غلاف كتاب المؤتمر الثاني.jpg
غلاف كتاب المؤتمر الأول.jpg

وقائع مؤتمر النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان

مؤتمر "النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان"

مشروع أفكار اغترابية ، منتدى لقاء - لبنان، بستان الإبداع - سيدني

الورقة - 1- 

دور الادب المهجري في اغناء الثقافة العربية

مشروع «أفكار اغترابية» نموذج

إعداد: الصحافي د. زياد علوش - لبنان

(تنشر في كتاب خاص عن المؤتمر - إصدار مشروع أفكار اغترابية، منتدى لقاء وبستان الإبداع)

 

الكمال لله وحده وأعمال البشر يعتريها النقص، مع ذلك تهيبت الكتابة عن د. جميل ميلاد الدويهي، ولمَ لا أتهيب من رجل خرج من بين المنزلتين ليقول: الله هو الشاعر وأنا انتحل الصفة؟!

في هذ "المقام" اعترف بتحرير"الأطروحة" من القبضة المحكمة للتعريف الأكاديمي. ولست هنا لتأكيد المؤكد في اخلاص الدويهي للفكرة كإخلاصه لمتطلبات الفن الشعري والأدبي. كلماته تعكس صدق الالتزام والحب الخالص ونقائه وقوته واتّقاده وتمرّده على الانماط المعهودة... إنها ومضات يطلقها ساعات الصباح وعند الغسق خواطر وأفكاراً، ولئن سُجنت الكلمات بين دفتي الكتاب الا ان الافكار والمشاعر ما زالت حرة طليقة تحلق في الافق الرحب الاوسع، مطلقة العنان لمخيلة القارئ، يستنبط ما يشاء من الصور الابداعية والمعاني. 

نصوص شجية تخبرنا كيف تتشكل أقواس قزح ولماذا تختفي؟ هو بحث عن كلمات تم تصويبها نحو حواجز المجهول وما لا يمكن إدراكه، حتى حين يكون للشعر خاصة معنى، وهو ما يحدث عادة، قد يكون من الأفضل ألا نلح على استخراجه… فالفهم الكامل سيحرمنا من متعة الأفكار التي تتنفس، والكلمات التي تحترق. هو الإحساس الذي عثر على فكرته، والفكرة التي عثرت على الكلمات ، لمَ لا؟! فالمهمة هي تنظيف الواقع المتخثر بالكلمات، بخلق مساحات من الصمت حول الأشياء به نداوي الجراح التي يحدثها العقل. حيث ينوجد في الحين الذي ندرك فيه أننا لا نملك شيئا،ً هو اللغة التي يستكشف فيها الإنسان دهشته. إنه أرقى أشكال النشاط العقلي، إنه بلوغ الجمال والدقة... هو الدليل على الحياة. وإذا ما كانت حياتك تتوقد جيداً، فالادب هو الرماد، بل هو النفق في آخر الضوء.

في مقالة سابقة تحت عنوان "الدكتور جميل الدويهي ومشروع الأدب الراقي" قلت: "في الوقت الذي تزدحم فيه منطقة الشرق الأوسط بمشاريع التقسيم على اسس عنصرية وافدة طائفية ومذهبية وعرقية ومناطقية ودينية… لتفتيت ليس فقط النظم السياسية بل النسيج الاجتماعي برمته. في هذة الأجواء الملبدة ومنذ جبران خليل جبران ونخبة الأدب المهجري الذي نهلناه على مقاعد الدراسة الأولى انقطعت أخبار الأدب اللبناني المقيم والمغترب لصالح المقاربات السريعة “عش سريعًا ومت شابًا”، الى ان كانت رحلة الأديب والشاعر الدكتور جميل الدويهي نحو إعادة الاعتبار للجمال وأدب الاصالة. بالتأكيد ليس المكان هنا لاستعراض ميزات الأدب المهجري والمقيم، القديم منه والحديث، وليس عن تفرد الدويهي بين أقرانه. إن أهمية مشروع الدكتور الدويهي الادبي ربطا بزيارته الحالية (صيف 2019) لوطنه لبنان في الظروف الحالية السالف ذكرها في منطقة الشرق الأوسط، حيث سيادة العنف الممثل بالصهيونية والفساد وإلارهاب، فإن مشروع الأديب الدويهي القائم على الجمال والثقافة والادب والشعر بما يعني في بعده الإنساني من حوار وسلام وتواصل وشغف ومحبة مناقض تماما لما هو سائد. لا شك أن محاربة التطرف والارهاب والفساد تتطلب إعادة الاعتبار للمقاربات إلانسانية الاصيلة التي يمثلها مشروع الأديب الدويهي، لا سيما في لبنان. وقد أغرت العنقاء بعض اللبنانيين فاسلسوا لها قيادتهم على غير رغبة حقيقية منهم. فأهلا بك الصديق والزميل العزيز د. جميل الدويهي وانت تنثر عطرك الفواح وتجمع لبنان من أقصاه إلى أقصاه على كلمة سواء ومشروع نحتاجه كالماء والهواء، وانت تؤكد أن المعاني الإنسانية السامية وثقافة الجمال وغاية التواصل التعارف كانت فطرة أزلية سبقت كل شيء وان ما بعدها من دين وفلسفة جاءا لتاكيدها، فما أحوجنا هذة الايام في لبنان خاصة وفي عالمنا العربي عامة إلى العودة لاصالتنا الجامعة التي من خلالها نحيا ونعيش ونطل بها على العالم أجمع، وهل هناك منصة لتلك الاطلالة تفوق أستراليا القارة والدولة العزيزة التي تحتضن بأبوة أبناءنا المهاجرين والمغتربين دون إغفال أية منصة على مساحة العالم أتاحت لأبنائنا التميز والتعبير عن ذاتهم التي اغنيت الانسانية جمعاء؟"

أطلق الدكتور ميلاد جميل الدويهي مشروع «أفكار اغترابية» اواسط العام ٢٠١٤، وبالتوازي أنشأ موقعاً للأدب الراقي باسم «أفكار اغترابية» أيضاً. المشروع يهدف إلى نشر «الأدب الراقي والرفيع»، وتعميم الرؤية الحضارية وثقافة السلام والمحبة والخير، ومساعدة الأدباء على نشر أعمالهم سواء في موقع أفكار اغترابية أم في كتب، تحت عنوانين هما الابداع والرقي، رسالة "الدويهي" تظهير الأدب المهجري في أستراليا على حقيقته، وقد نجح في ذلك وبدأ الناس يقارنون ويحكمون. 

مشروع «أفكار اغترابية» هو ثورة في أدب الاغتراب في سيدني، حتى قيل ان "الدويهي" نقل مركز الثقافة العربية إلى سيدني بدلاً من بيروت والقاهرة ودمشق، وأطلقوا عليه اسم النهضة الاغترابية الثانية. 

"الدويهي" ليس شاعر تفعيلة ولا قصيدة نثرية ولا زجلية، ولا هو روائي أو مفكر أو أكاديمي، هو كل ذلك، وكتبه موجودة لمن يريد أن يطلع عليها.

في أعماله تجد الواقعية والرمزية والسوريالية والرومنطيقية… ولأنه كثير التنوع لا يحصر نفسه في مذهب واحد. وهو القائل: «أتمنى أن أكون ذات يوم مدرسة يقتدي بها الآخرون. وهناك العديد من الأدباء حول العالم كتبوا محاكاة لأعمالي ونسجوا على منوال قصائدي». إنه سفير الإرث اللبناني والعربي الاديب الدكتور جميل ميلاد الدويهي.

تعد (وسائل الاعلام) المختلفة، أحد أهم (الأمور) المؤثرة في تكوين ثقافة المجتمع ومؤسساته المختلفة، وفي إحداث حركة (وعي) متنوعة، بل وفي تسريع انتشار (المصطلحات) و(المفاهيم) السياسية والفكرية والحقوقية والثقافية المعاصرة، مثل (حقوق الانسان) و(الحداثة) و(الديمقراطية) و(التعددية) و(العولمة) و(حقوق المرأة) وغيرها، لذلك لا يمكن الحديث عن التأثر والتأثير ما لم يحدث ذلك الاتصال والتواصل. وهنا اقتبس مما كتبته بعض الصحافة في الاديب والشاعر الدويهي.

"عندما أعلنـّا عن مهرجان الأدب الراقي، ظن العديد من الناس أنّه مهرجان يشبه مهرجانات بعلبك، أو مهرجانات الصيف في لبنان، أو أنّه على الأرجح مهرجان يشارك فيه عشرات الشعراء وترعاه دولة أو منظمة دولية. ولم يصدق أحد أن شاعراً واحداً هو الذي نظم المهرجان، ودعا إليه، ورتّب فعالياته. المهرجان كان مهرجاناً بالحقيقة لأنه شهد، لأول مرة، ربّما في التاريخ، أن يطلق أديب وحده أربعة كتب دفعة واحدة. ليس هذا فحسب، بل إن الكتب تتنوع بين الرواية (طائر الهامة)، والتأريخ (أشهر المعارك الإهدنية في التاريخ)، والشعر (لا تفكري صار الهوى ذكرى)، والفكر الفلسفي (في معبد الروح)".

وفي سياق متصل وبشيء من التعلم بالفعل المنعكس الشرطي الذي يصبح نهاية بمثابة الإيعاز، فإذا ما ذكر الاديب الدويهي ذُكر الحواريون، عنيت الاديبتين مريم رعيدي الدويهي وكلود ناصيف حرب كانعكس مباشر للضوء والنور ترداداً وتفاعلاً وشرحاً وتعليقاً...

تقول الأديبة مريم رعيدي الدويهي: "يحقّ للجميل أن يتمرّد... ويرتفع بارتفاع أعمدته... نحن لا نتحدث هنا عن شاعر مرّ في عصر، بل عن شاعر وأديب ومؤرخ ومفكّر وناقد وباحث أكاديمي وكاتب سياسي، ومترجم... كأنه عصور مختلفة، أو رجال لهم هيئات متمايزة، واسمهم واحد، هو جميل الدويهي... يعيش على بعد 16 ألف كيلومتر من بلاده، ويؤسس لنهضة اغترابية ثانية، هي بحق نهضة لا مثيل لها...هذا هو الدويهي، لاعب السحر، وضحايا سحره أكثر من أصابع اليد، حوّلهم إلى رسل، لا تنحرّك ألسنتهم إلا بذكره، ولا يغتبطون إلاّ بنقل مآثره إلى الآخرين، فيقول: أكاد أصدق ما يقولون، ويعرفون عنّي أكثر ممّا أعرف عن نفسي. إنّهم رسال العصر الدويهي الجديد، طيّرت عقولهم معجزة تحويل الحبر إلى خمرة طيبة، وكيف أنه العاصفة التي تطيح بالصمت والجمود، وأدبه الفكرة اللماحة البعيدة كل البعد عن التكلف والتصنع والنظم البارد... وسيظل هذا العبقري اللبق، عميد أدب المهاجر، يلعب بالسيف والدرع، وكلما يمضي إلى السوق ليشتري ويبيع، تسير إلى جانبه ملكات الشعر، وفوداً وجماعات، فله ولمكانته تليق مواكب الملكات."

ومن الأديبة كلود ناصيف حرب إلى جميل الدويهي نقرأ: "في آخر يوم من السنة، وبداية سنة جديدة، ماذا أقول للعبقري اللبق، رائد النهضة الاغترابية الثانية، وزعيمها من غير منازع، المتعدد في أدبه، والمضحي بكل ما عنده من فكر وإرادة وسهر وتعب، من أجل حضارة الإنسان؟ وبين هذه الباقة من الكتب، وهذا الإنجاز الذي لا يُصدّق، لولا الإثباتات الدامغة، أعتز بأن لي مساهمة في هذه النهضة التي أرادها الدويهي، ونشر أعلامها على القمم... ونحن سنبقى معك أيها الجميل الجميل، ونبشر أنفسنا بإنجاز مماثل في العام المقبل، ولا تطلب من النقاد أن يؤرخوا، فهذا واجب، وخدمة الحقيقة يجب أن تكون تلقائية، لا انتقائية. وأنت تضع أعمالك في وضح النهار، لكي يراها الناس، ونحن نراها، ونعترف بأنها قيم وإنجازات ضخمة تعجز عنها دول ووزارات ودور نشر ربحية، فألف شكر لك، واعتزاز بقامتك الأدبية والفكرية، وكم هو رائع أن يكون الجميع مدعوين إلى مائدة العطاء الدويهي الذي لا حدود له، وأن يكونوا شاهدين بصدق، نقاداً وإعلاميين ومهتمين، على نهضة قل مثيلها، تنطلق من قلب سيدني إلى قلوب المحبين في كل مكان. كل عيد وأنت بخير يا عميد الأدب المهجريّ، والمقارنة هي التي تثبت وتبرهن، ولا تحتاج إلى منجمين للحديث عنها. محبتي ووفائي إلى ما بعد بعد الزمان".

حظي مشروع "الأدب الراقي" للدكتور جميل الدويهي بعناية الدارسين ونقاد الأدب وماز ال كذلك، ولهذا الأدب محبوه ومتذوقوه، فقد كان فتحا في أدبنا الحديث، فتح عيوننا على مباهج الحياة، وروعة المغامرة وإغراء الحرية ، إذ خرج بالأدب المهجري من رحم المعاناة مبشراً بعصر الخصوبة وبقيام طائر العنقاء من رماده صحيحا معافى معليا صرحا جديدا من الأدب الخلاق المتميز بصدق الشعور ونزعة التجديد والغيرة على حاضر الأمة ومستقبلها، متزودا من الثقافة العربية الأصيلة والغربية البناءة، مستفيدا من أرض ترعرع فيها هي "استراليا" حيث للفرد قيمة وللعلم المكانة الأولى. 

ونحن في هذا المقال راصدون لدور الاعلام في نقل الأدب المهجري، تاركين القيم الانسانية التي تضمنها والجمالية والفكرية لمقالات أخرى. وإنه لحقيق بنا نحن ورثة هذا التراث الأدبي الضخم أن نتمثله وأن نساهم في نشره ومأسسته وأن لا تبقى المسؤولية فردية بما تتطلب من جهود وامكانات.

