قصّة "الإبحار إلى حافة الزمن"- جميل الدويهي، مشروع أفكار اغترابية للأدب الراقي- سيدني 2018

أقسم لكم أنَّني ما قتلت جون أندرو، ولا علمت بخبر مقتله إلاَّ في الصباح الباكر.

لم أقرأ صحيفة ذلك اليوم، لكنَّني عرفت بالجريمة من رجال الشرطة الذين أخذوني إلى الاستجواب.

كنت صامتاً كالجبل، لا أجرؤ على قول كلمة. وفي غرفة التحقيق، صمتُّ أيضاً، لأنَّني لست ذكيّاً، وأيُّ كلمة أقولها قد تُستخدم ضدِّي.

جلستُ والمحقِّق وجهاً لوجه، بيننا طاولة صغيرة فوقها مصباح. كان النور يشتِّت عقلي، ويضعفني، فأصبح عاجزاً عن مقاومة الأسئلة التي تنهمر عليَّ، فأكاد أعترف بجريمة لم أرتكبها.

كنت أمعن النظر في المحقِّق، فأراه بعينين ذابلتين، كعدوٍّ يتربَّص بي، ويحاول جرِّي إلى مأزق خطير. كان ذا نظرات حادَّة، متحذِّرة، يتنقَّل ببصره من مكان إلى آخر، ثمَّ يستقرُّ على وجهي، ويسوِّي قبَّعة سوداء على رأسه، كأنَّه يخاف أن تسقط منه. كان يرتدي بذلة سوداء، وربطة عنق غالية الثمن، ويظهر من جيب سترته قلم أخضر مذهَّب.

في تلك اللحظات، كان خوفي منه يتحكَّم بجميع مفاصلي، فأحسُّ

برجفة في شرايين قلبي، وأكاد أتساقط عن الكرسيِّ كورقة يابسة. وعندما هدأت قليلاً، فكَّرت بالمجرمين الذين تسوقهم أعمالهم إلى السجن المؤبَّد، أو إلى المشنقة... هؤلاء المجرمون، كيف يجرؤون على مواجهة ضميرهم؟! هل تكون عندهم جسارة للنظر في عيني محقِّق؟! وهو، ألا يخاف على نفسه عندما يتحدَّث إليهم؟!

لقد أخبرني أحد المشرّدين بأنّه أدين في جريمة قتل، وبعد أن أمضى سنوات طويلة من حياته في السجن، تبيَّن أنَّ غيره ارتكبها. كان ذلك بسبب خلاف على امرأة. وها أنا أيضاً من أجل امرأة، من أجل امرأة بالطبع، أجلس أمام المحقِّق، وأخشى أن تنزلق أيُّ كلمة منِّي في غير مكانها، فيكون مصيري قاتماً.

كنت أودُّ أن أختصر في الحديث مع المحقِّق، فأقول له بجملة واحدة: "أنا لم أقتل جون أندرو"؛ فإنَّني في عجلة من أمري، ويزعجني مكوثي في غرفة صغيرة، ليس فيها إلاَّ طاولة، وكرسيَّان، ومصباح، ورجلان متناقضان، عدوَّان...

فوجئت بأنَّ المحقِّق كان لطيفاً معي، وأعاد إليَّ الثقة بنفسي، وهي ثقة متواضعة في الأصل. لم يضربني كما يحدث في المجتمعات الأخرى. ولعلَّه كان متأكِّداً لسبب أجهله من أنَّني لست قادراً على قتل دجاجة.

سألني ببرودة: ما اسمك؟

قلت: ريتشارد...

كدت أنسى اسم عائلتي. صفنت قليلاً، ثمَّ استدركت: ريتشارد فنسنت...

كتب شيئاً على ورقة، وعاد يلقي عليَّ أسئلته، وكنت أجيبه، ما عدا تلك الأسئلة التي تتعلَّق بتواريخ معيَّنة، فأنا رديء جدّاً في تذكُّر الأرقام والأزمنة...

بادرني بسؤال آخر: أين كنتَ في الساعة الثالثة والدقيقة الخامسة والعشرين، فجر السبت أوَّل أمس؟

كان السؤال صعباً للغاية، فإذا بالطير على رأسي... تلعثمتُ، وتردَّدتُ، وارتبكتُ، فقدَّم إليَّ سيجارة طويلة من نوع "وينستون لايت"... وفجأة تذكَّرت أنَّ سائحاً ألمانيّاً، تكرَّم عليَّ بسيجارة مشابهة، عندما كنت أتسكَّع قرب أحد عروض السيرك في ضاحية "ساري هيلز"... كان ذلك مساء السبت. استمرَّ العرض حتَّى العاشرة ليلاً، ثمَّ نمتُ على مقعدٍ في محلَّة "السنترال"، وسط المدينة...

نعم... تذكَّرت... كنت في المدينة...

سألني المحقِّق: ألم تكن مع أيِّ امرأة؟

- أبداً...

- هل تعرف سامنتا لي، صاحبة البار في شارع "ماكواري"؟

- أعرفها... نعم...

كان المحقِّق ينظر إليَّ راضياً، وكأنَّه في بداية مغامرة مثيرة، يريد أن

يتابع تفاصيلها إلى النهاية. وقد سمعت أنَّ بعض المحقِّقين لديهم نزوات جنسيَّة خطيرة. وبوسعي أن أكتشف ذلك من ردَّة فعل المحقِّق الذي يستنطقني. كان ضحلاً، مطبق الفم، ولسانه يدور في فمه كالمنشار الكهربائيِّ، فيبتلع ريقه بصعوبة.

خطر في بالي أنَّ المحقِّق يعرف المرأة جيِّداً، ويعرف أيضاً النساء اللواتي يشتغلنَ عندها، ولعلَّه حفظ عدد المسامّ في أجسادهنَّ، لكنَّه ما يزال ينظر إليَّ بأمل، كأنَّه يطلب منِّي تفاصيل أكثر عن علاقتي بالمرأة.

حسناً أيُّها المحقِّق الحشريُّ! سامنتا هي امرأة فريدة، ناعمة. قطعة حلوى تحوَّلت إلى بشر بسحر ساحر. طويلة، خليعة، ذات وجه مستدير يؤكل أكلاً، وشعر أشقر يندلق على ظهرها، وصدر عال، وساقين جميلتين... نحن المشرَّدين نحبُّ السيقان، وهذا شأننا. ولكي أكون صريحاً أكثر: نحبُّ أشياء كثيرة في المرأة، لكنَّ السيقان، يا حبيبي، هي بضاعتنا الأغلى، وكنوزنا المشتهاة، لعلَّنا لسوء أحوالنا المادِّيَّة تعوَّدنا على النظر إلى أسفل، فوقعنا على السيقان، وتورَّطنا في علاقات معها. المهمُّ أنَّ سامنتا أحبَّتني. لا أدري كيف ولماذا؟ فأنا لست وسيماً كما ترى، لكنَّني متشرِّد، وأشبه الغجر في تصرُّفاتي، وهي تعشق الغجر، وكم تمنَّتْ لو أنَّ الله خلقها غجريَّة!

وتابعتُ كلامي إلى المحقِّق، فقلت:

دخلتُ إلى حانة سامنتا عن طريق الصدفة، فقد كنتُ هائماً على وجهي في الميناء، أتحدَّث إلى المراكب، وألاحق الموسيقيِّين، والدجَّالين، والسحَرة، الذين يقدِّمون عروضهم للمارَّة، ويشحذون منهم بعض النقود. فجأة هطل المطر، وأقفرت الطرق من المارَّة، فأسرعت إلى أقرب مكان أختبئ فيه. بدون قصد، ركضتُ إلى الحانة. كنت أعرف أنَّ في شارع "ماكواري" حانة، لكنَّني لم أدخل إليها قطّ، لاعتقادي أنَّ الحانات هي للناس الميسورين.

وقفت عند الباب، وعصرتُ جسمي المبلَّل، فخفَّ إليَّ الحارس. حاولت الهرب، فاستوقفني:

إلى أين؟! تعال... أنت مدعوٌّ. اليوم نقدِّم الويسكي مجَّاناً... إنَّه عيد ميلاد سامنتا لي، صاحبة الحانة...

لم أصدِّقه، إلاَّ عندما أخرج زجاجة ويسكي من جيب سترته، وصاح:

ألا ترى؟ الويسكي مجَّاناً. أدخل، هيَّا، هل ترفض دعوة سامنتا أيّها الساذج؟!

توقَّعت منذ تلك اللحظة أنّ سامنتا امرأة طيِّبة،وإن كنت لا أعرفها.

دخلتُ متردِّداً، خائفاً، متعثِّراً، لا أصدِّق أنَّ عالماً جديداً، أحمر اللون، كالدم، ينفتح أمامي. كان فيه صخب، وزمامير، وسيقان، ورجال متنكِّرون، وموسيقى... وراقصة أفريقيَّة تتلوَّى كالأفعى. لم ينتبه إلى وجودي أحد. كان هناك عجَزة عند البار، لا يبدو أنَّهم أثرياء، وفتيات جميلات يتنقَّلنَ بين الطاولات في هرج ومرج. قلت في سرِّي : ضع رأسك بين الرؤوس! لكنْ مهلاً... أنا متشرِّدٌ، وهؤلاء ليسوا مثلي، ولا أعرفهم... عليَّ إذن أن أدخل بينهم من دون ضجَّة. أشربُ كأساً، كأسين، ثمَّ أخرج إلى الشارع، إلى بيتي، كما تخرج الشعرة من العجين... جلست إلى طاولة بعيدة عمَّا يجري. تأمَّلتُ في العالم الجديد. رأيته أفضل بكثير من الخارج. ورأيت سامنتا من بعيد. عرفت أنَّها سامنتا. كان الجميع يحتفون بعيد ميلادها، وهي تدور بينهم سعيدة، كأنَّها فراشة ملوَّنة تحتفي بالربيع.

بدا لي أنَّها شربت كثيراً، وعندما وقع نظرها عليَّ، اتَّجهت نحوي متوتِّرة، فاعتقدتُ أنَّها تضمر لي شرَّاً، أو تريد أن تطردني. أمسكتني من يدي، وجرَّتني إلى وسط الحانة، حيث كان رجال ونساء يرقصون. صاحت بي: مَن أنتَ أيُّها الهارب من المطر؟!

ثمَّ راحت تراقصني، فاقترب منَّا رجل ضخم الجثَّة، أصلع، عرفت فيما بعد أنَّ اسمه جون أندرو، وجذبها منِّي حانقاً، ففهمتُ أنَّها ملك له، وقد أغاظه أنَّ أحداً يحاول الاستيلاء عليها.

لم اكترث لما حدث، فقد كنتُ متأكِّداً من أنَّ المرأة لم تكن مهتمَّة بي إلاَّ لكوني غريباً، وعديم الوسامة.

في تلك الليلة شربت بضع كؤوسٍ، وعدتُ إلى الشارع أبحث عن مكان لأنام فيه...

توقَّفتُ عن الكلام مع المحقّق في لحظة لأبتلع غبائي، فبادرني وهو يرخي ربطة عنقه:

هل رجعتَ إلى الحانة بعد ذلك؟

- نعم… نعم… عدت إلى الحانة في الليلة التالية...

- لماذا؟

- هل تراقصني امرأة ولا أعود إليها؟!

- أكنتَ تملك مالاً في تلك الأثناء؟

- لا أتذكَّر أنَّني حصلت في حياتي على قدر وفير

من المال.

- وماذا حدث بعد عودتك إلى الحانة؟

- اقتربتُ من سامنتا أكثر. لم يكن جون أندرو موجوداً لحسن الحظِّ. أعطتني المرأة مزيداً من الاهتمام، واعتذرت منِّي عمَّا حصل يوم أمس، ثمَّ سألتْني عن نفسي، فأخبرتها عن طفولتي وحاضري وبؤسي. كانت مهتمَّة بما أقوله، ولم يخطر في بالي أنَّني سأعني لها شيئاً في يوم من الأيَّام، فهي امرأة جميلة، خبيرة، وتعرف الكثير من الرجال، وأنا لم أعرف في حياتي سوى بضع نساء غير جميلات.

قالت لي: هذه حانتي، وأنا حرَّة في دعوة مَن أشاء إليها. لا تهتمَّ لجون. إنَّه يغار كثيراً... وأنا أشفق عليك... فتعال إلى هنا عندما تشعر بالبرد أو الجوع. ولا تدفع نقوداً أبداً... المشروب كلُّه على حسابي...

شدَّت على يـــــــدي، وانصرفَت بسرعة... كانت لمستها مرهماً سحريّاً على جروحي الكثيرة. لم أبحث عن مأوى في تلك الليلة. ذهبتُ إلى الميناء، وأمضيت ليلتي أراقب الأضواء الملوَّنة على صفحة الماء، وأتخيَّل سامنتا كجنِّيَّة بحر قذفت بها الأمواج إلى الشاطئ. سمعتُها تدعوني لأنزل معها إلى اللجَّة، ونغيب إلى القعر، حيث نلتحم ولا يرانا أحد.

لم تكن أعماق البحر مخيفة تلك الليلة، بل كانت هادئة ورقيقة. وكنت أنـا وسامنتا فـقـط نمشي علـى حـريـر الـمـوج كطفلين صغيرين لا يلويان على شيء...

أفقتُ من خيالاتي عند أوَّل خيط من خيوط الشمس. نظرت إلى المراكب، فوجدتها لا تتحرَّك من مكانها، بل تتأرجح في رقص مملّ. كان هناك فراغ، وأنوار خافتة كادت تنطفئ، وطيور نورس جائعة. وكنت أنا وحيداً، أعود إلى واقعي، وأتقبَّل حقيقة أنَّني معدَم، ولن

تحبَّني امرأة...

- ألم تكن سامنتا تحبُّك؟ سألني المحقّق.

- نعم... حدث ذلك فيما بعد...

- وجون؟

- كان رجلاً مسكيناً... حزنتُ عليه... لم أكن أغار منه، فما حدث بينه وبين سامنتا كان أمراً تافهاً، لكنَّه كان يضايقها، ويحاول إزعاجي إلى حدِّ المشاجرة، معتقداً أنَّني كنت السبب في ابتعادها عنه...

- هل قتلتَه؟

- لم أقتله... صدّقني... لم أعرف أنَّه قُتل إلاَّ صباح اليوم.

- أكنتَ على خلاف معه؟

- كنَّا على خلاف من أجل امرأة… خلاف من طرف واحد...

- هل تعتقد أنَّها قتلته؟

- لا مصلحة لها في ذلك... وأعتقد أنَّكم تريدون الإيقاع بها...

- لماذا تصرُّ على أنَّها بريئة؟

- لأنَّها عاملتني بعطف شديد، ولا يمكن لامرأة بهذه الرقَّة أن ترتكب جريمة...

- ولكنَّها اعترفت بقتله...

- ماذا؟! هل تمزح؟!

- المحقِّقون لا يمزحون يا ريتشارد... سامنتا قتلت جون أندرو... يبدو أنَّه ضايقها كثيراً... سنعرف مزيداً من التفاصيل فيما بعد...

- لا يمكنني أن أصدِّق ما تقول... أبداً... أبداً... إذا كانت سامنتا قتلت جون، فلماذا أتيتم بي إلى هنا؟!

- أردنا أن نتأكَّد من عدم اشتراكك في الجريمة...

- وهل تأكَّدتم؟

- نعم... بيد أنَّنا قد نحتاج إليك فيما بعد...

أستطيع أن أتصوَّر كيف كان إحساس جون أندرو قبل أن يسلم روحه بلحظة واحدة. لا شكَّ أنَّه اكتشف الموت، وهو يقترب منه. فتح عينيه بقوَّة ليرى الأشياء أكثر. إختنق، وانتفض جسده. حاول أن يمدَّ يده ليمسك بالهواء، قبل أن يسقط في هوَّة عميقة لا قرار لها...

كان متألِّماً، لكنَّ خوفه كان أشدَّ من الألم. شعر بأنَّه في قلب نفق مغلق، لا مخرج له. وسمع صوتاً في داخله، لم يعرف ما هو. سيطرت عليه حالة جنون. فقدَ صوابه. أراد أن يصرخ: لا، فلم يتحرَّك لسانه. كانت في حلقه فحمة سوداء منطفئة، هي روحه...

لو تمكَّن من الحركة في تلك اللحظة، لكان ثار وحطَّم كلَّ شيء في متناول يده. كان هجم على ساعة الحائط وهشَّم زجاجها، ليعيد عقاربها إلى الوراء، إلى وقت كان فيه سعيداً...

أغمض جون أندرو عينيه، ورحل بألم، وامتعاض، وشتيمة، ولم يسمعه الآخرون. كان يتمنَّى أن تتراجع سامنتا عن قرارها بقتله، فينجو من السكّين التي اخترقت خاصرته.

دخلت سامنتا إلى السجن، وعدتُ إلى الرصيف. سألت نفسي مرَّة: لماذا أنا مشرَّد؟ وعجزت عن الجواب، فكلُّ ما أستطيع قوله إنَّني ولدت فقيراً، وعشت منبوذاً. كان أبي يشتغل في البلديَّة، وقد أرسلني إلى المدرسة كأيِّ ولد آخر، فلم أكن أجد فيها إلاَّ سجناً ضيِّقاً، يتحتَّم عليَّ فيه أن أدرس وأترقَّى من صفٍّ إلى آخر. كنتُ بلا دماغ. ورغم ذلك، أنهيتُ دراستي الثانويَّة.

مات والدي في حادث شاحنة، فبكيت عليه بكاء مرّاً، وشتمتُ الموت، لأنَّه أخذ أبي منّي، ولم يأبه بمشاعري ودموعي. قضى والدي تحت أطنان القمامة... ولو مات في معركة، لكان حزني عليه أقلَّ بكثير ممَّا كان. عاش والدي بسيطاً جدَّاً، وكان قليل الكلام. وربَّما يكون مات أيضاً بصمت.

أتذكَّره عندما كان يعود من عمله في المساء، ويسألني عن دروسي... بكلام قليل كان يخاطبني، فأجيبه بأنَّني لا أنفع للمدارس... كان المسمار في رجلي هو السبب. المسمار الذي دقَّه الإسكافيُّ في حذائي كثيراً من المرَّات، فتوغَّل في جلدي. دخل عميقاً أكثر ممَّا يتصوَّر أحد. كنت أمشي في الملعب، وأركض، وأصارع، وأكتب على اللوح، وأقفز من فوق الجدران، وأتشاجر مع الفتيان، ويقاصصني المعلِّم واقفاً أو راكعاً، والمسمار في رجلي، حتَّى ينزف الدم في جوربي.

كنت أضحك من ألمي، ولا أخبر والدي بقصَّتي مع المسمار، لكي لا أكلِّفه بشراء حذاء جديد...

لقد كان طيِّباً معي ورقيقاً، وقلّما كان يعاقبني. وكان يسمع جاراً لنا يشتم ابنه الكسول، ويصنِّفه مع الحمير، فيقول: ما هكذا يجب أن يربِّي الوالد ابنه.

كان أبي متسامحاً مع الجهلة من أمثالي، ولا يعتبرهم من أجناس الحمير، وكنت أوافقه على رأيه، فالجاهل ليس حقيراً.

أمّا والدتي، فامرأة صالحة، تحبُّ الصلاة كثيراً. وهي كثيرة السكوت والتأمّل. ولا أذكر أنّها غضبت مرّة، أو تفوّهت بكلام غير لائق.

ما تزال أمِّي حيَّة إلى اليوم، وتعيش مع أختي في ضاحية "ليفربول" الفقيرة. لا أزورها كثيراً، بسبب خلاف مع أختي التي تريدني أن أكون رجلاً، كما تقول.

