الشاعر

الشاعر هو الله،

وأنا منتحل صفة.

 

الوردة

البارحة كانت الوردة مطرقة من العشق، تذرع الغرفة بعطر نحيل.

الوردة أم أنا هذا الحزن الممتدُّ على مساحة الغبار؟ الغبار أم أنا ذلك الرحيل البطيء في رغيف المسافة؟ المسافة أم أنا ابتعاد في الجسد الخاطئ؟

على حافَّة المرآة ضجيج صامت، وعزف تشيلُّو من الشارع المجاور. العزف هو المحراث الذي صنعنا منه الحقول، وغناء المرأة العجوز سفينة ضائعة.

دعوا التشيلُّو يعزف وحيداً، فالحياة واحدة، وأنا مثلها وحيد.

 

الساحر

لماذا أبحث عنكَ وأنا أعرف أنّ لا أحد سواك؟ كلُّ كلمة أقولها تسمعُني بها. كلُّ قصيدة  تذكِّرني بعينيك. أنتَ الساحر الذي أطْلع الأشجار من صورة الجدار، ورتَّب الكواكب على صفحة الماء. 

لولا خوفي، كنتُ حملتُك جمراً على يدِي، وأعطيتُك لجوع الفقراء، لكنَّ الجوع طويل كسيمفونيَّة، وأنا لن أعطيك لأحد، لأنَّك مملكتي، ومأساتي، وكتاب من ذهب على منضدة انتظاري.

لا، سأعطيك جزيرة في محيط، من حولِك الموج والأفق وأطيار النورس، وعلى جبينك تفَّاحة من شفتِي.

 

أنتظركَ

أنتظرُك في رغوة العيون. الرصيفُ ليس مكاناً لائقاً للصُّدفة، والمطر هو أنا ونحن، وأنا ونحنُ أوسع من محيط. انتصرتُ عليك في أغنيتي، وكان العزف أعمى، يتسلَّل إلى الشرفات، وإلى الغابة القريبة.

 قلت للعزفِ أنْ يرتِّب نفسه، لأنَّك تأتي من المجرَّة، وأنتَ نور، فكيف لا أراك؟ وأنت  كالرعود، فكيف لا أفتح النافذة لكي تنظر إليّ؟

 

أن نكون

في يديكَ عِطرُ الغابات، وغناء الينابيع. وأنا أشتاق إلى هذه الفكرة الجميلة:  أنْ نكون نحن الربيع، وأن نكون الغضب.

 

الله  وحده

أريد أن أعيش في خيمة على جدول.  

خُذْ هذا الشارع من أمامي، وخذ هذه الوجوه المحطَّمة. أعِدني إلى العشب والأغنية، وازرعني في حقول الفلاَّحين، لكي أحادث المطر.

هناك، عند طرف الغابة، اصنع لي بيتاً من قصب، واتبعني لكي نطارد الهواء.

أحبُّ هذه البراءة، وأحبُّ أن أكون بعيداً عن ضجيج القبور... الله وحده مكاني وزماني.

 

كلمة واحدة

صعب عليَّ أن أنحني، ولكنَّني أنحني...

ولا أخاف من السقوط، فأنتِ تثأرين من سقوطي.

غداً ستعلمين كيف يصنع المطر وجوهاً للعابرين، وستفهمين لغتي، وكلمة واحدة أقولها هي سؤال وجواب.

 

حبِّي

شجرُ الحور أقلُّ ارتفاعاً،

لأنَّ عينيكِ سماء...

والطريق بعيدةٌ، وأنتِ نارٌ في الطريق.

والحبُّ الذي أعطيكِ ليس من الملوك، بل هو فقير كعناوين قصائدي، وهارب كما رياح الخريف.

حبِّي يشبه الكتابة على الجدران القديمة، ويتحدَّر من قبائل غابرة وسكَّان الغابات.

وعندما تغمضين عينيك هذا المساء، لن يكون في المطر سوى رجل ضائع يبحث عن مكان... يقول كلمة، ثمَّ يغيب في الخيبة.

 

هذا هو الحبُّ

هذا هو الحبُّ، ليس فيه إلاّ أنا وأنتِ، وليس فيه غالب ومغلوب، لكنَّنا فيه نحوِّل التناقض إلى معجزة.

 

صار شائعاً

صار وجهكِ مألوفاً، لأنَّني أرسمه على الشجر العاري. في المطر، وفي الأشرعة الهاربة.

أنقشه على قناديل الليل.

