غلاف كتاب المؤتمر الأول.jpg

وقائع مؤتمر النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان

مؤتمر "النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان"

مشروع أفكار اغترابية ، منتدى لقاء - لبنان، بستان الإبداع - سيدني

الورقة - 1- 

دور الادب المهجري في اغناء الثقافة العربية

مشروع «أفكار اغترابية» نموذج

إعداد: الصحافي د. زياد علوش - لبنان

(تنشر في كتاب خاص عن المؤتمر - إصدار مشروع أفكار اغترابية، منتدى لقاء وبستان الإبداع)

 

الكمال لله وحده وأعمال البشر يعتريها النقص، مع ذلك تهيبت الكتابة عن د. جميل ميلاد الدويهي، ولمَ لا أتهيب من رجل خرج من بين المنزلتين ليقول: الله هو الشاعر وأنا انتحل الصفة؟!

في هذ "المقام" اعترف بتحرير"الأطروحة" من القبضة المحكمة للتعريف الأكاديمي. ولست هنا لتأكيد المؤكد في اخلاص الدويهي للفكرة كإخلاصه لمتطلبات الفن الشعري والأدبي. كلماته تعكس صدق الالتزام والحب الخالص ونقائه وقوته واتّقاده وتمرّده على الانماط المعهودة... إنها ومضات يطلقها ساعات الصباح وعند الغسق خواطر وأفكاراً، ولئن سُجنت الكلمات بين دفتي الكتاب الا ان الافكار والمشاعر ما زالت حرة طليقة تحلق في الافق الرحب الاوسع، مطلقة العنان لمخيلة القارئ، يستنبط ما يشاء من الصور الابداعية والمعاني. 

نصوص شجية تخبرنا كيف تتشكل أقواس قزح ولماذا تختفي؟ هو بحث عن كلمات تم تصويبها نحو حواجز المجهول وما لا يمكن إدراكه، حتى حين يكون للشعر خاصة معنى، وهو ما يحدث عادة، قد يكون من الأفضل ألا نلح على استخراجه… فالفهم الكامل سيحرمنا من متعة الأفكار التي تتنفس، والكلمات التي تحترق. هو الإحساس الذي عثر على فكرته، والفكرة التي عثرت على الكلمات ، لمَ لا؟! فالمهمة هي تنظيف الواقع المتخثر بالكلمات، بخلق مساحات من الصمت حول الأشياء به نداوي الجراح التي يحدثها العقل. حيث ينوجد في الحين الذي ندرك فيه أننا لا نملك شيئا،ً هو اللغة التي يستكشف فيها الإنسان دهشته. إنه أرقى أشكال النشاط العقلي، إنه بلوغ الجمال والدقة... هو الدليل على الحياة. وإذا ما كانت حياتك تتوقد جيداً، فالادب هو الرماد، بل هو النفق في آخر الضوء.

في مقالة سابقة تحت عنوان "الدكتور جميل الدويهي ومشروع الأدب الراقي" قلت: "في الوقت الذي تزدحم فيه منطقة الشرق الأوسط بمشاريع التقسيم على اسس عنصرية وافدة طائفية ومذهبية وعرقية ومناطقية ودينية… لتفتيت ليس فقط النظم السياسية بل النسيج الاجتماعي برمته. في هذة الأجواء الملبدة ومنذ جبران خليل جبران ونخبة الأدب المهجري الذي نهلناه على مقاعد الدراسة الأولى انقطعت أخبار الأدب اللبناني المقيم والمغترب لصالح المقاربات السريعة “عش سريعًا ومت شابًا”، الى ان كانت رحلة الأديب والشاعر الدكتور جميل الدويهي نحو إعادة الاعتبار للجمال وأدب الاصالة. بالتأكيد ليس المكان هنا لاستعراض ميزات الأدب المهجري والمقيم، القديم منه والحديث، وليس عن تفرد الدويهي بين أقرانه. إن أهمية مشروع الدكتور الدويهي الادبي ربطا بزيارته الحالية (صيف 2019) لوطنه لبنان في الظروف الحالية السالف ذكرها في منطقة الشرق الأوسط، حيث سيادة العنف الممثل بالصهيونية والفساد وإلارهاب، فإن مشروع الأديب الدويهي القائم على الجمال والثقافة والادب والشعر بما يعني في بعده الإنساني من حوار وسلام وتواصل وشغف ومحبة مناقض تماما لما هو سائد. لا شك أن محاربة التطرف والارهاب والفساد تتطلب إعادة الاعتبار للمقاربات إلانسانية الاصيلة التي يمثلها مشروع الأديب الدويهي، لا سيما في لبنان. وقد أغرت العنقاء بعض اللبنانيين فاسلسوا لها قيادتهم على غير رغبة حقيقية منهم. فأهلا بك الصديق والزميل العزيز د. جميل الدويهي وانت تنثر عطرك الفواح وتجمع لبنان من أقصاه إلى أقصاه على كلمة سواء ومشروع نحتاجه كالماء والهواء، وانت تؤكد أن المعاني الإنسانية السامية وثقافة الجمال وغاية التواصل التعارف كانت فطرة أزلية سبقت كل شيء وان ما بعدها من دين وفلسفة جاءا لتاكيدها، فما أحوجنا هذة الايام في لبنان خاصة وفي عالمنا العربي عامة إلى العودة لاصالتنا الجامعة التي من خلالها نحيا ونعيش ونطل بها على العالم أجمع، وهل هناك منصة لتلك الاطلالة تفوق أستراليا القارة والدولة العزيزة التي تحتضن بأبوة أبناءنا المهاجرين والمغتربين دون إغفال أية منصة على مساحة العالم أتاحت لأبنائنا التميز والتعبير عن ذاتهم التي اغنيت الانسانية جمعاء؟"

أطلق الدكتور ميلاد جميل الدويهي مشروع «أفكار اغترابية» اواسط العام ٢٠١٤، وبالتوازي أنشأ موقعاً للأدب الراقي باسم «أفكار اغترابية» أيضاً. المشروع يهدف إلى نشر «الأدب الراقي والرفيع»، وتعميم الرؤية الحضارية وثقافة السلام والمحبة والخير، ومساعدة الأدباء على نشر أعمالهم سواء في موقع أفكار اغترابية أم في كتب، تحت عنوانين هما الابداع والرقي، رسالة "الدويهي" تظهير الأدب المهجري في أستراليا على حقيقته، وقد نجح في ذلك وبدأ الناس يقارنون ويحكمون. 