إنَّني الآن في حاجة إلى عطف أحد، إلى رحمة أحد. وأعتقد أنَّ والدتي هي الإنسان الوحيد الذي يمكنه أن يخفِّف مأساتي. كانت أمِّي دائماً تأخذني بين ذراعيها عندما أشعر بقسوة الحياة. كنت شقيّاً، وقاطع طرق. وقد ترجَّاني أحد الجيران مرَّة أن أقتل أفعى دخلتْ إلى حديقة منزله. كان الطقس حارّاً جدّاً، فهربت الأفعى من أجمة قريبة، لتختبئ قرب حوض السباحة. خفتُ أوَّل الأمر، فمشهد الأفعى يرعبني. غير أنَّ الرجل أخذ من جيبه بعض النقود، وقال: "أقتل الأفعى، وهذه النقود لك". رأيت النقود في يده، فأصبحت شجاعاً. تسلَّحت بخشبة، واقتربت إلى مكان الأفعى بصمت، فرأيت بعض ذنبها ظاهراً للعراء، أمسكته بيدي، وجررتها من مخبئها، وهي تتلوَّى وتحاول الالتفاف لكي تجهز على يدي. فزجرتها من هلعي، ودرت حول نفسي دورة كاملة لأقذف بها إلى سور الحديقة، فطحنت رأسها. قبضت ثمن جريمتي كأيِّ قاتل مأجور، وعدت إلى البيت

سعيداً. وفي اليوم التالي، علمت والدتي بما حدث، فعاتبتني وقالت: قد تكون تلك الأفعى أمّاً، فلماذا قتلتها؟

اعتقدتُ أنّ أمّي قاسية، لكنَّها أفهمتني أنَّ لومها كان تعبيراً عن محبَّتها لي، وخوفها عليَّ من لدغة الأفعى...

كان شقائي في طفولتي نابعاً من شعور خاطئ بالحرِّيَّة. وكم مرَّة تشاجرت مع أناس لا أعرفهم، وحاولت أن أثبت أنَّني قويٌّ! كان عندي شعور بأنَّ الإنسان لا يجب أن يموت إلاَّ واقفاً. لقد مات العديد من الأبطال واقفين، متَّكئين على رماحهم، والأعداء من حولهم لا يجرؤون على الاقتراب منهم، لظنَّهم أنَّهم لم يموتوا بعد.

إنَّني لستُ بطلاً، ولكنَّني كنت في صغري أطمح إلى أن أكون واحداً من هؤلاء الذين لا ترهبهم فكرة الموت. وما يدهشني فعلاً، هو أنَّني تخلَّيت عن فكرة البطولة، وأصبحتُ من المدافعين عن حقوق الإنسان، خصوصاً الفقراء أمثالي. إنَّ التشرُّد لا يعني أن أكون جذع شجرة، وخالياً من الشعور مع الآخرين. ولذلك أجدني متعاطفاً مع جون أندرو، ومختلفاً مع سامنتا. كان يحبُّها، وأعتقد أنَّ الحبَّ لا يجب أن يقتل صاحبه. لقد زعمت سامنتا أنَّه حاول اغتصابها. وفي تصوّري أنَّه حاول تقبيلها، فاغتالتهُ. ولو كنت مكانها، كنت أعطيته قبلة... ومن يدري؟ فقد تكون هي قبَّلتْه مراراً في الماضي، ثمَّ أحجمت عن ذلك عندما أصبحت تعرفني...

كانت قصَّتي مع سامنتا قصيرة، ولو كنت أنا من يملك لها أن تطول أو تقصر، كنت فضَّلت أن تستمرَّ أعواماً. ولو كنت أستطيع أن أردَّ الزمن إلى ما قبل الجريمة، لكنت فعلت ذلك، وقلت لجون أندرو: "تعال يا أخي، عد من الموت، إدعسه بجزمتك. وخذ سامانتا. إنَّ حياتك عندي أثمن بكثير من أيِّ امرأة في الدنيا. لو أغتصبتَ أمِّي يا جون... لما أردتك أن تموت كالبهيمة... صحيح أنَّك كنت تــــضــــايــــق

سامنتا، ولكنَّك لا تستحقُّ أن تؤخذ حياتك منك... مسكين أنت!

فقد فارقت الوجود وأنت تشتهي... كم كانت نهايتك شنيعة!

كنت قلت ذلك لجون، غير آبه بما زعمتْه المرأة في المحكمة. قالت: إنَّها تعرَّفت إليه في الحانة. لم يكن مشرَّداً، فقد كان لديه زوجة وأولاد. وكانت هي لا تحبُّه، فهو ليس من النوع الذي يمكن أن يحبَّه أحد. لاطفتْه كأيِّ زبون، فبدأ يتعلَّق بها. صارحها بمشاعره، وقال لها إنَّه مستعدٌّ لأن يترك زوجته من أجلها، فأفهمته بأنَّها لا تريد رجلاً في حياتها. كان عنيداً ويحبُّ المشاكسة، فرفض الانصياع لمشيئتها...

وعندما دخلتُ إلى حياة سامنتا، فقدَ صوابه، ولم يصدِّق أنَّ رجلاً آخر يحبُّ معشوقته. صار يضايقها، ويتَّصل بها في الليل والنهار، ويجادلها، ويتشاجر معها، حتَّى أدخلت سكِّيناً في خاصرته...

فعلتْها الشرِّيرة، وأعادتني إلى واقعي المشؤوم.

صارت حياتي مليئة بالتأمُّل. وتواصلت جلساتي عند الميناء، كأنَّني أجد هناك فرصة للهرب من الحقيقة المرَّة. لم تعد تزعجني زمامير السفن. كنت في صغري أخاف من السفينة، وأحلم في بعض الليالي بأنَّني أسبح في البحر، وتمرُّ من فوقي سفينة، فترعبني بهديرها، وأضوائها، وحديدها الصدئ، ثمَّ تقطعني إرباً. أمَّا الآن، فأحتاج إلى سفينة لتأخذني إلى جزيرة بعيدة...

لقد سمعتُ بجزيرة تاسمانيا، وهي ليست ببعيدة عن هذا الميناء، ولكنَّها ليست قريبة أيضاً. حدَّثني عنها ستيف، وهو متسكّع مثلي، يقول إنَّه ولد في تاسمانيا، ولكنَّ ظروف حياته جاءت به إلى سيدني ليعيش فيها.

كان ستيف غنيّاً في شبابه، ويملك مزرعة، وكان مدمناً على المقامرة، فخسر فيها جميع ما يملك، ولم يبق في قبضته سوى دراهم قليلة، قفز بها إلى البحر، فلفظته الأمواج عند خليج سيدني.

كنَّا نشرب معاً تحت شجرة باسقة بالقرب من محطَّة القطار في وسط المدينة. وكان يحبُّ البيرة المصنوعة في تاسمانيا، ويشير إلى النمر التاسمانيِّ المرسوم عليها، قائلاً: ليس عندي صديق إلاَّ هذا النمر وأنت. إشرب... اللعنَة على الحظّ وأصحابه!

فجأة رحل ستيف، ولم أعد أسمع منه شيئاً. قال إنَّه سيذهب إلى ملبورن ثمَّ سيعود، ويبدو أنَّه فضَّل البقاء هناك.

لو كان في سيدني، كنت شكوت إليه معاناتي، بعد الجريمة النكراء التي ارتكبتها سامنتا. أمَّا وقد ذهب مع الريح، فليس لي سوى الفراغ والتأمُّل. كان عليَّ أن أغتسل بماء البحر، لأمحو أيَّ أثر تركته المرأة المجرمة على ثيابي. لقد أصبحت صديقاً للموج والرياح والأشرعة، وتطوَّرت من رجل الشارع إلى رجل الميناء. وكنت أتجوَّل بين المارَّة والمتنزِّهين وعازفي الموسيقى والسحرة والمشعوذين والدجَّالين، متباهياً كمن يمتلك المكان... وعندما تحلُّ عتمة الليل، أنام على مقعد تتكسَّر الأمواج تحته، وعيناي عالقتان بالأضواء المنتناثرة على صفحة المياه.

كان هناك مشهد واحد يزعجني في هذه المدينة الكبيرة. إنَّه جسر سيدني العملاق الذي يحبُّه الناس، ويلتقطون له الصور، ويكيلون له المدائح. كان بيني وبينه فتور شديد، فأنا لا أحبُّ العمالقة، ولا الحديد الذي تُصنع منه الجسور. كنت أفضِّل جسراً حجريّاً صغيراً، تبدو سيدني الشماليَّة من ورائه في جلالها وهيبتها.

لا أعتقد أنَّ أحداً من الناس يفكِّر في هذه اللحظات برجال قُتلوا، وهم يعمِّرون الجسر. أنا فقط أفكِّر بهم، وأرى خوفهم، وألمهم، وعتبهم، وأسمع أصوات استغاثتهم. كنت أفضِّل أن أقطع المسافة بين سيدني وشمالها سباحة ألف مرَّة، على أن يموت إنسان واحد في بناء جسر. إنَّني أكره الدم، وأتساءل بحَيرة واستغراب: كيف يمكن لإنسان أن يقتل إنساناً آخر؟

كنتُ في صغري لا أعير لمثل هذا السؤال اهتماماً، لأنَّني كنتُ أعتدي بالضرب على كثيرين. وقد تغيَّرتُ فيما بعد. أصبح عندي قلب، وروح، وشجاعة لأخلِّص إنساناً يتهدَّده الموت.

في الصيف الماضي، اندلع حريق في الأدغال المحيطة بالمدينة، فتطوَّعتُ كرجل إطفاء، وأنقذت طفلاً من داخل منزل يحترق. أنقذت حيوان كانغارو أيضاً حاصرته النيران، فركلني بين فخذيَّ، وفرَّ هارباً. لم أكن خبيراً في التعامل مع الحيوان المسكين، فاعتدى عليَّ.

[][][]

حياتي لاهثة، مستعجلة، تبحث عن مكان ما تلجأ إليه. إنَّني أمشي في رياح الخريف، وتحت المطر، وأنام على مقعد. وعند الصباح، أفتح عينيّ على صورة البحر والسفن وطيور النورس. أركض باتِّجاه البحر، كاشفاً عن صدري، لأستقبل الهواء الآتي من بعيد. وفي النهار أمشي مع الناس، وألوِّح بقبضتي للطيور البيضاء الجائعة دائماً، فتطير مذعورة في الفضاء الرماديِّ...

كم أشتهي أن أكون طائراً، يذهب إلى أيِّ مكان يريد، بدون تأشيرة سفر! سمعت أنَّ طيوراً كثيرةً تهاجر من جزر المحيط ونيوزيلاندا وتاسمانيا، ثمَّ تعود إليها...

أعجبتني هذه الفكرة، وأصبحت خاضعاً لها. فمنذ ولدت لم أغادر هذه المدينة، وكم أحبُّ أن أغادرها الآن! وليتني أمضي إلى ستيف... وألتقي به في ملبورن. لا شكّ في أنّه الآن يمدُّ يده المرتجفة إلى المارَّة.

قلت له مراراً:

يا ستيف، دعك من التمثيل على الناس، والتظاهر بأنَّك ذو عاهة.

كان يجيبني:

هؤلاء سائحون، ولا يعرفون مَن أنا... فليس عيباً أن أكذب عليهم!

فاجأته مرَّة يحاول اقتراض بعض المال من روبرت، وهو سائح أميركيٌّ أعرفه، فغضبت غضباً شديداً، وتشاجرت معه، فولَّى الأدبار، ولم يعد إلاَّ بعد أيَّام، فاعتذر، وسألني إذا كنت أقبل أن يظلَّ صديقاً لي.

صالحته، وطلبت منه أن يبتعد عن الأميركيّ، فهو صديق لي... ولو تعرّض للأذى، فإنّ ذلك سيؤذيني أيضاً...

ملبورن بعيدة بُعد المرِّيخ، ولا أملك أجرة قطار.

والسائحون هنا يتنقَّلون من مدينة إلى مدينة، وعلى ظهورهم حقائب سفر صغيرة، دون أن يدفعوا درهماً واحداً. يقطعون أستراليا طولاً وعرضاً في سيَّارات عابرة، أو شاحنات، يلوِّحون لها بأيديهم، فتقف، ويصعدون إليها ضيوفاً مكرَّمين.

سألت نفسي، وأنا في ذروة الميل إلى الهروب:

لماذا لا أتوجَّه إلى ملبورن؟

كانت تلك فكرة سيِّئة جدّاً، فأنا لا أعرف أحداً هناك إلاَّ ستيف، وهو مجهول الإقامة، ولست أرى فيه صديقاً مخلصاً. لقد أراد أن يحتال على روبرت، ثمّ يختفي عن الأنظار... إذن سوف أنساه، وأبقى هنا، حتَّى تسمح لي الظروف بالرحيل إلى ملاذ آخر.

كنت مشغولاً بأفكاري، لا أشعر بجوع أو عطش، عندما ضربتني يد رقيقة على كتفي. إلتفتُّ فإذا سامنتا ورائي. لم أصدِّق عينيَّ. فركتُهما لأتأكَّد من أنَّني لست نائماً. كانت هي. لا تختلف عن تلك التي أعرفها إلاَّ بنظَّارتين سوداوين، تحجبان عينيها، وابتسامة هزيلة ارتسمت على ثغر حزين.

اقتربتْ منِّي بصمت واشتياق، فتراجعتُ باتِّجاه البحر. كنَّا غريقين في سكوت مدهش... تراجعتُ أكثر، فاصطدمت بياطر قديم، وتأكَّدت من أنَّ البحر ورائي، وسامنتا التي كرهتها أمامي...

قالت: ستقع في الماء...

قلت: أفضلُ من الوقوع بين يديكِ...

- أإلى هذا الحدِّ تكرهني؟

- وأكثر...

- قل لي: الحمد لله على السلامة!

- أنتِ قاتلة...

- صحيح، ولكنَّ المحكمة برَّأتني.

- برَّأتكِ؟! لا ريب في أنَّك معتوهة. كيف تبرِّئ

المحكمة قاتلة اعترفت بجريمتها؟!

- اعترفتُ... ولكنَّ للظروف أحكاماً. لقد حاول جون اغتصابي.

- هراء... من يصدِّق روايتكِ المزعومة؟!

- القاضي وهيئة المحلَّفين...

- لعلَّهم كانوا مخمورين!

- أبداً... لقد تبيَّن للمحكمة أنَّني كنت في حالة الدفاع عن النفس عندما طعنتُه...

- مهما يكن... أنتِ قتلتِ أحداً، ولا أريدكِ في حياتي.

- ما جئتُ إلى هنا لأعود إلى حياتك، بل لأعلمك بأنَّني بريئة، ولولا ذلك لما رأيتَني خارج السجن... صحيح أنَّني قتلت جون... لكنَّني كنت مكرهة على فعل ذلك... لقد أراد اغتصابي يا ريتشارد فنسنت، أتعرف ماذا يعني ذلك لامرأة؟

كنت دائخاً، ولا أسمع إلاَّ صراخ الضحيَّة، وصرير السكِّين في لحمه. نظرت إلى البحر، فرأيتُه يفتح شدقيه كالموت. كان البحر قبل قليل هادئاً، ليس فيه موجة. لقد عكَّرته سامنتا بمجيئها، فارتفعتْ أمواجه وامتدَّت إلى رصيف الميناء، كأنَّها تريد التهامي...

أنهت سامنتا دقيقة الصمت بقولها:

تصوَّر يا ريتشارد أنَّ أحداً يحاول اغتصابك!

صرختُ بنفور:

أنا؟

- نعم أنت؟ إذا تصوَّرتَ ذلك فقط، ستعرف كم كنت مكرَهة على قتل جون أندرو... هل تظنُّ أنَّ قتل إنسان أمر سهل، أو أنَّني كنت أحبُّ أن أقتل أحداً؟ لا... أنت تعرف كم أحبُّ الحياة!

بدأ صوت المرأة يتهدَّج، فخفت أن تبكي، وأرقَّ لحالها. قلت لها:

لقد أحببتُك يا سامنتا ذات يوم... ولم أعرف حبّاً جميلاً من قبل في حياتي. أمَّا الآن، فدعيني وشأني...

- أنت بلا مأوى، وتحتاج إلى مكان تعيش فيه.

- عندي بيت هو الميناء، وصديق هو البحر.

- ولم تعد بحاجة إليّ...

- لست أدري... لعلَّني غداً أستطيع التفكير في حياتي...

مضت سامنتا مقهورة، حزينة، تجرُّ قدميها جرّاً على رصيف الميناء. كانت تشعر بانكسار شديد لأنَّني أعتبرتها مجرمة، وفي الوقت نفسه تعاني من ذلِّ المرأة الجميلة، يرفضُها رجل سطحيٌّ مثلي.

جلستُ قبالة البحر، أنظر إليه، فاكتشفت أعماقه، وتراءتْ لي بلاد بعيدة خلفه، لم يكتشفها أحد. كانت بلاداً خضراء، فيها بشر سودٌ عراة، يستحمُّون بماء البحر، ويصطادون الغزلان والطيور، ويتسلَّقون الأشجار.

سمعت صراخ أطفالهم، وهم يلعبون في الحقول، وشاهدت نساءهم يسحبنَ شِبـــــاك الصيد مليئة بأسماك المحيط، ثمَّ يعدنَ إلى خيام القشِّ ليقدِّمن الصيد إلى رجالهنَّ.

تمنَّيت لو أنَّ عندي بلاداً كهذه، ليس فيها حقد، وأحزان! فلعلَّني كنت أعيش فيها ملكاً، عنده أصدقاء كثيرون أوفياء. يسهرون معه، ويشربون القهوة تحت شجر النخيل. أصدقاء من العصور القديمة، يتكلَّمون لغة لا يفهمها أحد، لعلَّها تشبه لغة الأبورجينيَّين...

تذكَّرت قصَّة الكونت لويس دو روجمونت، التي قرأت عنها في كتاب، عندما كنت على مقاعد الدراسة. كان هذا الرجل الخياليُّ سندباد أستراليا، وقد تحطَّمت سفينته قبالة شواطئها، فاضطرَّ إلى أكل لحوم البشر، وبنى منزلاً من أصداف اللؤلؤ، وأرسل وفوداً من طيور اللقلاق، تحمل رسائل بستِّ لغات، وأبحرَ على ظهور سلاحف عملاقة...

ليت عندي منزلاً من أصداف اللؤلؤ، وسلاحف عملاقة وادعة، تأخذني إلى جزيرتي لأهنأ بالعيش فيها!

كنت أفكِّر في كلِّ ذلك، وصورة سامنتا لا تفارق خيالي إلاَّ لتعود إليه

بقوَّة، فتطير في أرجائه، وتترك وراءها خيطاً من النار، لا ينطفئ.

أحبُّها الملعونة، وأرتعد منها. قد يكون عندها ميل إلى قتل الرجال، والتمثيل بمشاعرهم وأحلامهم. سوف لا أعود إليها. برغم حاجتي إلى امرأة، فلن أعود إليها. سأتغلَّب على عاطفتي وجوعي، وسأنتصر على جاذبيَّتها... لقد أصبحتُ مدافعاً عن حقِّ جون أندرو في الحياة، وسأنتقم لكرامته...

سمعتُ صوتاً في داخلي يصرخ بي: "أنت رجل. وامرأة بهذا الجمال لا توجد كلَّ يوم. فتخلَّ عن غرورك، وامضِ إليها... إخضع لسلطانها يا عديم الوسامة، وإلاَّ أكلتك الندامة!"

كنت فعلاً مشتاقاً إليها. ولا أنسى تلك الأيَّام التي قضيتها معها. كانت أيَّاماً قصيرة، لكنَّها تساوي جميع حياتي...

وكنت أسمع في داخلي صوتاً آخر يقول: "إنَّها قاتلة، فحذار من الاقتراب منها. إرحل يا ريتشارد، يا حفيد الأقزام والشياطين، وإلاَّ اغتالتك في ليلة ليلاء!"

دارت الأيَّام، وأنـا على تـلـك الـحـال. أفكِّر حتَّى أتـعب، فأحمل رأسي، وأمشي بين الناس. لم أكن أبتعد عن الميناء إلاَّ عندما أتوجَّه إلى مركز الإعانة التابع للدولة، لكي أحصل على معاشي الزهيد، كإنسان عاطـــل عن العمل... ثمَّ أعود إلى الرصيف، فأشتري بعض الـطــعـــام

الصينيِّ من مطعم صغير، وأتناوله مع طيور النورس.