أضف إلى ذلك، وقد اضحى العالم قرية كونية واحدة بفعل ثورة الاتصال والتواصل وسيطرة "العولمة" والتي غزت أسواقنا بمنتجاتها الغثة والثمينة وما نحن في حاجة إليه وما نحن في غنى عنه والتي أدت في النهاية إلى تسطيح الفكر والشعور والجري وراء بريق الألفاظ دون أن نكلف أنفسنا عناء البحث عن المضمون. إنها عولمة في بعض اوجهها حولتنا إلى كائنات طفيلية مستقبلة ومستجيبة لكل المثيرات الواردة من الضفة الأخرى، وكأن صرخة المهجريين في النصف الأول من القرن الماضي ذهبت أدراج الرياح ، وما أحرانا اليوم أن نعود مع "افكار اغترابية" إلى تلك القيم الإنسانية التي تضمنها الأدب المهجري وصدح بها وعاش لأجلها. لاننا عندما نتحدث عن الثقافة العربية في المهجر، تنفتح الذاكرة على تلك المدارس الأدبية التي أسستها أجيال من المهاجرين العرب إلى أمريكا الشمالية والجنوبية في بدايات القرن العشرين، في ما عرف بعد ذلك بأدب المهجر. في المقابل عندما نتناول المسألة نفسها في الوقت الراهن تقفز إلى أذهاننا إبداعات فردية لكن هذة المرة في استراليا "الدكتور جميل ميلاد الدويهي" نموذج.

بحيث يمكننا القول إن أدب المهجر في استراليا قد وصل إلينا وأصبح بداخلنا لدرجة أننا نتنفسه كل يوم في ظل وجود قنوات الاتصال الحديثة مثل الإنترنت، والمطبوعات العربية في كل من استراليا ولبنان التي تنقل لنا الادب المهجري ونشاطاته. فلم يعد هناك شيء خفي. كل شيء أصبح معروضاً. ولا توجد موهبة حقيقية خفية في ظل كل وسائل الاتصال هذه.

إن المتأمل للمسألة سيجد أن ثورة الاتصالات أحيت مدرسة المهجر القديم فما بالنا بالجديد؟

وعليه فإن المشكلة هي في معرفتنا القاصرة والضعيفة احياناً بما يُنجزه المثقفون والكتاب العرب في الخارج، وليس إلى انخفاض مستوى نتاجهم أو هشاشة أعمالهم. بشكل عام، علينا أن نكون فخورين بالعديد من التجارب العربية في الخارج، لا سيما في استراليا حيث "مشروع افكار اغترابية للأدب الراقي"نموذج.

أختم مع الصديق الدكتور عماد فغالي وهو يقول في الدويهي: "عرفتُكَ يا سيّدُ تحصد ما زُرعتَ فيه. وإن اقتلعتَ ذاتكَ إلى الهجرة البعيدة، إلّا أنّكَ غائصٌ دائم ومتمكّن في الجذور التي أنبتتْك، رغم الأشواك التي تغمر الطرقات!

 جميل الدويهي، قرأتُكَ روائيًّا، لتؤكّدَ لي مرّةً جديدة، هذه المرّة مزدوجة، أنّكَ شاملُ الأدب. خضتَ أنواعَ الكتابة بإبداعيّة، وهذا نادرٌ يميّزكَ. وفي كلّها أعلنتَ الكلمة في أبعادها الإنسانيّة المثلى.  شكرًا لأنّكَ طائرُ الهدى، في يراعِكَ غصنُ سلامْ، يشقّ البحار يحملُ الخير، ويَنشدُ المراقي... حسبُنا نعتبر!"

***

مؤتمر "النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان"

مشروع الأديب د. جميل الدويهي افكار اغترابية للأدب الراقي، منتدى لقاء - لبنان، وبستان الإبداع.

الورقة 2- الإعلامية إلهام سلطان - سوريا: الجميل... مرايا النور - بحثه عن الخلود وحكايته مع بناء الانسان

(تنشر في كتاب خاص عن المؤتمر - إصدار مشروع أفكار اغترابية، منتدى لقاء وبستان الإبداع)

________

بينما نحن في زمن الطوفان الأسود، والعواصف العشواء التي تدمر حياتنا فكرياً، وتشوه ثقافتنا وأخلاقنا وهويتنا ومبادئنا، والخمار الذي يرخي بسدوله على مساحات الضياء والأمل والحرّية في وجودنا... يطل علينا د . جميل ميلاد الدويهي بقلمة الأبيض الذي يحمل مساحات من الصفاء، والنقاء، ومن مزنات العطر، وروابي الضياء... يطل علينا بأحرف ذهبيه وكلمات قرمزية وعبارات وضاءة بزرقة الحلم، ليحملنا إلى أرض الانسانية، أرض البهاء، أرض الحق، وأرض المحبة... حاملا مشعل الحرّية، والفرح، والفكر، والثقافة والفن، والجمال وكلّ معاني الانسانية التواقة إلى الفجر وإلى حضور الشمس...

د جميل الدويهي مكتبة متنقلة، شلال هادر من الأفكار، صحائف من القيم والمبادئ. هناك من بلاد ما وراء البحار، من سدني ما زال إنتاجه يزهر، حيث أصدر ١٨ كتاباً سنة ٢٠٢١، أي بمعدل كتاب ونصف شهرياً ، إيماناً منه بأن الكلمة هي الأقوى في معركة الحضارة.

المحور الاساسي لكل كتاباته هو الانسان وبناء إنسانيته، وتحرير فكرة من القيم الزائفة، وانطلاقه إلى عالم النور، عالم المعرفة، عالم الحق ، عالم الحرّية وعالم البصيرة...

ولكي نعرف جميل الدويهي الناطق بالحقّ، فلنقرأ كتبه الفكرية، وآخرها كتاب "أفكار خارج العزلة" الذي سيصدر عام 2022.

الدويهي يدخلنا إلى مدن تصقلنا، ويعرّفنا بأناس يوسعون آفاقنا، ويسرد لنا حكايات تنعش أيامنا، ويضعنا أمام قصص تغني تجربتنا، فلنقرأ مثلاً قصة "الناطق بالحقّ شيطان" التي يبدأها بهذا الكلمات: "أخبروني عن رجل ترك الحضارة وذهب إلى مغارة ليقيم فيها، ويعيش على الكفاف، لاعناً البشر، وجنونهم، وشهواتهم، وقيَمهم المزيّفة"...

وبعد حوار دار بينه وبين هذا الرجل الذي يئس من البشر، يقول: "واجهتُه بنبرة العارف المتيقّن: إنّ ما تذهب إليه صحيح، لكنّ من الخطأ أن تتخلّى عن قول الحقّ لتعيش في صمت. إنّ الماء الذي يحزّ في الصخر يقطعه يوماً بعد يوم، وإذا كان البصر لا يقاوم المخرز، فالبصيرة تقاوم السيف والبندقيّة.

هزّ برأسه رافضاً أن يتزحزح من مكانه، فيئست من محاولة إقناعه برؤيتي..."

هنا تكمن القيمة الحقيقيّة لفكر الدكتور الدويهي ورسالته، في إيمانه بقوة الكلمة وإيمانه بالانسان الجريء، وقدرته على تغيير العالم: "ودّعته قائلاً: نحن مختلفان أيّها الرجل الذي لا أعرفه، فأنت شيطان أخرس، وأنا شيطان يصرخ بالصواب. وسأظلّ أكتب وأقرأ وأعظ في المدن، مؤمناً بفكرتي، وإذا كان هناك من يكرهون الكلمة، فعندي أبراجٌ لها، لا يطالها رمح قائد ولا ملك عظيم. وإذا كان في المجتمع مَن يعتقدون أنّ أظافرهم يجب أن تكون في كلّ جهة، ولا تسير مركبة أو قافلة إلاّ طوع أمرهم، فلديّ مبرد جائعٌ يلتهم الأظافر الطويلة، ومنطقي هو الأمر على الذين يأمرون بالباطل ويعجبون بأنفسهم في مرايا تظهرهم أكبر من أحجامهم أو أعظم مقاماً... صدّقني أيّها الرجل التعيس: إنّ الشجاعة تغلب الكثرة، ولا ينتصر تحت الشمس إلاّ الجريء الذي يعتبر أنّ كلامه للخلود، وأنّ سكوته أبشع من جنازته."

هنا يذكرني الدويهي بجلجامش، وسعيه للخلود بعد ان حصل على نبتة الخلود... جلجامش وايمانه بأهل أوروك كانا حقيقة واقعية، وبعد أن تأكد من عشبة الخلود، كانت أولى الكلمات التي قالها إثر خروجه من الماء: سأحملها معي ألي أوروك المنيعة وأعطيها للشيوخ يقسمونها، ولسوف آكل منها أيضا فأعود إلى شبابي"...

لقد كان جلجامش فعلا حامياً لأوروك ولأهلها، ولهذا حينما حصل على العشبة لم يفكر بنفسه، بل بأهل أوروك أولا،ً وهذا ما جعله يحتفظ بالعشبة ولا يأكل منها. ومثل هذه المواقف لا تكون ألا عند من يضحون بأنفسهم في سبيل نشر القيَم وبناء الانسان.

إن جلجامش الإنسان الذي ولد على هذه الأرض، قام ببناء مدينة حديثة ووضع فيها الأنظمة الديمقراطية، ما جعلها رائدة عصرها في تكوين الحضارة والثقافة الإنسانية، وأيضا الدكتور الدويهي الذي أشرق في عالمنا، قام ببناء مدينة المعرفة والثقافة، وجعل العالم قرية صغيرة تحمل كل القيم السامية، وأرادها مدينة فاضلة، ومدّ جسور المحبة والمعرفة بين الشرق والغرب، فهو حامل لرسالة جلجامش في سعيه للخلود، من خلال ضفائر المعرفة والنور التي ينشرها في أرجاء العالم.

وفي كتاب "افكار خارج العزلة" يتحدّث الأديب الدويهي عن زائرين، يأكلون عنده ويشربون، ولا يعرف وجوههم، وكانوا يرتدون أقنعة، ولعلّهم ظنّوا أنّه هو أيضاً يرتدي قناعاً ويظهر بغير وجهه الحقيقي.

فعلاً، نحن الغرباء في أوطاننا، نلبس أقنعة الحب ونبحث عنه... نتكلم بلسان الغير لأننا لا نتجرأ على البوح بما نرغب... زوارنا غرباء، لكل لغته، فاللغات هي للقلوب وليست للأقلام... فهلا تحدثت تلك القلوب وباحت بمكنوناتها؟

ونحن أيضاً زوار لهذا العالم الذي يدّعي المدنيه، ويحمل رواسب من ماض بائس، يقدّم إلينا عقليّته وديانته وآراءه دون انسجام. والكل مقتنع بأنه يفعل الصحيح وغيره يرتكب الخطأ.

نعم، أكل الضيوف، خرج الضيوف، دخل ضيوف... ونحن ضيوف إلى مائدة، نرجو أن يكون عليها بعض الحب، بعيداً عن الحقد والحسد والتطرف. ليت المدينة الفاضله تزورنا يوماً، تأكل عندنا وتطعمنا... ربّما يحل الوئام والمحبة النقية يوماً!

لقلمك جميل الدويهيى باقات من العطر، من الضوء، ومن المحبة الانسانية والسلام الداخلي...

إن القيمة الحقيقة للانسانية والهدف الاساسي من وجود الانسان على الأرض هو انجاز الرسالة الإلهية في بناء البشريّة وإعمار الأرض، ومباركة الأفكار والأقلام والسواعد التي تحمل هذه الرسالة. وإن بناء الانسان والاستثمار فيه هما السبيل إلى تقدّم المجتمعات والازدهار الحضاري، إذ إن الحضارات والدول لا تقاس بعمرانها وثرواتها، بل باهتمامها ببناء الانسان الذي يشكل الجزء الكبير في مسيرة الحياة، ونهوض الحضارة، ويساهم في التطوير والتوازن في هذا الكون.

نعم أيها الدويهي، الزمن والتاريخ والانسانية ستهبك الخلود وستنقشك وشماً في صفحاتتها الوضاءة، وستخلدك في ذاكرتها الابداعيه، وترسمك شمساً في سحر سمائها... وستبقى أنت أيقونة المحبة في ذاكرتنا!

***

مؤتمر "النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان"

مشروع أفكار اغترابية ، منتدى لقاء - لبنان، بستان الإبداع - سيدني

الورقة - 3- 

الدكتورة عائدة قزحيا حرفوش: تكريم النّجوم الاغترابيّة، جنود اللغة العربيّة المنتشرين في أقاصي الأرض

(تنشر في كتاب خاص عن المؤتمر - إصدار مشروع أفكار اغترابية، منتدى لقاء وبستان الإبداع)

______

الوطن ليس أرضًا بل هو روح... فلو كان أرضًا لَنَسِيَهُ كلّ المهاجرين والمغتربين ولَما شعروا بالغربة والحنين، وهم الواجدون أرضًا وبلادًا منحتهم جنسيّتها والأمان، وحضارة تحترم حقوق الإنسان، وفيها كلّ مقوّمات العيش الكريم وما يُرضي طموح الإنسان.

وهأنذا أبحث اليوم، في هذا المؤتمر الاغترابيّ عن حروفٍ عذراءَ كي أعبّرَ بوساطتها عن قدسيّة جهاد الأدب المهجريّ، وأخصّ بالذّكر الأدب الدُويهيّ كباحث عن إبرة في أطنان من التّبن، وفي نيّتي ألّا أبخس حقّ جهادكم المقدّس في معركة كربلاء اللّغة حتى ينتصر حقّ الحرف العربيّ اللبنانيّ، إذ جعلتم وطن الاغتراب أندلسكم، تُخصبون جنائنَهُ بعبير تقطير عرق إيمانكم بلبنانيّتكم وعروبتكم أزاهيرَ شعرٍ ونثر وحكمة وفلسفة ، يسكر المرء بجمالها وإتقانها وأصالتها، حيث لا خوف على اللّغة العربيّة ما دامت تتغذّى من لبن عصافيركم الاغترابيّة، ومن نسر الإبداعات الدّويهيّة.

جئتُ اليوم أشارك في هذا العرس الثّقافيّ، في مهرجان الكلمة لأرفعَ قبّعتي احترامًا للأقلام الاغترابيّة الّتي ترفرفُ أعلامًا لبنانيّة اعتزازًا وشموخًا في كلّ مكان، وإكبارًا لروحهم العربيّة.

أمّا أنتم، شعراءَ وأدباءَ الرابطة القلمية: جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، إيليّا أبو ماضي، نسيب عريضة، رشيد أيّوب، عبد المسيح حدّاد، ندرة حدّاد، أمين مشرق... فَتَحيّة كبرى لأرواحكم ووقفة عزّ لأدبكم، فلترقد نفوسُكم بسلام ولتطمئنَّ في مثواها الخالد في أدبنا الّذي نقتات منه زادنا اليوميّ، اطمئنّوا، فقدِ انبعثَتْ رابطتُكم القلميّة مع ورثةٍ حافظوا عليها وأعادوا إحياءها من جديد، وها نحن نحتفل بعودتها ونشعر بفرح العيد.