مشروع «أفكار اغترابية» هو ثورة في أدب الاغتراب في سيدني، حتى قيل ان "الدويهي" نقل مركز الثقافة العربية إلى سيدني بدلاً من بيروت والقاهرة ودمشق، وأطلقوا عليه اسم النهضة الاغترابية الثانية. 

"الدويهي" ليس شاعر تفعيلة ولا قصيدة نثرية ولا زجلية، ولا هو روائي أو مفكر أو أكاديمي، هو كل ذلك، وكتبه موجودة لمن يريد أن يطلع عليها.

في أعماله تجد الواقعية والرمزية والسوريالية والرومنطيقية… ولأنه كثير التنوع لا يحصر نفسه في مذهب واحد. وهو القائل: «أتمنى أن أكون ذات يوم مدرسة يقتدي بها الآخرون. وهناك العديد من الأدباء حول العالم كتبوا محاكاة لأعمالي ونسجوا على منوال قصائدي». إنه سفير الإرث اللبناني والعربي الاديب الدكتور جميل ميلاد الدويهي.

تعد (وسائل الاعلام) المختلفة، أحد أهم (الأمور) المؤثرة في تكوين ثقافة المجتمع ومؤسساته المختلفة، وفي إحداث حركة (وعي) متنوعة، بل وفي تسريع انتشار (المصطلحات) و(المفاهيم) السياسية والفكرية والحقوقية والثقافية المعاصرة، مثل (حقوق الانسان) و(الحداثة) و(الديمقراطية) و(التعددية) و(العولمة) و(حقوق المرأة) وغيرها، لذلك لا يمكن الحديث عن التأثر والتأثير ما لم يحدث ذلك الاتصال والتواصل. وهنا اقتبس مما كتبته بعض الصحافة في الاديب والشاعر الدويهي.

"عندما أعلنـّا عن مهرجان الأدب الراقي، ظن العديد من الناس أنّه مهرجان يشبه مهرجانات بعلبك، أو مهرجانات الصيف في لبنان، أو أنّه على الأرجح مهرجان يشارك فيه عشرات الشعراء وترعاه دولة أو منظمة دولية. ولم يصدق أحد أن شاعراً واحداً هو الذي نظم المهرجان، ودعا إليه، ورتّب فعالياته. المهرجان كان مهرجاناً بالحقيقة لأنه شهد، لأول مرة، ربّما في التاريخ، أن يطلق أديب وحده أربعة كتب دفعة واحدة. ليس هذا فحسب، بل إن الكتب تتنوع بين الرواية (طائر الهامة)، والتأريخ (أشهر المعارك الإهدنية في التاريخ)، والشعر (لا تفكري صار الهوى ذكرى)، والفكر الفلسفي (في معبد الروح)".

وفي سياق متصل وبشيء من التعلم بالفعل المنعكس الشرطي الذي يصبح نهاية بمثابة الإيعاز، فإذا ما ذكر الاديب الدويهي ذُكر الحواريون، عنيت الاديبتين مريم رعيدي الدويهي وكلود ناصيف حرب كانعكس مباشر للضوء والنور ترداداً وتفاعلاً وشرحاً وتعليقاً...

تقول الأديبة مريم رعيدي الدويهي: "يحقّ للجميل أن يتمرّد... ويرتفع بارتفاع أعمدته... نحن لا نتحدث هنا عن شاعر مرّ في عصر، بل عن شاعر وأديب ومؤرخ ومفكّر وناقد وباحث أكاديمي وكاتب سياسي، ومترجم... كأنه عصور مختلفة، أو رجال لهم هيئات متمايزة، واسمهم واحد، هو جميل الدويهي... يعيش على بعد 16 ألف كيلومتر من بلاده، ويؤسس لنهضة اغترابية ثانية، هي بحق نهضة لا مثيل لها...هذا هو الدويهي، لاعب السحر، وضحايا سحره أكثر من أصابع اليد، حوّلهم إلى رسل، لا تنحرّك ألسنتهم إلا بذكره، ولا يغتبطون إلاّ بنقل مآثره إلى الآخرين، فيقول: أكاد أصدق ما يقولون، ويعرفون عنّي أكثر ممّا أعرف عن نفسي. إنّهم رسال العصر الدويهي الجديد، طيّرت عقولهم معجزة تحويل الحبر إلى خمرة طيبة، وكيف أنه العاصفة التي تطيح بالصمت والجمود، وأدبه الفكرة اللماحة البعيدة كل البعد عن التكلف والتصنع والنظم البارد... وسيظل هذا العبقري اللبق، عميد أدب المهاجر، يلعب بالسيف والدرع، وكلما يمضي إلى السوق ليشتري ويبيع، تسير إلى جانبه ملكات الشعر، وفوداً وجماعات، فله ولمكانته تليق مواكب الملكات."

ومن الأديبة كلود ناصيف حرب إلى جميل الدويهي نقرأ: "في آخر يوم من السنة، وبداية سنة جديدة، ماذا أقول للعبقري اللبق، رائد النهضة الاغترابية الثانية، وزعيمها من غير منازع، المتعدد في أدبه، والمضحي بكل ما عنده من فكر وإرادة وسهر وتعب، من أجل حضارة الإنسان؟ وبين هذه الباقة من الكتب، وهذا الإنجاز الذي لا يُصدّق، لولا الإثباتات الدامغة، أعتز بأن لي مساهمة في هذه النهضة التي أرادها الدويهي، ونشر أعلامها على القمم... ونحن سنبقى معك أيها الجميل الجميل، ونبشر أنفسنا بإنجاز مماثل في العام المقبل، ولا تطلب من النقاد أن يؤرخوا، فهذا واجب، وخدمة الحقيقة يجب أن تكون تلقائية، لا انتقائية. وأنت تضع أعمالك في وضح النهار، لكي يراها الناس، ونحن نراها، ونعترف بأنها قيم وإنجازات ضخمة تعجز عنها دول ووزارات ودور نشر ربحية، فألف شكر لك، واعتزاز بقامتك الأدبية والفكرية، وكم هو رائع أن يكون الجميع مدعوين إلى مائدة العطاء الدويهي الذي لا حدود له، وأن يكونوا شاهدين بصدق، نقاداً وإعلاميين ومهتمين، على نهضة قل مثيلها، تنطلق من قلب سيدني إلى قلوب المحبين في كل مكان. كل عيد وأنت بخير يا عميد الأدب المهجريّ، والمقارنة هي التي تثبت وتبرهن، ولا تحتاج إلى منجمين للحديث عنها. محبتي ووفائي إلى ما بعد بعد الزمان".