لم تزرني سامنتا في الميناء بعد ذلك. ولم أتعمَّد أبداً المرور أمام حانتها. حتَّى أنَّني لا أريد أن أعرف ما إذا كنت الحانة عادت إلى العمل أم لا، فقد انتهى عطشي إلى قطرة بيرة، وفي ذهني سوف تبقى الحانة مغلقة إلى الأبد...

مرَّ شهر على لقائي الأخير بسامنتا، ولم أتغيَّر. كنت قد تخلَّيت عن دماغي... ولست أعتبر ذلك عاهة أو نقصاً، بقدر ما هو موقف عقائديٌّ من الحياة نفسها. الحياة ملعونة مثل امرأة قاتلة، وأنا غارق في لعنتها حتَّى أذنيَّ. تشدُّني إلى تحت، وأنا أشدُّ إلى فوق، لكي يبقى لي وجود بأقلَّ خسارة ممكنة.

عاد السائح الأميركيُّ، روبرت، فجأة إلى مدينة سيدني، ورأيته عند الميناء، وهو كثير التردّد على هذا المكان.

فرحتُ برؤيته، واستبشرت خيراً به، فالرجل ثريٌّ، وكلَّما التقيت به يطلب مرافقتي له إلى أمكنة يحبُّها، ويترك في جيبي بعض المال.

كان وحده كما في كلِّ مرَّة، وعلى ظهره حقيبة كبيرة. سألته عن أحواله، فابتسم، وأخبرني أنَّه بخير، وقال إنَّه ينوي التوجُّه إلى تاسمانيا.

تاسمانيا؟

سألته بتعجُّب، وقد بدت سعادتي في عينيَّ... فقال:

بلادكم جميلة، وقد زرتها كلَّها تقريباً، ما عدا تاسمانيا... هل ستذهب معي؟

أدهشني سؤاله وأفرحني كثيراً، فلفظت كلمة:

"نعم" دون أن أفكِّر، ثمَّ قلت:

تاسمانيا؟ لمَ لا؟ سأرافقك أيَّها الصديق الأميركيُّ...

- سأدفع لك ثلاثة آلاف دولار على هذه الرحلة!

- ممتاز... وكم سنبقى هناك؟

- شهراً واحداً على الأكثر.

تركني الأميركيُّ، في دنيا من أحلامي الجميلة، وأنا أكاد لا أصدِّق أنَّني سأذهب إلى أرض "فان ديمن"، الجزيرة الساحرة، التي وصفها ستيف بأنَّها أنثى خلعت ثيابها، وضاجعت البحر.

ركضت إلى حانوت قريب، فاشتريت زجاجتي بيرة من نوع "كاسكاد" التاسماني. وضعت الأولى على فمي، وأنا أصيح في أعماق نفسي: "عاشت تاسمانيا!"... وشربت الثانية على شرف المبلغ الذي سأتقاضاه

ثمناً لنزهتي.

لم أنم تلك الليلة. رأيت تاسمانيا، ونجومها، وبحرها، وغاباتها، وبحيراتها، وأنهارها، وقممها الباردة، ومدنها القديمة. واشتهيت أن يكون عندي كوخ من خشب في غابة، وحصانٌ أمتطيه، وحقلٌ فيه قمح وذُرة وقصب سكَّر. وبنيت ذلك البيت في أفكاري، حوله سياج من الأعشاب والطحالب وعلى سطحه تتَّكئ شجرة صنوبر، هي مسكن للعصافير. وحول البيت حديقة فيها بركة، ونافورة مياه، ووراءه جدولٌ عذب أشرب منه، ولا أرتوي.

في هذا البيت لا أحتاج إلى كهرباء، فعندي قنديلٌ، وموقد حطب أشوي فيه حبَّات الكستناء.

لقد حدَّثني ستيف عن جزيرته كثيراً، وكنت أسأل نفسي كلَّما أمعنَ في الحديث عنها: لماذا يترك إنسان أرضاً جميلة، كثيراً ما يعجز لسانه عن وصفها؟!

وأذكر أنَّني وجَّهتُ إليه السؤال ذاته، فاكفهرَّ، ونظر إلى البحر، وبصق فيه. رأيت في عينه دمعة، ثمَّ غادرني كطائر جريح.

مشيت في مدينة سيدني، أعدُّ بناياتها، وشوارعها، وسيَّاراتها، وناسها. كنت أريد أن أودِّعها بدون كلام... عثرت على أسماء جديدة فوق الحوانيت، لعلَّني رأيتها قبلاً، ولم أقرأها. وفي شارع مزدحم، مررتُ أمام كنيسة. سمعتُ أناشيد المصلِّين: "أنا ضعيف، يا ربِّ، وقد فعلتُ ما بوسعي لكي أتجنَّب الخطيئة". أعجبتني الفكرة، وفرحت، فأنا ضعيف أيضاً مثل هؤلاء، وقد أخطأت كثيراً لضعفي. وقرأت عند باب الكنيسة: "يسوع يخلِّص". صرخت من سعادتي: يا إلهي! في وسط هذا الزحام، وفي هذه المدينة المليئة بالحانات والراقصات والمومسات وحليقي الرؤوس... هناك من يخلِّصني، أنا المتهتِّك الخليع الذي لا رجاء منه. شكراً أيّها الربّ!

في اليوم التالي، جاء الأميركيُّ مبتسماً كعادته. كنت على مقعدي، فبادرني من بعيد قائلاً:

سنسافر غداً على متن مركب استأجرتُه للرحلة.

- ستدفع كثيراً...

- لا تخف. المهمُّ أن تكون الرحلة ممتعة. هل أنت جاهز؟

- بالتأكيد.

- نحن ذاهبان إلى منطقة غابات. سنخيِّم هناك.

- غابات؟!

- غابات تاسمانيا... أجمل ما يمكن أن تراه عين، وتسمع به أذن. صدِّقني... تعال معي لأشتري لك ثياباً خاصَّة بالرحلة!

هرول صديقي الأميركيُّ، وهرولت وراءه. كنتُ مستعجلاً، ومغمض العينين، ولا أعرف إلى أين ستأخذني رياح البحر...

قصَّتي مع المغامرة بدأت للتوِّ، فمعرفتي بالموج كانت معرفة بدائيَّة. كنت أنظر إليه، وأنا جالس على مقعدي الخشبيِّ عند الميناء.

إنَّني لا أجيد السباحة، ولو غرق هذا المركب لغرقت معه.

قال الأميركيُّ وهو يحدِّق في قسمات وجهي المضطربة:

هذا المركب قويٌّ جدّاً، ولن يغرق... هل أنت خائف؟

لم أكن خائفاً بقدر ما كنت متأثِّراً ممَّا يحدث في حياتي. لقد تركت سيدني، المدينة التي عشقتها في الماضي القريب، وبدأت أبحث عن مدينة جديدة سأتَّخذها عشيقة. إنَّني خائن وعديم الوفاء بالتأكيد!

كلُّ شيء من حولي يتغيَّر. لقد سكنت في البحر، وجاورت هديره، وصادقته... وتوغَّلت إلى أحشائه، فاستغربت ما فيها من أسرار ورموز. قلت للبحر:

من أنت؟ فغضب، وصفع المركب، فكاد يقلبه.

هدَّأتُ الموج. رجوتُه أن يستكين. نظرت إلى النجوم في الليلة المقمرة، فوجدتها أصفى، وأجمل بكثير ممَّا هي عند الشاطئ. الكواكب تبدو من هنا بريئة وصادقة، وأستطيع أن أتحدَّث إليها، فتسمعني.

كانت أمِّي تقول دائماً إنَّ النجوم تضيء في الليل، لكي تراقب الناس

الذين يخطئون. وكنت أسألها: كيف عرفت ذلك؟ فتقول: أنظر يا بنيَّ، عندما لا تظهر نجمة في النهار، فإنّها تكون قد ارتدت قناعاً.

تعتقد أمِّي أنَّ أكثر الخطايا تحدث في الليل، وأنَّ هذه النجوم تسجِّل ما يفعله البشر ليوم الحساب.

كانت والدتي في الخامسة عشرة من عمرها، عندما هاجرت أسرتها من لبنان إلى أستراليا، ولا تزال إلى اليوم تحتفظ بأقاصيص كثيرة كانت تسمعها من العجائز في طفولتها.

قالت لي أمِّي أيضاً: إنَّ بعض النجوم تتساقط، لأنَّها تفشل في مراقبة الناس، وتتلهَّى عن وظيفتها في أمور أخرى. وكانت متأكِّدة من أنَّ الكواكب المنتشرة على صفحة السماء ليست أكبر من المصابيح التي تضيء في البيوت.

إذا كانت أمِّي صادقة، فإنَّ النجوم تعرف قصَّتي مع سامنتا. لم تكن تلك القصَّة بريئة. كان فيها جوعٌ وشهوةٌ، ونار تضطرم في الجسد... غير أنَّني تركتها عند الشاطئ الآخر، لم ألوِّح لها بمنديل... ولم أودِّعها.

لقد أصبحت تلك المرأة جسداً بعيداً، لا أكاد أراه بالعين المجرَّدة، ولو خرجتْ الآن من الموج عارية، سأشيح بنظري عنها... لو كلَّمتني ، فلن أسمع... ولو بكت، فلن أرقَّ لدموعها... لو رجتني أن أعود إلى حانتها، لأبتلعَ كلَّ ما لديها من بيرة مجَّاناً، سأجيبها بالقول: كرهت

البيرة... ولعنتك ألف لعنة!

لو أقسمتْ أنَّها ملاك، سأحتقرها. القتل هو القتل، والدم هو الدم. ولا أفهم كيف يمكن لقاضٍ أن يبرِّئ مجرماً اعترف بأنَّه قتل أحداً...

كنت أنظر في الأمواج التي تعلو وتهبط عند جانب المركب، فرأيت جون أندرو، بشعاً، مخيفاً، ومثيراً للاشمئزاز، يخرج من أعماق البحر، يحدجني بنظرة حاقدة، وهو فاتح فمه الواسع، ثمَّ يختفي. تبيَّنتُ وجهه الأصفر، وفمه الكبير، والزبد يخرج من بين أسنانه...

دبَّت في جسدي قشعريرة لم أشعر بمثلها من قبل في حياتي. خرج رأس جون من الماء عدَّة مرَّات، فارتعبتُ، وكدت أنهار في مكاني.

عاد جون إلى قعر المحيط، فحشرت نفسي داخل ردائي... تعاميت عن البحر، ورحت أبحث عن أحد يسلِّيني.

عرفت أنَّ ما رأيته كان من وحي خيالي. فكيف يمكن لميت دُفن في التراب أن يعود إليَّ في مكان آخر؟!

لم يكن على المركب سوى أنا وروبرت وربَّان أستراليٌّ اعتقدت للوهلة الأولى أنَّه لا يتكلَّم كثيراً.

كان مشغولاً بركوب البحر، وفي فمه غليون منطفئ لا يفارقه أبداً...

فاجأني صوت روبرت: جميلة جدّاً هذه الليلة!

لم أجبه. كان عليَّ أن أستعيد تـــوازنــي، بــعــد أن ضـــربت المركب موجةٌ غاضبة. ضحك الأميركيُّ، ودعاني إلى كأس، فشربنا معاً، ثمَّ أوى كلٌّ منَّا إلى النوم.

كان صعباً عليَّ أن أغمض جفني في الليلة الأولى من الرحلة. وبينما كان رفيقي يشخرُ، كان المركب يقاوم موجة عالية، ثمَّ تبعتها موجة ثانية، فثالثة كادت تشقُّه نصفين.

تناهى إلى أذنيَّ صرير السلاسل فوق المركب، وصفير الرياح، وهدير اليمِّ، وصوت الربَّان الأستراليِّ، يغنِّي بصوته الأجشِّ أغنية ركيكة عن البحر، ومخاطره، كنت سمعتها منه بعد إقلاعنا من سيدني، وفهمت منها أنَّه شجاع، لا يخاف من غول البحر الجائع، ولا من القراصنة؛ فهو ببساطة لا يملك مالاً، فإذا اقتحموا المركب، لن يعترضهم، بل سيسألهم إذا كانوا يسمحون له بأن ينضمَّ إليهم، ليصير قرصاناً مثلهم... إنَّ حياته تافهة جدّاً، ولا قيمة لها، كما تقول الأغنية.

تعجَّبت لأنَّ الأستراليَّ لم ينم. ولعلَّه سينام فقط عندما نصل إلى هوبارت. كان الغليون لا يزال منطفئاً في فمه، كأنَّه لا يدخِّن.

في الصباح، خرجتُ من صراعي مع النوم إلى أعلى المركب. كانت الأمواج العالية تهاجمه، والرياح تكادُ تطير به إلى مكان مجهول في أقاصي البحر.

ابتلعت ريقي كمن يبتلع صنَّارة، وتمسَّكتُ بحاجز من الخشب لكي أتفادى الوقوع.

بدأ رذاذ من المطر يتساقط. نظرتُ إلى السماء، فوجدتها كثوب رماديٍّ ينعصر، ورأيت من بين المصابيح البيضاء قطرات الماء تكبر وتكبر، وتنقضُّ عليَّ من فوق مثل حبَّات الحصى الصغيرة.

بحثتُ عن الأستراليِّ بين حبال المطر، فتبيَّنتهُ كجبَّار يتقاتل مع البحر، ويحطِّم الأمواج بيديه الثقيلتين، ويرفعُ معطفه الأسود الطويل في وجه الرياح العاتية ليوقفها.

كان قويّاً على المحيط، والعاصفة تخاف منه. أردت أن أصرخ به: "يا ابن الأفاعي، ألا ترتاح دقيقة واحدة"؟!

لقد طمأنتني شجاعة الأستراليِّ، وجرأته... وذكَّرني بأولئك البحَّارة الأوائل، الذين اكتشفوا أستراليا قبل أن يكتشفها جايمس كوك بسنوات طويلة. كانت كلمة اكتشاف تعني الوصول، في مغامرات غريبة، خطيرة، ومثيرة، غرقت فيها سفن، ومات أناس، وشبعت أسماك.

أخبرني ستيف، قبل أن يضيع منِّي، أنَّ البحَّار الأسبانيَّ لويس دي تورِّيس شاهد الأراضي الأسترالية قبل جايمس كوك. وكان الهولندي ويليام جانزون أجرأ منه، فنزل إليها، وسمَّاها "الأرض المجهولة"...

سمعتُ صراخاً عنيفاً، وأنا أتخيَّل جانزون نازلاً بسلاحه الأبيض إلى الشاطئ، وراءه رجال هولنديُّون متردِّدون، ثمَّ يهاجمهم رجال أبورجينيُّون، فيسقط واحد من الدخلاء قتيلاً. كان ذلك أوَّل رجل أبيض يموت في أستراليا.

نحن في "الباس ستريت"، قال الأستراليُّ، وهو بحر ضيِّق، عاصف، شديد الخطورة... توجد في أغواره العميقة مقبرة تضمُّ مئات السفن المحطَّمة.

لقد عبر من هنا أيضاً بحَّار هولنديٌّ قبل الكابتن كوك هو آبل تاسمان، وسمِّيت جزيرة تاسمانيا تيمُّناً به.

كنت في الماضي القريب، أقف عند شواطئ سيدني أتفرَّج على اليخوت المشاركة في سباق "سيدني - هوبارت" الشهير. ذات مرَّة تحطَّمت يخوت، وغرق رجالٌ مغامرون في المحيط.

من الصعب أن أتخيَّل كيف يغرق إنسان. لعلَّ قلبه يتخلَّع، وهو يشاهد الموت ينقضُّ عليه بسرعة، ويضغط بجسده إلى أسفل. يقاوم بضعف ويأس، وربَّما يبكي بكاء لا يسمعه أحد . يفكِّر بالله، في لحظة، ويراه. ليس هناك وقت للصلاة، ولا للتفكير بشيء، ما عدا الخلاص. البحر يدخل إلى رئتيه... يصدمه في فمه. في أنفه. في أذنيه فترتجَّان. وتصبح عيناه مثل كهفين في قعر المحيط. يريد أن يعاتب، يشتم، يصرخ، يعاند، يمزِّق، ويصارع... يرى سواداً يحيط به، ويطبق على قلبه. وفي أقلَّ من لحظة يتلاشى،ويدخل إلى الموت والملح في فمه...

كان الأستراليُّ سعيداً في كفاحه. إنَّه فعلاً رجل عتيٌّ، رأسه لا ينحني. يريد أن يحطِّم البحر، وأنا أكاد أفقد روحي. سمعته يغنِّي عن "الكوالا"، وطائر "الإيميو"، و"الشيطان التاسمانيِّ"، ثمَّ غنَّى قصيدة عن "البانييب".

سمعت عن "البانييب" من قبل. فعندما كنت صغيراً كانت أمِّي تخبرني عنه. كانت تصدِّق أنَّه موجود، كالأستراليِّين الآخرين الذين ليس عندهم غول، فوجدوا في "البانييب" حيواناً يعوِّض عن خسارتهم، وكأنّ وجود الغول أو ما يشبهه ضرورة لا بدّ منها. كان وجود "البانييب" في نظر هؤلاء شيئاً مقدَّساً، ولا يخضع للمناقشة. ومنهم كتَّاب وشعراء وفلاسفة ومتعلِّمون يقولون إنَّهم شاهدوه: حيوان كبير، له رأس صغير، وأذنان ضئيلتان. أسنانه بارزة إلى الخارج، وظهره واسع يشبه الطاولة، وليس له ذنب. وسمعوا صوته: مثل صوت مدفع أو انفجار أو هدير الرعد... وزعم بعضهم أنَّه حيوان برأسين يعيش في البحيرات والأنهار، يزأر كالأسد، أو ينبح كالكلب أو يغنِّي كالطائر. وادَّعى آخرون أنَّ "البانييب" يختبئ في الأماكن المظلمة ويختار ضحاياه بعناية. إنَّه يفضِّل النساء على الرجال...

ربَّما أكون أنا واحداً من "البانييب"!

عندما كنت صغيراً صدَّقت أنَّ "البانييب" موجود. ولو كنت أمشي الآن في غابة مدلهمَّة، لنظرتُ ورائي كثيراً، كلَّما شعرت بحركة، خوفاً من "بانييب" يطاردني...

خطر في بالي أن أصاحب الأستراليَّ البحَّار، فاقتربت منه أكثر. كان هطول المطر قد تلاشى، فتناول زجاجة ويسكي، وجرع منها قدراً قليلاً، وهو يلتفت نحوي ليقول: لا أشرب كثيراً أثناء القيادة، ثمَّ انفجر في ضحكة مخيفة. ناولني الزجاجة، فاعتذرت عن لمسها، وأشرت إلى رأسي، ففهم أنَّني مريضٌ. قال لي بلهجة ساخرة:

هل أنت أستراليٌّ يا مالك الحزين؟

ابتسمت وأجبته:

نعم...

- هل تمزح؟! خُيِّل إليَّ أنَّك شرق أوسطيّ، أو يونانيٌّ أو من جنوب أميركا...

تأمَّلته مليّاً، فانتبهت إلى أنَّه يشبه سكَّان الريف.

كان وجهه مستديراً، وعيناه نافرتين، ولحيته طويلة شقراء...

قلت له:

اسمي ريتشارد...

فأجابني بسرور مفاجئ:

وأنا توم سميث، من بلدة يونغ.

- لم أسمع بهذه البلدة من قبل...

- وتقول إنَّك أستراليٌّ... هل أكلتَ الكرز في حياتك؟

- كرز... أكلت قليلاً منه...

- لا شكَّ أنَّ الكرز الذي أكلته جاء من بلدتي... هل فهمت؟

- يبدو أنَّها بلدة جميلة... ألا تعيش فيها؟

- أعيش منذ سنتين في وولنغونغ، وأتردَّد على سيدني...

- ألديك عمل آخر؟

- أنا بحَّار متفرِّغ، أقوم كلَّ أسبوع برحلة بين سيدني وهوبارت، إكراماً لعيون السائحين.