ولا يسعني في هذه المناسبة إلّا أن أكرّم بدوري تلك النّجوم الاغترابيّة، جنود اللغة العربيّة المنتشرين في أقاصي الأرض، يذودون عن اللغة بسيف حروفهم، ويرفعون لواء وطنهم عاليًا أينما حلّوا، وأقدّم لكم وللوطن لبنان درع الشّكر والمحبّة والتّقدير والامتنان، كما يسرّني أن أقدّم لـ"جبران خليل جبران" درعًا بشريّا من لحم ودم وروح، قد بذل النّفس والنّفيس، وأفنى ذاته بين الكتب والكراريس، وكرّس حياته مجاهدًا في ساح الفنون الأدبيّة على أنواعها، وأهنّئه بالقول: نَمْ قرير العين يا جبران إذ تقمّصتَ فصرت دويهيَّ لبنان.

ذلك النّاسك الدويهيّ في محراب اللّغة العربيّة، حيث عَبَدَ الله في صومعتها فتوّجَتهُ نبيًّا في محرابها.

وإنْ صحّ القول فالأدب الدّويهيّ ليس أفكارًا اغترابيّة، بل هو فلسفة وطن عالميّة. وكأنّي مع العائلة الدّويهيّة أسترجع أسطورة آدم وحوّاء، إذ حمل الكاتب والشّاعر المبدع "د. جميل" زهرته المريميّة وخرجا من الجنّة، ثمّ راحا يصلّيان معًا ويبتهلان ويتصوّفان في معبد الحرف، مجاهِدَيْن ساعِيَيْن وقد حملا وطنهما زوّادة، وحنينهما عبادة، حتى شابت فيهما الرّؤوس ولم تشِبِ النّفوس، وقسَتْ عليهما الظّروف فأينعت في أدبهما الحروف.

عذرًا أيّها المهاجرون عذرًا

لقد دعوتكم منذ نعومة حروفي للعودة إلى الوطن...

دعوتكم وفي قلبي مرارة الشّوق إليكم، وفي عينيَّ دمعة أسًى، دعوتكم وفي حلقي غصّة ألم وحرقة، وفي نبضي لهفة وشوق.

عذرًا أيّها المهاجرون لأنّي رجوتكم وتمنّيت عودتكم بحرارة، وسال دمع قلمي تكرارًا وأنا أواسيكم في غربتكم وأناديكم للعودة إلى وطنكم ولكثرة ما نشجت حروفي رجاءً عدتم...

فهرولت إليكم أضمّكم، أعانقكم وأقبّل الأرض تحت وطء أقدامكم، وأنهيت لقائي بكم بأن رفعت يديَّ إلى الله أشكره على عودتكم سالمين استجابة لرسالة كتبتُها لكم في موضوعي الإنشائيّ الّذي طلبَتْهُ منّي أستاذة اللّغة العربيّة في المرحلة التّكميليّة.

عذرًا.. وألف عذر.. لقد ساوَمتُ على عودتكم بحيازتي على أعلى علامة إنشائيّة ونيلي جائزة وميداليّة.

وعلتِ هتافات التّهنئة وراحت أيادي رفاقي ورفيقاتي وأساتذتي تصفّق بفرح، كيف لا وقد أحرزتُ نصرًا مُبينا حين أعدتُ في موضوعي التّعبيريّ كلّ المهاجرين.

عذرًا أحبّائي المهاجرين إذ خدعتكم عندما صوّرت لكم لبنانَ كما أرجوه أنْ يكون، لا كما هو كائن.

يا لَأنانيّتي!

دعوتكم لتشبعوا من خيرات الوطن ونحن هنا جائعون، في قلوبنا غصّة وفي عيوننا دمعة.

دعوتكم لترتَوُوا من ينابيعه العذبة، ونحن هنا نغسل وجوهنا بدموع القهر والعزاء...

صوّرت لكم أحراج وطنكم الخضراء، وخبّأت عنكم أحراجه الفحماء.

عذرًا وألف عذر، صوّرت لكم الثّلج فوق صنّين، وخبّأت عنكم صور أبنائه العارين، صوّرت لكم نور الشّمس والضّياء، وأخفيت عنكم عتمة قبورنا الظلماء وحلكة الكهرباء.

عذرا... لم أكن أدري أنَّ الغربة سماء الوطن وأنتم أقمارها ونجومها وكواكبها. لم أكن أدري أنّ الشّعراء والأدباء هم قادةُ الشّعوبِ في مملكةِ الفكرِ والإصلاحِ والتّطوير، وأنّهم نسماتُ الفصولِ ورياحُ التّغيير، وأنّهم عُشّاق الكلمةِ، وحماة اللّغةِ العربيّةِ. وأنّهم سراجُ النورِ في عتمةِ دّيجورِ الجهلِ ولوحاتُ الجمال في طبيعة الخيال.

بوركت حناجر أفئدتكم، وصرخات أقلامكم وهتاف حروفكم ومناجاة الله في اشتياقكم.

فأنتم سفراء قلوبنا إلى العالم.

حفظكم الله وأدامكم ذخرًا وذخيرة لنا وللّغة العربيّة وللبنان.

***

مؤتمر "النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان"

مشروع الأديب د. جميل الدويهي أفكار اغترابية للأدب الراقي، منتدى لقاء لبنان، وبستان الإبداع

الورقة 4

الأديبة مريم رعيدي الدويهي - أستراليا: مقارنة بين الرابطة القلمية وأفكار اغترابية - نظرة عامة

(تنشر في كتاب خاص عن المؤتمر - إصدار مشروع أفكار اغترابية، منتدى لقاء وبستان الإبداع)

من الصعب أن يقتحم أحد موضوعاً كهذا، وقد يكون من الممنوعات أو "التابو"، وسيقول قائل: أين الثريّا من الثرى؟ والمقصود بالثريّا الرابطة القلمية، وبالثرى أفكار اغترابية. وما عناصر الشكّ والتردد والحذر التي تحيط بمسيرة أفكار اغترابية ودورها، سواء من مشتغلين في الأدب أو إعلاميين ومؤسسات، إلا وجه من وجوه الصدمة الإيجابية التي أحدثها المشروع، ومن الصعب الاعتراف بها تلقائياً. والإشادة بوقعها ومداها. بيد أن الحقائق تثبت بالمقارنة، وليس بالكلام العشوائي، والتسخيف المسبق لكل بارقة، أو أيّ محاولة اكتشاف جديدة...

نعم هناك فرق، فالرابطة القلمية تأسست في ظروف مختلفة، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، وفي أواسط الحرب العالمية الأولى، أي في عام 1916، وتفكّكت في عام 1931، بعد موت جبران خليل جبران، رئيسها وزعيم مدرستها الأدبية. وكان للرابطة مجلس إداري، جبران رئيساً، ميخائيل نعمة مستشاراً، وويليام كاتسفليس أميناً للصندوق… وكانت تضم أعضاء أيضاً، منهم نسيب عريضة، رشيد أيوب، عبد المسيح حداد، ندرة حداد، وإيليا أبو ماضي... وأفكار اغترابية تأسست عام ٢٠١٤ (بعد مئة وسنتين)، مؤسسها واحد هو الأديب د. جميل الدويهي، وهي ليست مؤسسة، وليس فيها أعضاء ثابتون، بل هي فكرة طرحها الدويهي، وأصبحت إطاراً لعمله الثقافي، وتعاون معها عدد قليل من أدباء وشعراء في المهجر الأسترالي، وعدد أكثر في العالم الخارجي. وهذه الفكرة تختصر عالم الدويهي الإبداعي، القائم على تعدّد فريد في الأنواع، واللغة المهذبة السامية التي ترفض الابتذال والانحطاط. بل هي جاءت، كما يخبر بنفسه، بعد انفعاله وتأثّره الشديد في عام 2009، أمام قامة أكاديمية في لبنان، قرأت شعراً من أستراليا ضُربت به الأطناب، وسأل الأكاديميّ مستغرباً: هل هذا هو شعركم؟ كما هي ردّة فعل الدويهي على ضآلة النثر ونمطيّة النوع الواحد، وعلى تحَشّد النقد، بشكل غريب ومثير للريبة، وراء نصوص باهتة ليس فيها ما يميّزها، أو يضعها في مرتبة أعلى من مراتب الإبداع. وعلى الرغم من أن كاتبة هذه المقالة والأديبة كلود ناصيف حرب، تمثلان حيّزاً كبيراً ومهماً من المشروع، فهذا لا يعني أنه منفصل عن مبدعين آخرين، لهم مكانتهم وقد اهتمّ بهم الدويهي ونشر أعمالهم، واعتزّ بقاماتهم، وهم أصدقاء أوفياء له ولمسيرته، ويعتزّ بهم دائماً.

كانت الرابطة القلمية تبدع في عصر فقير تكنولوجياً، أما أفكار اغترابية فاستطاعت أن تبرز سماتها وتجلياتها الإبداعية بشكل أوسع من خلال الفايسبوك، وموقع "أفكار اغترابية" للأدب الراقي، وهذا الأخير ليس منتدى مفتوحاً لكل من يريد، بل منصّة رفيعة، تنشر لمبدعين.

وكانت الرابطة القلمية تنشط في مجتمع عربي قليل العدد في أميركا الشمالية، أمّا أفكار اغترابية، فمجتمعها العربي واسع وعريض، وهذا يفسّر الحشود التي تشارك في مهرجانات الأدب الراقي التي أقامها الدويهي في سيدني وملبورن، كما نجح في تشكيل وفد اغترابي لزيارة لبنان في آب - أيلول 2019، حيث كُرّم الوفد في عدة مناطق، ووُصفت تلك الزيارة بالتاريخية، وغير المسبوقة في العلاقة الأدبية بين لبنان المقيم ولبنان المغترب.

وقد يسأل سائل: لماذا لم يتحوّل "أفكار اغترابية" إلى فكرة جامعة في أستراليا؟ والجواب يتعلق بظروف ثقافية وإعلامية، من الصعب الكشف عنها، لكن المؤكد أن قطبة مخفيّة كان لها دور فاعل في جعل أفكار اغترابية ذات طبيعة مستقلّة، ولا تلقى التأييد العارم. وقد جاءت في فترة تميّزت بشيوع شعر الزجل، والقصيدة النثرية، والشعر العموديّ. أما باقي الأنواع الأدبية فقليلة جداً، والنثر يظهر بين الحين والآخر، قصصاً قصيرة أو روايات، بعيداً عن اهتمام الناس وذوقهم الأدبيّ.

الرابطة القلمية كانت أكثر تمثيلاً في مجتمعها المتعطش إلى الكلمة، وأفكار اغترابية أقل شعبيّة وخصوصيّة، بسبب شخصية صاحبها الذي يميل إلى العمل الفرديّ، وأيضاً بسبب مواقف منها، فالثورة وقلب المفاهيم وتجاوز الخطوط المرسومة، هي طعن للواقع وانقضاض عليه.

وفردية الدويهي تشبه فرادته، بل هما حالتان متكاملتان. وقد رأى صاحب "الأفكار" أن منزله واسع لكنه قليل الزوّار، فارتأى أن يكون هو صاحب البيت، والزائرين جميعاً، وجعل نفسه عدة رجال في وقت واحد، وكان مخيّراً بين أن يستسلم للضغوط الهائلة التي نزلت عليه، أو يتابع مع قلة من المؤمنين برسالته، فاختار الطريق الأصعب، البقاء في ساحة يطوّقها سياج شائك، متسلحاً بإيمانه، ومعرفته، وأصالته الأدبية.

فإذا كان جبران ونعيمة ورشيد أيوب وإيليا أبي ماضي أصحاب الشعر العمودي، وقلّما كتبوا غيره، فالدويهي صاحب لثمانية أنواع، هي الشعر العمودي، شعر التفعيلة، الشعر المدور، الشعر المنثور، الزجل، التفعيلة العامية، المدور العامي، والنص العامي الشعري. وللعدل والحقيقة نقول إن الشعر العمودي كان الشعر الوحيد المعروف في زمن الرابطة القلمية، أما في عصر الدويهي فالأنماط تعددت، وكانت ثورة في الشعر قد حدثت بعد انحلال الرابطة القلمية بسنوات قليلة، وابتكر مبدعون في لبنان والعراق ومصر وسوريا ودول عربيّة أخرى أنماطاً شعرية جديدة (في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي)، استفاد منها الدويهي، واستخدمها ليغْني تجربته ويثبت أنه عدّة شعراء في شاعر.

وإذا كان جبران ونعيمه قد كتبا القصّة القصيرة، فالدويهي كتب ثلاث مجموعات منها، "أهل الظلام"، "من أجل الوردة"، و"الحافلة والولد ممكن”. وطوّر الدويهي لغة القصّة، من واقعية إلى رمزية فسوريالية، وهو أبعد الناس عن رومنطيقيّة جبران وروحانية نعيمه الغارقة، فالدويهي يؤمن بتوازن المادّة والروح، الخير والشر والنور والظلام… ثم أضاف الأديب الدويهي إلى تجربته القصصية 4 رويات هي: “الذئب والبحيرة"، "طائر الهامة"، "الإبحار إلى حافّة الزمن"، و"حدث في أيام الجوع”. الأولى تتناول واقعاً في عالمنا العربي، والثانية تخوض في الواقع اللبناني، والثالثة أسترالية المنبت والجذور، والرابعة رمزيّة – واقعية، تعكس ما يحدث في لبنان اليوم من مأساة الفقر والجوع واستهتار الحكّام بالقيم.

وقد تعاطى جبران ونعيمة بالنقد الأدبي، غير أن كتاباتهما في هذا المجال لم تكن أكاديمية، بل انطباعية. وفي قارّة أخرى، كان الدويهي يكتب الدراسات النقدية المحكمة والأكاديمية، التي احتضنتها، على قلتها، كتب جامعية ومجلات متخصصة. نقول "على قلتها" لأن الدويهي ليس متفرغاً، فبين أسفاره الكثيرة، وعمله الإعلامي، وهموم الحياة، والنشر، من أين له أن يكتب عشرات المقالات ويضيفها إلى رصيده الثقافي والعلمي؟

وعندما نقارن بين مقالات الدويهي الأكاديمية، وما ينشره غيره من أساتذة كبار، يتبيّن لنا أنّه مقصّر في هذا المجال، عدديّاً على الأقلّ.