حظي مشروع "الأدب الراقي" للدكتور جميل الدويهي بعناية الدارسين ونقاد الأدب وماز ال كذلك، ولهذا الأدب محبوه ومتذوقوه، فقد كان فتحا في أدبنا الحديث، فتح عيوننا على مباهج الحياة، وروعة المغامرة وإغراء الحرية ، إذ خرج بالأدب المهجري من رحم المعاناة مبشراً بعصر الخصوبة وبقيام طائر العنقاء من رماده صحيحا معافى معليا صرحا جديدا من الأدب الخلاق المتميز بصدق الشعور ونزعة التجديد والغيرة على حاضر الأمة ومستقبلها، متزودا من الثقافة العربية الأصيلة والغربية البناءة، مستفيدا من أرض ترعرع فيها هي "استراليا" حيث للفرد قيمة وللعلم المكانة الأولى. 

ونحن في هذا المقال راصدون لدور الاعلام في نقل الأدب المهجري، تاركين القيم الانسانية التي تضمنها والجمالية والفكرية لمقالات أخرى. وإنه لحقيق بنا نحن ورثة هذا التراث الأدبي الضخم أن نتمثله وأن نساهم في نشره ومأسسته وأن لا تبقى المسؤولية فردية بما تتطلب من جهود وامكانات.

أضف إلى ذلك، وقد اضحى العالم قرية كونية واحدة بفعل ثورة الاتصال والتواصل وسيطرة "العولمة" والتي غزت أسواقنا بمنتجاتها الغثة والثمينة وما نحن في حاجة إليه وما نحن في غنى عنه والتي أدت في النهاية إلى تسطيح الفكر والشعور والجري وراء بريق الألفاظ دون أن نكلف أنفسنا عناء البحث عن المضمون. إنها عولمة في بعض اوجهها حولتنا إلى كائنات طفيلية مستقبلة ومستجيبة لكل المثيرات الواردة من الضفة الأخرى، وكأن صرخة المهجريين في النصف الأول من القرن الماضي ذهبت أدراج الرياح ، وما أحرانا اليوم أن نعود مع "افكار اغترابية" إلى تلك القيم الإنسانية التي تضمنها الأدب المهجري وصدح بها وعاش لأجلها. لاننا عندما نتحدث عن الثقافة العربية في المهجر، تنفتح الذاكرة على تلك المدارس الأدبية التي أسستها أجيال من المهاجرين العرب إلى أمريكا الشمالية والجنوبية في بدايات القرن العشرين، في ما عرف بعد ذلك بأدب المهجر. في المقابل عندما نتناول المسألة نفسها في الوقت الراهن تقفز إلى أذهاننا إبداعات فردية لكن هذة المرة في استراليا "الدكتور جميل ميلاد الدويهي" نموذج.

بحيث يمكننا القول إن أدب المهجر في استراليا قد وصل إلينا وأصبح بداخلنا لدرجة أننا نتنفسه كل يوم في ظل وجود قنوات الاتصال الحديثة مثل الإنترنت، والمطبوعات العربية في كل من استراليا ولبنان التي تنقل لنا الادب المهجري ونشاطاته. فلم يعد هناك شيء خفي. كل شيء أصبح معروضاً. ولا توجد موهبة حقيقية خفية في ظل كل وسائل الاتصال هذه.

إن المتأمل للمسألة سيجد أن ثورة الاتصالات أحيت مدرسة المهجر القديم فما بالنا بالجديد؟

وعليه فإن المشكلة هي في معرفتنا القاصرة والضعيفة احياناً بما يُنجزه المثقفون والكتاب العرب في الخارج، وليس إلى انخفاض مستوى نتاجهم أو هشاشة أعمالهم. بشكل عام، علينا أن نكون فخورين بالعديد من التجارب العربية في الخارج، لا سيما في استراليا حيث "مشروع افكار اغترابية للأدب الراقي"نموذج.

أختم مع الصديق الدكتور عماد فغالي وهو يقول في الدويهي: "عرفتُكَ يا سيّدُ تحصد ما زُرعتَ فيه. وإن اقتلعتَ ذاتكَ إلى الهجرة البعيدة، إلّا أنّكَ غائصٌ دائم ومتمكّن في الجذور التي أنبتتْك، رغم الأشواك التي تغمر الطرقات!

 جميل الدويهي، قرأتُكَ روائيًّا، لتؤكّدَ لي مرّةً جديدة، هذه المرّة مزدوجة، أنّكَ شاملُ الأدب. خضتَ أنواعَ الكتابة بإبداعيّة، وهذا نادرٌ يميّزكَ. وفي كلّها أعلنتَ الكلمة في أبعادها الإنسانيّة المثلى.  شكرًا لأنّكَ طائرُ الهدى، في يراعِكَ غصنُ سلامْ، يشقّ البحار يحملُ الخير، ويَنشدُ المراقي... حسبُنا نعتبر!"

***

مؤتمر "النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان"

مشروع الأديب د. جميل الدويهي افكار اغترابية للأدب الراقي، منتدى لقاء - لبنان، وبستان الإبداع.

الورقة 2- الإعلامية إلهام سلطان - سوريا: الجميل... مرايا النور - بحثه عن الخلود وحكايته مع بناء الانسان

(تنشر في كتاب خاص عن المؤتمر - إصدار مشروع أفكار اغترابية، منتدى لقاء وبستان الإبداع)

________

بينما نحن في زمن الطوفان الأسود، والعواصف العشواء التي تدمر حياتنا فكرياً، وتشوه ثقافتنا وأخلاقنا وهويتنا ومبادئنا، والخمار الذي يرخي بسدوله على مساحات الضياء والأمل والحرّية في وجودنا... يطل علينا د . جميل ميلاد الدويهي بقلمة الأبيض الذي يحمل مساحات من الصفاء، والنقاء، ومن مزنات العطر، وروابي الضياء... يطل علينا بأحرف ذهبيه وكلمات قرمزية وعبارات وضاءة بزرقة الحلم، ليحملنا إلى أرض الانسانية، أرض البهاء، أرض الحق، وأرض المحبة... حاملا مشعل الحرّية، والفرح، والفكر، والثقافة والفن، والجمال وكلّ معاني الانسانية التواقة إلى الفجر وإلى حضور الشمس...

د جميل الدويهي مكتبة متنقلة، شلال هادر من الأفكار، صحائف من القيم والمبادئ. هناك من بلاد ما وراء البحار، من سدني ما زال إنتاجه يزهر، حيث أصدر ١٨ كتاباً سنة ٢٠٢١، أي بمعدل كتاب ونصف شهرياً ، إيماناً منه بأن الكلمة هي الأقوى في معركة الحضارة.

