق

وما حدا اشترى غير الصّدفه

والمواعيد الحزينه...

زعلت ورجعت عالبيت...

وبعدني كل يوم عم إسرق إيّام

وسكّر البواب والشبابيك

والإيّام عم بيكرّو متل خيطان 

واللي بقي كمشة صور عالحيطان...

يا إيّام راكضين

اوقفو شي مرّه

تا نعزمكن عا سهره

ونسألكن ليش هربانين؟ 

لا بتخلّونا نزغر

ولا فينا نعرف

لوين رايحين.

يا رايح لبعيد

 

يا رايح لبعيد

وتاركني وحيده

مع صمتي وأحزاني

وعا مخدة دموع

بْنام زعلانه

والبرد يكسر طاقة الشبّاك 

يسرق منّي الغفا

وإبقى للفجر سهرانه...

 

معي بتضلّ

يا طير الأحلام

بتطْلع من عجقة ظنوني

بتمحي جفا الإيّام

وعا دفتري

بتبقى صورتك مرسومه...

خلّي ضحكتي حدّك

وين ما بتروح

وخلّي عيوني

متل قنديل عا دربك

وكل لحظه

روحي بتوصل لعندك...

لأنك أغلى من الروح.

 

...وبكرا بين الحقيقه والحلم

رح ترجع تدقّ

عا باب البيت

بإيدك جنينة ورد

وتفوت عالسكّيت...

وما بدّي منّك

أكتر من كلمه زغيره

وبسمه حنونه

تا يفرح عمري

والنوم يتصالح مع جفوني.

 

الوقت متل الغضب

 

كان في ولاد زغار

بهالسهل مزروعين

عم يزْعلو ويقولو:

وَينو هالختيار

اللي مرق من هون...

وكان عم يسرق من أعمارنا

غمار؟

وصرنا عم نكبر

ومش عارفين

لوين رايحين...

ويا سنين

ما بتُوقفو

وهيك ما بتسألو عنّا

وقديش عم نتغيّر

نحنا وواقفين؟

قلت: يا ولاد الزغار

ارجعو عالبيوت...

شو بدكن بالوقت؟

الوقت متل الغضب

بيخبّط عالبواب...

وبتقول الحكايه

إنّو هالختيار ما بيكبر

وعالجسر العتيق

مرقو ناس

وما رجعو ناس

والجسر بعدو مطرحو

لا زاح ولا تكسّر

واللي راحو

متل النهر راحو...

وقعو من الإيّام

متل الورق الأصفر. 

الخيمه الهربانه

 

هالخيمه اللي كانت

فوق سطح البيت

شو صار فيها

بعد غيبة عمر؟

معقول ناطره تا نرجع

وبتتذكّر ليالينا؟

يمكن هوا تشرين خلّعها

ومحي أسامينا...

وصارو عواميدها خيالات

هربانه بالحفافي...

ونشّف القنديل

وما بقي نقطة زيت

تا تخبّر عن سهراتنا

والعريشه اللي كانو عناقيدها

تريّات مضويّه

ختيرتْ

وصارت حطب للموقده...

وشو صار بالمرجوحه

اللي كانت بفيّة الصفصافه

وكانو يتقاتلو عليها الولاد؟

نسّلتْ خيطانها الريح

واللي بقي منها

كمشة غبار 

وهجرت الضحكه باب الدار...

وكلّ اللي كان 

صار ورا النسيان...

الإيام عم تركض

ورا الإيام

والوقت مشتاق لبكرا

وبعد عِنّا من هاك السنين

قصّة حنين...

وخيمة ذكرى.

 

 

الغابه الحزينه

 

الغابه حزينه

عا فراق العمر الحلو

والأغصان عريانه

من وقت ما حلّ الخريف

ورقه ورا ورقه

ودموع ورا دموع

وصوت البكي

بالكاد مسموع

فرفط هوا تشرين

بلوزة الشجر الأصفر

عا مدّ النظر

وتشردت النغمه بالوديان...

 

رفّ السنونو راح

عا مطارح بعيده

بركي بيلاقي الدفا

عا سطوح جديده

والريح الغريبه

كانت رح تخْلع الباب...

والشتي رح يكْسر المزراب...

 

طوَّل الليل

عا تلال ضيعتنا

وانطفيت نجمه صبيّه 

كانت ترافقنا بالسهريّه

اشتقنا للقمر بالساحات...

فوق العيد...

وترجع الورده 

تشلح عطرها عالدرب

ويخلق ربيع جديد...

وتضحك هاك الغابه

اللي تركنا فيها

مرجوحة مواعيد.


الشمس بتغار

 

هالشمس شو بتغار

من القمر

يللي سرق منها

كمشة جواهر

وصار بالليل يتغندر

لابس دهب أصفر

وشاف حالو

عا صفحة النهر

وبشوارع المدينه

صار يمشي

ويخبّر قدّيش هوي غني

وأملاكو بتسوى الدني...

وحَبّو القمر ناس كتار

وشو بيكذب هالقمر

وبيألف خْبار!...