- ألا تخاف من الغرق؟

كان سؤالي تافهاً، فشذرني وهزَّ رأسه، وهو يتمتم:

لم أفكِّر في هذا الأمر.

ظهر الأميركيُّ بالقرب منّا، وهو يحمل كتاباً. فخاطب البحّار وهو يشير إلى الكتاب قائلاً:

كنت أحاول أن أجد في هذا الكتاب معلومات عن تاريخ الأبورجينيّين في تاسمانيا...

- وهل عثرت على شيء؟

- معلومات قليلة...

سكت البحَّار قليلاً، وأخرج غليونه من فمه، ثمَّ قال:

أعرف أنَّ الأوروبيِّين، أجدادي، كانوا يقتلون الأبورجينيِّين عند رؤيتهم، ويقدِّمون لهم الطحين المسمَّم. وأعلن الحاكم جورج أرثر الحرب على السكَّان الأصليِّين، فوصل عددهم في نهاية الأمر إلى ثمانية وسبعين شخصاً، من بينهم ستُّ نساء فقط... هل تريد أن تعرف المزيد؟

كان الأميركيُّ مندهشاً من حذاقة البحَّار ودرايته، فقال له بدون تردُّد: نعم... إذا سمحت...

- قبل حوالي ثمانين سنة من الآن، ماتت آخر امرأة أبورجينيَّة في تاسمانيا، وكان اسمها تروغانيني... كانت ابنة حاكم لقبائل الأبورجينيّين في جزيرة بروني. وعندما وصل حاكم البيض جورج أرثر إلى تاسمانيا خصّص جائزة مالية لكلّ من يلقي القبض على مواطن أسود، ثم اعتمد سياسة مرنة للتقرُّب من الأبورجينيّين وإغرائهم للانضمام إلى معسكرات اللاجئين... وتعرضت والدة تروغانيني للقتل، كما قُتل عمّها على أيدي الجنود، واختُطفت أختها من قبل البحّارة، وأعدم خطيبها على أيدي قاطعي الأشجار. ويقال إنّ تروغانيني نفسها تعرّضت للاغتصاب، قبل أن تنتقل إلى جزيرة فليندرز مع 100 أبورجيني، وقد مات أغلبهم بمرض الأنفلونزا. وانتقلت بعد ذلك إلى ملبورن حيث انضمّت إلى أربعة من الأبورجينيّين الخارجين على القانون الأبيض، وألقي القبض على المجموعة بعد مطاردة شاقَّة، وأعدم اثنان من أفرادها، ونُقلت تروغانيني مع القليل من السكّان الأصليين الذين ما زالوا على قيد الحياة، إلى جنوب هوبارت. ويقال إنّ تروغانيني أنجبت في ملبورن طفلة سمّتها لويزا إيسماي. وقد خبّأتها عن أعين السلطات. وماتت تروغانيني في هوبارت، واعتُبرت آخر أبورجيني فيّ تاسمانيا. وقد أعيد من إنكلترا سوار وعقد وبعض من شعرها وجلدها...

أبدى الأميركيّ إعجابه بالقصّة التي سمعها من فم البحّار الأسترالي، الذي بدا كأنّه مؤرّخ من الطراز الرفيع. وسأله الأميركيّ:

- هل تخبرنا أيضاً عن آخر رجل من السكّان الأصليّين في تاسمانيا؟

- هذا لا أعرف الكثير عنه. كان اسمه... ويليام لان... ومات قبل تروغانيني بسبع سنوات على ما أذكر...

- تعني أنَّ تاسمانيا ليس فيها أبورجينيٌّ واحد الآن؟!

- ربّما فيها القليل ممّن جاءوا من البرّ... لقد انقرضوا في الجزيرة كما انقرض النمر التاسمانيُّ...

توقّف البحَّار عن الكلام، وكم تمنَّيت أن يتابع، لأعرف المزيد عن تاسمانيا، الجزيرة المجهولة في نظري!

قلت له: أعرف عن النمر التاسمانيِّ أنَّه كان يشبه الذئب وحمار الوحش... هل كان مخيفاً؟

- كلاَّ، ولكنَّه جلب الكارثة على نفسه... كان يفترس الأغنام، وهي أغلى ما يملكه مستوطن جديد... فاندلعت حرب بينه وبين المزارعين أدَّت إلى انقراضه.

أحسست بالشفقة على النمر التاسمانيِّ، وانزعجتُ من بلاهة الناس. تذكَّرتُ صورته على صناديق البيرة. كان رأسه طويلاً، وفمه عريضاً، وعيناه واسعتين، فيهما حزن، لعلَّه حزن الميت على نفسه...

ظللتُ لساعة أو أكثر أستمع إلى البحَّار، وهو يروي لي حكايات عن تاسمانيا. أخبرني عن الشيطان التاسمانيِّ، وكنت أعتقد أنَّه لا يختلف عن النمر التاسمانيِّ... بيد أنَّ توم انزعج من قلَّة معلوماتي، وأوضح لي أنَّ الشيطان ما زال موجوداً بكثرة في الجزيرة: حيوان شرِّير، يشبه الكلاب الصغيرة... لونه أسود، مع بياض قليل في صدره وأسفل ظهره. يقتل الحيوانات الحقيرة والأغنام، ويفضِّل المريضة منها أو الضعيفة، حتَّى أنَّه يفترس أبناء جلدته من الشياطين المريضة، ويقتات لحمها بدون شفقة.

وروى البحَّار كثيراً من الأخبار عن الطبيعة الخلاَّبة في تاسمانيا، وتاريخها، وبحرها العاصف، وعن أربعة آلاف سفينة في قعر المحيطات حول أستراليا... وذكر لي قصَّة إحدى السفن، "سيدني كوف" التي تحطَّمت في جزيرة "برزرفايشن" القريبة من تاسمانيا، وحاول سبعة عشر من ركَّابها الإبحار إلى سيدني على متن زورق صغير، فتحطَّم المركب على أحد الشواطئ إلى الجنوب من المدينة، وقرَّر الرجال متابعة رحلتهم سيراً على الأقدام، فوصل منهم ثلاثة فقط. وتوجَّهت سفينتان هما "إليزا" و"فرانسيس" لإنقاذ الركَّاب في البحر التاسمانيِّ، وفي طريق عودتهما إلى سيدني اختفت السفينة "إليزا"، ولم يُعرف شيء عن مصيرها حتَّى الآن...

وأخبرني أيضاً قصَّة السفينة "أميركا"، التي تحطَّمت في توريس سترايت، ونجت منها امرأة واحدة اسمها بربارة تومبسون، تبنّاها الأبورجينيّون، وظلت معهم خمس سنوات، حتّى توقّفت سفينة عابرة لطلب المياه، فرحلت بربارة على متنها...

... وسألني توم:

هل سمعت بأفلام روبن هود؟

- نعم...

- بطلها أيرول فلين... ولــد فـي تاسمانيا... وأصبح مـن أعـظــم مشاهير

هوليوود...

كما روى لي، وبطريقة مدهشة قصَّة المغامر الأسترالي دوغلاس ماوسن إلى القارّة القطبية الجنوبيّة على متن السفينة "أورورا"، وكان معه رفيقان... وهناك هبَّت رياح عنيفة كادت تقتلع الخيمة التي نصبها الرجال الثلاثة. وبعد مدَّة، توجَّه المغامرون على زلاَّجات يجرّها ثمانية عشر كلباً لاكتشاف شاطئ "جورج الخامس"، وسقط أحد الرجال بزلاّجته التي تحمل الخيمة والطعام في حفرة جليديَّة فمات، ولم يكن مع ماوسن ورفيقه الآخر سوى كميَّة من الطعام تكفي لعشرة أيَّام فقط. فقرَّرا العودة إلى "كاب دنيسون"، وبدآ بقتل الكلاب الضعيفة لأكلها، حتَّى قتلا جميع الكلاب، وكانا على بعد مئة وستِّين كيلومتراً من الكاب... وما زاد الطين بلَّة أنَّ الرجلين أصيبا بمرض غريب، فبدأت قطع من جلدهما تنفصل عنهما، وعانى ماوسن آلاماً شديدة من جرَّاء انفصال أخمص قدمه، فأعاده إلى مكانه، ولفَّ عليه خرقة. وقد مات رفيق ماوسن بعد ذلك بوقت قصير، وبقي وحيداً يصارع الأقدار، فسقط في حفرة جليديَّة، لكنَّه تمكَّن من الخروج منها بجهد جهيد، لتكتب له الحياة. وبعد خمس وأربعين سنة، تبيَّن أنَّ ماوسن ورفيقه قد أصيبا بنوع مــن التسمُّم،

بسبب تناولهما قصبة سوداء لكلب...

كان البحَّار يسرد قصص البحر والمغامرات، وأنا في رهبة، أتخيَّل السفن الجانحة، ومناديل المسافرين، وصرخات النساء المتصاعدة من بين هدير الأمواج. ولم أخرج من تلك الدوَّامة إلاَّ عندما ظهر شاطئ تاسمانيا، فصفَّق قلبي، كأنَّه في عرس. إنَّه يتأهَّب لمغامرة جديدة، ورحلة في البرِّ مليئة بالإثارة.

رأيت الأميركيَّ يقف إلى جانبي، ويربِّت على كتفي. كانت في وجهه ابتسامة فرح، لعلَّها أوسع من البحر الذي يصطخب من حولنا.

وصلنا إلى هوربارت في صبيحة شتاء بارد. كانت السماء متجهِّمة، ورذاذ المطر يتساقط كحبَّات اللؤلؤ.

بدت المدينة من الخليج المفتوح أمامها كالحة، فاعتقدت أنَّها لن تحوز على إعجابي، بيد أنَّني كنت سعيداً لأنَّني خرجت من الماء، وكان صعباً عليَّ أن أفكِّر بأنَّني سأعبر البحر مرَّة ثانية عائداً إلى سيدني.

عندما اقترب المركب من الشاطئ، تمكَّنت من رؤية جبل ويلِّينغتون الذي يشرف على المدينة. كان مغطَّى بثلج رقيق. هبَّت نسمة باردة، فتكوَّمتُ داخل ثيابي، واشتهيتُ الجلوس على النار. قال لي البحَّار وهو يرسو في ميناء صغير للسفن الشراعيَّة:

إنَّ الحرارة الآن هي خمس درجات تحت الصفر...

هوبارت مدينة صغيرة، يشقُّها فـي وسطها نــهــــــر دروينت الشهير. ولم يكن صعباً عليَّ في اليوم التالي لوصولنا أن أقوم بجولة قليلة التكاليف. رأيت المتحف التاسماني من الخارج، ومعرض الفنون، ومسرح "رويال" الذي قيل لي إنَّه أقدم مسرح في أستراليا.

في جنوب هوبارت مصنع عريق للبيرة يُدعى كاسكاد، ولعلَّ قدراً كبيراً من شهرته يعود إلى صورة النمر التاسمانيِّ التي أصبحت شعاراً له. أماَّ خارج المدينة، فيقع كازينو "رست بوينت" الصاخب بحياة الليل والمقامرة. وإلى جانبه تمتدُّ مطاعم كثيرة.

في اليوم التالي، أخذني الأميركيُّ في سيَّارة إلى سفوح جبل ويلِّينغتون، فالتقط صوراً، ودوَّن كلمات في دفتر صغير. كان يتصرَّف كأنَّه جاسوس نشيط. أخبرني أنَّ هذا الجبل يرتفع ألفاً ومئتين وسبعين متراً عن سطح البحر.

وفي منتصف النهار تقريباً، رافقت الأميركيَّ طائعاً إلى آثار قديمة، تبدو كأنَّها بقايا حضارة زائلة. ولولا أنَّ عهد أستراليا بالبناء عهد حديث، لكنتُ قدَّرت أنَّ هذا البناء هو من آثار القرون الوسطى في أوروبا. ويبدو أنَّ رفيقي انتبه إلى ضياعي، فعاجلني بالقول: هنا بورت أرثر... المكان الأكثر بشاعة في تاريخ البلاد...

سألته: هل هذا قصر؟!

ضحك الأميركيُّ، بينما كان ينزل من السيَّارة ليأخذ صورة للمبنى، وقال:

إنَّه سجن للمنفيِّين، بُني على يد الحاكم أرثر، وظلَّ يُستخدم كسجن حوالي خمسين سنة... هل تريد أن تعرف كم سجيناً مرَّ في بورت أرثر؟

- نعم...

- أكثر من اثني عشر ألف سجين. وكانت الكلاب تحرس الأسرى عند مضيق صغير للمياه، فلم ينجح واحد منهم في محاولة هروب. وكان بعض المساجين يلقون بأنفسهم في مــــيــــاه الخليج فـــــي محاولات يائسة للنجاة...

التقط الأميركيُّ مزيداً من الصور وهو يقول:

الكنيسة، برج الحراسة، المستشفى، وسجن صغير هو نموذج عن السجون التي كانت موجودة هنا...

- من أين حصلت على كلِّ هذه المعلومات؟!

- أخبرني بها صديق يدرس التاريخ الأستراليّ في الجامعة...

قلت للأميركيِّ:

لا شكَّ في أنَّ آثار بورت أرثر ليست قديمة... ورغم ذلك فهي تعبيرٌ عن حقبة مهمَّة في التاريخ الأستراليِّ...

- صحيح. إنَّ البناء صورة بشعة عن همجيَّة الإنسان... وقد أصابه الدمار، واحترقت أجزاء منه احتجاجاً على الهمجيَّة.

- وماذا حدث للذين كانوا هنا؟

قُتلوا، أو أعدِموا، أو ماتوا... أنظر إلى خليج بورت أرثر. إنَّ هناك مقبرةً فيه تدعى "جزيرة الميت"، وفيها ألف وسبعمئة وتسعة وستُّون قبراً لمنفيِّين لم تُكتبْ أسماؤهم، ومئة وثمانون قبراً كُتِبت عليها أسماء المنفيِّين الأحرار والموظَّفين والجنود...

عندما عدنا إلى هوبارت، كان في أذنيَّ صرير الأبواب المعدنيَّة الثقيلة، ونباح الكلاب الشرسة، وصرخات الجنود، وأحاديث المساكين من بني البشر، أولئك الذين رفض التاريخ أن يكتب أسماءهم، حتَّى على قبورهم.

[][][]

استأجر الأميركيُّ غرفتين في فندق، وأعطاني مفتاح غرفتي، وهو يشير إليَّ لكي أحمل واحدة من حقيبتين كانتا معه. دخلنا إلى المصعد، وارتفعنا إلى الطابق الثالث، فمشينا في بهو ضيِّق، حتَّى وصلنا إلى الغرفتين المتجاورتين. قال لي:

دع الحقيبة أمام الباب... عليك أن ترتاح قليلاً.

سألتُه:

أتعرف لماذا جئت معك إلى هنا؟

فضحك وقال:

لكي ترافقني كصديق مخلص؟!

- وهل كنت تحتاج إلى صديق؟

- لا أعرف... سوف أزور العديد من الأماكن. والأهمُّ في رحلتي هو أنَّني سأسير مسافة طويلة في الجنوب المليء بالغابات...

- ألا يمكن استخدام السيَّارة؟

- كلاَّ. سندور حول الساحل على زورق صغير، لنرسو على الشاطئ الجنوبيّ للجزيرة، ونخيّم في الغابات الكثيفة.

دبّت رعدة في جسدي، وسألتُ على الفور:

- أليست مسافة طويلة؟

ضحك الأميركيُّ وقال: أقصر من المسافة من نيويورك إلى هنا... ستكون الرحلة ممتعة، وسترافقني فيها...لا تقلق... لن أجعلك تحمل أغراضاً كثيرة... سأعطيك ألف دولار الآن. هل أنت سعيد؟ بوسعك أن تأخذ إجازة غداً... سأصعد إلى جبل ويلِّينغتون وحدي، أمَّا أنت، فيمكنك أن تذهب إلى السوق وتشتري بعض الحاجيات... سأوصلك قبل أن أذهب إلى الجبل...

- السوق؟ لمَ لا؟ إنَّها فكرة جيِّدة.

تركني الأميركيُّ وأوى إلى غرفته، ولم يعرف لماذا جئت معه إلى هوبارت... لقد هربتُ من حياتي... ومَن يدري إذا كانت الأيَّام المقبلة أفضل منها!

في اليوم التالي، أوصلني روبرت إلى السوق الشعبيِّة، وانطلق في رحلته إلى الجبل المطلّ على هوبارت.

اشتريت ثياباً: كنزة وسترة شتويَّة وزوجــــاً مــن الأحـــذيــــة، وقبَّعة من الصوف... وزجاجتين من النبيذ... كنت أتجوَّل في السوق بين الوجوه التي لا أعرفها كرجل ثريٍّ. وفي وسط النهار جعتُ، فاشتريت قطعة حلوى. وجلست على مقعد لألتهمها.

على بعد خطوات منِّي، كان رجل أعمى يقف ويمدُّ قبَّعته أمامه كأنَّه يستجدي... كان يعلِّق ورقة على صدره، كتب عليها: "رجل أعمى بدون

عمل يطلب المساعدة... أيُّ قطعة نقود غير لازمة قد تفيد".

أشفقت عليه، وأخرجت من جيبي بعض القطع المعدنيَّة، واقتربت منه لأضع النقود في القبَّعة. وكم كانت دهشتي كبيرة عندما رأيتُ فيه إنساناً أعرفه! إنَّه ستيف، الرجل التاسمانيُّ الذي كنت أعرفه في سيدني. ستيف بشحمه ولحمه يتظاهر بأنَّه أعمى ويخدعني، فأشفق

على عاهته!

تباًّ لهذا الشحَّاذ كم هو كاذب ومحترف!

أمسكته من كتفه، وصحت به: ستيف!

عاد إليه نظره بسحر ساحر، وضحك بفم واسِع، ثمَّ دفع بي إلى زاوية خالية من الناس، وعانقني بحرارة...

كانت رائحة البيرة تفوح من ثيابه القذرة، ولحيته الكثَّة. لم يعتذر لتنكُّره في هيئة شحَّاذ ماكر، بل قال بفرح:

أنت هنا... في هوبارت!؟

- ظننت أنَّك في ملبورن، أو أنّك متّ أيّها الجبان!

- لا تخف عليَّ! هل تدخِّن؟

سحب سيجارة من جيب قميصِه، وحشرها بين شفتيه الغليظتين، وأخذ من سروالِه ولاَّعة حقيرة، فأشعلها، وأخذ منها نفساً عميقاً.

سألته:

أتعيش هنا؟

- الآن فقط... وأنت ماذا تفعل هنا؟

- جئت مع الأميركيِّ... هل تتذكَّره؟! إنَّه يقوم برحلة اكتشاف... وسيدفع لي...

- أنت خائن!

- لماذا؟

- لأنَّك لا تذكر أصدقاءك بالخير... هل فهمت ماذا أعني؟

- فهمت... أنتَ اختفيت فجأة، ولم أعرف أين يمكن أن تكون.

أومأ ستيف برأسه موافقاً على كلامي، ثمَّ شخص ببصره إلى غيوم سوداء تلبَّدت في صفحة السماء. انهمرت قطرات المطر على سقف من الصفيح يمتدُّ فوقنا، كأنَّها حبَّاتٌ من الحصى تسقط من عل. وهبَّت نسائم باردة من جهة البحر، فاصطكَّت أسناني، انتبهتُ إلى جلبة في السُّوق...

كان أصحاب المحالِّ المكشوفة مستعجلين للعودة إلى منازلهم. فحملوا أمتعتهم إلى شاحناتهم، وغادروا قبل اشتداد العاصفة، فامتزجت أصوات الرجال بهدير المحرِّكات، ودخلت رائحة مازوت إلى رئتي، فسعلت بشدَّة... سعلت كأنَّني أختنق.

قال ستيف:

ماذا اشتريت؟

- بعض الأغراض للرحلة.

- هل ستقنع الأميركيَّ بأن يأخذني معه؟

- كلاَّ... أنت صعلوك... ولن يوافق على صحبتك البتَّة.