المحور الاساسي لكل كتاباته هو الانسان وبناء إنسانيته، وتحرير فكرة من القيم الزائفة، وانطلاقه إلى عالم النور، عالم المعرفة، عالم الحق ، عالم الحرّية وعالم البصيرة...

ولكي نعرف جميل الدويهي الناطق بالحقّ، فلنقرأ كتبه الفكرية، وآخرها كتاب "أفكار خارج العزلة" الذي سيصدر عام 2022.

الدويهي يدخلنا إلى مدن تصقلنا، ويعرّفنا بأناس يوسعون آفاقنا، ويسرد لنا حكايات تنعش أيامنا، ويضعنا أمام قصص تغني تجربتنا، فلنقرأ مثلاً قصة "الناطق بالحقّ شيطان" التي يبدأها بهذا الكلمات: "أخبروني عن رجل ترك الحضارة وذهب إلى مغارة ليقيم فيها، ويعيش على الكفاف، لاعناً البشر، وجنونهم، وشهواتهم، وقيَمهم المزيّفة"...

وبعد حوار دار بينه وبين هذا الرجل الذي يئس من البشر، يقول: "واجهتُه بنبرة العارف المتيقّن: إنّ ما تذهب إليه صحيح، لكنّ من الخطأ أن تتخلّى عن قول الحقّ لتعيش في صمت. إنّ الماء الذي يحزّ في الصخر يقطعه يوماً بعد يوم، وإذا كان البصر لا يقاوم المخرز، فالبصيرة تقاوم السيف والبندقيّة.

هزّ برأسه رافضاً أن يتزحزح من مكانه، فيئست من محاولة إقناعه برؤيتي..."

هنا تكمن القيمة الحقيقيّة لفكر الدكتور الدويهي ورسالته، في إيمانه بقوة الكلمة وإيمانه بالانسان الجريء، وقدرته على تغيير العالم: "ودّعته قائلاً: نحن مختلفان أيّها الرجل الذي لا أعرفه، فأنت شيطان أخرس، وأنا شيطان يصرخ بالصواب. وسأظلّ أكتب وأقرأ وأعظ في المدن، مؤمناً بفكرتي، وإذا كان هناك من يكرهون الكلمة، فعندي أبراجٌ لها، لا يطالها رمح قائد ولا ملك عظيم. وإذا كان في المجتمع مَن يعتقدون أنّ أظافرهم يجب أن تكون في كلّ جهة، ولا تسير مركبة أو قافلة إلاّ طوع أمرهم، فلديّ مبرد جائعٌ يلتهم الأظافر الطويلة، ومنطقي هو الأمر على الذين يأمرون بالباطل ويعجبون بأنفسهم في مرايا تظهرهم أكبر من أحجامهم أو أعظم مقاماً... صدّقني أيّها الرجل التعيس: إنّ الشجاعة تغلب الكثرة، ولا ينتصر تحت الشمس إلاّ الجريء الذي يعتبر أنّ كلامه للخلود، وأنّ سكوته أبشع من جنازته."

هنا يذكرني الدويهي بجلجامش، وسعيه للخلود بعد ان حصل على نبتة الخلود... جلجامش وايمانه بأهل أوروك كانا حقيقة واقعية، وبعد أن تأكد من عشبة الخلود، كانت أولى الكلمات التي قالها إثر خروجه من الماء: سأحملها معي ألي أوروك المنيعة وأعطيها للشيوخ يقسمونها، ولسوف آكل منها أيضا فأعود إلى شبابي"...

لقد كان جلجامش فعلا حامياً لأوروك ولأهلها، ولهذا حينما حصل على العشبة لم يفكر بنفسه، بل بأهل أوروك أولا،ً وهذا ما جعله يحتفظ بالعشبة ولا يأكل منها. ومثل هذه المواقف لا تكون ألا عند من يضحون بأنفسهم في سبيل نشر القيَم وبناء الانسان.

إن جلجامش الإنسان الذي ولد على هذه الأرض، قام ببناء مدينة حديثة ووضع فيها الأنظمة الديمقراطية، ما جعلها رائدة عصرها في تكوين الحضارة والثقافة الإنسانية، وأيضا الدكتور الدويهي الذي أشرق في عالمنا، قام ببناء مدينة المعرفة والثقافة، وجعل العالم قرية صغيرة تحمل كل القيم السامية، وأرادها مدينة فاضلة، ومدّ جسور المحبة والمعرفة بين الشرق والغرب، فهو حامل لرسالة جلجامش في سعيه للخلود، من خلال ضفائر المعرفة والنور التي ينشرها في أرجاء العالم.

وفي كتاب "افكار خارج العزلة" يتحدّث الأديب الدويهي عن زائرين، يأكلون عنده ويشربون، ولا يعرف وجوههم، وكانوا يرتدون أقنعة، ولعلّهم ظنّوا أنّه هو أيضاً يرتدي قناعاً ويظهر بغير وجهه الحقيقي.

فعلاً، نحن الغرباء في أوطاننا، نلبس أقنعة الحب ونبحث عنه... نتكلم بلسان الغير لأننا لا نتجرأ على البوح بما نرغب... زوارنا غرباء، لكل لغته، فاللغات هي للقلوب وليست للأقلام... فهلا تحدثت تلك القلوب وباحت بمكنوناتها؟

ونحن أيضاً زوار لهذا العالم الذي يدّعي المدنيه، ويحمل رواسب من ماض بائس، يقدّم إلينا عقليّته وديانته وآراءه دون انسجام. والكل مقتنع بأنه يفعل الصحيح وغيره يرتكب الخطأ.

نعم، أكل الضيوف، خرج الضيوف، دخل ضيوف... ونحن ضيوف إلى مائدة، نرجو أن يكون عليها بعض الحب، بعيداً عن الحقد والحسد والتطرف. ليت المدينة الفاضله تزورنا يوماً، تأكل عندنا وتطعمنا... ربّما يحل الوئام والمحبة النقية يوماً!

لقلمك جميل الدويهيى باقات من العطر، من الضوء، ومن المحبة الانسانية والسلام الداخلي...

إن القيمة الحقيقة للانسانية والهدف الاساسي من وجود الانسان على الأرض هو انجاز الرسالة الإلهية في بناء البشريّة وإعمار الأرض، ومباركة الأفكار والأقلام والسواعد التي تحمل هذه الرسالة. وإن بناء الانسان والاستثمار فيه هما السبيل إلى تقدّم المجتمعات والازدهار الحضاري، إذ إن الحضارات والدول لا تقاس بعمرانها وثرواتها، بل باهتمامها ببناء الانسان الذي يشكل الجزء الكبير في مسيرة الحياة، ونهوض الحضارة، ويساهم في التطوير والتوازن في هذا الكون.