وقالو عنّو:

حلو كتير هالأمير

وبيحبّ عِنّا السهر

وبيترك عا سطيحتنا

شال الحرير.

 

والشمس غارت من الحرامي

وقالت: شو هالقمر الغدار

عطيتو من خزنتي قنطار...

وأحلى منّي

عا غفله صار...

ومن كتر ما انقهرت الشمس

شلحت حالا بالبحر

بآخر النهار.

 

 

 

 

 

عالجسر العتيق

 

عالجسر العتيق

مرّه التقينا

وكان الحلم ناطر...

حبيبي مسك إيدي

تا نروح عا مطارح بعيده

كان الشجر أخضر

حارس للطريق

وجوقة عصافير

عملت لنا مهرجان

والنهر حامل الزورق وراكض

ما تعب مرّه

ولا ضجر من المسافه

كانو الفلاّحين

يمرقو عالجسر

يسلّمو علينا

ويعطونا قمح وبيادر

من عرق الإيدين...

وغير الجَمال

ما كانو يقشعو العينين

وصور مشلوحه عالميلين…

 

مشينا سوا

عالجسر العتيق

وضاعت فينا الطريق...

ولمّا رجعنا لمطرحنا

لقينا الشجر حزين

والورق عالأرض

دهب أصفر

ولقينا الجسر

ضايع بين اليوم وبُكره

وما بقي منّو

غير الذكرى...

تاري اللي كان

هوّي حكايه

بعبّ الزمن مخبّايه...

واحتلّ الصمت المكان

من وقت ما رحنا

ومطرح اللي التقينا

وضحكو عينينا

 ما عدنا لقينا مطارحنا.


 

أنا والبحر

 

كنت عم إمشي

عا شطّ البحر

والشمس قنديل

عم ينطفي عند الغروب

تأمّلت المراكب 

تا أعرف لوين رايحين

فوق الموج مسافرين...

وكيف رح يكون

آخر المشوار؟

غدرني الموج عا غفله

ورماني

وكان عم يمْحي وجودي...

خفت من الغرق

وصرت إركض

صوب الشطّ القريب

وهونيك صرت إسأل عن حالي

وما لقيت حالي...

تحيّرت لوين بدّي روح

والناس بعاد

كلّ واحد رايح عا بلاد

وهيك بقيت مشرّده

والريح عم بتجرّح إيّامي

وما وصلت لمطرح...

وسمعت صوت بيقلّي:

"لا تخافي...

بعد في أمل... 

والأمل نار

ما بيسرقها الزمان"...

ويا ريت فيّي وقّفت هدير العاصفه

تا إشعر بالأمان

طلعت عا مركب عتيق

وجرّبت سافر

صوب الفرح

تا إنسى

عمري اللي انجرح...

تاري المركب مكسور

من بعدما قطع

سبع بحور...

الوهم كان مرافقني...

والحظّ اللي هجرني

من سنين

ما بذْكر عنوان بيتو...

ولا يوم هوّي حبّني

ولا قدرت حبّيتو.

حارس الليل

 

حارس الليل ما بيغْفى دقيقه

مقلّق وعالدني مشغول بالو...

قاعد عالعرش

عم يحيّك من النور طرحه

تا تنوّر الساحات

وبالضيعه تكْمل الفرحه...

 

بيلْحقنا وين ما رحنا

وإذا عا غفله رفّ جفنو

بينْشف الزيت بالقنديل

والعتم بيغطّي مطارحنا.

 

بيتخبّى ورا الغيمه

تا يساير النجمات

وهنّي بيحفظو الأسرار...

وما بيحكو لا بالليل

ولا بالنهار.

 

بينزل من الجبل

وبيتسرّق من خلف الحفافي

وكلما طلع عا بَالو

بيفُوت عا بيوت الناس

أو بيشلح نظره من الشبّاك

تا يوعّي الرمش اللي نايم...

ما حدا عاشق متلو

بيطوّل بالسهريّه

وبيتغزّل بالصبيّه.

 

اللي شاغلّي بالي كتير

كيف هالمرايه بتوقع بقلب البير

وبتضلّ تضْوي عالشجر الأخضر...

وما بتتكسّر؟

 

خيبة أمل

 

وعّاني من نومي حنيني

وفتحتْ عني للنّور…

كان السنونو عالشبّاك ناطر

حامل رساله

من حبيبي الغالي

ودمعة فرح وإنتظار

كرجتْ عا خدّي...

وتحت الرساله

مكتوب إسم حبيبي الغالي...

وقبل ما أعرف اللي مخبّى

بين السطور

شمّيت عطرك

ودقّات قلبي

مشيو فوق الحروف...

 

قدّيش غارت النسمه

من شوقي إلك؟

وعالهدا زاحت البردايه

وضلّيتْ شارده بسما الأحلام...

وعا غفله

صار الغيم جناح أسود

وهبّ الهوا الغَربي

وطار الشجر من دربي.

 

محّى الشتي وراق الرساله

وتجعّدو الحروف…

وصرت إركض ورا الحبر

بالريح المجنونه

وخفت تزعل إنت

ويتعبو ظنونك…

ويتعبو ظنوني...