أما "فكر" الرابطة القلمية، فكان جسر الإبداع المشرقيّ وعموده الفقري في أميركا الشمالية، بل هو المحور الأساسيّ الذي بنيت عليه الرابطة، وأخذت شهرتها، واعترف الدارسون بدورها الكبير في إغناء التراث المهجريّ وقيمته، ومَن منا لا يعرف "النبيّ" و"المجنون" و"العواصف" و"السابق" و"التائه" لجبران، و"مرداد" نعيمة، وقصيدة "الطلاسم" لأبي ماضي؟ ومَن منّا في أسترليا لم يسمع بكتُب الدويهي: "في معبد الروح"، "تأمّلات من صفاء الروح"، "رجل يرتدي عشب الأرض"، "هكذا حدّثتني الروح"، "بلاد القصرين"، و"أفكار خارج العزلة"؟ وكما أسّس جبران مدرسة أورفليس، في موازاة لمدينة غولونغازا، مدينة الشاعر ويليام بلايك، "النبيّ" الآخر، وأنشأ ميخائيل نعيمة مدينة "مرداد" القيم الروحية، فإنّ الدويهي بنى في أستراليا مدينة القيم الخالدة، وقد وضعتُ بنفسي كتاباً عنها، بعنوان "فكر جميل الدويهي ومدينة القيم الخالدة"، وبرهنت بالنصّ أنّ الدويهي يسعى إليها، في سبق مهجريّ جديد، هو ببساطة "الفكر" الذي يرتقي الدويهي إلى عالمه، ويشحنه بطاقة من ثقافته ورؤاه الفلسفية القائمة، فالدويهي في كسيرته الإبداعية كتب الشعر والنثر، ورفع النثر إلى مرتبة الفكر السامي والمجيد، وهذا تفرّد غير مسبوق في الأدب المهجريّ في أستراليا.

نحن لا نقول إن هذه المنجزات تساوي تلك التي ظهرت في أميركا أيام الرابطة القلمية، فليس هناك ميزان دقيق للفصل بين عمل وآخر، وقد يقلّل كثيرون من أهمّيّة منجزات الدويهي، ويجدون في "معجم عربيّ" واسع، كلمات لا حصر لها للإيحاء غير الصحيح بأنّ أعماله باهتة، ومقلّدة، ولا ترقى إلى مستوى الزجل أو الشعر المنثور، وهما نوعان سائدان في المغترب الأسترالي، وكأنّهما القالب الذي كسره الله بعد أن أعدّه بعناية وإتقان.

لكن من الضروري الاعتراف بأن في أستراليا رجلاً يعمل ويتعب ويسهر، ويقدم أعماله في مختلف مجالات الأدب مجاناً، ويصرف من صحته وماله، من غير حساب، وكل همّه أن يؤسس نهضىة اغترابية ثانية (التسمية للدكتور كلوفيس كرم – أميركا والأستاذ محمد العمري – سيدني أطلقاها حصراً على مشروع أفكار اغترابية). ومن أوجه التشابه بين النهضة الأولى التي أطلقتها الرابطة القلمية، ومشروع أفكار اغترابية في سيدني، تُعتبر تسمية "النهضة الاغترابية الثانية" لباساً مناسباً لمشروع الدويهي، وخير توصيف له…

وعلى الرغم من أن الدويهي، كتب أيضاً التاريخ، والمقالات الصحفية التي تجاوزت الآلاف، وأعد برامج تلفزيونية، بحكم عمله الإعلامي المتعدد أيضاً، ووضع حتى الآن خمسة كتب بالانكليزية (جبران كتب حوالي 10 كتب بالانكليزية)، وترجم، وصنّف، وحبّر المقالات النقديّة والأدبية، فلا يزال يشعر بأنه ينحت الجبل بإبرة، ويلاحظ أنّ هناك غابة تطوقه، عليه اجتيازها كما في الحكايات، وعليه أن يزيل الخطوط المرسومة، لكي يتجاوز ويحلق إلى البعيد. ولعلّ كلمة "تجاوُز" هي العنوان الأبرز لأعماله، والسمة التي ميّزته، وجعلته يشعر أنّه يجاهد بصبر، ومعه نخبة من المبدعين والإعلاميين والمؤسسات التي تفهم الأدب، من أجل انتصاره في معركة الوجود.

ولعلّ تتويج مسيرة الدويهي الحافلة بكلّ أنواع الإبداع تقريباً، بجائزة مرموقة تحمل اسمه واسم مشروعه المشعّ، أقلّ ما يمكن أن تقدّمه الجالية العربيّة كمكافأة له، بل أقلّ ما يقدّمه هو لمبدعين أحبّهم وأخبّوه، ورأى كثيرون منهم في رحلته صوب نبتة الخلود وحْياً لهم، وقدوة لأعمالهم ومشاريعم، وربّما كتاباتهم الأدبيّة.

وليس مؤكداً أن أعمال الدويهي ستلقى الاهتمام الكافي من الدارسين الآن، لظروف واضحة للعيان، فمن الأجدى الانتظار مئة سنة أو أكثر، إلى أن تنضج العناقيد في كروم الأفكار الاغترابية، ويقتنع الناس بأنّ أستراليا، القارة البعيدة عن الاهتمام، حدثَ فيها ما لم يحدث في أيام الجوع، أي انتفاضة على السائد والنمطية، واختراق لجدران الخوف إلى برّيّة المعمدان، وكرامة الحضارة والإنسان.

***

مؤتمر "النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان"

مشروع الأديب د. جميل الدويهي أفكار اغترابية للأدب الراقي، منتدى لقاء لبنان، وبستان الإبداع

الورقة 5

الدكتور كلوفيس كرم - أميركا:

ما تقدمونه في حقل الثقافة والإبداع، خدمة للبنان والانتشار وللأمة العربية جمعاء

(تنشر في كتاب خاص عن المؤتمر - إصدار مشروع أفكار اغترابية، منتدى لقاء وبستان الإبداع)

____

قلائل هم اليوم الذين يتذكرون رمزية قصة ابنة ملك صور أوروبا "المخطوفة" وأخويها قدموس وفينيكس. أوروبا ما زالت حية وقلم قدموس ما زال يحفر الحرف إبداعا وجمالاً.

أوروبا اليوم هي "أفكار اغترابية" تتمثل بجمال وبهاء الشمس الطالعة من فوق جبال لبنان، وقدموسها د. جميل ميلاد الدويهي الذي أبى إلا أن يعود بأخته المخطوفة أوروبا - "الغربة"، شمس الكلمة الحرة إلى شواطئ صور العصية على نبوخذنصر، والاسكندر المقدوني، وداريوس الفارسي، والى ربوع العز وبيادره في كل أرجاء الوطن.

"أفكار اغترابية" ربانها دويهي قدموسي يرجع إلى شواطئ الوطن، من غربة طويلة وأليمة، بسفينة محملة ومثقلة بأرجوان الشعر وأجاجين نور وحبر حرّية. بحارتها جبابرة من بلادي وعمالقة مردة حولوا أقلامهم إلى مجاذيف حالمة، ونثروا على الموج أشعاراً وصواري، صلاةَ توبة وعودة، وهتفوا للريح الطالع من جوف البحار: هلمّوا ليوم الحصاد، إلى موطن الجمال والغلات، إلى حضن بلادي المجروح، إلى بيادر العز والكرامة.

د. كلوفيس يوسف كرم فخور بأن يكون من بحارة سفينة الاغتراب، سفينة "أفكار اغترابية"، السفينة التي تعود إلى الوطن بالثقافة "المخطوفة"، بأوروبا الجميلة مع قدموسها الكبير، مع الدويهي...

زغرودة أدبية كزغرودة بنات جبيل في يوم قيامة أدونيس مع طلوع الفجر ... وسيقوم من سُباته مهما طالت الأيام ودار الزمن، وما دام في لبنان حبر وقلم.

باسم اللجنة الثقافية التي أترأسها في الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، اتقدم من صاحب مشروع النهضة الاغترابية الثانية الدكتور جميل الدويهي الاهدني وكوكبة أدباء المهجر الجديد، بأحر التهاني لما يقدمونه في حقل الثقافة والإبداع، خدمة للبنان والانتشار وللأمة العربية جمعاء. أخذ الله بيدكم د. جميل، مع أمل اللقاء بكم حالما تسمح الظروف، لتقديم جائزة "قلم قدموس" لكم، باسم الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم . والله ولي التوفيق.

***

مؤتمر "النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان"

مشروع الأديب د. جميل الدويهي أفكار اغترابية للأدب الراقي، منتدى لقاء لبنان، وبستان الإبداع

الورقة 6

الأديبة أوجيني عبود الحايك - أميركا تكشف عن كتاب جديد لها بعناية أفكار اغترابية: أفكار اغترابيّة حاضنة اللغة الأم، نهضة راقية غير مسبوقة تتميّز بالتنوع...

(تنشر في كتاب خاص عن المؤتمر - إصدار مشروع أفكار اغترابية، منتدى لقاء وبستان الإبداع)

____

عندما يضيق بنا أفق الوطن، نفتّش عن أفق جديد يشبه أحلامنا وتطلّعاتنا… يحرّرنا من براثن الأسر، نوضّب حقائبنا، ننظر نظرة أخيرة شاملة، كأننا نصورّ اللحظة لتكون جرعة دواء كلّما ضاقت بنا سبل الحياة أو غلبنا الشوق، كلّما اشتدّت العاصفة وعمّ الظلام... لكن مهما ابتعدنا يبقى وطن الجذور يرافقنا، نحلم بزواياه، بأرزه، بسنديانه، بدفء شاطئه، نحلم بالجلوس على مصطبة منزل قديم يعانق السكون، ونعانق في هدوئه الذكريات التي ترقد في حنايانا، تتوق إلى غمرة اللقاء بعد طول غياب… سفينة الأحلام عندما ترسو على برّ الأمان تجعلنا نصطدم مع الواقع، تشعرنا بالمسؤوليّة، نكبر فجأة، نفكّر بموضوعيّة، نعيش خلالها فصول العمر الحلوة والمُرّة…

لم أكن أغفو بدون كتاب تحت وسادتي أتصفّحه قبل النوم، حتّى كتب أولادي المدرسيّة كنت أطالع فيها، وكم كان يسعدني الجلوس بجانبهم ومشاطرتهم قراءة الصفحات كيّ أحفّزهم على القراءة... لطالما كان اليراع رفيقي الدائم… كنت أخط الرسائل لأهلي في غربتي، لكنّها كانت تسيل دموعهم، فأخذت القرار بأن أتوقّف عن المراسلة، وبدأت أهاتفهم علّني أفرحهم بسماع صوتي، بدل حبر الشوق الحزين الذي تفيض به محبرتي... ابتعدت عن الكتابة، كرّست وقتي لعائلتي، لكنّها كانت تسكنني إلى درجة تزورني في الحلم…وكنت أتلهّف لزيارتها، كنت أركض مع الأوراق، أجلس في زاوية هادئة أتصفّحها حتى يبدأ الفجر يتسلّل كالسارق وتختفي أوراقي فجأة وتعود إلى الصندوق المقفول… كَمّ وكَمّ تساءلت عن هويّة الروح، ومَن نحن في هذه الحياة؟ كيف ولماذا تستهوينا الفنون؟ لماذا نعشق رسم الحروف؟ لماذا يخطفنا المغيب؟ لماذا نختلف؟ لماذا نتقارب؟ ولماذا نعيش هذا الصراع؟ والإجابات تبقى مبهمة، تتركنا نتكهّن، نتوهّم معرفتها للحظات خاطفة...

مرّ العمر سريعًا كان نفس الحلم يراودني، كنت في لاوعي أتوق إلى العودة إلى عالمي الخرافي الذي كنت أدخله مع أبجدية لطالما افتخرت بها، وأضأت عليها في غربتي. كنت كلّما تواجدت في مجتمع أجنبّي، أخبرهم بأنّ الفينيقيين هم من ابتكرها على شاطىء مدينة جبيل الأثريّة العريقة، التي تجاور بلدتي... أرددها بفخر، وتحفر الوطنيّة حروفها على جبيني. قلة من الأصدقاء في غربتي كانوا يشاركونني شغفي الأدبيّ، كنت أغرّد خارج سربي، حتى شاء القدر أن يفتح لي بابه الرحب. بدأت حركة التواصل الاجتماعي تنشط بطريقة غير مسبوقة، قرّبت المسافات وشرّعت الأبواب… بدأت أمسك بيراعي من جديد، وكان الحبر قد تعتّق عبر السنين، وأخطّ على دفتر أهدتني إيّاه ابنتي، وأصبح الليل زورقي… وطفقت كلماتي تلقى حفنة من الصدى… وكان قلبي يخفق بقوة مع كل تعليق من أبناء بلدتي الذين غمروني باهتمامهم، ومتابعتهم وتقديرهم، فوقّعت كتابي الأوّل "أرجوحة الذكريات" في ذاكرة بلدتي الحبيبة عمشيت في الأول من أيلول عام ٢٠١٧ محاطة بأبنائها الكرام وبأهلي وروح أبي… شعرت ذلك اليوم وكأنّني نورسة عائده إلى شاطئ الحنين الدافئ. من أروع الصدف التي حظيت بها عبر شبكة التواصل الاجتماعي دخولي ''أفكار اغترابيّة''، هذا الصرح الأدبيّ الكريم والمشاركة مع نخبة من الأساتذة الكبار، من الأكاديميين والأدباء والشعراء المتميّزين الشغوفين بالكلمة وأبعادها وبحورها... حيث الاغتراب أصبح قلب الحدث، وأصبح الوطن رسالتنا، نكتبه، نتغنّى به، نبكيه، نرفعه باتجاه الضوء، ندافع عنه، نضيء على الظلم والفساد والوجع، أصبحنا رسل كلمة، رسالتنا الحفاظ على لغتنا والتعمّق بها والإضاءة عليها وعلى كل الذين يبذلون جهدًا كببرًا من أجل كلمة حرّة، رائدة، مغمّسة بحبر التميّز، وبتبر الحنين… حظيت بجائزة الأديب د. جميل الدويهي "أفكار إغترابيّة" في حفل اقامه نادي الشرق لحوار الحضارات في صرح بلدية سن الفيل، تكريماً لوفد أفكار اغترابية القادم من وراء البحار، في الثاني والعشرين من آب عام ٢٠١٩ في لبنان، وشاركني الوفد في توقيع كتابي الثاني ''ذاكرة الحنين'' في الحادي والثلاثين من شهر آب عام ٢٠١٩ في حفل ترك أعمق الأثر لدى الوفد، وإن دلّ فعلى رقيّ بلدتي وكرمها، وتفانيها وذوقها الرفيع، وشغف أهلها بالثقافة والعلم.