نعم أيها الدويهي، الزمن والتاريخ والانسانية ستهبك الخلود وستنقشك وشماً في صفحاتتها الوضاءة، وستخلدك في ذاكرتها الابداعيه، وترسمك شمساً في سحر سمائها... وستبقى أنت أيقونة المحبة في ذاكرتنا!

***

مؤتمر "النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان"

مشروع أفكار اغترابية ، منتدى لقاء - لبنان، بستان الإبداع - سيدني

الورقة - 3- 

الدكتورة عائدة قزحيا حرفوش: تكريم النّجوم الاغترابيّة، جنود اللغة العربيّة المنتشرين في أقاصي الأرض

(تنشر في كتاب خاص عن المؤتمر - إصدار مشروع أفكار اغترابية، منتدى لقاء وبستان الإبداع)

______

الوطن ليس أرضًا بل هو روح... فلو كان أرضًا لَنَسِيَهُ كلّ المهاجرين والمغتربين ولَما شعروا بالغربة والحنين، وهم الواجدون أرضًا وبلادًا منحتهم جنسيّتها والأمان، وحضارة تحترم حقوق الإنسان، وفيها كلّ مقوّمات العيش الكريم وما يُرضي طموح الإنسان.

وهأنذا أبحث اليوم، في هذا المؤتمر الاغترابيّ عن حروفٍ عذراءَ كي أعبّرَ بوساطتها عن قدسيّة جهاد الأدب المهجريّ، وأخصّ بالذّكر الأدب الدُويهيّ كباحث عن إبرة في أطنان من التّبن، وفي نيّتي ألّا أبخس حقّ جهادكم المقدّس في معركة كربلاء اللّغة حتى ينتصر حقّ الحرف العربيّ اللبنانيّ، إذ جعلتم وطن الاغتراب أندلسكم، تُخصبون جنائنَهُ بعبير تقطير عرق إيمانكم بلبنانيّتكم وعروبتكم أزاهيرَ شعرٍ ونثر وحكمة وفلسفة ، يسكر المرء بجمالها وإتقانها وأصالتها، حيث لا خوف على اللّغة العربيّة ما دامت تتغذّى من لبن عصافيركم الاغترابيّة، ومن نسر الإبداعات الدّويهيّة.

جئتُ اليوم أشارك في هذا العرس الثّقافيّ، في مهرجان الكلمة لأرفعَ قبّعتي احترامًا للأقلام الاغترابيّة الّتي ترفرفُ أعلامًا لبنانيّة اعتزازًا وشموخًا في كلّ مكان، وإكبارًا لروحهم العربيّة.

أمّا أنتم، شعراءَ وأدباءَ الرابطة القلمية: جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، إيليّا أبو ماضي، نسيب عريضة، رشيد أيّوب، عبد المسيح حدّاد، ندرة حدّاد، أمين مشرق... فَتَحيّة كبرى لأرواحكم ووقفة عزّ لأدبكم، فلترقد نفوسُكم بسلام ولتطمئنَّ في مثواها الخالد في أدبنا الّذي نقتات منه زادنا اليوميّ، اطمئنّوا، فقدِ انبعثَتْ رابطتُكم القلميّة مع ورثةٍ حافظوا عليها وأعادوا إحياءها من جديد، وها نحن نحتفل بعودتها ونشعر بفرح العيد.

ولا يسعني في هذه المناسبة إلّا أن أكرّم بدوري تلك النّجوم الاغترابيّة، جنود اللغة العربيّة المنتشرين في أقاصي الأرض، يذودون عن اللغة بسيف حروفهم، ويرفعون لواء وطنهم عاليًا أينما حلّوا، وأقدّم لكم وللوطن لبنان درع الشّكر والمحبّة والتّقدير والامتنان، كما يسرّني أن أقدّم لـ"جبران خليل جبران" درعًا بشريّا من لحم ودم وروح، قد بذل النّفس والنّفيس، وأفنى ذاته بين الكتب والكراريس، وكرّس حياته مجاهدًا في ساح الفنون الأدبيّة على أنواعها، وأهنّئه بالقول: نَمْ قرير العين يا جبران إذ تقمّصتَ فصرت دويهيَّ لبنان.

ذلك النّاسك الدويهيّ في محراب اللّغة العربيّة، حيث عَبَدَ الله في صومعتها فتوّجَتهُ نبيًّا في محرابها.

وإنْ صحّ القول فالأدب الدّويهيّ ليس أفكارًا اغترابيّة، بل هو فلسفة وطن عالميّة. وكأنّي مع العائلة الدّويهيّة أسترجع أسطورة آدم وحوّاء، إذ حمل الكاتب والشّاعر المبدع "د. جميل" زهرته المريميّة وخرجا من الجنّة، ثمّ راحا يصلّيان معًا ويبتهلان ويتصوّفان في معبد الحرف، مجاهِدَيْن ساعِيَيْن وقد حملا وطنهما زوّادة، وحنينهما عبادة، حتى شابت فيهما الرّؤوس ولم تشِبِ النّفوس، وقسَتْ عليهما الظّروف فأينعت في أدبهما الحروف.

عذرًا أيّها المهاجرون عذرًا

لقد دعوتكم منذ نعومة حروفي للعودة إلى الوطن...

دعوتكم وفي قلبي مرارة الشّوق إليكم، وفي عينيَّ دمعة أسًى، دعوتكم وفي حلقي غصّة ألم وحرقة، وفي نبضي لهفة وشوق.

عذرًا أيّها المهاجرون لأنّي رجوتكم وتمنّيت عودتكم بحرارة، وسال دمع قلمي تكرارًا وأنا أواسيكم في غربتكم وأناديكم للعودة إلى وطنكم ولكثرة ما نشجت حروفي رجاءً عدتم...

فهرولت إليكم أضمّكم، أعانقكم وأقبّل الأرض تحت وطء أقدامكم، وأنهيت لقائي بكم بأن رفعت يديَّ إلى الله أشكره على عودتكم سالمين استجابة لرسالة كتبتُها لكم في موضوعي الإنشائيّ الّذي طلبَتْهُ منّي أستاذة اللّغة العربيّة في المرحلة التّكميليّة.

عذرًا.. وألف عذر.. لقد ساوَمتُ على عودتكم بحيازتي على أعلى علامة إنشائيّة ونيلي جائزة وميداليّة.

وعلتِ هتافات التّهنئة وراحت أيادي رفاقي ورفيقاتي وأساتذتي تصفّق بفرح، كيف لا وقد أحرزتُ نصرًا مُبينا حين أعدتُ في موضوعي التّعبيريّ كلّ المهاجرين.