- تبّاً لك وللأميركيِّ! ستقول له أشياء حسنة.

- ألم تحاول سرقته؟

- كلاّ. كنت أريد اقتراض بعض المال… هل في ذلك عيب؟ وكنت سأردّه إليه… أذهب معكما بخمسمئة دولار... ما رأيك؟

- أنت أكبر كاذب عرفته في حياتي... يا عجبي كيف يكون المرء كاذباً إلى هذا الحدِّ! سأتحدَّث إلى روبرت بشأنك... سأحاول أن أروِّج لبضاعتك الرخيصة، لكن بشرط واحد...

- ما هو؟

- لا تتبع خطواتي!

- موافق...

- انتظرْني هنا غداً الساعة التاسعة صباحاً، ولا تتأخَّر.

عجَّلت في سيري تحت المطر إلى الفندق، وكنتُ أمشي بمحاذاة الأبنية، وأقطع الشوارع ركضاً، والأكياس في يديَّ، فتكاد تتفتَّق. وصلت إلى غرفتي، فوضعت الأكياس على الأرض، وخلعت ثيابي، واستلقيت على السرير متعباً. غفوت حتَّى المساء، فسمعت طرقاً على بابي... كان روبرت قد عاد من الجبل منهكاً هو الآخر، وأراد أن

يطمئنَّ عن أحوالي قبل أن يذهب إلى مخدعه.

سألتُه عن رحلته إلى الجبل، فأجابني بأنَّها كانت ممتعة، وقد التقط صوراً كثيرة للثلج المتساقط على الجبل...

قال لي: الثلج لا ينهمر بغزارة في تاسمانيا... رذاذ فقط يغطِّي بعض القمم العالية.

تذكَّرت لقائي بستيف، فقمت عن سريري بسرعة البرق، وسألت الأميركيَّ:

هل تتَّسع الرِّحلة لإنسان آخر؟

استغربَ الرجلُ من سؤالي، وشخصَ إلى وجهي متعجِّباً، مقلِّباً شفتيه، فأردفت:

التقيت بصديق قديم في السُّوق، وأخبرته عن الرحلة، فأبدى رغبته في مرافقتي...

فكَّر الأميركيُّ قليلاً ثمَّ قال:

لكنَّنا لا نحتاج إليه في شيء...

- سأدفع له من المبلغ الذي وعدتني به... إذا كنت لا تمانع، فلعلَّه يقوم بأيِّ عمل نافع!

تفحَّص الأميركيُّ أسارير وجهي، وقال بهدوء بالغ:

لا بأس... فليأتِ، وأنا سأدفع له!

فرحتُ جدّاً لأنَّ ستيف سيرافقني في مغامرتي الجديدة، فشكرت روبرت، وشددت على يده.

وفي صبيحة اليوم التالي، تناولت فطوري على عجل: بعض الخبز والجبن، مع قليل من سلطة الخضار. شربت بعد الطعام كوباً صغيرة من العصير، وعجَّلت إلى السوق، حيث ينتظرني ستيف.

كان رذاذ من المطر الخفيف لا يزال ينهمر، فيبلِّل ثيابي. وعبرتْ سيَّارة مسرعة بقربي، فتطاير الماء من تحت عجلاتها إلى حذائي. تلفَّظتُ بكلمات غاضبة، وسمعت صوت ستيف يعاجلني:

ماذا بربِّك؟ هل توصَّلت إلى خاتمة سعيدة مع الأميركيِّ؟

-أجل... فقد وافق على مرافقتك لنا... ولا تطمع بأكثر من المبلغ الذي طلبته...

- مبلغ جيِّد... قد أعيش به مدَّة طويلة... ومتى سننطلق؟

- اليوم بعد الظهر... عليك أن تكون في فندق "لينّا" عند الساعة الثانية... لا تتأخَّر!

عدتُ إلى الفندق، فوجدت الأميركيَّ جالساً مع امرأة شقراء في الفناء، ويشربان القهوة كأنَّهما على وفاق. كانت امرأة جميلة في العقد الرابع من عمرها، ترتدي ثياباً عاديَّة، يغلب عليها اللون الأزرق.

عندما رآني الأميركيُّ، أشار إليَّ بالاقتراب، ورأيت المرأة وهي تترك فنجان قهوتها، وتلتفت إلى ناحيتي.

قال لها روبرت:

اسمحي لي أن أعرِّفَك برفيقي في الرحلة. ريتشارد فنسنت.

قالت المرأة بفرح مصطنع:

تشرَّفت بحضرتك يا سيِّد فنسنت... أنا ماريان وايت... تفضَّل اجلس معنا!

رمقني الأميركيُّ بنظرة مشجِّعة، فاطمأنَّ قلبي، وشعرت بأنَّه يحترمني جدّاً، ويبدي ذلك أمام ضيوفِه.

كنَّا صامتين، وينظر كلٌّ منَّا إلى الآخر، واستطعتُ أن أرى ماريان عن كثب. كانت رائعة فعلاً، وكثيرة الحديث.

قالت المرأة: عليَّ الذهاب الآن... فيجب أن يكون المركب جاهزاً...

أرجوك يا روبرت ألاَّ تدعو أحداً بعد الآن لمرافقتنا... أربعة فقط... هل اتَّفقنا؟

نهضتْ من مكانها برفق، وردَّت خصلات من شعرها إلى الوراء، فظهرت عيناها السوداوان الكبيرتان بوضوح، فيما كان روبرت يقول لها:

بالتأكيد... لن يتغيَّر شيء في المخطَّط... إلى اللقاء عند المرفأ.

رحت أراقب المرأة وهي تمشي، فوجدتها ذات قامة طويلة، وخصر ناحل... وأثارت فيَّ مشاعر كانت ما تزال مكبوتة منذ افتراقي عن سامنتا، فابتلعتُ غصَّة مريرة، والتجأت إلى اللامبالاة لأختبئ فيها، كطفل جائعٍ يتسلَّى بالنوم عن ألم الجوع.

عاد روبرت بعد أن ودَّع المرأة خارج الفندق، وكنت ما أزال شارد الذهن، فعاجلني بالقول:

امرأة جميلة... ألا توافق معي؟

لم أردَّ، خشية أن أفتعل أزمة مع الرجل، فأنا لا أعرف حتَّى الآن مَن هي، ولماذا جاءت إلى الفندق... كلُّ ما سمعته منها أنَّ المركب يجب أن يكون جاهزاً، وكلُّ ما رأيته أنَّها ساحرة. وكنتُ أظنُّ أنَّ الأرض خلت من النساء، وأنَّني أصبحت عوداً من الحطب، عارياً من روحه، غير أنَّني تفتَّحتُ كزهرة برِّيَّة للتوِّ، واجتاحتني رغبة في العثور على ذئبة تفترسني. لم تكن الدنيا فارغة كما تخيَّلت، فلم تزل هناك حوَّاء الشهوة، والخطيئة، والسعادة الملتهبة.

أدرك الأميركيُّ ضياعي، فقبض على يدي، وهزَّني مرَّتين، وقال: هل أنت متردِّد؟

- لا، أبداً... أبداً...

شرب روبرت آخر جرعة من فنجان قهوته، وتابع:

ماريان ستقود المركب... هي بحّارة ذات خبرة طويلة.

- أنت تمزح... هل هي بارعة؟

كنت أشعر برهبة فعلاً، وعندما حاولتُ إخفاء ما تصوَّرته من مخاطر، لم أنجح... ولعلَّني كنت أخاف من فكرة أنَّ امرأة حسناء ستأخذني في رحلة بين البحر والسماء... بيد أنَّني اعترفت في قرارة نفسي بأنَّني جبان فعلاً، ولا ينبغي أن أكون كذلك في الأيَّام المقبلة.

صعدنا إلى المركب، ولم يكن معنا سوى حقائب نحملها على ظهورنا. كان المركب قديماً وأصغر بكثير من المركب الذي أقلَّنا من سيدني إلى هوبارت. ولعلَّ هذه الآلة قد أُصلحت مراراً في تاريخها الطويل، فبدت كامرأة عجوز متأنِّقة. وعلى الرغم من أنَّني لست خبيراً، فقد رأيتني أقارن بينه وبين السفن الكبيرة التي ترسو عند موانئ سيدني، كمن يقارن بين سيَّارة حديثة وأخرى أستراليّة الصنع، من طراز "هولدن"، كانت تسير في الأربعينات.

قالت ماريان، وهي تدير المحرِّك:

نحن على وشك الذهاب.

وما هي إلاَّ دقيقة، حتَّى أقلع المركب، وخرج ببطء من مرفأ هوبارت، وراح يشقّ طريقه وسط الأمواج الخفيفة.

كان الأميركيّ هادئاً يراقب البحر، ويأخذ صوراً للمدينة وهي تغيب رويداً رويداً عن أبصارنا. وكان ستيف أيضاً يدخّن بصمت، وينظر إليّ.

خاطبني الأميركيُّ:

هل أنت راضٍ؟

- نعم... بالطبع... وأنت؟

- سعيد جدّاً، فقد كنت دائماً أتمنَّى أن أقوم بهذه الرحلة... لقد رأيت جميع أنحاء أستراليا تقريباً ما عدا هذه الجزيرة... ستكون مغامرة جميلة أيُّها الصديق.

كانت فوقنا غيوم رماديَّة، موزَّعة في السماء كقطعان الإيميو... وكان روبرت يحاول تصوير تلك الغيوم وهي تلتقي بقمّة الجبل البعيد، فيجد صعوبة في تثبيت الكاميرا، فتخلَّى عن عمله، وتوجَّه إلى الحديث مع ستيف.

كان المطر يهطل بغزارة، وتوقَّعتُ أنَّ الطقس سيزداد سوءاً بين لحظة وأخرى، ولم يعد شيء من الأرض بادياً للعيان.

بعد ربع ساعة، توجَّه الأميركيُّ إلى مقدِّمة المركب، فتبادل مع المرأة بضع كلمات، ثمَّ عاد إلى مقعده.

كان ستيف على الجهة الأخرى من المركب يراقب الأفق البعيد. لم يشعر بدوار البحر، فهو سافر عدّة مرّات بين تاسمانيا والبرّ الأستراليّ.

قال روبرت بصوت عال وهو يفتح خارطة بين يديه: رحلتنا ستستغرق بضع ساعات، ولكنّنا سنتوقّف على شاطئ ساوث بورت... سننام هناك، وفي اليوم التالي سنتابع إلى الساحل الجنوبيّ.

[][][]

ساوث بورت قرية صغيرة تقبع على شاطئ المحيط، إلى الجنوب الشرقي من هوبارت. كانت موطناً لقبائل السكَّان الأصليّين. وقد دعيت بخليج الأصداف من قبَل الفرنسيّين، وفي عام 1837 انشأ البريطانيّون مستوطنة صغيرة هنا، ثمّ انشأوا مركزاً لتأهيل المنفيّين من بريطانيا. وكانت ساوث بورت تدعى آنذاك "هايث"، ومثل جميع المدن والقرى في أستراليا، تأسّست القرية على أيدي المنفيّين من بريطانيا، وفي أوائل القرن العشرين تحوّلت إلى مرفأ صغير للسفن التي كانت تحمل المنفيّين وتعود محمّلة بالأخشاب من تاسمانيا إلى أوروبا. واشتهرت ساوث بورت أيضاً بالأعشاب البحريّة التي كانت تُجمع وتجفَّف في جزيرة صغيرة في الخليج تدعى "الجزيرة الميتة".

ومن آثار أولئك المنفيّين لم يبق سوى القليل، بعد أن أتت النيران على المستوطنة الأصليّة، ولا تزال بضعة أبنية قديمة ترتفع في القرية، إلى جانب مقبرتين صغيرتين ترقدان بصمت وتحتويان على رفات المستوطنين القدماء.

كنت أقرأ عـــن ساوث بـــورت في مجلّة صغيرة وجدتها على مقعد في

الحديقة العامّة. ولم أكن بحاجة ليخبرني أحد عن الجنّة، فهي الجنّة الأرضيّة التي يصعب رسمها أو تخيّلها. قرية بعيدة عن العالم وكأنّها سقطت من كوكب، تكتنفها الأشجار الخضراء، ويسودها صمت عميق، إذ لا يوجد فيها أكثر من أربعمئة ساكن. وعلى الرغم من ذلك، ففيها حديقة للكارافان، ومحطّة للوقود، وبضعة حوانيت تجاريّة صغيرة، وغرف للمنامة، ومحطّة قطار.

كنت أجلس على المقعد المواجـــــــه للبحـــــــر، وأتــــأمّـــــل في روعــــــة الخالق والخلق، ولست أدري كيف خطرت في ذهني فكرة داهمة عن وجود الله، وتذكّرت أنّني سمعت من أناس أنّ عقولهم لا تستطيع تصوُّر أنّ هناك خالقاً للكون. لست فيلسوفاً، ولم أقرأ الكثير من الكتب، كما أنّني لست مهووساً بالدِّين، إلاّ أنّني تعلّمت من الحياة الكثير. الحياة أكبر من جامعة وأعمق من جميع الكتب. نعيش على السطح ونرتكب الأخطاء ونسرق ونقتل لكي نعيش. وفينا مََن لا يعيرون للقيَم اهتماماً. وأنا كنت أدوس على القيَم وأسخر من التقاليد، كإنسان هامشيّ يكره المسؤوليّة، ويميل إلى العبث. أمّا وجود الله، فأفهمه على طريقتي، وأعتقد أنّ الناس يخطئون عندما يصوّرونه إنساناً عظيماً، فيقولون في أنفسهم: إنّ الإنسان عاجز عن أن يرفع سيّارة عن الأرض، فكيف يستطيع أن يخلق عالماً لا حدود له؟ والحقيقة أنّ الله ليس إنساناً، بل هو قوّة هائلة... هو في المطلق طاقة كونيّة، ومحبّة، وتسامح... وكم أرجو، لكثرة أخطائي، أن يسامحني ويشملني بمحبّته ذات يوم.

كيف يمكن أن يكون الله غير موجود، وهو يمتدّ أمامي في البحر، وفي أشرعة صغيرة تعانق النسيم، وفي الحديقة الغنّاء، والأرض المزهرة، والطيور التي تحيط بي من كلّ جانب، وتعزف سيمفونيّة عذبة، وفي السماء والأفق، وفي قلبي الذي يتعطّش إلى عطف الإله وعنايته؟

كنت وحدي أتنعّم بالطبيعة الغضّة، وأطير في الحلم فوق الغابات التي تمتدّ بعيداً. فقد تركتُ الفندق قبل أكثر من ساعة، ومشيت على غير هدى، ولم أخشَ أن أضيع، فالقرية كلّها لا تمتدّ إلاّ لمسافة قصيرة... والمرء الذي يقصد أن يضيع لا يستطيع أن يفعل ذلك إلاّ إذا تخطّى حدود القرية، ودخل في الغابة التي تذهب في كلّ اتّجاه ولا تنتهي إلاّ على المقلب الثاني من الأرض، حيث يعود المحيط ليلتقي مع الشاطئ في عناق أبديّ. وقد قرأت للتوّ في الكتيّب الذي بين يديَّ عن أناس تاهوا في غابات تاسمانيا، بعضهم عُثر عليه حيّاً أو ميتاً بعد أن أمضى أيّاماً تائهاً في الغابات، وبعضهم فُقدت آثاره ولم يُعرف شيء عن مصيره.

وبينما أنا في تأمُّلاتي، سمعت ورائي وقع خطوات، فالتفتُّ لأرى ماريان تتَّجه نحوي، وهي تبتسم برقّة وتقول:

هاه... أنت هنا... كنت أتنزّه في أرجاء القرية...

إنَّها رائعة فعلاً... وليست هذه المرَّة الأولى التي أزورها. كنت صغيرة عندما كان والدي يملك زورقاً كبيراً لنقل السائحين من هوبارت إلى هنا... ورافقتُه عدَّة مرَّات.

فاجأتني ماريان في التحدُّث إليَّ بجرأة، من غير أن تعرفني، ولست أذكر أنَّني تناقشت معها في أيّ موضوع من قبل. قلت لها، محاولاً إضفاء طابع الودّ:

صحيح... إنَّها قرية رائعة، وعلى الرغم من أنَّني أحببتُ هوبارت أكثر منها، فإنَّها تناسبني إذا كنت في حاجة إلى الصفاء والهدوء.

قالت ماريان وهي تجلس على المقعد وتأخذ نفساً عميقاً:

أعتقد أنّك من سيدني… فاللهجة هنا تختلف...

- نعم… صحيح، لكنْ لا تسأليني عن عنواني...

- أليس لديك عنوان؟

سألتْ بتعجّب...

- أنا مشرَّد حقيقة، ولا أتوقَّع في ذات يوم أن يكون لي بيت... لكنّ في بيت أبي منازل كثيرة...

- غريب أن يكون الآلاف من سكَّان هــــــذه البلاد مشرَّدين... بينما في

الدول الفقيرة لا تجد كثيراً منهم...

- المجتمعات في الدول الفقيرة ما زالت تحتفظ بتقاليد العائلة، فالمنزل الصغير هناك يؤوي الجميع، بمن فيهم المتزوِّجون، أمَّا هنا، فكلُّ واحد من أفراد الأسرة يمضي في طريق...

- أعتذر منكَ لأنَّني سألتك عن نفسك...

- لا تعتذري، فلا شيء يشعرني بالأسى والخجل من واقعي. هذا أنا، كما خلقتني يا ربّ... وأنتِ... هل لديكِ أسرة؟

- ماتت والدتي منذ زمن طويل، أمّا والدي فقد رحل قبل أشهر. ليس لديَّ سوى شقيق واحد يقيم في أستراليا الغربية ولا أراه كثيراً... كنتُ متزوِّجة من رجل غنيّ، لكنَّه حادُّ الطباع، وتحمَّلت الكثير من قسوته قبل أن ننفصل... لم يكن لدينا أولاد.

سكتت ماريان عن الكلام، وكانت الشمس قد بدأت تغيب، فتسلَّل خيط من الظلام إلى عباءة الأفق الزرقاء. ولم أتمكَّن من رؤية الشمس وهي تسقط في الماء، لأّنها تغيب على الساحل الغربي من الجزيرة، وتحجبني عنها مساحات شاسعة من الغابات التي لا يقطن فيها أحد.

رافقتُ ماريان في طريق العودة إلى الفندق الصغير. كنت أحاول أن أسير ببطء، لكي أتمتَّع أكثر بدفء حضورها. كنّا لا نتحدَّث كثيراً، غير أنَّني كنت لا أريد لنظري أن يبتعد عنها. اكتشفت أنَّها امرأة عميقة الأحاسيس، ورقيقة الروح. أيقظتْ فيَّ مشاعر مدفونة، وكنت أظنُّ في ما مضى من الأيّام أنّ تلك المشاعر أصبحت مثل قنديل منطفئ، لا أمل منه في أن يُضيء. وسألتُ نفسي: لماذا أرى هذه المرأة مختلفة؟ لقد صادفت كثيراً من النساء في حياتي... رأيتهنَّ في الشوارع، وعند محطّات القطار، وفي كلّ مكان... وقلَّما رأيت امرأة بشعة. ويغيظني أنَّ هناك مَن يكرهون النساء، أو يعاملون المرأة باحتقار.

في مثل حالتي لا أستطيع أن أتصوَّر امرأة قبيحة، فقد كانت سامنتا آية في الروعة. صورة نادرة من يد فنّان يقول للحجر: أنطق، فينطق. وصحيح أنَّني اختلفت مع سامنتا لأنّها قتلت رجلاً، وصحيح أيضاً أنَّني لا أعرف إن كنت أكرهها أم لا، ولولا أنَّني رأيتُ فيها قاتلاً لما تخلّيت عنها. لقد انتصرتُ عليها فشعرتُ بالهزيمة، وهذا ما سبَّب لي ألماً عميقاً. أمَّا ماريان، فهي أيضاً نحت من النور يتحرّك ويتنفّس ويقهر نفسي. هل يمكن أن أحبَّها ذات يوم؟ هذا السؤال يسأله كلُّ رجل عندما يلتقي بامرأة توقظه من جموده. ويحقُّ لي أن أسأله أيضاً. أمّا السؤال الآخر: هل يمكن

أن تحبَّني امـرأة كماريـان؟ فــهــو السؤال الأصعب، خصوصاً أنَّني أرى نفسي قبيحاً إلى درجة لا تُصدّق.