وبكيت من الزعل

تا صارو دموعي بحيره...

واللي بقي

من كلّ شي كان

صوره إلك

طلعت من خاتم النسيان

فيها عيون حلوين...

وفهمت شو قال سكوتك

وصرخ قدّامي

حِبر نظراتك المشتاقين.

يا شاغلني عن حالي

 

عم فكّر فيك

طول الوقت

يا شاغلني عن حالي

وغايب من قبالي...

وَحيده عايشه مع الأوهام

وبتسلّى بالضجر

والحيطان اللي ما بيحكو

ولا أنا بحكي.

عا طول بْزيح البردايه

وبنطُر ورا الشبّاك

بركي بلمحَك

من خلف الحلم جايي

تا تخبّيني

بعيونك الحلوين

وتاخدني عا بلاد بعيده

من دهب القصايد

وحنين المشتاقين.

 

خلّيك حدّي

تا إعطيك قمر

وإزرعلك

ورده عالمخدّه...

إنت البحر

وأنا المركب

اللي ضايع فيك

وبين السفَر والسفر

بفتّش عا حالي

تا لاقيك…

 

 

بعدو حبيبي عالوعد

 

نطرتَك بكّير عالمقعد

بجنينة منتور وفلّ

قبل ما تُوعى خيوط الشمس

وعيون الناس تعرِفنا

تأخّرتْ وانشغل بالي

وصرت إحكي مع حالي

وبعد ما تعبت من الانتظار

مرق إنسان غريب

وشافني حزينه

سألني: مين إنتي

يا صبيّه أحلى من الياسمينه؟

وليش زعلانه؟

قلتْ: تأخّر عليّي حبيبي

خايفه يكون ضيّع طريقو

أو راح مع مرا غريبه...

قال: لا تخافي...

بعدو حبيبِك عالوعد

وما نسيكي بعد...

هوّي جايي من مطرح بْعيد

تا يغرق بعيونك

ويفرحو عيونك...

وجايبلك من الورد غمار

تا تعبّي المزهريّه

ويضْحكو بْواب الدار.

 

 

محطّة زمان

 

سرقتْ باقه من الوقت

وهربتْ عالسكّيت

تاري الوقت

ما إلو عبير...

رحت صوب المحطّه

تا إتلاقى بالعمر اللي راح...

تمنّيت يكون بعدو بيذكرني

وبس إقشعو يركض ويغمرني

ونرجع أنا وهوّي

لمطرح ما ابتدينا

حاجه بقا يركض المشوار...

تأخّرت عالمحطّه

وشفت ناس ورا الشبابيك

وقِف الوقت دقيقه

وكلّ واحد مشي بطريق

وما حدا انتبه لي

ورمي عليّي السلام...

كان التعب متل غبرا

فوق العيون...

ما استرجيت إسأل ولا سؤال

ويمكن ما حدا

بيعرف عن الماضي خبر

ومش رح لاقي

من الوقت اللي باقي

غير أحزاني

وما عدت اتذكّر

وين عنواني

ولا وين ضيّعني زماني.

 

عصفورة الغياب

 

يا أميره زغيره واقفه عالغصن

بتتباهى بالتوب المخملي

شو جابك بعد هالغيبه

تا تنقلي أخبار

عن جنينتنا

أو تا تسرقي شي حبّة تين

تركها الزمن لعيونك الحلوين؟

ليش طال الهجر

تا تشلّعت مرجوحة الأطيار

والنحل رايح وجايي

نسي حلا الأزهار

تا يسأل عليكي:

كنتي وين

غايبه من شهرين؟

اشتاق نسيم الصبح

لرقّة النغمه...

وما بْريد بعد اليوم

يغيب هالفجر الحلو...

مطرحك عنّا 

بسقف هالخيمه

اللي حدّ الغيمه

وإذا فكّرتي بعد إنّك ترحلي

طِيري بهالمدى

عالهدا

واشلحي صوبي نظره حنونه

تا يفرحو عيوني

وتكبر الأحلام فينا

ويبقى الفرح زهرة أمانينا

والحبّ ألف لون ولون يعطينا.

 

 

يوم اللي افترقنا

 

أوّل مرّه التقينا

كان عندي مزهريّه

وزهرتين ياسمين

وكان الليل قصيده

عا شفاف عطشانين...

والوقت عم يعرج

تحت الشتي

عالطرقات البعيده

وأنا وإنت ما حدا بيشوفنا

غير السكت والحيطان

وما عرفنا إنّو المزهريّه

رح تخّبر الجيران...

قولك هيي حكيتْ حكايتنا

أو القمر السهران؟

 

ويوم اللي افترقنا وضيّعنا الطريق

بكيت اليمامه… وبكِيتْ أنا

ودْموعي جرْحو المزهريّه...

وما بقي من الماضي

إلاّ كمشة ذكرياتي

ودفاتر منسيّه...

وكلما بتطلّع بالصوره

الكنت فيها حدّي

بلاقيها ممحيّه...

لا بتضحَكلي ضحكه

ولو حاكيْتك ما بتحْكي...

ولا بتسأل عليّي.