عذرًا أحبّائي المهاجرين إذ خدعتكم عندما صوّرت لكم لبنانَ كما أرجوه أنْ يكون، لا كما هو كائن.

يا لَأنانيّتي!

دعوتكم لتشبعوا من خيرات الوطن ونحن هنا جائعون، في قلوبنا غصّة وفي عيوننا دمعة.

دعوتكم لترتَوُوا من ينابيعه العذبة، ونحن هنا نغسل وجوهنا بدموع القهر والعزاء...

صوّرت لكم أحراج وطنكم الخضراء، وخبّأت عنكم أحراجه الفحماء.

عذرًا وألف عذر، صوّرت لكم الثّلج فوق صنّين، وخبّأت عنكم صور أبنائه العارين، صوّرت لكم نور الشّمس والضّياء، وأخفيت عنكم عتمة قبورنا الظلماء وحلكة الكهرباء.

عذرا... لم أكن أدري أنَّ الغربة سماء الوطن وأنتم أقمارها ونجومها وكواكبها. لم أكن أدري أنّ الشّعراء والأدباء هم قادةُ الشّعوبِ في مملكةِ الفكرِ والإصلاحِ والتّطوير، وأنّهم نسماتُ الفصولِ ورياحُ التّغيير، وأنّهم عُشّاق الكلمةِ، وحماة اللّغةِ العربيّةِ. وأنّهم سراجُ النورِ في عتمةِ دّيجورِ الجهلِ ولوحاتُ الجمال في طبيعة الخيال.

بوركت حناجر أفئدتكم، وصرخات أقلامكم وهتاف حروفكم ومناجاة الله في اشتياقكم.

فأنتم سفراء قلوبنا إلى العالم.

حفظكم الله وأدامكم ذخرًا وذخيرة لنا وللّغة العربيّة وللبنان.

***

مؤتمر "النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان"

مشروع الأديب د. جميل الدويهي أفكار اغترابية للأدب الراقي، منتدى لقاء لبنان، وبستان الإبداع

الورقة 4

الأديبة مريم رعيدي الدويهي - أستراليا: مقارنة بين الرابطة القلمية وأفكار اغترابية - نظرة عامة

(تنشر في كتاب خاص عن المؤتمر - إصدار مشروع أفكار اغترابية، منتدى لقاء وبستان الإبداع)

من الصعب أن يقتحم أحد موضوعاً كهذا، وقد يكون من الممنوعات أو "التابو"، وسيقول قائل: أين الثريّا من الثرى؟ والمقصود بالثريّا الرابطة القلمية، وبالثرى أفكار اغترابية. وما عناصر الشكّ والتردد والحذر التي تحيط بمسيرة أفكار اغترابية ودورها، سواء من مشتغلين في الأدب أو إعلاميين ومؤسسات، إلا وجه من وجوه الصدمة الإيجابية التي أحدثها المشروع، ومن الصعب الاعتراف بها تلقائياً. والإشادة بوقعها ومداها. بيد أن الحقائق تثبت بالمقارنة، وليس بالكلام العشوائي، والتسخيف المسبق لكل بارقة، أو أيّ محاولة اكتشاف جديدة...

نعم هناك فرق، فالرابطة القلمية تأسست في ظروف مختلفة، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، وفي أواسط الحرب العالمية الأولى، أي في عام 1916، وتفكّكت في عام 1931، بعد موت جبران خليل جبران، رئيسها وزعيم مدرستها الأدبية. وكان للرابطة مجلس إداري، جبران رئيساً، ميخائيل نعمة مستشاراً، وويليام كاتسفليس أميناً للصندوق… وكانت تضم أعضاء أيضاً، منهم نسيب عريضة، رشيد أيوب، عبد المسيح حداد، ندرة حداد، وإيليا أبو ماضي... وأفكار اغترابية تأسست عام ٢٠١٤ (بعد مئة وسنتين)، مؤسسها واحد هو الأديب د. جميل الدويهي، وهي ليست مؤسسة، وليس فيها أعضاء ثابتون، بل هي فكرة طرحها الدويهي، وأصبحت إطاراً لعمله الثقافي، وتعاون معها عدد قليل من أدباء وشعراء في المهجر الأسترالي، وعدد أكثر في العالم الخارجي. وهذه الفكرة تختصر عالم الدويهي الإبداعي، القائم على تعدّد فريد في الأنواع، واللغة المهذبة السامية التي ترفض الابتذال والانحطاط. بل هي جاءت، كما يخبر بنفسه، بعد انفعاله وتأثّره الشديد في عام 2009، أمام قامة أكاديمية في لبنان، قرأت شعراً من أستراليا ضُربت به الأطناب، وسأل الأكاديميّ مستغرباً: هل هذا هو شعركم؟ كما هي ردّة فعل الدويهي على ضآلة النثر ونمطيّة النوع الواحد، وعلى تحَشّد النقد، بشكل غريب ومثير للريبة، وراء نصوص باهتة ليس فيها ما يميّزها، أو يضعها في مرتبة أعلى من مراتب الإبداع. وعلى الرغم من أن كاتبة هذه المقالة والأديبة كلود ناصيف حرب، تمثلان حيّزاً كبيراً ومهماً من المشروع، فهذا لا يعني أنه منفصل عن مبدعين آخرين، لهم مكانتهم وقد اهتمّ بهم الدويهي ونشر أعمالهم، واعتزّ بقاماتهم، وهم أصدقاء أوفياء له ولمسيرته، ويعتزّ بهم دائماً.

كانت الرابطة القلمية تبدع في عصر فقير تكنولوجياً، أما أفكار اغترابية فاستطاعت أن تبرز سماتها وتجلياتها الإبداعية بشكل أوسع من خلال الفايسبوك، وموقع "أفكار اغترابية" للأدب الراقي، وهذا الأخير ليس منتدى مفتوحاً لكل من يريد، بل منصّة رفيعة، تنشر لمبدعين.

وكانت الرابطة القلمية تنشط في مجتمع عربي قليل العدد في أميركا الشمالية، أمّا أفكار اغترابية، فمجتمعها العربي واسع وعريض، وهذا يفسّر الحشود التي تشارك في مهرجانات الأدب الراقي التي أقامها الدويهي في سيدني وملبورن، كما نجح في تشكيل وفد اغترابي لزيارة لبنان في آب - أيلول 2019، حيث كُرّم الوفد في عدة مناطق، ووُصفت تلك الزيارة بالتاريخية، وغير المسبوقة في العلاقة الأدبية بين لبنان المقيم ولبنان المغترب.