دخلتُ إلى غرفتي في الفندق، وتفقّدتُ المبلغ الذي وضعتُه في جيب

سترتي داخل الخزانة ففوجئتُ بأنَّه قد اختفى. لقد ارتكبتُ خطأ فادحاً عندما تركتُ الباب مغلقاً ولم أقفله من الخارج، بل تركتُ عليه الإعلان الذي يقول: "رجاء عدم الإزعاج". وكان يفترَض أن لا يدخل أحدٌ من العاملين في الفندق إلى الغرفة. فمَن هو الذي انتهك حرمة أملاكي وسرق مالي؟ قد يكون عامل التنظيف اقترف السرقة، أو ربّما أحد النزلاء من المغادرين استولى على المبلغ وتوجَّه إلى مكان غير معلوم. أسرعتُ إلى موظَّف الاستقبال لأخبره بالأمر، فقال لي إنَّ الموظَّفين أمناء، ولم يسبق لأحد أن فقد شيئاً من ممتلكاته في الفندق. أمَّا الذين غادروا في المساء فهم بضعة أشخاص، ولا يستطيع أن يؤكِّد أو ينفي أنّ أحدهم قد يكون دخل إلى غرفتي وسرق المال.

هل هو مبلغ كبير؟ سألني الموظَّف.

أجبت: ليس كبيراً، ولكنَّني لا أملك مالاً كفاية الآن.

تذكَّرت الأميركيّ فأسرعت إليه شاكياً أمري، فتمتم ببضع كلمات لم أفهمها، وقد يكون صبّ جام لعنته على الفاعل المجهول. ثمّ ابتسم واتّسعت حدقتاه، وهو يقول:

لا عليك... سأعوِّض عليك خسارتك... نحن صديقان... ألسنا كذلك؟

- بالطبع... بالطبع... نحن صديقان.

فجأة دخل ستيف إلى الغرفة، فلاحظ التوتُّر على وجهي، بينما كان الأميركيُّ يمدُّ يده إلى جيبه ليأخذ مبلغاً صغيراً، ويقدِّمه إليَّ.

سأل ستيف، وعيناه تلمعان كزجاجتين:

ماذا حدث؟

قال الأميركيّ:

لا شيء يدعو للخوف. صديقك تعرَّض للسرقة.

علتْ الدهشة وجه ستيف، وصاح متسائلاً:

سرِقة؟!

قلت لستيف مهدِّئاً روعه:

نعم... لقد دخل أحدهم إلى غرفتي... سارق مجهول.

خرجتُ من غرفة الأميركي، وكان ستيف يسير ورائي قائلاً: هل بحثت جيّداً؟ قد تكون وضعت المال في مكان آخر ونسيت...

التفتُّ إليه، وأنا أبتسم، وقلت له:

لا بأس يا ستيف. انتهى الأمر... علينا أن نفكِّر في الغد.

في صباح اليوم التالي، غادرنا ساوث بورت واتجهنا إلى الجنوب. كانت الغابات الخضراء الكثيفة تمتدّ من الساحل إلى داخل الجزيرة. غابات لم أرَ لها مثيلاً من قبل. فاعتقدتُ أنّ الأرض انتهت هنا، ولم يعد هناك أمل في رؤية بشر. كان المركب يشقُّ الموج، والنسيم يتحوَّل إلى رياح خفيفة راحت تشتدُّ رويداً رويداً.

قالت ماريان: إنَّنا نحتاج إلى بضع ساعات لكي نصل إلى ساحل تاسمانيا الجنوبي، ونختتم رحلة لو كان سندباد حيّاً يرزق لكان اشتهى مثلها.

ثلاثة رجال وامرأة تأخذهم رياح المحيط إلى مكان مجهول، قلّما وصلت إليه قدم إنسان. كانت ساوث بورت بالنسبة إليَّ آخر محطّة للبشر، لكنَّني فوجئت بقرية أخرى، قالت ماريان إنّها تدعي "ريشرش" أي البحث. اسم فرنسيٌّ هو بالتأكيد. وشرحتْ أنّ اسم القرية يرتبط بالملاّح الفرنسي دانتر كوستو الذي كان يقود حملة للبحث عن الملاّح الفرنسي الآخر لابيروز. وقد أقام الفرنسيّون في القرية مركزاً للبحث في أواخر القرن الثامن عشر، ومكثوا هناك ستة وعشرين يوماً، فجمعوا نماذج نباتيّة نادرة، وكان لهم اتّصال ودّيّ مع السكّان الأصليّين. وفي أواسط القرن التاسع عشر وصل البريطانيّون إلى خليج القرية، فأقاموا مجتمعاً زراعيّاً واستغلّوا المحيط لصيد الحيتان، وحفروا بعض المناجم. وقد غرقت مقابل القرية سفينتان شهيرتان هما "ماريا أور"، و"أوفلي"، وهما من بين المئات من السفن المستقرّة في قعر البحار المحيطة بتاسمانيا.

كانت ماريان تروي لنا كلّ ذلك، وهي تغالب البحر والرياح التي بدا

لنا أنَّها غول مفترس يريد ابتلاعنا.

فكّرت في نفسي: من أين تاتي الرياح؟ لا بدّ من أنّ أحداً وراء المحيط له فم كبير، وينفخ منه، فتخرج منه العواصف والأعاصير.

نظرتُ في الماء، فسمعت صراخ الموج، بل هو صراخ الآلاف من المغامرين الذين ما زالوا يمدّون أيديهم من قعر المحيط، علّ أحداً ينقذهم من الغرق.

كم هو صعب أن يموت الإنسان غرقاً! موت لا يوصف. مواجهة بطيئة للموت. كرهت الموت منذ زمن طويل، وكرهته أكثر عندما مات والدي... كما كرهته عندما قضى جون أندرو. وأصعب شيء في الجريمة أن تبقى الدماء على يديك وأنت لم تقتل. أمّا سامنتا، فقد كانت الدماء على يديها حتماً، ولن تجفّ أبداً.

حشرجة البحر تشبه إلى حدّ بعيد حشرجة الفراق. والموج الصاخب يبتلع اللحظة من الزمان. كلّ موجة في البحر الكبير تصرخ من أجل البقاء، ولو سكنتْ الأمواج، لفقد البحر معناه، وانتهى عمره.

نحن نبحر في عالم يــــبـــدو هادئاً أحياناً، وصاخــبـــاً أحياناً أخرى، عالمنا مليء بالأبرياء والوحوش. ألوان وأشكال وأعراق تتحاور وتتقاتل، تتجاور وتتحارب. والحروب كلّها من أجل التراب، وماذا في التراب؟ وبماذا تفكّر دول كبيرة وتمتلك الأراضي الشاسعة عندما

تهاجم دولاً صغيرة وتحتلّها؟

تأسّفت لأنّني أعيش في عالم غير صالح للسكن، وتمنّيت لو أصعد إلى واحدة من تلك النجوم، فلا أحد يراني ولا أحد يعرفني... يمكنني هناك أن أختبئ من شروري ومن أخطائي. وأكسر المرآة التي يتحطّم عليها وجهي كلّما أشرقت الشمس أو غابت. مرآة لا أفلتها من يدي ولا أرى فيها سوى الماضي الذي يشدّ أذني ويؤلمني. في نجمة بعيدة قد ألتقي بامرأة ونتزوّج وننجب أولاداً يكبرون ويلعبون على سطح غيمة، ويشربون من أكمام الورود... ونكون عائلة لا تتكلّم، فالكلام يتحطّم عندما يخرج من الفم، وقد يجرح ويسيء. الكلام بالإشارة وبالعيون هو أكثر الكلام دلالة وإيحاء.

كنّا نبحر في الموج. المركب يتمايل يساراً ويميناً. ظننت أكثر من مرّة أنّنا سنغرق، بينما كان الأميركيّ يقف عند حافّة المركب ويمسك بالإطار الحديديّ. خفتُ عليه أن يسقط في الماء، وكانت نظراته تسافر إلى البعيد، كأنّه يبحث عن أرض موعودة.

نعم، هو يبحث عن شيء. وكانت معه خارطة قديمة، رأيتها في الفندق على منضدة، ولم أسأله عنها. ورأيتها في المركب تطلّ من جيب سترته. ولو تمعّنت فيها لربّما اهتديت إلى ما يفكّر فيه الرجل.

رسا المركب على شاطئ صخريّ، يقع عند أقدام غابة مترامية الأطراف. ونزلنا منه مع أمتعة خفيفة، بينما كانت ماريان ترمي بالياطر في الماء. وكانت العاصفة قد هدأت قليلاً، وتحوّل الهواء إلى خفيف منعش، لكنّ صفحة السماء كانت لا تزال رماديّة، ولم تخلع رداءها القديم الذي رأيناها ترتديه منذ أقلعنا في البحر قبل ساعات.

وبينما نحن نسير نحو الغابة، قال الأميركيّ:

نحن الآن في الجنوب الغربي من تاسمانيا، وهذه الحديقة الوطنيّة، التي تحتوي على أكثر الغابات انعزالاً في العالم.

قال ستيف وهو يلوك سيجارته في فمه:

لقد عشت في تاسمانيا زمناً طويلاً، ولم أعرف شيئاً عن هذه الناحية.

أردف الأميركيّ: حوالي 600 ألف هكتار من الغابات، وأراض وعرة من الصعب التوغّل فيها. وقد سمعنا كثيراً من القصص عن أناس ضاعوا، واختفت آثارهم، ولكن لا تخافوا. لا أحد يموت من الجوع هنا... فهناك الكثير من الأنهار والبحيرات التي يمكن للمرء أن يجد فيها أسماكاً، وقد يستطيع التقاطها بيديه العاريتين.

انحسرت الغيوم، وبدأت أشعة الشمس تتغلغل من بين الأغصان الباسقة، فتفرش ملاءة من الحرير. الأشجار عالية جدّاً، وقد يكون عمر بعضها مئات السنين، أشجار لم أر مثلها في أستراليا من قبل، ولعلّها أشجار نادرة، لكنّها مليئة بالأطيار والحيوانات الصغيرة.

قالت ماريان: إنّها أكبر منطقة غابات في العالم، وإذا تبعنا المسارات

فسنكون في أمان.

قال الأميركي، وهو يخرج الخارطة من جيبه: تمهّلوا قليلاً، فلن نتبع المسارات. هناك مكان محدّد يجب أن نصل إليه. والخارطة تحدّد إلى أين سنذهب.

تعجّبتُ من كلامه، وسألته: هل هناك هدف معيّن تسعى إليه... ولا نعرفه نحن؟

قال: نعم... ما سأقوله لكم سيدهشكم حقّاً. إنّها حكاية يمتزج فيها الواقع بالأسطورة… فهذه الخارطة التي بين يديّ لا يملكها أحد سواي. وهي تبيّن بدقّة مكاناً خبّأ فيه الأبورجينيّون صندوقاً يحتوي على ذهب...

قالت ماريان وهي لا تصدّق ما تسمع: الأبورجينيّون لم يكونوا يقتنون الذهب والفضّة، وكانوا يعيشون في الغابات والقفار، والمال لم يكن يعني لهم كثيراً.

قال الأميركيّ: هذا ما أتحدّث عنه بالضبط، ففي عام 1892 تحطّمت سفينة في البحر الذي وراءنا، بعد أن اصطدمت بالصخور. ولا تزال أجزاء منها ظاهرة للعيان، ولم يكن في السفينة سوى عدد قليل من البحّارة، كانوا ينقلون الماشية وأموالاً نقديّة وذهباً من إنكترا إلى بورت أرثر، ولم ينج من أولئك البحّارة إلاّ واحد فقط، وقد تمكّن من الوصول إلى الشاطئ مع الصندوق. وعندما عثر عليه الأبورجينيون في اليوم التالي، حملوه إلى داخل الغابة وحاولو إنقاذه، فلم يفلحوا، ودفنوه مع الصندوق.

هتف ستيف: هل تعني أنّ الذهب ما يزال موجوداً هناك؟

أجاب الأميركيّ: متأكّد من أنّه لا يزال هناك... ونحن على مسيرة ستّ ساعات من المكان الذي نقصده.

قلت: لا نستطيع أن نبلغ المكان في هذا اليوم، فنحن مرهقون، وعلينا أن نخيّم، ثمّ نواصل السير صباحاً.

أثناء الليل، كانت ماريــــان على مقربة منّي، أو ظننت أنّها تـــعمــّدت أن تكون قريبة. كانت الحرارة متدنيّة، وعلى ماريان غطاء ثقيل، لكنّه انزاح قليلاً عن جسدها، فظهرت إحدى ساقيها. نهضت، وغطّيتها برفق، ثمّ عدت إلى مكاني.

لا أعرف إذا كانت ماريان قد انتبهت إلى ما فعلتُ، لكنّ حدسي أنبأني بأنّها انتبهت إلى تصرّفي اللائق معها. وبقيتُ ساهراً طيلة الليل، وعيناي لا تغمضان، فكيف أستطيع أن أنام في البريّة، لا سقف يغطّيني ولا جدران تحميني؟ وما خفّف من اضطرابي هو علمي الأكيد بأنّ لا حيوانات مفترسة في هذه البلاد، ولولا أسطورة "البانييب"، لاختفت الوحوش من المخيّلة الجماعية لأبناء القارّة الشاسعة، فلا أسُود ولا نمور، ولا دببة، ما عدا كثيراً من الأفاعي التي هي الأكثر ضراوة وخطورة على وجه الأرض، ومثلها العناكب المميتة.

وما كاد الصباح يطلع حتّى تابعنا طريقنا بين الأشجار العالية. لم نكن نتبع خطّاً مفهوماً في سيرنا، بل كما يُملي علينا روبرت، ومضت أكثر من ستّ ساعات، ولم يبدُ على وجه الأميركيّ أيّ علامة فرح، بل أخذ يحكّ رأسه، وينظر يميناً وشمالاً، ثمّ إلى الخارطة التي معه.

فهمتُ من حركاته وملامحه أنّنا في الاتجاه الخطأ.

قال روبرت: سترتاحون من عناء السير. نحن في المنطقة المحدّدة على الخارطة... لا يمكن أن يكون الموقع بعيداً من هنا... ارتاحوا أنتم، وسأذهب وحدي لأبحث عن شجرة معيّنة...

قال ستيف: سأذهب معك... وستكون في أمان...

قال روبرت: لا بأس... تعال.

اختفى الرجلان وراء الأشجار، وبقيت أنا وماريان وحدنا. وكانت فرصة لألتقط أنفاسي معها، وقد أستطيع في وقت قصير أن أحدّثها بشيء من الجنون الذي أخفيه في داخلي.

قالت لي برفق: شكراً لما فعلته ليلة أمس... كان تصرّفاً جميلاً منك.

ارتبكتُ، وحاولتُ أن أشرح فيها أنّ ما حدث كان أمراً طبيعيّاً. قلت

والكلمات تتسابق على لساني:

خفتُ أن تشعري بالبرد.

- لكنّك رأيت ساقي...

اضطربت أكثر، وقلت:

لا أخفي عليكِ. نعم رأيتهما، في لحظة واحدة. ثمّ أشحتُ بنظري... لا أفكّر كما يفكّر كثير من الرجال، ولا أسمح لنفسي بأن أتطفّل عليك.

- ألهذا غطّيتَني؟

- ربّما لهذا... ولو كان الطقس حارّاً هنا، لكنت فعلت الشيء نفسه. لا تفكّري بأنّني أنساق وراء عواطفي. كنت في الماضي أسعى وراء المرأة، كأنّني دبّ جائع، ولست أدري ماذا حلّ بي في الأشهر الأخيرة، لعلّه الدم الذي أريق ذات مرّة، وكدت أغرق فيه...

- هل حدثت جريمة؟

- لا أحبّ الحديث عن الماضي. كثير من الماضي شرارات قاتلة في ضميري. أحياناً أتصوّر أنّني طفل بريء في شارع مليء بالكبار وأصحاب القلوب القاسية. هذا أنا فعلاً. لا أمثّل عليك. الناس يمثّلون، حتى عندما ينفعلون أمام تمثيليّة، هم يمثّلون، ولا أصدّق غير هذا... أتعلمين؟ لو أردت أن أعود إلى الناس، فسأعود إلى امرأة

تشبهك...

- أنا؟ لماذا؟

- لست أدري. أحببتُ امرأة من قبل، لكن أنت تختلفين... وسأقول لكِ سرّاً: كنت دائماً أنظر إليك من خلف ستار… لكي لا تفضَحي أمري...

ضحكت ماريان ضحكة خفيفة، وقالت:

أتعرف؟ أنت خفيف الظلّ. لا تشبه صديقك ستيف. أعتقد أنّه ينظر إليّ هو أيضاً، ولكن ليس من وراء ستار. نظراته تزعجني. وفي ثيابه رائحة لا أحبّها... ترى إلى أين ذهب مع الأميركي؟

- كيف لي أن أعرف؟ بدأتُ أفقد ثقتي بما يحدث. كلّ هذه الرحلة ستكون من غير طائل...

اقتربت ماريان منّي، وطبعت قبلة خفيفة على خدّي، وهمستْ: اعتبرها هديّة من صديقة ليس أكثر...

- ولماذا تفعلين ذلك؟

- أحببتُ أن تتذكّرني في شيء. إذا عدنا إلى هوبارت، لا تنسَ أنّني قبّلتك...

فرحت بقبلة ماريان، قبلة امرأة على وجه طفل، لا معنى لها، ذكّرتني

بقبلة أمّي... وقد يكون لها معنى في قلبها. سأترك للأيّام الآتية أن تبوح به.

[][][]

عاد روبرت وستيف من جولتهما في الغابة، وهما يضربان أخماساً بأسداس، وكانت الشمس قد اقتربت من الغياب، فأرسلت خيوطاً ضعيفة من وراء الأشجار الممتدّة كخيمة فوق رؤوسنا.

كان روبرت حزيناً، وينظر بين الفينة والأخرى إلى الخارطة التي معه، وهو غير مصدّق أنّه لم يعثر على صندوق الذهب.

بات أكيداً أنّنا سننام ليلة ثانية في العراء. أمّا أنا، فالنوم لن يزورني إلا لساعات قليلة.

أضرمتُ ناراً، ونظرت إليها وهي تأتي على الحطب، كما تأتي الأيّام على حياتي. أيّام تدور وتدور، ونحن نفرح بها، ونتمنّى أن نكبر، وليتنا لم نكبر. فلو كان روبرت طفلاً لما كان الذهب يعني له شيئاً. إنّ قطعة حلوى صغيرة تساوي كنوز الدنيا في عينيّ طفل صغير. والناس يعدّون الثواني لكي تأتي الأعياد، وكأنّهم لا يعرفون أنّ تلك الثواني هي ذهب خالص يخسرونه على مائدة الصيرفي. وأكذَبُ الصيارفة هو القدر.

لولا القدر لما جئت إلى هنا. قليل من النقود أغراني... فهل كنت سألتحق بالأميركي في رحلته إلى أقاصي الأرض، لو كنت غنيّاً؟

كنت سخرتُ من روبرت، وطلبت منه أن يغرب عن وجهي، لأنّني منشغل في أعمال البورصة، وألاحق شركاتي في المدن الكبرى...

أنا لقمة سائغة في فم القدر، يلوكني الزمن فأتألّم، وأتذكّر ما حدث لي في الماضي، فأسأل عن الفائدة من ولادتي. وماذا فعلت للعالم الذي يحيط بي؟ لقد خدمني ولم أخدمه، وأحياناً كان وجودي يعبس في وجهي، ويوهمني بأنّني ارتكبت جريمة في حقّه. وهكذا يكون الواحد منّا مذنباً أمام الآخر. لا الوجود يتخلّى عنّي بسهولة، ولا أنا أتخلّى عنه، نحن متصالحان، صديقان لدودان، نتبادل نظرات الشكّ واليقين. نتقاتل ثمّ نعود إلى هدوئنا.