"أفكار إغترابيّة" حاضنة اللغة الأم، مؤسّسها الدكتور جميل الدويهي في سيدني أستراليا، نهضة راقية غير مسبوقة تتميّز بالتنوع، لا تهمّها المنافسة بقدر ما تهمّهما النهضة الكبيرة، التي تكنز المكتبات وتستغل الوقت المهدور لتترك بصمة خالدة تحمل اسم وطننا... نستمر ّ مع أفكار إغترابيّة، نتعاون معها، وقريبًا بإذن الله يبصر كتابي الثالث النور معها، وسأوقّعه تحت سماء بلدتي الغالية حيث يفوح الياسمين من عبق طفولتي، وحين يتوارى الضباب القاتم وتنقشع غيوم الهمّ والوجع التي تعبر في سماء الوطن، فتُقرع أجراس الفرح، وتعود المهرجانات إلى الساحات ويعزف في الذاكرة نشيد بلدتي البهي. أفكار إغترابيّة كريمة، حوّلت فصول الغربة الجرداء إلى واحات خصبة، نتنفّس معها هواء شواطئنا، تنهل من فلسفتها، تحفّزك، فتتعمّق بقراءة أدب رفيع متنوّع، يشبه حديقة غنّاء تدخلها، تدهشك روعتها وعبير أزهارها... ألوانها متعدّدة، دمغة، بصمة ستبقى على رفوف العمر، لا يفرّقها اللون أو العرق والدين. هذه النهضة الأدبيّة تتميّز بالانفتاح ورقي التعامل، تشع في سماء الغربة، تتواصل مع أدباء وشعراء الوطن الأم والعالم العربيّ، تنشر الثقافة، وتجتهد إلى حدّ الثمالة… يا لروعة هذا الشغف الأدبّي الذي يلوّن سطور الحياة حتى في أيام القحط والعتمة!… فنحلّق مع اليراع في أثير خاشع، نختبر الروحانيّة، نتجرّد عن الماديّات، نرتدي عباءة بيضاء نورانيّة تدهش العتمة، فتتوارى… الكلمة هي النور، هي مرآة الروح ومفتاح الخيال، هي الأرض المعطاء، أرض الخير التي تثمر وتعطي بدون منّّة، لأنها أرض الأصالة… مهما أقفلنا الصفحات فهناك دومًا صفحة بيضاء لا تُقفَل، لا تعرف الحقد والضغينة، شغوفة بالحبر… تنتظر خرطشاتنا، كما تنتظر الأرض تناثر الثلوج البيضاء لتحيك من نتفها ثوب عرسها الأسطوريّ … عرس الأبجديّة التي وإن ارتحلنا، باقية، تزهر مع الأجيال.

***

مؤتمر "النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان"

مشروع الأديب د. جميل الدويهي أفكار اغترابية للأدب الراقي، منتدى لقاء - لبنان، وبستان الإبداع

الورقة 7

الأديبة كلود ناصيف حرب - سيدني:

أفكار اغترابيّة بيتي ومدرستي... وأعتزّ بأنّني نشرت أعمالي منها

(تنشر في كتاب خاص عن المؤتمر - إصدار مشروع أفكار اغترابية، منتدى لقاء وبستان الإبداع)

____

بدأت تجربتي مع مشروع الأديب اللبنانيّ المهجريّ د. جميل الدويهي، منذ عهد قريب. فقد كنت أكتب خواطر متفرّقة، وأنشرها على فايسبوك، قبل أن أنضمّ إلى المشروع، شريكة في فكرة أدبيّة مضيئة، انطلقتْ من أستراليا، بعد عودة الأديب د. جميل الدويهي من لبنان في أواخر عام 2013. وهذه الفكرة التي توهّجت في مخيّلة الدويهي، ما لبثت أن أصبحت حركة عالميّة، تجاوزت القارّة التي نعيش فيها إلى القارّات البعيدة، وباتت أستراليا، التي كانت أدبيّاً، قارة شبه منسيّة في أقاصي المحيط، على كلّ شفة ولسان، فليس غريباً أن تصبح مدينة سيدني عاصمة للثقافة العربيّة (تعبير الناقد والأديب نبيل عودة). وليس غريباً أيضاً أن يكون "أفكار اغترابيّة" محطّ أنظار النقّاد والباحثين والمؤسّسات الثقافيّة، التي ترى في المشروع شريكاً، أو توأماً، أو صديقاً من الأصدقاء الكبار.

وأفكار اغترابيّة، هو مدرسة، ليس للأدب فقط، بل للفكر، والذوق الرفيع، والإنسانيّة المبدعة، والحوار الحضاريّ. وكتابات الدويهي كلّها تصبّ في هذا الإطار، فقد كتبَ كثيراً عن المحبّة، والعدالة، والتسامح، والإخاء الإنسانيّ… غير أنّ كتاباته ليست جافّة، بل أدبيّة راقية، ذات شعريّة أخّاذة… فتحوّل النثر عنده إلى حديقة ملوّنة، فيها من كلّ أنواع الزهور والنباتات، والذي يتصفّح أعمال الدويهي يجد فيها متعة سحريّة، فتجذبه العبارة، والتركيبة السهلة الممتنعة، والنصّ الهادف. فليس عند جميل نصّ ليست له غاية. ولا نعثر على ترف عنده، فهو يعتبر أنّ للأديب رسالة. يقول:

"الشاعر الذي لا يشعر بآلام الناس ليس شاعراً… والمبدع الذي لا يفهم أنّ الكلمة حقّ وعدالة ليس مبدعاً… والكاتب الذي يبيع ضميره من أجل حفنة من المال… ويتمسّح على أبواب القصور من أجل وسام أو رتبة فارس… لا هو فارس ولا هو يستحقّ أيّ وسام. والمفكّر الذي يتجاهل صرخة الشعب ويصغي لصوت النظام هو خارج على قوانين الفكر… ولا ينتمي إلى محيطه".

فكيف لا ينتمي أحدنا إلى هذه المدرسة؟ وهل هناك أشرف من يكون الإنسان شاعراً، ومفكّراً إنسانيّاً في الوقت ذاته؟

وهل يمكنني أن أبتعد عن مدرسة الإبداع الحقيقي، التي تعتبر الأدب منصّة للتبشير والرقيّ الحضاريّ، وكُتُب الدويهي "في معبد الروح"، "تأمّلات من صفاء الروح"، "رجل يرتدي عشب الأرض"، هكذا حدّثتني الروح"، "بلاد القصرين"، "الذئب والبحيرة"، "طائر الهامة"، و"حدث في أيّام الجوع"... هي صرخات من أجل الحقّ والعدل واحترام الروح الإنسانيّة؟

كيف لا أنضمّ إلى مَدينة، وإلى عدّة شعراء وأدباء يسيرون على الأرض، ويرفعون رؤوسهم إلى سماء النبل الإنسانيّ؟

وعليّ هنا أن أشرح كيف أنّ الرجل يكون عدّة رجال في وقت واحد، وأستخدم المقارنة التي قد تكون ثقيلة على السمع أحياناً، لكن لا بدّ من قول الحقيقة، مهما طال الزمان. وسيكون غريباً فعلاً، وخارجاً على المألوف، أن نتجاهل ظاهرة التنويع التي اختصّ بها الدويهي وحده، فيما كثيرون يكتبون نوعاً واحداً لا يحيدون عنه. فالطموح الدويهي أبعد من النوع، وهو لا يركن ولا يهدأ، بل يسهر الليالي الطوال، ويكتب كلّ يوم بطريقة مختلفة، حتّى أثار العجب، وأطلق ثورة عارمة على الجمود، فاستحقّ لقب العبقريّ اللبق الذي وصفتُه به، وعبقريّته تأتي من الفرادة، ومن تحليقه في سماء عالية بجناحين لا ينكسران ولا يتعبان.

ولكي لا يقال إنّني أتحدّث بعاطفة، ألفت النظر إلى موقع "أفكار اغترابيّة"على الانترنت، وفيه العشرات من كتب الدويهي، تتوزّع بين الرواية، والقصّة القصيرة، وأدب الأطفال، والفكر، والدراسة الأكاديميّة، والشعر بأنواع ثمانية، والتأريخ، وباللغتين… وكلّها تثبت صحّة ما أقول، وتدلّ على غنى غير مألوف، وتميّز حقيقيّ من غير ادّعاء… والحقيقة عندما يعلنها الدويهي لا يخجل بها، ولا يعتبرها من سمات التعجرف أو الغرور، فاسمعه يقول:

“عندما يعرض إنسان إبداعه أمام الآخرين، فإنّه يمجّد عمل الله فيه، ولا يتقصّد الإيذاء والضرر… فاللصوص والكذبة، وشاهدو الزور، ونابشو القبور لا ينشرون بضاعتهم في عين الشمس، بل يحجبون أفعالهم لكي يشعروا بالأمان. أمّا صانع الجواهر، والرسّام، والشاعر، والنحّات، والخيّاط فإنّهم يعرضون أعمالهم بفرح، ولا يخافون من العقاب، بل ينتظرون من الناس أن يغتبطوا بأعمالهم ومآثرهم".

من هذه الفكرة، التي يعارض فيها الدويهي أولئك الذين يطلبون من المبدع أن يختبئ، أو أن يطفئ قناديله المشعّة، ويقارع مَن يجهدون لتحييد الأنظار عن المنجزات الرفيعة، قرّرت أن أكون جزءاً من مشروع "أفكار اغترابيّة" للأدب الراقي، الذي أعتبره الآن بيتي الثاني، وأهلي وعشيرتي. وفيه التقيت بأصوات إبداعيّة هيّأ لها المشروع طريق الظهور والـتألّق. وقد دخل إلى المشروع كثيرون، فنشروا أعمالهم، وشاركوا في الأمسيات والمهرجانات الكبرى، ثمّ أنشأوا حالات خاصّة بهم. وهذا لا يهتمّ به الدويهي، لأنّه يؤمن بحرّية الرأي والتفكير والاختيار. وبقينا نحن الملتزمين بفكرة، والمخلصين لأديب مختلف، فحضورنا في أفكاره ليس عابراً، بل نحن نعبر معه إلى آفاق جديدة، وإلى رؤية أدبيّة لا تقوم على التقليد والتكرار المملّ، والنوع الواحد. وهو يحترم مَن يكتبون نوعاً واحداً، وفي الوقت نفسه لا يجد عيباً في أن يطوّر الأديب نفسه، ويطرق أبواباً أخرى، ويغيّر ثيابه بحسب الفصول والشهور.

وإنّني أكتب نوعاً واحداً، هو النصّ الشعريّ العامّيّ، ومثله الفصيح، إلى جانب النقد الأدبيّ أحياناً، تحت أنظار الأستاذ الدقيق والمعياريّ… والدويهي يمدّ لي يد المساعدة، ويقدّم لي النصح، ويلفتني إلى الصور والتراكيب والرموز التي ترفع النصّ إلى مستوى مرموق… وبكلّ صدق وشفافيّة أعترف بأنّ "أفكار اغترابيّة" هو الذي قدّم إليّ مفتاح الدخول إلى عالم الأدب، ولولاه لما كنت أقدمت على أيّ خطوة مهمّة في هذا المجال. فقد أشركني الدويهي في مهرجاناته الكبرى، في سيدني وملبورن، وكان وقوفي على المسرح في احتفاليّات الدويهي، كمقدّمة ومشاركة في الإلقاء من نصوصي ونصوصه أيضاً… وأسمّيها مهرجانات لأنّها مختلفة عن الأمسيات الأدبيّة التي تقام عادة، من حيث التنظيم والترتيب، والحضور الكثيف، والفعاليّات الأدبيّة والفنّيّة… والأهمّ أنّ الدويهي يقدّم كلّ سنة مجموعة كبيرة من كتبه هدايا مجّانيّة إلى الحاضرين.

وليس غريباً أن يحدث هذا التطوّر في حركة الأدب المهجريّ في أستراليا، نهضة عالية الهمّة. وفي اعتقادي أنّ الجميل مشروع عمل متواصل، لا دعائيّ، ولا ادّعائيّ، كما هو يعترف بأعمال الآخرين، بشرط أن تكون أعمالاً جليلة، تليق بالمؤسسات، بل تليق بمن يقودون المدارس والمنتديات والمذاهب الأدبيّة.

من خلال معرفتي بالأديب الدويهي ومشروعه المضيء، لاحظت أنّه يرفض المساواة في الإبداع، من أجل تأسيس حالة أدبيّة مغايرة لما هو مألوف، فعلى الرغم من أنّ الدويهي مفكّر إنسانيّ، يؤمن بالقيَم النبيلة، والمساواة من بينها، فهو يعتبر أنّها أساءت إلى الحركة الأدبيّة، وأحبطتها… وقد أثبتت أعمال الدويهي المختلفة الأنواع نثراً وشعراً وفكراً وتأريخاً وباللغتين… واقعاً جديداً، وفتحت العيون في أصقاع الأرض على أدب جديّ وفاعل، ينطلق هذه المرّة من القارّة الاستراليّة، يطبعه التنوّع الفريد، وهو غير مسبوق في أيّ حالة أدبيّة مشابهة. من هنا أهمّيّة المشروع، وخصوصيّته… وببساطة هو بذرة قد تنتج أو لا تنتج، ولكنّه قدوة يمكن الاهتداء بها، في كلّ الأقطار، إلى واقع أدبيّ وثقافيّ رائد. كما هو دعوة إلى الأدباء في جميع الأمكنة لكي يخرجوا من النمطيّة إلى عالم أوسع، فليس من أحد عاجزاً عن التعلّم وتطوير نفسه. وإذا كان هناك من يقولون: إنّ الأدب من نوع واحد يعيش، فالدويهي يقول إنّ الأنواع المتعدّدة تعيش أيضاً، وتترافق، وتضيء أكثر…

وكانت رحلتي بين "أفكار اغترابية" و"بستان الإبداع" الصفحة الإبداعية التي أنشأتها في عام 2020 - وهما حال واحدة- رحلة غنية وخصبة، فقد انتقلت من إعلامية إلى أديبة، وتوّجت رحلتي في الإعلام بين لبنان وأستراليا بنقلة نوعية، غيّرت حياتي، وجعلتني أنظر إلى نفسي في مرآة الأدب بجدّيّة واهتمام. ولست وحدي ممن استفاد من مدرسة الدويهي، بل جامعته السامية، فهناك العديد من المبدعين الذين نشروا أعمالهم من خلال مشروعه، فسهر عليهم، وساعدهم، وقدم لهم ساعات وساعات من العمل التطوعي، فقط من أجل الحضارة والإنسانية.

وأعمال الدويهي مشرقة كالشمس، وقد بلغ ما كتب عنه منذ عام 2014 أكثر من 17 كتاباً. وأخذ على عاتقه طباعة كل كتاب ينشر عن أفكار اغترابية، وما أظهره من إبداعات، على نفقته الخاصة، وهذا دليل على أنّه لا يأبه بالمال، بل يهتم بالإبداع، ويعطي أولويّة مطلقة لأدب اغترابي من أستراليا إلى العالم، ونحن معه…

ومن جهتي، فإنني أعتز بأنني نشرت من أفكار اغترابية، وتحت مجهر الدويهي، مجموعة كتب: “كلمات من أعماق الحب"، "عيناك مرفأ لحنيني"، "نغمات على قيثارة الحنين"، "بدموع الورده كتبتلّك: وهيك بحبّك"، "وقائع الجلسة الحوارية حول كتابي كلمات من أعماق الحبّ"، "جميل الدويهي عبقري لبق عميد أدب المهجر"، "هذا الأديب من بلادي… كتبتُ عن جميل الدويهي"، "حروف لا تموت - كتبوا عن سيدة الحنين كلود ناصيف حرب"، وفي الجعبة أيضاً "قمر البحيره سهران ناطر مواعيدي"… وقد منحنى العبقري اللبق لقب "سيدة الحنين" وحصلت على النسخة الأولى من جائزته الإبداعية، وهما أيقونتان أعتز بهما ما حييت، كما لقّبتُه بالعبقريّ اللبق، وعميد أدب المهاجر، لأنّه يستحقّ فعلاً كلّ تقدير وتكريم.