وقد يسأل سائل: لماذا لم يتحوّل "أفكار اغترابية" إلى فكرة جامعة في أستراليا؟ والجواب يتعلق بظروف ثقافية وإعلامية، من الصعب الكشف عنها، لكن المؤكد أن قطبة مخفيّة كان لها دور فاعل في جعل أفكار اغترابية ذات طبيعة مستقلّة، ولا تلقى التأييد العارم. وقد جاءت في فترة تميّزت بشيوع شعر الزجل، والقصيدة النثرية، والشعر العموديّ. أما باقي الأنواع الأدبية فقليلة جداً، والنثر يظهر بين الحين والآخر، قصصاً قصيرة أو روايات، بعيداً عن اهتمام الناس وذوقهم الأدبيّ.

الرابطة القلمية كانت أكثر تمثيلاً في مجتمعها المتعطش إلى الكلمة، وأفكار اغترابية أقل شعبيّة وخصوصيّة، بسبب شخصية صاحبها الذي يميل إلى العمل الفرديّ، وأيضاً بسبب مواقف منها، فالثورة وقلب المفاهيم وتجاوز الخطوط المرسومة، هي طعن للواقع وانقضاض عليه.

وفردية الدويهي تشبه فرادته، بل هما حالتان متكاملتان. وقد رأى صاحب "الأفكار" أن منزله واسع لكنه قليل الزوّار، فارتأى أن يكون هو صاحب البيت، والزائرين جميعاً، وجعل نفسه عدة رجال في وقت واحد، وكان مخيّراً بين أن يستسلم للضغوط الهائلة التي نزلت عليه، أو يتابع مع قلة من المؤمنين برسالته، فاختار الطريق الأصعب، البقاء في ساحة يطوّقها سياج شائك، متسلحاً بإيمانه، ومعرفته، وأصالته الأدبية.

فإذا كان جبران ونعيمة ورشيد أيوب وإيليا أبي ماضي أصحاب الشعر العمودي، وقلّما كتبوا غيره، فالدويهي صاحب لثمانية أنواع، هي الشعر العمودي، شعر التفعيلة، الشعر المدور، الشعر المنثور، الزجل، التفعيلة العامية، المدور العامي، والنص العامي الشعري. وللعدل والحقيقة نقول إن الشعر العمودي كان الشعر الوحيد المعروف في زمن الرابطة القلمية، أما في عصر الدويهي فالأنماط تعددت، وكانت ثورة في الشعر قد حدثت بعد انحلال الرابطة القلمية بسنوات قليلة، وابتكر مبدعون في لبنان والعراق ومصر وسوريا ودول عربيّة أخرى أنماطاً شعرية جديدة (في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي)، استفاد منها الدويهي، واستخدمها ليغْني تجربته ويثبت أنه عدّة شعراء في شاعر.

وإذا كان جبران ونعيمه قد كتبا القصّة القصيرة، فالدويهي كتب ثلاث مجموعات منها، "أهل الظلام"، "من أجل الوردة"، و"الحافلة والولد ممكن”. وطوّر الدويهي لغة القصّة، من واقعية إلى رمزية فسوريالية، وهو أبعد الناس عن رومنطيقيّة جبران وروحانية نعيمه الغارقة، فالدويهي يؤمن بتوازن المادّة والروح، الخير والشر والنور والظلام… ثم أضاف الأديب الدويهي إلى تجربته القصصية 4 رويات هي: “الذئب والبحيرة"، "طائر الهامة"، "الإبحار إلى حافّة الزمن"، و"حدث في أيام الجوع”. الأولى تتناول واقعاً في عالمنا العربي، والثانية تخوض في الواقع اللبناني، والثالثة أسترالية المنبت والجذور، والرابعة رمزيّة – واقعية، تعكس ما يحدث في لبنان اليوم من مأساة الفقر والجوع واستهتار الحكّام بالقيم.

وقد تعاطى جبران ونعيمة بالنقد الأدبي، غير أن كتاباتهما في هذا المجال لم تكن أكاديمية، بل انطباعية. وفي قارّة أخرى، كان الدويهي يكتب الدراسات النقدية المحكمة والأكاديمية، التي احتضنتها، على قلتها، كتب جامعية ومجلات متخصصة. نقول "على قلتها" لأن الدويهي ليس متفرغاً، فبين أسفاره الكثيرة، وعمله الإعلامي، وهموم الحياة، والنشر، من أين له أن يكتب عشرات المقالات ويضيفها إلى رصيده الثقافي والعلمي؟

وعندما نقارن بين مقالات الدويهي الأكاديمية، وما ينشره غيره من أساتذة كبار، يتبيّن لنا أنّه مقصّر في هذا المجال، عدديّاً على الأقلّ.

أما "فكر" الرابطة القلمية، فكان جسر الإبداع المشرقيّ وعموده الفقري في أميركا الشمالية، بل هو المحور الأساسيّ الذي بنيت عليه الرابطة، وأخذت شهرتها، واعترف الدارسون بدورها الكبير في إغناء التراث المهجريّ وقيمته، ومَن منا لا يعرف "النبيّ" و"المجنون" و"العواصف" و"السابق" و"التائه" لجبران، و"مرداد" نعيمة، وقصيدة "الطلاسم" لأبي ماضي؟ ومَن منّا في أسترليا لم يسمع بكتُب الدويهي: "في معبد الروح"، "تأمّلات من صفاء الروح"، "رجل يرتدي عشب الأرض"، "هكذا حدّثتني الروح"، "بلاد القصرين"، و"أفكار خارج العزلة"؟ وكما أسّس جبران مدرسة أورفليس، في موازاة لمدينة غولونغازا، مدينة الشاعر ويليام بلايك، "النبيّ" الآخر، وأنشأ ميخائيل نعيمة مدينة "مرداد" القيم الروحية، فإنّ الدويهي بنى في أستراليا مدينة القيم الخالدة، وقد وضعتُ بنفسي كتاباً عنها، بعنوان "فكر جميل الدويهي ومدينة القيم الخالدة"، وبرهنت بالنصّ أنّ الدويهي يسعى إليها، في سبق مهجريّ جديد، هو ببساطة "الفكر" الذي يرتقي الدويهي إلى عالمه، ويشحنه بطاقة من ثقافته ورؤاه الفلسفية القائمة، فالدويهي في كسيرته الإبداعية كتب الشعر والنثر، ورفع النثر إلى مرتبة الفكر السامي والمجيد، وهذا تفرّد غير مسبوق في الأدب المهجريّ في أستراليا.