هذه الغابة جزء من حياتي. بل أنا شجرة في غابة. ولا أفهم لماذا هناك أشجار مثمرة في الحقول، وشجرتي لا تثمر. أحببت الخير ولم أفعله، وكرهت الشرّ وفعلت الكثير منه. أنا إذن شجرة للشرّ، ولو رشقني أحدهم بحجر لضحكت له، وتحمّلت ألمي وعذابي. ويحقّ للناس أن يرجموا الشجرة التي لا تعطي وان يطرحوها في النار. والحطّاب يسير إلى جانبي، وينتظر اللحظة المناسبة لينقضّ على حياتي.

لكلّ مخلوق حطّاب يسير معه. فماذا يبقى من الحياة سوى دمعة فوق التراب، وتلك اللحظات السعيدة التي نركض وراءها لكي نلتقطها... فنلتقط الوهم والسراب؟

حاولت في تلك الدقائق أن أخترق الأسرار التي في عينيّ ماريان. هي ليست امرأة صغيرة، وقد تكون أحبّت ذات يوم، وأكثر قصص الحبّ تنتهي لأنّ الوفاء قليل. لم يسبق لي أن عرفت الوفاء، ولم أكن مخلصاً لأحد، لكنّني سمعت نصيحة من والدي في الماضي البعيد بأن لا أبالغ في عمل الخير، لأنّ الناس عبيد للشكّ، وهناك من يظنّون أنّ وراء عمل الخير مصلحة، فينقلبون على فاعل الخير وينكّلون به، فيصبح جميله مصدر ألم له. وكم من الناس دفعوا ثمناً باهظاً جرّاء خيانةٍ موجعة ممّن أحسنوا إليه!

[][][]

كنت أشعر بشيء من المرض بسبب قلّة النوم. وفي الصباح أراد روبرت أن يمضي في الغابة مرّة ثانية، فحاولتُ النهوض لأرافقه، لكنّه أشار إليّ بأن أبقى في مكاني... وقال لي: يبدو عليك المرض والتعب.

وكان ستيف سريعاً في الاستجابة، فمضى مع روبرت... وسمعتُ الأميركيّ يقول: إنّها المحاولة الأخيرة، وإذا لم نهتدِ إلى الصندوق، فسنعود أدراجنا إلى المركب، ونبحر إلى هوبارت.

ولم تمض ساعة، حتّى عاد ستيف راكضاً إلينا، وعلى وجهه فزع شديد. كان يصرخ ويقول:

لقد مات روبرت... مات روبرت.

نهضت عن الأرض بثقل، ونهضت ماريان، وكنّا في هلع. كيف مات روبرت؟! وماذا حدث في هذه الساعة المرعبة؟!

قال ستيف: لقد سقط في وهدة عميقة، واصطدم رأسه بحجر.

هرعنا وراء ستيف، حتّى وصلنا إلى المكان الذي سقط فيه روبرت. كان رأسه فعلاً مستقرّاً على حجر، والدماء تفور منه. كان المنظر مزعجاً ومخيفاً، فغطّت ماريان وجهها وصرخت، ثمّ أجهشت في البكاء... أمّا أنا وستيف، فقد حاولنا أن ننزل إلى أسفل المنحدر، ولم يكن ذلك صعباً.

قال ستيف بتأثّر: لم اكن أستطيع أن أفعل شيئاً لإنقاذه...

قلت: سنقوم بدفنه...

[][][]

بينما كان ستيف يحفر في الأرض، كنت أفكِّر بالحياة والموت، وأستعيد ذكرياتي مع روبرت. كان صديقاً رائعاً.

رأيته في الماضي يصرف بدون حساب. لم أسأله مرَّة عن وظيفته، فقد كان ثريّاً وكفى، وكان يحمل بعض ثروته في جيبه، وعلى كفِّه، ويصرف منه دون تقتير. لقد تمتَّع بالسفر إلى كلِّ مكان، وكان يطلب مساعدتي كلَّما جاء إلى سيدني... ولست أعتقد أنَّه كان محتاجاً إليَّ، بل كان يحبُّ الناس، ويريد أن ينشئ بينه وبينهم علاقة ودٍّ ومحبَّة... لقد رحل وترك في أعماقي أثراً لا يمحى، وسوف أبقى أهتزُّ طرباً كلَّما تذكَّرته، لأنَّه لا يشبه الأغنياء المتعاظمين في شيء... هو إنسان نادر، يرتدي ثياباً عاديّة، ولا يبالغ في أناقته.

صلَّيت لصديقي الراحل بكلمات لم أحفظها من أيِّ كتاب، كنت أؤلِّف صلاتي كما أؤلِّف أغنية بسيطة عذبة وطاهرة... وأسأل: هل يستجيب الله إذا كانت الصلاة غير موجودة في كتاب؟ وهل يجب أن نبني معبداً في الغابة لكي نصلِّي على جثمان؟

كانت في جسدي حرارة قويَّة، دفعتْ عنه برد الصباح القارس. وكانت حرارة الصلاة مشتعلة في أعماقي، فتذوب العينان معها ماء وحزناً كبيراً.

رأيت دماً يسيل في التربة، فقبضت على روحي بكلِّ أصابعي.

خفَّت ماريان إليّ، وقالت:

ينبغي أن نعود إلى هوبارت...

قال ستيف: مهلاً. هناك في الغابة كنز، ويمكننا أن نصبح أغنياء إذا عثرنا عليه. الخارطة معي. لقد أخذتُها من جيب روبرت.

كان كلام ستيف خبيثاً، وامتعضتُ من فكرة أنّه استولى على الخارطة. كان حَريّاً أن تُدفن مع روبرت ونعود أدراجنا... وهذا ما تريده ماريان... وما أريده أنا أيضاً، ولا شيء في حياتي يوحي بأنّني أحبّ المال، إلاّ القليل منه لأعتاش، فقد يداهمني الموت وأنا غنيّ، كما يداهمني وأنا فقير، والموت لم يرحم روبرت، ولو كان الموت يُباع ويشترى، لكان روبرت أغراه بثروته، وطلب منه أن يصرف النظر عنه.

بدأ الشكّ يساورني من تصرّف ستيف الأحمق، واستيلائه على الخارطة التي كانت في جيب روبرت. وداخلني ما يشبه اليقين بأنّ موت روبرت لم يكن عاديّاً، فقد يكون ستيف دفع به إلى الهاوية، للحصول على الخارطة... وربّما حصل على أشياء أخرى تخصّ روبرت.

سألت ستيف عن الحقيبة الصغيرة التي كانت مع روبرت، فتلعثم، وبعد جهد قال: إنّها معي. وفيها مسدّسه الصغير أيضاً.

كانت كلمة "مسدّس" كافية ليدبّ الرعب في قلب ماريان، وظهر الوجوم على ملامحها... لكنّني أفهمتها بنظرة معجّلة أنّني معها، ولو كنتُ ضعيفاً، فسأفعل كلّ شيء من أجل حمايتها.

قلت لستيف: وماذا بعد؟

فقال: سأظلّ في الغابة إلى حين العثور على الذهب...

سألته: وهل نحن رهينتان؟

أجاب: لستما رهينتين. فماريان ستكون معي، وأنت تستطيع الانصراف إذا أردت...

أنصرف؟ إلى أين؟ ولا أعرف سبيلاً للخروج من الغابة والعودة إلى الشاطئ... ومستحيل أن أعود بمفردي إلى المركب وماريان ليست معي. إنّ ستيف شرّير كما يبدو.

هكذا حدّثتُ نفسي. وأخفيتُ أيّ انفعال. وقلت في سرّي: يجب أن أتصرّف بحكمة وصبر لكي أخرج من المأزق الذي ساقتني الأقدار إليه.

ووجدت أنّ من مسؤوليّتي حماية نفسي، وحماية ماريان أيضاً، وهذا أقلّ ما أستطيع فعله لتتذكّرني هي أيضاً، عندما ستبحث في دفاتر ماضيها عن رجل نبيل، قاتلَ من أجلها يوم احتاجت إلى مساعدة.

هطل المطر لساعة، ثمّ انقطعت خيوطه، وبدا لي أنَّ الغيوم تسرج خيولها استعداداً لمعركة أخرى... وانساب البرْد إلى عظامي، فعضّها بوحشيَّة، وترك آثاراً زرقاء على جلدي.

أخذتني رجفة قويَّة، كأنَّها أفعى ملساء تنزلق على ظهري، وتفحُّ في داخل مسامِّي.

كنت تحت رحمة ستيف، الذي تحوّل إلى مخادع، وعدائيّ... إلاّ أنّني لم أكن خائفاً من الموت... وإذا كان مقدَّراً لي أن أمـــوت، فلن أترك

ماريان فريسة لوحش بشريّ... والله سيساعدني.

على الرغم من إيماني بالله، فقد كنت في الماضي لا أقدر أن أقاوم عواطفي، وجوعي، وقلقي، وعطشي، وحرماني... بل كنت رخيصاً كأيِّ حيوان في غابة. وكنت لا أفهم كيف أنَّ الله يعاقب، وكيف أنَّ الخطيئة تقودني إلى الجحيم...

وكنت معجباً بمن يصلُّون ولا أصلِّي...

وكنت أحبُّ الأعياد ولا أشارك فيها...

وكنت أعرف أنَّ التضحية جزء من الخير، ولا أضحِّي...

كنت أريد كلَّ شيء من الله، ولا أعطيه شيئاً...

أمَّا الآن، فقد تغيَّرتُ كلِّيّاً، وأصبحت مقتنعاً بأنَّ الله يصبح موجوداً عند غيري من الناس عندما يوجد في قلبي، فإذا فشلت في إبقائه معي، تصبح الهياكل الحجريَّة خرائب، والأعياد مآتم، والمعيِّدون أشباحاً في الظلام... كما أؤمن الآن بأنّ الله أعطاني القوّة، لكي أستخدمها من أجل البقاء.

أريد في هذه اللحظات تمزيق صفحات من أمجادي الباطلة. لم أعد أطيق هروبي من الواقع إلى واقع أبشع، ولا همجيَّتي الباحثة عن أثوابها في براميل القمامة، وعن طعامها وشرابها ولباسها بين القبور...

ولم أعــــــد راغباً في تصديق شيء، فجون أندرو لم يمت، وروبرت مــــــا

زال حيّاً... لقد تحوّلت صورة الموت إلى حياة في ضميري، وسأظلُّ أقول: أنا أحيي مَن يموت في داخل روحي، لأنَّني ببساطة أريد ذلك.

كان المسدّس في يد ستيف، بعدما حلّ الظلام، وخبَت النار التي أشعلناها، لكنّ دخانها كان ما يزال يدخل إلى رئتي، فأسعل بشدة.

وكم كان الحظّ في جانبي عندما غفا ستيف!

وكانت ماريان مقيّدة اليدين والرجلين، وغير بعيدة عنه، فأشارت عليّ بأن أقترب منها، وأحرّرها.

توجّست أوّل الأمر، لكنّني قبلت بالمخاطرة، وتسلّلت بهدوء نحوها، وفككت قيودها.

ظللنا صامتين، وسألت نفسي ببلاهة: هل صحيح أنَّ الرجل الذي يدافع عن المرأة، يكون أوَّل مَن يحوز على إعجابها؟ لقد رأيت هذه الظاهرة في الأفلام، فكم يكون الرجل القبيح محظوظاً لو دافع عن امرأة جميلة لا يصلح لأن يكون خادماً لها!

قد تكون ماريان أحبَّتني، وأحبَّتني سامنتا قبلها، وأنا لا أحبُّ نفسي، بل إنَّني واحد من الصعاليك الضعفاء الذين لا يفيدون في شيء. كانت حياتي عاصفة من المواقف الهزليَّة، وكنت أنا البطل الحقير الذي عبرت على وجهه قوافل الزمان.

رجل لا أهمِّيَّة له، وليس في حاضره ما يوحي بأنَّه ذو فائدة. غير أنَّه

ليس جباناً عندما يتعلَّق الأمر بالبقاء على قيد الحياة، والتضحية في سبيل مَن يحبّ وما يحبّ، تقوده في ذلك عاطفة لا يستطيع التحكُّم بها... عاطفة غريزيَّة تشعره بالدفء والانتعاش. الحبُّ قيامة من الموت، والحبُّ انتصار على صليب الجمود.

همست المرأة إليّ:

هل نهرب؟

وضعتُ يدي على فمها، بينما كان ستيف ينقلب في نومه. وعندما تأكّدت من أنّه استكان وراح يشخر، أشرت إلى ماريان، بأنّني سأسبقها تحت جنح الظلام، فحملتُ حقيبتي برفق، وأخذت هي حقيبتها وتبعتْني. وهكذا استطعنا الفرار إلى ناحية مجهولة من الغابة… ولحسن الحظّ كان في حقيبة المرأة مصباح صغير، فأضاءته، وسرنا على غير هدى، لا نعرف إلى أين تأخذنا خطانا. كان علينا أن نعود إلى المركب، ومن هناك نقلع في رحلة العودة، لكنّنا مشينا ساعات ولم نعرف إلى أين نتّجه. يبدو أنّنا تهنا في الغابات، ولم يعد ممكناً تحديد الجهة التي أتينا منها.

لجأنا إلى كهف صغير، ومكثنا هناك حتّى طلع الصباح. ولم نغفُ لحظة واحدة، فقد كان شبح ستيف يطاردنا، وخفنا أن يعثر علينا، وينتقم منّا.

سألتني ماريان: ما الذي جاء بك إلى هنا؟

كان من المخجل حقّاً أن أعترف لها بأنَّني كنت صديقاً للأميركيِّ، وقد جئت معه من أجل حفنة من المال...

قلت لها كمن يهرب من صرخة في ضميره المعذَّب:

كنت هارباً من عالم لا أنتمي إليه، وأناس لا أعرفهم، ومن حقيقة هي الكذب...

ابتسمتْ برفق، وهمستْ:

- لا تقل ذلك... هل أنت متزوِّج؟

- كنت أحبُّ امرأة...

- أين هي الآن؟

- تخلّيتُ عنها.

- ماذا تقصد؟

- قتلت رجلاً حاول اغتصابها...

- مسكينة... هل نسيتها الآن؟

- ومسكين جون أندرو أيضاً... الرجل الذي قتلتْه...

- معك حقٌّ... فكرة القتل مرعبة ... كما أنَّ اغتصاب امرأة لم يكن

يوماً طريقة للتعبير عن الحبِّ...

كان وجود ماريان إلى جواري مطمئناً، ويأخذني إلى عالم الحلم والسعادة...

كانت رقيقة، ورصينة، وفي عينيها بريق متوهِّج.

فجأة سمعنا وقع أقدام خفيفة، وحركة غير مألوفة، فارتعدتْ فرائصي، وخيِّل إليَّ أنَّني رأيت عينين تحت ضوء القمر. إنّه ستيف... لكن لا... هناك عيون أربع كبيرة ومستطيلة...

فركت عينيّ لأتأكّد أنَّ ما أراه حقيقة... عيون مفتوحة كأضواء زرقاء تقترب وتقترب، فلا يبقى بيننا وبينها سوى فضاء صغير ينفتح على المجهول...

سمعتُ قلبي ينبض بقوَّة، وشعرت بأنّ ماريان تلتصق بي. ومع ذلك، فقد عاد إليَّ الاطمئنان والهدوء، فلو كان ستيف هنا، لكنّا سمعنا صوته. إنّ الزائرين حيوانان، لم أتبيّنهما...

ولم أتوقَّع في تلك الدقائق أن يكون أحد من الناس قد جاء لإنقاذنا، فنحن بعيدون جدّاً عن الحضارة، ولا يمكن لأيِّ مخلوق فضائيٍّ أن يرانا بسبب الأشجار الكثيفة التي تحيط بنا من كلّ جانب.

اختفت العيون بسرعة، وتراجع القمر الفضّيّ للحظات، ثمّ انزوى خجلاً.

في تلك الليلة، قبّلتُ ماريان، لكن ليس كما قبّلتْني. قبْلتها كانت من رماد، وقبلتي من جمر. وحدثَ بيننا ما هو أكثر من قبلة. امرأة تتحوّل إلى كتلة من المشاعر في ليلة مضطربة، وكأنّها تبحث عن طريق للهروب من واقع فُرض عليها فرضاً، كما فُرض عليّ.

التصق جسدي بجسدها، وشفتاي بشفتيها، فلم أفلتهما إلاّ بعد صراع طويل. وكانت تتنفّس بصمت، ولا تفصح عن مكنوناتها، خوفاً من أن تعرف السماء بما يحدث. وعندما عادت إلى رشدها، كان شعرها أشبه بقبيلة متوحّشة، وعيناها واسعتين، وفمها بلون الورد. انكفأتْ إلى ذاتها خجلاً، ونامت على كتفي.

قبل أن يبزغ الصباح، كان علينا أن نتابع السير، لكي نبتعد أكثر عن ستيف، على الرغم من أنّنا تائهان في اللامكان.

كان الفضاء الرماديُّ حولنا كأسوار عالية، فيمنعنا من رؤية الأشياء القريبة.

تخيّلتُ ستيف وهو ينبش حقيبة الأميركيِّ... ويضع أشياء في جيبه، وكأنّ له الحقّ في أن يرث أموال الآخرين. أصابني غثيان... ولو كانت لديَّ عزيمة، لكنت عدت إليه وصفعته على وجهه، واستعدت منه ما استولى عليه، قائلاً:

إنَّ حقارتك فظيعة!

إنصرفتُ عن تخيّلاتي، لأتوجَّه إلى الواقع الذي يحيط بي، ويغرز أظافره الطويلة في جلدي. خطر في ذهني أن أحمل سلاحاً وأواجهه، وأتخلَّى عن تردُّدي وخوفي.

لقد عشت على هامش الحياة، لأنَّني تافــــه ومعتوه وجـــــبـــــان... ولم تكن عندي الشجاعة لأحدِّق في عينَي القدر، وأغرز خشبة في عنقه... تركته يهجم على مصيري كوحش هصور، ويلتهم أيَّام عمري بنشوة وجنون، ويرمي بجسدي النحيل في الشارع، لألعق وحلاً وخيبة وفشلاً ذريعاً...

كنت أحيا بدون بيت، مثل قطَّة عجوز طردها صاحبها، متمنِّياً لها الموت، وبدون مسؤوليَّة وإرادة وقرار... ولو كنت رجلاً حقّاً، لما اختلفت مع سامنتا... كان خوفي من الدم أقوى من رجولتي... وهـا أنا الآن أواجه قاتلاً آخـر، وأرى الجرح على أشجار الغابة، فترتدي لوناً أحمر.

إنَّ العالم كلَّه يسبح فوق بركة من الدماء، فلماذا أنا بالذات أخاف من المواجهة؟ ولماذا لا أتسلّح بسكّين لكي أقتل الخوف الذي يحتلّني؟

كنت مقتنعاً بأنَّ كوني شقيّاً سيبعدني عن التعرُّف إلى حقيقة الوجود، وسيمنحني أعذاراً كثيرة أغطِّي بها نزوعي إلى البداوة والفوضى... وها أنا في الغابات البعيدة... ضائع مرّة أخرى. وإذا قيِّض لي أن أبقى حيّاً، سأخرج من الأدغال منتصراً، لا على ظهر سلحفاة، بل في عزيمة الأسُود... ولن أقبل بعد اليوم أن اتَّخذ من الرصيف منزلاً، ومن الغبار خبزاً وغطاء... سيكون لي بيت كجميع الناس، وسيَّارة تنقلني إلى عملي، وأسرة محبَّة، وأطفال صغار يلعبون حولي، وأصدقاء أسهر معهم وأدعوهم إلى مأدبة في منزلي... بكلمة مختصرة، يجب أن أضرب بحذائي وجه التعاسة، وأحملها كسلعة رخيصة إلى سلَّة المهملات، وأبحث عن نهار مضيء يحتويني وأحتويه، فنصبح معاً طاقة سحريَّة تغيِّر نظام الكون.