***

مؤتمر "النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان"

مشروع الأديب د. جميل الدويهي أفكار اغترابية للأدب الراقي، منتدى لقاء - لبنان، وبستان الإبداع

الورقة 8

الناقد ابراهيم مشارة - الجزائر: الأدب المهجري ودوره في إغناء الثقافة العربية

(تنشر في كتاب خاص عن المؤتمر - إصدار مشروع أفكار اغترابية، منتدى لقاء وبستان الإبداع)

____

في أواخر القرن التاسع عشر كانت البلاد العربية ترزح تحت وطأة التخلف ويخضع بعضها لنير الاستعمار والعبودية، ولا عجب فالاستبداد العثماني سيؤول إلى رجل مريض تقتسم الإمبريالية الصاعدة تركته، وفي الشمال نهضة صناعية وعلمية ورخاء وتناغم سياسي واجتماعي فقد كان الغرب يجني ثمار ثورته الصناعية ويسعى إلى توسيع مناطق نفوذه جلبا لليد العاملة واستيلاء على الثروات الطبيعية.

هكذا تجلت خارطة نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ينضاف إلى ذلك جدلية الالتقاء بين الشرق والغرب والصدام الحضاري بين غرب قوي تضخمت أناه واعتبر نفسه متنا وغيره (الآخر المختلف) هامشا وذيلا ، وشرق ضعيف، ما انفك يكتشف حجم الهوة الفاصلة بينه وبين الغرب منذ الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 ولكنه مع شعوره بالضعف إلى حد العجز والإحساس بالضآلة والهامشية سعى بكل ما أوتي من قوة إلى تدارك النقص والأخذ بأسباب الرقي بالاستفادة من منجزات الغرب العلمية والصناعية والعسكرية والفكرية عبر البعثات العلمية والترجمة وإنشاء دور العلم والجامعات ومباشرة الإصلاح السياسي والاجتماعي بإشراك المرأة في النهضة والقضاء أو تقليل الفوارق الطبقية ما أمكن. هكذا إذاً كانت السيرورة التاريخية والجدلية الحضارية بين الشرق والغرب قوة وهيمنة من قبله وهبة وإفاقة من السبات لاستدراك النقص وردم الهوة الفاصلة بينه وبين الغرب من قبل الشرق.

يمكن تمثل هذا الهاجس الحضاري في نهضة الأدب العربي الحديث بشعره ونثره، فمنذ نهاية القرن التاسع عشر بدأت في مصر ولبنان خاصة بشائر نهضة أدبية لها سياقاتها التاريخية، فمن جهة هناك الحملة الفرنسية على مصر ثم إرادة محمد علي باشا والي مصر في تمدين البلد والنهوض به علميا وعسكريا وصناعيا مما حدا به إلى إنشاء "الوقائع المصرية" لمواكبة عمل الحكومة وإرساله لبعثة علمية إلى فرنسا بمعية رفاعة رافع الطهطاوي للدرس والترجمة، وهناك تجربة الشوام في النزوح إلى مصر بعد ظهور الصحافة للمساهمة في نهضة الأدب الحديث.

تخلص النثر نسبياً من أسجاع وحذلقات العصر الوسيط واندغم في الهم السياسي والاجتماعي والحضاري بل والواقعي، وكانت المقالة باصطلاحها الفني ثم القصة والرواية والمسرحية ثمرة هذا التطور في النثر، وتخلص الشعر رويدا رويدا من شعراء التكلف والتقليد وشعر المناسبات، فقد كانت هذه هي الثورة الثانية على عمود الشعر بعد ثورة أبي تمام والمتنبي الأولى.

ها قد حل القرن العشرون والثورة العربية مشتعلة ضد الأتراك والمشانق تنصب للأحرار وجمال باشا ينكل بهم، وها إن الواقع السياسي يرزح تحت وطأة الاستعمار أو الاستبداد، وها إن الواقع الثقافي اجترار وتقليد - لكن النواة التجديدية في طور التكوين- وها هو الواقع الديني واقعه جمود وباب الاجتهاد مغلق بمرسوم فقهي، وهذا كله انعكس على الواقع الاجتماعي فوسمه بميسم التخلف وسعة الفوراق الطبقية، وإهمال دور المرأة والطفولة والآفات الاجتماعية وأخصها الفقر والإملاق والتشرد والبطالة وغياب الحريات، طابور من المشاكل الاجتماعية يتزاحم على باب كل وطن عربي وألوان من مشاعر اليأس ومشاعر العجز والإحباط تصطلح على عقل المرء وروحه.

تحت وطأة هذه الظروف بدأت طلائع الهجرة من قبل الشوام أولا إلى العالم الجديد بقسميه الشمالي والجنوبي، وقد كانت هجرة اضطرار ذات بعد نفعي يهدف إلى ترقية المهاجر لحياته ولظروف عيشه بعد أن استعصى العمل في الوطن، ولم لا تكوين ثروة والعودة إلى حضن الوطن في الغد البعيد بعد أن يتحرر هذا الوطن من نير الاستعمار أو الاستبداد وترتقي حياته عمرانيا وعلميا وصناعيا واجتماعيا، فلا شيء يعوض شمس الوطن وحضن الأم ومهاد الصبا ومراتع الطفولة!

وقد كان أولئك المهاجرون الأولون من خيرة أبناء لبنان وسورية من حيث الذكاء والألمعية والحس المرهف والحاسة الجمالية، لولا أن تربة الوطن لا تساعدها على النمو والازدهار بفعل التاريخ والسياسة معا.

بل إن مصطلح (الهجرة) ذاته يحيل على معان عديدة لعل أهمها الاكتشاف، النقد الذاتي فصلاح عبد الصبور يقول لأهل بلده : أباعدكم لأعرفكم ، فبتغيير المكان يقترب المرء من حكم موضوعي على نفسه وعلى وطنه وناسه بخلاف النظرة من الداخل التي تعتريها الشكوك والهواجس والنزوع إلى تفخيم الـ(نحن) برغم الواقع المتردي، إن المرء من الداخل ومن موقعه لا يستطيع أن يعرف ويميز تضاريس الجبل ووهاده وشعابه ومجاريه المائية ومناطقه المعتمة والمتصحرة وغاباته وأحراشه ومكامن الجمال والخطر فيه، لكن النظر إلى الجبل من مكان مختلف وزاوية أخرى يتيح النظرة البانورامية، هكذا يقدم ميخائيل نعميه المثال وهو يتحدث عن الحكم الموضوعي والحكم الذاتي والنظر من مختلف الزوايا.

إن هجرة يسوع من الناصرة إلى مصر ثم الجليل وهجرة محمد من مكة إلى المدينة مثلاً، أحدثتا نقلة كبرى في تاريخ الديانتين المسيحية والإسلامية، ولمَ لا يتمثل أدباء المهجر بهما ويستلهما تجربتيهما في الهجرة ويقتدون بهما فهما رمزا التسامح والعالمية والعمل على سعادة الإنسان في كل مكان وزمان.

يظل الوطن ساكنا في المرء متشعبا في تلافيف مخه وحنايا روحه وسراديب ذاكرته، فالمرء يتنفس الوطن مع قهوة الصباح، ويشهق ذرات ذكرياته عند الخلود إلى النوم ويتمثله أينما حل وارتحل، في سعيه إلى عمله وفي علاقاته الجديدة وعلاقاته الأسرية تتمثل له الذكريات الغائرة في بئر العمر، تنز تحنانا ووفاء، رواء الطفولة وجمال الأهلة في الشهور القمرية في ليلة تتراقص فيها النجوم فرحا ببهاء الكون وهدير الساقية وإغفاءة تحت العريشة ، ثم هذا الحب الطفولي في سريته وغضاضته ولذاذاته المقموعة والمكبوتة، ولكنه في ذات الوقت وقد اندغم في وطنه الجديد مع ناسه ومشاكله الجديدة والطارئة واكتسب علاقات جديدة وخبرة مستحدثة، ورأى بأم عينيه النهضة العمرانية والصناعية والرخاء الاجتماعي، والمساواة الاجتماعية، وفاعلية دور المرأة في ترقية المجتمع والمساهمة في نشاطاته المختلفة لا يستطيع غض الطرف عن هذه الثورة الكوبرنيكية في الحياة الغربية الجديدة والطفرات العلمية والصناعية والأدبية التي أحدثتها، فهو حينئذ يجنح إلى تثمين أحسن ما في الوطن الأم تاريخا وإنسانا، وكذا أنفع ما في الغرب الحديث المتطور ويسعى للمزج بينهما عبر تركيب عقلي للوصول إلى المبتغى وهو إحداث نهضة عربية هي المنشودة.

من المفيد الإشارة إلى أن كل المهجريين والمستوطنين للعالم الجديد قد نجحوا في حياتهم المادية بعد مقاساة وكدح ومعاناة، وهذه حال كل مهاجر في كل زمان ومكان، فليس الطريق مفروشا بالورد، وليست المهاد طنافس ونمارق وحشايا مخملية بل أشد وطأة من شوق القتاد وكأن الشاعر القديم يعنيهم حين قال:

فبت كأن العائدات فرشن لــــي

هراسا به يعلى فراشي ويقشب

ولكن رسالتهم الحضارية هي التي نذروا أنفسهم لها ، فالوطن هو القريب البعيد الحاضر والغائب في كل حين.

هكذا نشأت "الرابطة القلمية" في نيويورك عام 1920 وضمت لفيفا من نوابغ لبنان وأدبائه مثل جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ووليم كاتسفليس وعبد المسيح حداد وأمين الريحاني وأمين مشرق ونسيب عريضة وغيرهم. وأنشأ إيليا أبو ماضي جريدة السمير في نيويورك لتكون سميرا ثقافيا وأدبيا للمهاجر في سماء العالم الجديد، وهذا كله بهدف احتضان الإبداع الجديد ونشره والأخذ بيد من يبتغي مساعدة أدبية في التعريف بأدبه ومواكبة للنهضة الأدبية القائمة في الشرق والتفاعل الإيجابي معها قراءة ونقدا وتمثلا في الاتجاهين. وبالموازاة مع المهجر الشمالي نشأت "العصبة الأندلسية" لجمع شتات الأدباء شعراء وكتاب في البرازيل والأرجنتين وضمت إلياس فرحات ورشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) وجورج صيدح وغيرهم وكان حصيلة هذا التلاقي بين الأدباء في الرابطة القلمية والعصبة الأندلسية هذا الزخم الإبداعي بإخراج عشرات الدواوين الشعرية الجيدة والجادة والمجددة والروايات والقصص والكتب الفكرية والنقدية التي كانت زوابع وتوابع في المشرق مثل "الغربال" لميخائيل نعمية ، و"زاد المعاد" و"همس الجفون" و"العواصف "و"الأجنحة المتكسرة" و"النبي" و"الجداول والخمائل" و"تذكار الماضي" وغيرها.

لقد أضافت الرابطة القلمية والعصبة الأندلسية لبنة جديدة في صرح الأدب التجديدي بل حجر الزاوية منه نثرا وشعرا وامتلكت بفعل الاطلاع الجاد على الثقافتين العربية والغربية الرؤية والأدوات الفنية والمعمار الفكري والجمالي مثلها مثل جماعة الديوان وأبولو في مصر.

ومن المفيد أن نعرض هنا إلى وجه التمايز والتباين بين الرابطة القلمية والعصبة الأندلسية فجماعة العصبة أمتن لغة وأجزل عبارة وأفخم لفظا وأحرص على تمثل البلاغة العربية في عصورها الزاهرة وجماعة الرابطة القلمية أغزر معنى وأجرأ على الثورة والتمرد والخروج عن المألوف والنمطي وأكثر تساهلا مع اللغة دون الخروج على قواعدها مع الحرص على المعنى مع البساطة والسلاسة والانسيابية في التعبير (السهل الممتنع).

وفي الأخير كيف أغنى الأدب المهجري الأدب العربي؟

إن الإجابة على هذا السؤال تفضي بنا إلى التعريج على ثنائية الشكل والمضمون والمعنى والمبنى والموسيقى الداخلية والخارجية ولن نعتمد المماحكات البلاغية الجديدة التي ترى أن الشكل هو المضمون وأن الأسلوب هو المعنى ذاته بل ننظر في الشكل والمضمون مرتئين ثنائية الشكل والمضمون وهما المشكلان لمعمار النص وحمولته الفكرية والأيديولوجية وبعده الجمالي والفني.

لقد أرسى أدباء المهجر بتأسيس الرابطة القلمية وبظهور كتاب "الغربال" لميخائيل نعيمة مدونة نقدية جديدة في تجديد الأدب شعرا ونثرا وجعله ألصق بالحياة والراهن وجدت لها أتباعا كثرا في المشرق ولا تختلف هذه المدونة النقدية الهامة عن مدونة جماعة الديوان وكانت بهذه الآراء نقطة ارتكاز في صوغ دينامكية الشعر والنثر معا كقضايا الصدق الفني والتجربة الشعورية والذاتية والاختيارات اللغوية والبيانية، وفي عملية الخلق الفني والإبداع الأدبي تخلصت اللغة من التكلف والتقليد والفخامة على حساب المعنى والسلاسة وروح العصر المتميز بالتقنية والسرعة والفاعلية والمضمون، كما انفسح الخيال على آفاق رحبة من استعارات خلاقة وتشبيهات بديعة تظهر أثر التأمل والطبيعة والكون برمته في عقل ووجدان المهجري. وفي الشعر ركز المهجريون على الموسيقى الداخلية وانحازوا إلى البحور القصيرة والخفيفة كالمديد والرمل والمجزوء، ويعزى إلى محمد مندور تسمية الشعر المهجري بالأدب المهموس نظرا لخفوت الصوت وبعده عن الخطابية والجماهيرية ومنزعه التأملي .