نحن لا نقول إن هذه المنجزات تساوي تلك التي ظهرت في أميركا أيام الرابطة القلمية، فليس هناك ميزان دقيق للفصل بين عمل وآخر، وقد يقلّل كثيرون من أهمّيّة منجزات الدويهي، ويجدون في "معجم عربيّ" واسع، كلمات لا حصر لها للإيحاء غير الصحيح بأنّ أعماله باهتة، ومقلّدة، ولا ترقى إلى مستوى الزجل أو الشعر المنثور، وهما نوعان سائدان في المغترب الأسترالي، وكأنّهما القالب الذي كسره الله بعد أن أعدّه بعناية وإتقان.

لكن من الضروري الاعتراف بأن في أستراليا رجلاً يعمل ويتعب ويسهر، ويقدم أعماله في مختلف مجالات الأدب مجاناً، ويصرف من صحته وماله، من غير حساب، وكل همّه أن يؤسس نهضىة اغترابية ثانية (التسمية للدكتور كلوفيس كرم – أميركا والأستاذ محمد العمري – سيدني أطلقاها حصراً على مشروع أفكار اغترابية). ومن أوجه التشابه بين النهضة الأولى التي أطلقتها الرابطة القلمية، ومشروع أفكار اغترابية في سيدني، تُعتبر تسمية "النهضة الاغترابية الثانية" لباساً مناسباً لمشروع الدويهي، وخير توصيف له…

وعلى الرغم من أن الدويهي، كتب أيضاً التاريخ، والمقالات الصحفية التي تجاوزت الآلاف، وأعد برامج تلفزيونية، بحكم عمله الإعلامي المتعدد أيضاً، ووضع حتى الآن خمسة كتب بالانكليزية (جبران كتب حوالي 10 كتب بالانكليزية)، وترجم، وصنّف، وحبّر المقالات النقديّة والأدبية، فلا يزال يشعر بأنه ينحت الجبل بإبرة، ويلاحظ أنّ هناك غابة تطوقه، عليه اجتيازها كما في الحكايات، وعليه أن يزيل الخطوط المرسومة، لكي يتجاوز ويحلق إلى البعيد. ولعلّ كلمة "تجاوُز" هي العنوان الأبرز لأعماله، والسمة التي ميّزته، وجعلته يشعر أنّه يجاهد بصبر، ومعه نخبة من المبدعين والإعلاميين والمؤسسات التي تفهم الأدب، من أجل انتصاره في معركة الوجود.

ولعلّ تتويج مسيرة الدويهي الحافلة بكلّ أنواع الإبداع تقريباً، بجائزة مرموقة تحمل اسمه واسم مشروعه المشعّ، أقلّ ما يمكن أن تقدّمه الجالية العربيّة كمكافأة له، بل أقلّ ما يقدّمه هو لمبدعين أحبّهم وأخبّوه، ورأى كثيرون منهم في رحلته صوب نبتة الخلود وحْياً لهم، وقدوة لأعمالهم ومشاريعم، وربّما كتاباتهم الأدبيّة.

وليس مؤكداً أن أعمال الدويهي ستلقى الاهتمام الكافي من الدارسين الآن، لظروف واضحة للعيان، فمن الأجدى الانتظار مئة سنة أو أكثر، إلى أن تنضج العناقيد في كروم الأفكار الاغترابية، ويقتنع الناس بأنّ أستراليا، القارة البعيدة عن الاهتمام، حدثَ فيها ما لم يحدث في أيام الجوع، أي انتفاضة على السائد والنمطية، واختراق لجدران الخوف إلى برّيّة المعمدان، وكرامة الحضارة والإنسان.

***

مؤتمر "النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان"

مشروع الأديب د. جميل الدويهي أفكار اغترابية للأدب الراقي، منتدى لقاء لبنان، وبستان الإبداع

الورقة 5

الدكتور كلوفيس كرم - أميركا:

ما تقدمونه في حقل الثقافة والإبداع، خدمة للبنان والانتشار وللأمة العربية جمعاء

(تنشر في كتاب خاص عن المؤتمر - إصدار مشروع أفكار اغترابية، منتدى لقاء وبستان الإبداع)

____

قلائل هم اليوم الذين يتذكرون رمزية قصة ابنة ملك صور أوروبا "المخطوفة" وأخويها قدموس وفينيكس. أوروبا ما زالت حية وقلم قدموس ما زال يحفر الحرف إبداعا وجمالاً.

أوروبا اليوم هي "أفكار اغترابية" تتمثل بجمال وبهاء الشمس الطالعة من فوق جبال لبنان، وقدموسها د. جميل ميلاد الدويهي الذي أبى إلا أن يعود بأخته المخطوفة أوروبا - "الغربة"، شمس الكلمة الحرة إلى شواطئ صور العصية على نبوخذنصر، والاسكندر المقدوني، وداريوس الفارسي، والى ربوع العز وبيادره في كل أرجاء الوطن.

"أفكار اغترابية" ربانها دويهي قدموسي يرجع إلى شواطئ الوطن، من غربة طويلة وأليمة، بسفينة محملة ومثقلة بأرجوان الشعر وأجاجين نور وحبر حرّية. بحارتها جبابرة من بلادي وعمالقة مردة حولوا أقلامهم إلى مجاذيف حالمة، ونثروا على الموج أشعاراً وصواري، صلاةَ توبة وعودة، وهتفوا للريح الطالع من جوف البحار: هلمّوا ليوم الحصاد، إلى موطن الجمال والغلات، إلى حضن بلادي المجروح، إلى بيادر العز والكرامة.

د. كلوفيس يوسف كرم فخور بأن يكون من بحارة سفينة الاغتراب، سفينة "أفكار اغترابية"، السفينة التي تعود إلى الوطن بالثقافة "المخطوفة"، بأوروبا الجميلة مع قدموسها الكبير، مع الدويهي...

زغرودة أدبية كزغرودة بنات جبيل في يوم قيامة أدونيس مع طلوع الفجر ... وسيقوم من سُباته مهما طالت الأيام ودار الزمن، وما دام في لبنان حبر وقلم.

باسم اللجنة الثقافية التي أترأسها في الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، اتقدم من صاحب مشروع النهضة الاغترابية الثانية الدكتور جميل الدويهي الاهدني وكوكبة أدباء المهجر الجديد، بأحر التهاني لما يقدمونه في حقل الثقافة والإبداع، خدمة للبنان والانتشار وللأمة العربية جمعاء. أخذ الله بيدكم د. جميل، مع أمل اللقاء بكم حالما تسمح الظروف، لتقديم جائزة "قلم قدموس" لكم، باسم الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم . والله ولي التوفيق.