… مضى يوم آخر على تلك الحال، ولم أكن أذوق من الطعام إلاّ القليل، وظلَّت ماريان تسهر عليَّ، وتبدي المزيد من الاهتمام بحالتي الجسديَّة والنفسيَّة.

قلت لها: لست مضطرباً من أجبل نفسي، بل من أجلك أنت... من الصعب على امراة وحيدة أن تسير وحدها في غابة... إنّي أتخيّل ستيف قادماً إلينا، وفي يده المسدّس ليقتلني، ويعتدي عليك... ليس هناك أسوأ من رجل يقيم وزناً لشهواته على حساب الحرّيّة التي منحها الله للآخرين منذ الولادة.

قالت ماريان: صحيح ما تقوله... علينا أن ننقذ أنفسنا... لن نغادر المكان إلاَّ معاً… لنتابع سيرنا، فقد نصل إلى مكان. إلى قرية صغيرة، أو إلى مزرعة... سنكون هادئين ولا نحدث جلبة. أعتقد أنّ

ستيف بعيد، وإلاّ لكان اهتدى إلينا.

كان السير مرهقاً، وأحسست بألم في أصابع رجلي. ومكثنا ندور في الفراغ إلى أن حلّ الظلام مرّة أخرى. فلجأنا إلى شجرة كبيرة لنبيت الليل تحت أغصانها.

نامت ماريان إلى جانبي، ووضعت أناملها الباردة في داخل يدي، وزمَّت عينيها كأنَّها تتحدَّث بلغة طفوليَّة رقيقة، لا يفهمها إلاَّ الفلاسفة...

عصرتُ يدها، فاحمرَّ وجهها، ونفرت عروق جبينها، صارخة متورِّدة، كأنَّها تنبعث من غبار الأزمنة.

خاطبتني بصمت، وأرسلت يديها تجمعان غلَّة الحبِّ من داخل صدري...

وفي الليل، ظهرت العيون الأربع من جديد، فجذبتُ ماريان نحوي، وأشرت عليها بأن تظلَّ صامتة.

همستُ لها:

هل ترين ما أرى؟

- نعم... عيون حيوانين... ربما يكونـــان الحيوانين اللذين رأيناهما فـــي الليلة الماضية... ولعلّهما ذكر وأنثى... ولكن لماذا يتبعاننا؟

- قد يكونان جائعين... ألدينا طعام؟

- يمكن أن نتكرَّم عليهما بقطعة من الجبن...

- حسناً... سنفعل...

مدَّت ماريان يدها إلى حقيبتها، وأخرجت منها قطعة جبن، ورمتها إليهما، وهي تقول:

لا أشكُّ في أنَّهما من نوع الشيطان التاسمانيِّ...

- ربَّما... أو ربّما يكونان من "البانييب"...

- أنت تمزح... لقد اختفيا في العتمة...

- هل تعتقدين أنَّهما سيعودان؟!

- من يدري؟

بقينا تلك الليلة ساهرين، وقبّلت ماريان في شفتيها قبلة حارَّة، وطوّقتها بساعديَّ حتَّى تكوَّمت كشجيرة في قلب العاصفة... ولم ينبلج الصباح إلاَّ على جمر في عروقنا.

وما كادت الشمس تظهر، حتّى فوجئنا بستيف على بـعـد خطوات منّا. كان حاقداً، والشرر يتطاير من عينيه. ولا شكّ في أنّه تعب كثيراً في السعي وراءنا، ولو كنت وحدي لما تحمّل كثيراً من الأعباء في البحث عنّي، لكنّه يسعى وراء المرأة. ولذلك فقد يعمد إلى قتلي لكي

يحتفظ بها لنفسه، فأنا بالنسبة إليه ورقة خريف لا يحتاج إليها.

كان ستيف يريد الحصول على الذهب وعلى ماريان في وقت واحد، وعن طريق الاغتصاب. وكانت المرأة خائفة وترتجف، وهي لا تعرف مصيرها... بينما كان الرجل يلوّح بالمسدس في وجهي ويقول، وهو يضحك:

لا بدَّ أنَّك جائع... أنت لم تأكل...

قلت بهدوء وسكينة: هل يبدو أنَّني أحتاج إلى طعام؟

- لا يجوع أحد في تاسمانيا... كنت في الماضي أصطاد الأسماك من بحيرة هادئة... ليتني أجد بحيرة قريبة من هنا! أنت تحبُّ التوت... لا شكَّ في أنَّك تحبُّه... وماريان تحبّه أيضاً. أليس كذلك يا صغيرة؟

لم أجب على كلامه، وبقيت ماريان صامتة، وعيناها تجولان في الفضاء طلباً للخلاص. أما هو فتابع:

أنتما تتآمران عليَّ... لن أبقى هنا لحظة واحدة... سآخذ ماريان معي...

وأنتَ ستتابع مغامراتِك وحيداً في الأدغال... وقد تموت في البرد والصقيع، وستنهش جسدك الغربان...

قلت له:

إهدأ يا ستيف... سنكون بأفضل حال، إذا عدت إلى صوابِك…

- لا... لن أستكين حتَّى آخذ ماريان وأرحل... لقد اتَّفقتما على خيانتي…

- لماذا تفكِّر بالشرِّ؟ نحن لا نضمر لك سوءاً...

هجم ستيف على ماريان، وأخذ يشدُّها من يدها.

قالت له بغضب:

- أنت سكران... لا شكَّ أنَّك شربت كثيراً... إنَّ رائحة الشراب تفوح من فمك... بل أنت حيوان شرِّير، لا يكترث بمشاعر الناس...

كان الغضب يتطاير كشرارات حمراء من عيني ماريان، بينما كان ستيف ممتقعاً، وغاضباً. قال لماريان بلؤم:

هل ستكونين سعيدة إذا أطلقت رصاصة في قلبه؟... أنا أحبُّك يا ماريان... أحبُّك أكثر منه، وإذا وافقت على الرحيل معي، ستكونين في منتهى السعادة...

رفضت ماريان أن تتحرَّك خطوة واحدة، لكنَّه جذبها بقوَّة، وصرخ في وجهها:

امرأة حمقاء... هل ستمكثين في الغابة مع رجل مفلس، ولا ينفع لشيء؟

أمسك ستيف بالمرأة من يدها بقوّة، واراد أن يأخذها معه، فنهضتُ

من مكاني بجرأة غريبة، وتصدّيتُ له، وحاولت أن أخلّصها من قبضته، فأطلق النار عليّ، وسقطت أرضاً، وكان الدم يسيل من خاصرتي. رأيت الدم يسيل على الأرض، وشددت على التراب بأصابعي، فصرختْ ماريان بهلع، لكنّ ستيف أرجعها إلى الوراء، وأمرها بأن تذهب معه ولا تلتفت إليّ. صرخ بها:

أنتِ تهتمِّين به، وتغضِّين الطرف عنِّي، كأنَّني لا أنـفع لشيء!

- إبتعد عنِّي...

- لقد مات وشبع موتاً، فلا تهتمّي بشأنه...

كان ذلك آخر ما سمعتُه من الكلام قبل أن يبتعد ستيف وماريان.

تحاملتُ على جرحي، وزحفت على الأرض لأصل إلى حقيبتي، فأخرجتُ منها سترة، لأضغط على الجرح. وتأكّدت من أنه كان طفيفاً، بَيد أنّه مؤلم.

نظرت إلى الغابة التي تظلّلني، وفكّرت أنّ كلّ إنسان في روحه غابة. ومثلما هناك أشجار تعطي الخير، هناك أشجار تعطي الشوك والقذى. ونحن جميعاً أهل الغابة، وأعجب كيف أنّ البعض يعتقدون أنّ البراءة توجد في البراري. فهذا ستيف، قايين الجديد، يسرق ويقتل ويغتصب في الغابة، حيث لا بشر ولا مدنيّة، ولا أنظمة تحمي البريء من المجرم...

شكرتُ الله على نجاتي، فقد أستطيع أن أخلّص امرأة من جلاّدها. امرأة نادرة، ولعلّ إيماني بها ساعدني على النجاة من رصاصة قاتلة.

أخرجتُ من حقيبتي سكّيناً، ونظرت إليه. كنت خائفاً منه، ولكن لم يكن لديّ خيار آخر سوى أن أغتال الخوف الذي في داخلي. ضغطتُ على جرحي بقوة، ونهضت من الأرض إلى السماء... سماء كبيرة جدّاً لكنّها قاسية. والشمس في وسطها ترسل إليّ خيوطاً ذهبيّة، وتدعوني إلى القتال من أجل نفسي ومن أجل الآخرين.

عليَّ أن أعتمد على ذاتي، وإلاّ فقدت آخر أمل في الحياة.

مشيت مسافة قصيرة. وكدت أقع، فغرزت السكين في جذع شجرة، واستندت إليه. أداة حادّة تصرخ بي، وتوقفني على رجليّ عندما أضعف.

كان عليّ أن أختصر الزمان، وأن ألحق بستيف وماريان، ذات الفم الجميل الذي فيه كثير من المرارة، لكنّها مرارة طيّبة... إنّها الحياة بقساوتها وبراءتها، والفصول بشتائها وصيفها. إنّها المرأة التي تعني انتصاري على موتي، وتمّرّدي على اليأس.

قلت في نفسي من غير انتباه:

أحبُّك يا ماريان... أحبُّك بصدق لم أعهده في نفسي من قبل... كنت من قبل وحيداً وتائهاً، ولم أعرف أنَّ الحبَّ يمكن أن يتملَّكني حتَّى

العظام... لقد حدث شيء جميل في حياتي...

أحببت قبلك امرأة واحدة... وكان حبِّي لها عفويّاً، متوحِّشاً... لعلَّه نهم الحيوان الجائع إلى فريسة ينقضُّ عليها... وبعد حين حدث أمر جعلني أتخلَّى عنها بسرعة... مسكينة تلك المرأة... قد تكون أصيبت بخيبة أمل...

إنَّ بعض القصص الجميلة لا تكون في الحقيقة سوى رغبات عابرة...

مشيت في الاتجاه الذي مضى إليه ستيف وماريان، ولم تمض سوى دقائق، حتّى عثرت عليهما. فاختبأتُ وراء جذع كبير، وأنا أتحيّن الفرصة للانقضاض على خصمي. رأيته يحاول تمزيق ثياب المرأة، وهي تعانده، وتصيح بانفعال وجنون.

عضّته في يده، فصرخ عالياً، وفرَّت من أمامه لتسقط في الوحل. لحق بها، ولحقتُ بهما مستعيناً بما في جسدي من ضعف تحوَّل إلى قوَّة... رأيتهما يتعاركان... فسقط المسدّس من يد ستيف، وراح يضرب المرأة بلكمات حادَّة على وجهها، ففار منه الدم، ولم يتوقَّف عن جنونه إلاَّ حين أغرزتُ السكِّين في ظهره، فجحظت عيناه، واصفرَّ محيّاه، وتمدَّد على بطنه في الوحل، فاصطبغ أديم الأرض بدم قان، بينما كانت ماريان تزحف إلى الخلف، وهي تبكي بصمت، وتقول:

قتلته... لقد مات...

كنت واجماً كأبله، لا أقوى على قول كلمة...

لكنَّني شعرت براحة عميقة، لأنَّني رأيت ماريان تقف على قدميها، وتمسح بثوبها الدم النازف من وجهها... لقد خلَّصتها من المعتدي الذي كاد يقتلها. قلت لها بدون وعي:

كلُّ شيء سيكون حسناً... لا تخافي.

دفنتُ ستيف عند جدول صغير، ووضعت صليباً من الخشب عند قبره، وصلَّيت بكلمات لم أتعلّمها في كتاب. كانت ماريان تنظر إليَّ واجمة، ومتعجِّبة من موقفي الغريب. لقد قتلت الرجل، ومشيت في جنازته، بل نظَّمت جنازته بكلِّ إتقان. وصلَّيت عليه لكي تخلد روحه ولا تضيع في أرجاء الغابة، أو تتقمَّص في الأشجار والصخور والجبال، كما يعتقد السكَّان الأصليُّون... الروح بحاجة إلى الراحة، وهذه الغابة هي المكان الأمين الذي يحافظ على الأرواح التائهة.

حزنتُ على ستيف، واتَّهمته في قرارة ذاتي بأنَّه جنى على نفسه، فلستُ قاتلاً محترفاً، ولا أضمر له شرّاً، بل كنتُ أدافع عن المرأة التي أراد مهاجمتها وافتراسها. قتلته عن طريق الخطإ، وأعتقد أنَّ الله تعالى يسامحني على فعلتي، فالله يحبُّ الحرِّيَّة، ويكره الاغتصاب.

تذكَّرت سامنتا، والجروح التي سبَّبتها لها، لأنَّها قتلت رجلاً، وعرفت

الآن أنَّ سامنتا ليست مجرمة، فقد يكون جون أندرو حاول اغتصابها، كما تقول، وقتلتْه دفاعاً عن المرأة البريئة التي تصيح في داخلها. وقد يرتكب أيّ إنسان جريمةإذا تعرَّض للاغتصاب.

عدت إلى ماريان. كانت صامتة... وضعتُ ساعـدي حول كتفيها، فلم تنبس بأيِّ حرف. لكنَّ دمعة سقطت من عينيها كأنَّها حريق.

قلت لها:

علينا أن نعود من حيث جئنا، ولسنا نعرف الطريق...

قالت لي: الأرض واسعة، وليس فيها سوى أنا وأنت.

كانت تلك الجملة المفيدة ذات معنى. بيد أنَّني لم أتسرَّع في تحليلها... وفهمت بعد تفكير بطيء أنّ المرأة اعتبرتني كلّ شيء في حياتها، أو هكذا تريدني أن أكون. وهذا ما أريده أنا أيضاً.

[][][]

عشرة أيّام مضت. طعامنا صيد بدائيٌّ، وشرابنا من الجداول الكثيرة. بيد أنَّ التعب كاد يأخذنا إلى الهوَّة.

اعتقدت أنَّنا نسير في الاتِّجاه الخطإ، أو أنَّنا ندور في حلقة مفرغة، فليس من معالم لطريق، والأشياء تتشابه. أمَّا الناس فلا وجود لهم في الحقيقة. لقد رحلوا إلى كوكب آخر، وتركونا وحيدين في الفراغ. صحيح ما قالته ماريان:

"الأرض واسعة، وليس فيها سوى أنا وأنت".

كنَّا نصارع الزمان، ونشكر الله على أنَّنا لا نجد حيوانات مفترسة.

تحوَّل الطقس إلى مشمس ودافئ، فساعدنا ذلك على الاستمرار في سعينا للخروج من الغابة.

وذات صباح، أفقت على وقع خطوات، فتوجّست شرّاً... كان المسدّس الذي ورثته من ستيف في يدي. وكم كانت دهشتي كبيرة عندما رأيت زوجاً من النمر التاسمانيّ في المكان!

أيقظت ماريان وقلت لها:

أنظري... هناك اثنان من النمر التاسماني. لا تنفعلي...

لم تصدّق ماريان ما ترى… فحدّقت أكثر بالحيوانين، وقالت:

أليس النمر حيواناً منقرضاً؟

أجبت بهمس أيضاً: بلى... هو منقرض كما يقولون... لكنّني أراه حقيقة أمامي...

مدّت ماريان يدها بخفّة إلى حقيبتها، وأخذت آلة تصوير منها، والتقطت صوراً للحيوانين اللذين لم يمكثا طويلاً، بل رحلا بهدوء إلى قلب الغابة.

[][][]

قالت ماريان: بقي علينا أن نعثر على صندوق الذهب.

سألتها بتعجّب: ألم يحاول روبرت الحصول عليه ولم يفلح؟

قالت: لقد أصبحت الخارطة معنا. ولا بأس من المحاولة.

قلت لها: ليتني عرفت أنّ روبرت قد جاء بنا إلى هنا لكي نبحث عن سراب!

- ماذا تعني؟ ألا تصدّق أنّ الذهب موجود؟

- قطعاً لا أصدّق. لا أفهم كيف أنّ الأبورجينيّين لم يأخذوا الصندوق، وكيف دفنوه مع البحّار… كما لا أفهم كيف عرف أحدهم بقصّة تحطّم السفينة، وبمكان وجود الصندوق، لكي يرسم هذه الخارطة التي لا معنى لها في الواقع.

سألتْ ماريان: لماذا لم تقل هذا لروبرت قبل أيّام؟

- لست أدري. لم تخطر لي هذه الأفكار إلاّ الآن… كنت لا أشكّ في أنّ روبرت مؤمن بما يفعله…

فكّرت ماريان قليلاً، ثمّ ابتسمت، وعبّرت بنظرة إليّ عن اقتناعها بحديثي.

أدرتُ ظهري ومشيت، وقلت لها:

إذا عثرتِ على الذهب، فاحتفظي به لنفسك، ولا أريد شيئاً منه.

فأجابت: معك حقّ. لماذا نكلّف أنفسنا عناء البحث عن أجوبة، والذين يعرفون الحقيقة ماتوا من وقت طويل؟

ساعدتنا الخارطة لكي نعرف طريق العودة إلى الشاطئ. فإذا بنا كمَن يخرج من عالم إلى عالم آخر. كان المركب يتهادى على زرقة الموج، فصعدنا إليه، وأبحرنا في طريق العودة إلى هوبارت.

تركنا الغابة وراءنا، فالغابة لأهل الغابة، ونحن أهل المدينة التي لا تغيب عنها الشمس. قلوبنا أضواء، وأحلامنا كواكب في السماء. وستمضي عصور كثيرة قبل أن نكتشف أنّ الروح التي في داخلنا هي أهمّ ما لدينا، فلا ذهب، ولا أطماع، ولا حروب تغيّر الإنسانيّة التي نملكها، وهي صندوق الذهب الذي فينا. وهذا البحر هو الطموح المتمادي، هو الحياة التي لا تنتهي، وكلّ قطرة هي نبض قلب، وكلّ موجة هي حكاية تشهد وتتحدّث بما رأته من قديم العصور. لقد عبرَ على صفحة الماء بحّارة أشدّاء، وأبطال عتاة، غرقوا جميعاً، وطوى الموت مآثرهم، وبقي الجمال الذي في عيني ماريان. الجمال سيعيد خلقنا مرّة أخرى… وكم أتمنّى لو أنّ ماريان تعرف أنّ الذهب لا يزيد ولا ينقص! وكم أرجو أن اخبرها ذات يوم قصّة حياتي! وكيف أنّني رأيت الغنى والفقر لا يختلفان، فالغنيّ والفقير، والقويّ والضعيف، والمارد والهزيل، يمتلكون معاً هذه الدنيا بما فيها. والمال بالنسبة لي كان وسيلة للعيش، ولم تكن حياتي وسيلة لجمع المال. وقد أتزوّج ماريان، ويكون لنا بيت وحديقة وأولاد صغار، وهذا أجمل ما ما أطمح إليه الآن.

لقد عشت في أرجاء الغابة زمناً... وفهمت منها أنّ الانتصار للقويّ، وليس للضعيف والجبان، وأصابتني رصاصة في خاصرتي وكدت أفقد حياتي. والذهب الذي كنّا نبحث عنه ليس قادراً على أن يشتري رمقاً من حياة. فكم يكون عظيماً لو نضحّي بالمادّة من أجل انتصار أرواحنا، بدلاً من أن نضحّي بأرواحنا من أجل التراب!

ها نحن في المدينة، نخبر عن مغامرتنا، وعن الإبحار إلى حافّة الزمن... ونخفي بعض الحقائق التي لا يجب أن يعرف بها أحد، أمّا اكتشافنا للنمر التاسمانيّ، فكان في عناوين الصحف، وضجّت به الإذاعات. فالحيوان النادر الذي لا يوجد في أيّ بلاد أخرى، لم يعد موجوداً إلاّ في الأحلام، ولكنّنا رأيناه حقيقة، ووضعنا هذه الحقيقة أمام عيون الناس… وأكّدت وجودَه الصور التي التقطتها ماريان.