وفي المضمون ركزوا على مبدأ الأدب للحياة فمنها استلهموا إنتاجهم الأدبي وإلى الحياة يتوجه به ممثلة في الناس والوطن والراهن ولهذا انشغلوا بهواجس فكرية كالحرية الفردية، والتثاقف، والعدالة الاجتماعية ودور المرأة في النهضة، والطفولة وضرورة التسامح الديني بين أبناء الوطن بوجود الاختلافات الإثنية والدينية والطائفية حتى لا يفني أبناء الأمة أنفسهم في الاحتراب الداخلي والتدمير الذاتي، وعرجوا على المشاكل السياسية من تنديد بالاستعمار والاستبداد وانفتحوا بذلك على عالم السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة دون أن نغض الطرف عن ترجماتهم لعيون الأدب الغربي شعرا ونثرا، وحرصهم على التواصل مع أدباء المشرق وصحافته، ولا أدل على تأثيرهم في الأدب العربي فكرا ومضمونا من تجدد طبع ونشر مؤلفات كثير منهم إلى اليوم ووجود قراء معجبين بهم على تباعد العهد بهم وتنائي الديار، وخاصة مؤلفات جبران خليل جبران وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة والقروي وجورج صيدح وغيرهم. وهذا راجع لبعدها الفكري ومنزعها الجمالي وراهنيتها مما يؤدي إلى تحقيق متعة النص كما يقول رولان بارت.

يأبى لفيف من أدباء لبنان اليوم الذين اتخذوا من أقصى الأرض موطنا جديدا لهم ومستقرا إلى حين إلا مواصلة الطريق الذي اختطه الرواد الأوائل، وهكذا نشأت فكرة الأدب المهجري "من أجل نهضة ثانية" يرعاها الشاعر المبدع والأديب المتألق الدكتور جميل ميلاد الدويهي مع عصبة مبدعة مقيمة هناك، تتواصل مع لفيف من مبدعي لبنان، من شعراء وكتاب أمثال جورج طرابلسي منشئ مجلة "ألف لام" في لبنان والكاتبة المتألقة كلود أبو شقرا صاحبة مؤلفات جدية وشاعرية وصاحبة صفحة ثقافية بهذا الاسم، وشعراء كثر من الشباب ونقاد وكتاب. وهذه الرابطة الجديدة التي يتعهدها ويرأسها الدويهي ما تنفك تنشر المؤلفات الشعرية والنثرية للأدباء الشباب كما تعقد المؤتمرات الأدبية في سيدني وبيروت، وتكرم المبدعين وتنشئ الجوائز الأدبية بحسب السعة والطاقة والإمكانيات، وهي خليقة فعلا بأن تطمح إلى نهضة أدبية ثانية بعد نهضة الرواد الأوائل وثورتهم التي كانت فتحا جديدا في عالم الإبداع الأدبي.

***

مؤتمر "النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان"

مشروع الأديب د. جميل الدويهي أفكار اغترابية للأدب الراقي، منتدى لقاء - لبنان، وبستان الإبداع

الورقة 9

د. فوزي عساكر - لبنان: الثورة الدويهية الأدبية المهجرية - "أفكار اغترابية" قلب لبنان في جسد الإنسانية

(تنشر في كتاب خاص عن المؤتمر - إصدار مشروع أفكار اغترابية، منتدى لقاء وبستان الإبداع)

____

في حين أنّ كثيرين يهجرون الوطن الصغير هرباً من ضائقة العيش، فيستثمرون في كل ما يكسِبهم المال، وهذا ليس خطأ - هناك آخرون يهجرون لبنان ليصيروا قلب لبنان في جسد الإنسانية، مع أنها ليست تجارة مربحة مالية، ولا تغني صاحبها، إنما في ثقافة لبنان، وتخلّد صاحبها، بعد أن ينسى العالم أباطرته وأغنياءه وحتّى حكامه المتسلطين.

أمام هذا الواقع، وفي معرض هذا الخيار الصعب، يبرز الكبار المميزون الذين يعيشون بعد موتهم، على أوراق كُتب النهضة والتاريخ. والأديب اللبناني العريق الدكتور جميل الدويهي، اختار بجرأته وكفاءته ووزناته السماوية، أن يعيش خالداً في كتب التاريخ المهجري، عنوانا ًورمزا ًلموسوعة لبنان الفكر.

الأديب الدويهي من سلالة رجالات لبنان، وكما كان البطريرك الدويهي علامة فارقة في حياة لبنان، هكذا جميل الدويهي علامة فارقة في حياة الاغتراب اللبناني.

هاجر من لبنان، ولم ينس أنه أرض الكرامة والإبداع والحرف والقديسين. وفيما كان يكتب ملحمة إبداعه المهجري، توقف قلمه عند الحرف الضائع، الذي هو الأساس في تركيب جملة الإبداع... فراح يفتش عن هذا الحرف الضائع ليكمل ملحمته، فلم يجده في أستراليا كلها. قفل ورجع إلى لبنان، إلى بلاد انطلاقة الحرف، فوجد ذلك الحرف الضائع بمريمته التي كانت بذاتها الحرف الضائع، ومعها أكمل ملحمة الإبداع!

إنطلق الدويهي ومريمه، الزوجة الفاضلة، وكونا عائلة فكرية من مبدعي لبنان في المهجر الأسترالي. وكلما احتاجا إلى الأحرف الضائعة، كانا يتوجهان إلى لبنان ليجمعا أصداف مورکس الفكر والإبداع، حتى غدت عائلتهما الفكرية مرجائاً وياقوتاً من لبنان والوطن العربي، على وسع مساحته الجغرافية والفكرية.

مع الدويهي نشأ مشروع الأدب المهجري الجديد (أفكار اغترابية للأديب الدكتور جميل الدويهي)، في العالم الجديد. ولا نبالغ إن اعتبرنا أن جميل الدويهي و جبران خليل جبران، أخوان من أب واحد هو لبنان، ومن أم واحدة هي الدولة اللبنانية التي تهجر أبناءها في كل الأزمنة، وتخرب أعشاشهم، متناسية أنهم طيور بأجنحة، تستطيع أن تحلق على مساحة الكون. فكما كان جبران خلیل جبران شعلة لبنان في أميركا، هكذا جميل الدويهي شعلة لبنان في أستراليا. هذا هو الأدب المهجري، أجنحة محلّقة تغمر القارات، وتنثر اسم لبنان ورودا فوق الجبال والسهول والبحار.

مع جميل الدويهي، حضارة جديدة في العالم الجديد. خلق النادي الفكري الذي لا ينتسب إليه إلا أصحاب الكفاءة والإبداع. إنه دولة الثقافة التي تضم مبدعين من لبنان والعالم العربي، لا وزراء ونواباً ومسؤولين ضعافاً، جاؤوا مطية لمشغّليهم، يتزينون بالألقاب مع فراغ الألباب. جميل الدويهي زرع حديقته بأجمل الورود التي لا تتشابه بأشكالها، ولا بألوانها ولا بعطرها، كي تكون سيمفونية متعددة الأبعاد، تذهل القارئ سطورها و بين سطورها.

الأدب المهجري العريق، هو جامعة لبنان الفكرية الثقافية، القادمة من أرض الموهبة والإبداع. ومبدعو لبنان كالنجوم، لا حاجة لأن تقدم فيهم سيرة ذاتية مع توصية سياسية، إنما أنوارهم وحدها تشهد لهم. وما فعله الدويهي هو الإبداع بذاته، جمع النجوم ورسم حولها خطًا ليحصد مجرة النور ويكتب بها اسم لبنان.

لا أستطيع أن أقول إنّي نجمة من مجرته، كي لا أدعي أن لي فضلا في الإشعاع والنور. ولكن أستطيع أن أقول إن الدويهي غمرني بتكريمه لي كأديب لبناني لي كتب منشورة ثمانية... حتى الآن، والعديد الآخر بعد أن يتعافي لبنان من وباء سياسة الإفقار.

غمرني الدويهي بتكريمه، فأضفى عليّ من بهاء نور معرفته وثقافته وتواضعه، فوجدت نفسي في أحضان عائلته الفكرية المهجرية، مشروع الأديب جميل الدويهي الفكري المهجري، "أفكار اغترابية للأدب الراقي".

ما أجمل أن تنمو في أرض لا تمت بشمسها ومائها وترابها، وتحتفظ بعطرك، فتجمعه في قوارير الوفاء، وتنثره، مع كل العطور التي تجمعها، لتعطر الفكر البشري، فيبدع أو يقدر الإبداع.

وهكذا أنا أشعر في حديقة الدويهي، أنني تلك الزهرة الصغيرة، إحدى أصغر الزهور، في حديقة العطر الذي يحيي ويجترح الأعاجيب.

جميل الدويهي اختار الطريق البعيد والصعب. وكما في كل العصور، قدر الكبار أن تضيق بهم بلدانهم الصغيرة، التي تتزعمها الأشواك فتخنق الورود. لهذا تهجر الورود لتذكر العالم بوطن القديسين والمبدعين، وتبقى زعامة الأشواك تعيث فساداً في جسد الوطن الضعيف، وتصلب أجساد من اختاروا البقاء في حديقة الأشواك، على نار العدالة ترحم الحديقة من الحريق بفضل وجودهم بين تلك الأشواك.

جميل الدويهي اليوم، أنت جبران الأمس، وبما تحمل من أحرف الجمال في اسمك، أكمل مسيرة كتابة ملحمة الجمال، مع مريمتك والنجوم الذين جمعتهم من لبنان والعالم العربي، لأتك تقوم بكتابة سيرة لبنان الحقيقي، الذي لا تحرقه نيران حكامه، فرماده مؤهل لولادة جديدة، في كل الأزمنة.

***

مؤتمر "النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان"

مشروع الأديب د. جميل الدويهي أفكار اغترابية للأدب الراقي، منتدى لقاء - لبنان، وبستان الإبداع

الورقة 10

بقلم الأديبة رانية مرعي - لبنان: رؤية لنهضة اغترابية

(تنشر في كتاب خاص عن المؤتمر - إصدار مشروع أفكار اغترابية، منتدى لقاء وبستان الإبداع)

شهد مطلع القرن العشرين حركة هجرة من العالم العربي نحو الأميركيتين لأسباب متعددة ، تحديدًا من طبقة المثقفين الذين ضاقت عليهم الحياة في بلادهم. فمن لم تنل منه الأوضاع الاقتصادية بات فريسة الأجهزة الأمنية التي راقبت الكلمة الحرة وقيّدتها، لا سيّما الاحتلال العثماني الذي ناصب المثقفين العداء، فدفع بعضهم حياتهم ثمن مواقفهم، التي جاهروا بها رفضاً للقمع، ومطالبة بحرية العيش الكريم.

هاجرت الأقلام العربية مثقلة بأعباء الحياة في مواطنها الأصليّة... الأفكار المسجونة في حبر الممنوعات تفجّرت في بلاد الاغتراب حنينًا ومناجاة لتلك الأرض البعيدة بالمسافات، القريبة إلى حد التوحّد مع الروح.

مغامرة خاضتها اللغة العربية مع مجموعة من الأسماء اللامعة حيث شكلوا من حيث يعلمون أو لا يعلمون وطنّا صغيرّا أينما حلّوا، ونشروا ثقافتهم وعلمهم وعاداتهم وأفكارهم... وكانوا خير سفراء لبلادهم، إذ عبروا عنها وعن إرثها الفكري وجمعوا حولهم أبناء الجالية العربية، وكانت اللّبنة الأولى للأدب المهجري... الرابطة القلمية، العصبة الأندلسيّة (المدرسة المهجريّة)، وروابط ونوادٍ أدبيّة ضمّت أسماء كبيرة انتشرت أعمالهم التي اتسمت بالحنين للوطن، ممزوجة بالقيم الإنسانية والوطنية والإصلاحية. هم الذين خرجوا من بلادهم لا رفاهية ولا بطرًا، بل رغبةً في إيجاد مساحة آمنة يستطيعون من خلالها تأسيس خلية عمل هدفها الأسمى الحفاظ على الفكر والثقافة والتمسك باللغة.

وبالفعل استطاعوا من خلال ما قدموه استقطاب القراء من داخل الوطن وخارجه، للاطلاع على الأعمال الأدبية التي حملت في طيّاتها بذور التغيير والتجديد والتحرّر.

والاطلاع على الأدب الغربي ترك أثره الواضح في الأدباء المهجريين الذين عاشوا تجربة "التلاقح الفكري"، فالحياة الجديدة عصفت بهم وبأفكارهم وسلطت الضوء على جوانب حياتية كانوا غافلين عنها ، ومن الطبيعي تأثر أدبهم بالحياة الجديدة وما تحمله من مستجدات لم يألفوها.

أخذوا من الأدب الغربي ومزجوه مع أفكارهم، فخرجوا بمنتج جمع حضارتين، فيه عصارة تجربة عاشوها وأخرى عاشتهم... وهذا ساعد على تغيير الكثير من المفاهيم وتصويبها، إذ انّ العدو الأول للفكر هو الانغلاق في شرنقة الموروثات التي إن كان بعضها على حق ، فالبعض الآخر منها هزيل ساهم في إطالة عصر الانحطاط.

الأدب لغة جامعة لا تعترف بالحدود المصطنعة ، وهذا ما جسده الأدب المهجري الذي، في اعتقادي، كان المبتدع الأول لمصطلح "العولمة" الذي يهلل له الكثيرون من خلف شاشاتهم وهواتفهم الذكية.

في ذلك الزمن الذي كان فيه السفر رحلة إلى المجهول، استطاع أدباء المهجر أن يجمعوا بين الشرق والغرب. حملوا معهم زادهم الثقافي والمعرفي وحطوا في أرض غريبة احتضنت أحلامهم، وبدّدت مخاوفهم، وأخرجتهم من دوامة التقليد الذي كان يومًا هو المعيار الذي على أساسه تُقيّم الأعمال.

والفائدة الكبرى جناها أبناء الجالية العربية الذين انقطعت في مرحلة ما علاقتهم بلغتهم وثقافتهم، فعادت إليهم حيوية التواصل باللغة الأم واستذكار كل ما تركوه خلفهم عندما انقطعوا عن جذورهم.

الأدب المهجري صار صوت كل المهاجرين، يحمل أشواقهم وحنينهم ويكسر بُعد المسافات من خلال التواصل والتلاقي بين دفتي كتاب . وهذا ما يدفعني دائمًا إلى التمسك بمصطلع "العولمة" الذي بدأ منذ مطلع القرن العشرين، فجمع الشرق بالغرب ثقافيًا وفكريًا... وأسمح لنفسي القول من خلال متابعة السياق التاريخي إنّ الأدب المهجري حافظ على الكنوز الثقافية وأغناها، خاصة أننا نعيش في شرق سِمتُه الاحتراب، ويناصب المثقفين العداء عن سبق اصرار وترصّد... وهذه السياسة التدميرية هي التي حوّلت مجتمعاتنا إلى بيئات حاضنة للجهل والتعصب والإرهاب.

السجون العربيّة تعجّ بسجناء الرأي، وبالأدباء الذين فرضت عليهم السلطات حظر الكلمة ! وكثيرون تعرضوا للنفي القسري أو الاختياري، ولم يجدوا ملاذهم إلا في المهجر، حفاظًا على حياتهم وعلى رسالتهم التوعوية المقدّسة.