كلُّ المسافرين يعرفونه، وكلُّ الصيَّادين والفقراء.

وصار شائعاً في المدن أنَّني أكتبُ عنكِ ولا أتعب.

صورتُكِ على أصابعي، زورق يبحر في الحبر. وكلُّ حرفٍ تقولينه يسكنُ في دفتري كملك الزمان.

رائحتكِ في البيت والعاصفة، وفي العالم.

والناس يعرفون من خطواتي أنَّني ذاهبٌ إليكِ، ويسألونني: متى تعلَّمتَ العزفَ على التشيلو؟ ومتى ألَّفتَ هذه الأغنية؟ ولِمن؟

لعلَّهم يجهلونَ أنَّ الحبَّ يعلِّم الموسيقى. هو غناءٌ لا يصل إلى سكون.

 

حقيقة

لا يمكن أن أعثر على دواء ينقذني منكِ، ولا أعرف حقيقة فيها إلاّ أنا وأنتِ.

نتداخل كشجرة في عاصفة. كأشرعة الصيَّادين والبحر... كالليلِ والقمر.

فاتركيني كما أنا: أحبُّكِ بادئاً... بادئاً... بادئاً.

 

بنفسجة

تنتظرني في كواكب...

في أحلام لم يكتشفها أحد

وتكتب لي

على دفتر الهواء

أنَّها تحبُّني،

وعندما تحبُّني بنفسجة

تنتحر.

 

صورة

سرقتُ لكَ من حديقة المطر عقوداً، وأساوِر...

لا أريدُكَ أن تعيش في وحدة، وأنا أتذكَّرُ أوَّل قبلة على الطريق...

لا يعرف العابرون أنَّ الشجرة والظلَّ واحد، وأنَّ العصفور والغناء واحد...

نحنُ صورة غير مفهومة، ونحن طلاسم على صندوق الذهب. الناس يمرُّون في الشارع، ويثرثرون حولنا، لكنَّهم لا يعلمون أنَّني أكون أنا، وأكون أنت... فهم يجهلون أنَّنا حقيقة، وحقيقتُنا أكبر من العقول.

 

مشرَّد

مشرَّدٌ على الطريق، أمدُّ يدي إلى أرغفة الشحَّاذين. ليس عند حبيبتي رحمة، فقد طلبتْ منِّي ذهب الشمس، وفضَّة الحقول، وعندما رجعتُ حاملاً كيسَ الفقراء، أقفلتْ بابها، وتركتني حائراً في وسط الخريف.  

بلاد الأحلام

تتبعني حبيبتي إلى بلاد قديمة، فيها أسواقٌ ملأى برائحة القديد، وتسألني: هل هذا عنوانك؟ فأجيب: ليس لي بيت. ليس لي بلاد. حرِّيَّتي بيتي.

 

كتابي

أضعت كتابي، ولم يكن عند الميناء سوى امرأة واحدة. أعرف أنَّ تلك المرأة أخذت كتابي، وفرَّت من المكان. كتابي ليس فيه شيء سوى صورتها.

 

جمرة

على هيئة المطر أحبُّكِ، وعلى شكل الينبوع، وفي صورة الشمس والهواء.  

أنحدر إليكِ من جبال الرعد، والقبائل تتبعني، فاتحاً، ومتسوِّلاً، ومتمرِّداً على الملوك.

أريد هذا اليوم أن أختصر الكلام، فخذيني إلى غبار المائدة، حيث للمجوس أباريق من فخَّار، وللبدو كتابة أعمق من البحر. هنا على هذه الورقة بالذات، وعلى هذا الشارع الذي رسمتُه بدموع الأولاد، سأعطيكِ حصاناً برِّيّاً، لكي تبتعدي إلى أبعد من الصمت. ويمكننا معاً أن نصنع من خطوط الموج مدينة، وأن نحوِّل الشمس الذائبة إلى صمغ. أريد أن أكون الوردة وأن تكوني العطر. أن أكون البحر وأن تكوني المراكب. وأريد أن أكون جمرة وأنتِ النار التي تحترق فيها جميع الغابات.

 

القصر

يمكن للقصر أن يرتفع فوق عظامي، وأنا أعظم من أهل القصر.

 

الطريق

يريدون إعدامي، وأنتَ ساكت كيمامة في خريف. يبدو أنَّك تعرف أنَّ الموت لا يختلف عن الحياة...  هو الطريق إليك.