وهنا أسجّل إعجابًا بالأديب المهجري القديم الذي استطاع، إن صح التعبير، "بلحمه الحي" أن يكون صلة الوصل بين كل ناطق بالضاد وبين أصوله العربية في زمن اللاتكنولوجيا، وكان شعلة ما زالت تتنتقل بأنوارها من جيل إلى جيل... حيث يبدع كل خلف في تطوير ما بدأ به السلف.

فالأوائل حاكوا إبداعهم يدويًّا ونشروه بالبريد والمراسلات التي كانت رحلتها شاقّة ولكنها حقّقت مبتغاها.

وحركة الترجمة التي رافقت أعمالهم خير دليل على نجاحهم حيثما حلوا، وبعضهم خاض غمار الكتابة باللغة الانكليزية، فضلًا عما نقلوه إلى العربية، ما ساهم في عمليّة التثقيف وطرح أفكار جديدة شكلًا ومضمونًا .

وأتساءل : "أليس من حقي بعد كل ما تقدّم، أن أتمسك بنظرية "العولمة" المبكرة التي قادها الأدب المهجري؟"

فأنا من المقتنعين بأن الأمور تتغيّر تسمياتها عبر العصور، ولكن المضمون ثابت. فلكلّ جيل مفردات تعنيه، ربما من باب التفرّد بميزة هذا الجديد. مع تسجيل أني لست ضد هذا المنحى، لكن دون إسقاط لما سبق، فالتاريخ شاهد حيّ وصادق على هذه المسيرة التي تخترق العصور وتطوّر نفسها حسب مقتضى الحال.

فطابور العولمة بدأ في مطلع القرن العشرين، وإن تعمقنا أكثر لوجدناه في كل زمان عاش فيه مثقف حر.

ولأنها مسيرة مستمرة ، نحن اليوم أمام إبداع مهجري جديد يؤكد أواصر العلاقة بين لبنان المقيم ولبنان الانتشار . أتحدّث عن مشروع د. جميل الدويهي "أفكار اغترابية للأدب الراقي" .

من سيدني - استراليا يطلّ علينا عمل جبّار يثبت بالحجة الدّامغة أنّ الأدباء المهجريين هم العين الساهرة على الأدب، مهما بعدت المسافات عن الأرض الأم ،فهم مهما "تفرْنجوا" ما زالت الضاد هويتهم، يجمعون بها الشمل في زمن التفتّت البغيض، ويفخرون بالهويّة في زمن اختلاط الأنساب.

النهضة الاغترابية الثانية يقودها د. جميل بحرص نكاد نفتقده بين أدباء الداخل اللبناني، الذين بات هم بعضهم الألقاب والمناصب والتكريمات الوهميّة التي يتحصلون عليها من جهات غير رسمية. فنراه يساعد الأدباء في تظهير أعمالهم من تصميم الغلاف إلى جمع النصوص وتصحيحها حتى الدّفع بها إلى المطبعة، ثم يرعى أمسياتهم ويرافقهم حتى يصلوا إلى الانتشار الذي يستحقونه. وهنا أشير جازمةً إلى حرصه على النوعية احترامًا للذائقة العامة.

فضلّا عن هذه "الثورة " الأدبية التي يقودها الأديب المهجري وتساهم في إغناء المكتبات العربية والغربية فقد أُطلقت "جائزة الأديب د. جميل الدويهي - أفكار اغترابية" التي تُقدّم سنويًّا للعديد من الأدباء والمبدعين والأكاديميين، وقد أصبحت محطة سنوية تترافق مع المهرجانات والاحتفاليات الحاشدة التي تقام في سيدني وفي ملبورن.

وشروط الجائزة بسيطة , المهم أن يكون المتقدم إلى الجائزة مبدعًا وله دور في الحركة الأدبية أو الثقافية أو الأكاديمية . علمًا أن الجائزة غير مادية . هي معنوية وتعبير عن فعل محبة من أفكار اغترابية تجاه المبدعين في كل مكان.

وتأكيدًا على الدور الرائد الذي يقوم به الأدب المهجري في سبيل النهضة الاغترابية، نرى أن الكتاب والشعراء في استراليا يعتبرون "أفكار اغترابية" مدرسة يلتزمون بأسس الكتابة فيها ، فهم يعتمدون اللغة المهذبة والأدب الصادق المعبر عن الإنسان، فضلًا عن المزج بين النثر والشعر بروح صافية.

والمتابع لأعمال "أفكار اغترابية" يتأكد أنها واحة للإبداع، تدعم الجرأة المهذبة التي ترتكز على المفردات الرحبة والبعيدة عن الإسفاف، وتشجع على طرق كل المواضيع التي من شأنها أن تكون إضافة في الساحة الأدبية. والأهم من هذا وذاك أن المعيار الاساس في الانتساب إلى هذه المسيرة التثقيفية هو الموهبة والبصمة الفريدة التي يحملها صاحب القلم، مع إسقاط لكل ما يندرج تحت مسمى الوساطة أو القرابة أو كل ما قد يسيء إلى صورة الأدب.

في هذا السواد الذي يُغرق بلادنا ويهدّد دورنا الريادي، نستمدّ الأمل من شذرات النور التي تأتينا من هذه النهضة الاغترابية المباركة، حيث تحدث جهود جبارة من أدباء ومفكرين منعتهم ظروف البلد من العودة، وكيف ندعوهم للعودة ونحن غارقون في انقسامات ونزاعات أقل ما يُقال عنها إنها لاإنسانية ..!

ربما قدركم أن تبنوا لبنانكم حيث تقيمون، لبنان الثقافة والجمال... لبنان الحرف الخالد الذي يعانق الإبداع...

سِيروا نحو النور، حبًّا بوطن لا يقبل أن يذلّ ويستحق أن يبقى أرض الرسالات الفكرية والثقافية...

كنتم وتبقون العين الساهرة... وننتظر اللقاء في ربوع المحبة... لبنان !

كل الشكر والتقدير للأديب د. جميل الدويهي.

***

مؤتمر "النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان"

مشروع الأديب د. جميل الدويهي أفكار اغترابية للأدب الراقي، منتدى لقاء - لبنان، وبستان الإبداع

الورقة 11

بقلم الشاعر حسن ابراهيم سمعون - سوريا

ورقة بحثية مقدمة إلى المؤتمر الدولي المنعقد في/سيدني /أستراليا/

تحت عنوان (النهضة الاغترابية الثانية - لإبداع من أجل الحضارة والإنسان)

(تنشر في كتاب خاص عن المؤتمر - إصدار مشروع أفكار اغترابية، منتدى لقاء وبستان الإبداع)

تحيّة أدبية إبداعية إنسانية وبعد..

اتفق الدارسون والباحثون على تعريف مدرسة الأدب المهجري بأنّها الناتج الأدبي للمهاجرين الذين هاجروا من بلاد الشام (سورية الطبيعية) إلى المغتربات، وخصوصا الأمريكتين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، واستمرّ ذلك خلال النصف الأول من القرن العشرين، حيث استقروا هناك وشكلوا جمعيات وروابط ومجلات وندوات وغيرها ، تعنى بالشأن الأدبي، منها على سبيل المثال "الرابطة القلمية" و"العصبة الأندلسية"، وثمة أدباء كثيرون منهم كتبوا بشكل فردي، والمجال لا يتسع هنا لذكر الأسماء، فمعظمهم معروف ومشهور، ويمكن تلخيص أسباب هجرتهم بعدة عوامل من أهمها:

1_ فساد حكم المستعمر العثماني، والاستبداد السياسي، وكبت الحريات.

2_الصراع المذهبي، والتعصب الديني.

3_الضغط الاقتصادي والبحث عن سعة الرزق.

4_ميل فطري قديم عند أهل الساحل الشآمي، لبنان وسورية وفلسطين إلى المخاطرة والرحلات، فهم من أسياد البحار.

5_سهولة السفر بسبب تطور وسائل النقل (حينها ومعظمه نقل بحري حيث كانوا يسمّون البواخر بالببور)

وبعودة إلى المحور الأدبي الذي هو المنصة الأهم في مؤتمركم الموقر، أقول أيضاً: اتفق الجميع، واختلف بعضهم على أبرز سمات وخصائص الأدب المهجري الفنية والأدبية، نستعرض أهمها وبإيجاز :

1_ النزعة الرومانسية (وربما بعضهم تأثر بالمدارس الغربية).

2_ النزعة التجديدية عند بعضهم وهذا ما أدى إلى تجاوزات لغوية وعروضية، وبالمقابل ثمة نزعة عند بعضهم للتمسك باللغة العربية والعروض والقواعد.

3_ النزعة الإنسانية حيث تجلّت بحبهم للمثل العليا والأخلاق.

4_ النزعة الوجدانية حيث استغرق بعضهم بمحاولة الكشف عن مكنونات النفس البشرية عموماً ونفسه هو خصوصاً.

5_ النزعة التأملية أمام الحقائق الكبرى ( الجمال ، الحياة ، الموت، الخير، الطبيعة ... )

6_ النزعة الروحية ولجوؤهم إلى الذات الإلهية لتحقيق الخير والعدل والمساواة ونشر المحبة والسلام.

7_ نزعة تمجيد الطبيعة بشيء من مفاهيمية وحدة الوجود .

8_ نزعة الحنين العارم إلى الوطن والاهتمام بقضاياه ومتابعة شؤونه وما يحصل فيه.

9_ نزعة التسامح الديني وقبول الآخر عموماً من مبدإ إنساني.

كما اتصف الأدب المهجري بصفات ميزته عن غيره من الآداب منها على سبيل المثال :

اهتمامهم بالنثر، ربما لعدم معرفة بقواعد النظم أو للانعتاق منها... ومحاولة بعضهم تجديد البناء السردي للنص، فأوقعهم بالخروج على قواعد اللغة والنحو والعروض وغيره، مما أدى إلى ركاكة وسجع وسماجة أحياناً.

وثمة ظاهرة الميل إلى الرمز وبعض الحسيات للانتقال إلى عقليات منطقية وظاهرة التمسك بالوحدة العضوية للنص وللديوان، واهتموا جدا بالصورة الشعرية والهارموني الناظم لها من صوت ولون وحركة ،واهتموا بوضوح الإسلوب وباللغة الحية وبالتراكيب السهلة المأنوسة مبتعدين عن التقعر والإيهام... واستخدم بعضهم أسلوب السرد القصصي الحكائي لتحليل وتظهير مكامن ولواعج النفس، وتجسيد الحالة الشعورية العاطفية، بابتعاد عن الذهان والتهويم .. وأقتبس رأياً عن الويكبيديا ورد فيه التالي (الشاعر المهجري يرى اللغة وسيلة لأداء المعاني والأفكار ، والتعبير عما يجول في خاطره من الهواجس، واللغة ليست الغاية في نفسها، لذلك آثروا اللغة الحية والأساليب السلسة والكلمات ذات المعاني الضخمة والتراكيب السهلة.

وأنا شخصياً لي تجربة خاصة استعرضها بإيجاز ... فلقد زرت أكثر من بلد ومن هذه البلاد أستراليا، حيث زرتها لأكثر من مرة، والسبب أن معظم أفراد عائلتي يقيمون فيها. وكنت أكتب في الطريق وأثناء الإقامة ما يجول بخاطري من لواعج وأحاسيس. وبعد عودتي إلى الوطن كنت أمر مستعرضا تلك النصوص، فأشعر وكأنها متفلتة مني بجموح، وكأنني إنسان آخر في زمكان مختلف.

لقد سقت هذه المقدمة المختصرة المتواضعة... طبعا ولا جديد فيها، فكلكم يعرف ما ورد فيها من معلومات ودرسها واطلع عليها... لسببين:

السبب الأول: هو أنني من المتفائلين بولادة مدرسة أدبية مهجرية جديدة ناضجة ومتقدمة شكلا ومضمونا، متطورة، تشمل رؤى حياتية جمالية جديدة... فعندما نجد أمثال الدكتور جميل الدويهي وأصدقائه وأفكاره الاغترابية في الميدان، نصبح بحالة يقينية بأنهم تخطوا العتبات والعقبات إلى درجة نستطيع فيها القول بأنها ولدت فعلا ً.

فثمة كثيرون من الأدباء المهاجرين في مختلف دول العالم يعتبرون من الصف الأول بإبداعهم ونتاجهم الأدبي، وخاصة الشعر، فالنظم هو بدع إنساني فوقاني يحاور الواقع الكائن ويحمله ويحاول السمو به إلى ما يجب أن يكون ... نعم هم موجودون ونتواصل معهم ونعرف كثيرين منهم ...

أما السبب الثاني، فلأطرح على مؤتمركم الموقر هذه التساؤلات فاقبلوها بمحبة وهي:

1_ هل استوفت مدرسة الأدب المهجري حقّها كاملاً من حيث الدراسة الأكاديمية والبحث العلمي الأدبي؟

2_ هل نشهد فعلاً ولادة مرحلة ثانية من الأدب المهجري؟

3_هل يعوّل على دور التكنولوجيا في ضغط الزمن وسرعة الانتشار؟ وهل سيصل نتاج هذه المرحلة الجديدة إلى المتلقي الشعبوي، وسيكون أثره كأثر (المدرسة الأولى) والرعيل الأول من المهاجرين؟ أم سيبقى هذا النتاج ضمن أراشيف النخب؟

4_هل ستظهر في نتاج المدرسة الثانية ملامح سياسية وإيديولوجية ودينية وإرهاصات فكرية بسبب ما حصل في المئة عام الأخيرة من حربين عالميتين وحرب باردة وانقلابات فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية، أدت إلى انقاسامات عمودية وأفقية، وعسكرة العالم عموما والشرق الأوسط خصوصاً، وهو الذي يشكل الرحم لظاهرة الأدب المهجري، لم تظهر في أدبيات ونتاج المدرسة الأولى؟

5_ وهو سؤال افتراضي... لا شك أن صدق العاطفة المتأجج للذات الشاعرة هو من أهم الخصائص التي تميز بها الأدباء المهجريون بسبب اغترابهم وغربتهم، وكتبوا بحرقة وشوق، وكانت الهجرة هي المحفّز لهم, والسؤال هو: ماذا لو لم يهاجروا وبقوا وكتبوا في بلادهم... هل ستكون العاطفة بذات المستوى؟ وهل سيكون الكمُّ الأدبائي والأدبي والنوع هو ذاته؟

وأخيرا أكرر شكري للصديق الإنسان الدكتور جميل الدويهي، حامل الراية ولكم جميعا متمنيا لمؤتمركم النجاح والتوفيق وتفضلوا بقبول فائق تقديري واحترامي.

حسن إبراهيم سمعون / سورية