 

سارق

أعطيت حقيبتي للسارق، وقلت له: فيها ذهب كثير، فسرقها وفرَّ من المكان، وترك قدَّاحته القديمة على مقعد. كلُّ ما كنت أصبو إليه أن أعثرَ على قدَّاحة، لكي أضرم النار في الحقيقة.

 

أغنِّي

الناس يغنُّون في الليل لأنَّهم يخافون، أمَّا أنا، فأخاف من الليل لأنَّني أغنِّي.

 

مشهد مرعِب

كان المشهد مرعباً عند الميناء، فقد أخرجوا للتوِّ رجلاً غريقاً، ونفخوا كثيراً في فمه، وفي كلِّ مرَّة كانت عيناه تجحظان أكثر. قال واحد من الناس: أتركوه، ففي فمه ماء كثير.

 

الصدى

الأغنية هي هي. ترتفع مثل مدينة على أنغام شوبان. ونحن الصدى، فكلُّ الأغنيات لها نهاية، والصدى سيبقى.

 

إذا كان الحبُّ

إذا كان الحبُّ غير قادرٍ على تغيير حركة الموج، وإعادة الحياة إلى الحياة. وإذا كان فارغاً من العاصفة، فإنَّني أعيش حبّاً لا يلائمني، وأريد أن أتخلَّص من جثَّته في أقرب وقت.

 

اللصُّ

اللصُّ جالس عند المائدة،

فلا تسأله عن اسمه، بل اسأله عن صاحب الثياب التي يرتديها.

 

الوجوه

المساحيق لا تغطِّي الوجوه،

فلماذا لا ينظر صانع المرايا في المرآة؟

 

الحكيم

سألوا حكيماً: لماذا لا يقول النبع إنَّه صنع الماء؟

أجاب الحكيم: لأنَّه لم يصنعه في الواقع.

 

أخاف

أخاف عليكِ، وأخاف أن ينقلب الجنون علينا، فالحبُّ الذي يشبه الرياح قد يحملنا إلى جزيرة مجهولة، وقد تبتلعنا كلماتنا، ولا يبقى منَّا ومنها غير الذكريات.

 

جزيرة

قالت لي امرأة إنَّ ثوبَك الأخضر جزيرة، فلم أخرج من البحر منذ قرون، ونسيت لغة البلاد.

 

أجمل البكاء (من كلامها)

أجمل الكلام عندما تكلِّمني وأنت تضحك،

وأجمل البكاء عندما أبكي، وأنت تكلِّمني.

 

نساء (من كلامها)

أرتجفُ من البرد حين يتحدَّث النساء عنك، ويتساقط شعري عندما يتحدَّثنَ إليك.

 

لم يولَد

عندما التقينا في أوَّل مرَّة،

لم تكوني تؤمنين بالحبِّ،

وعندما افترقنا في المرَّة الأخيرة،

عرفت أنَّ الحبَّ موجود، لكنَّه لم يولد بعد.

 

حيرة

عندما نكون معاً، أتوسَّل إليكِ ألاَّ تذهبي،

وعندما تذهبين، أصلِّي إلى الله كي لا تعودي.

 

أزمة عابرة

بعد كلِّ لحظة افتراق، أغلقُ أبواب الكلمات، وأمتنع عن الصدور، بسبب أزمة عابرة، تعبر في كلِّ العمر.

 

كتاب الصمت

أنتِ الأقوى في الملوكِ، والأعتى في الفاتحين، فافتحي كتاب الصمت، لكي أشتاق إلى الكلام.

 

أصبحتُ  شاعراً

لأنَّكِ في كلِّ مكان، ترتِّبين إيقاع المطر والكلمات، أصبحتُ شاعراً، وأملاكي مدن. سأعطيكِ مفاتيح الضوء وأحارب الشعوب، لتظلِّي معي.

 

ليتني

ليتني أعود قليلاً إلى الوراء، لكي أحطِّم الساعات... أنا مضطربٌ من أصوات الباعة، وضجيج القطار. خائفاً تحملني خطايَ، وأحاول أن أسابق الشهور التي مرَّت: واحد، اثنان... عشرة، وما تبقَّى بصيص من الأمل، وكثير من البطء في الحساب.

 

قادرون

قادرون دائماً أن يحبُّوا. عرفتهم من دخان سجائرهم، من عيونهم الساهرة على جسر التعب.  من عناوينهم المصبوغة بالدماء. أصابعهم تعزفُ طوال الليل، ولا ينامون إلاَّ على زجاج محطَّم. هؤلاء هم الراقصون على إيقاع الرعود. الموعودون بالشهادة.

 

منذ تلك الحقبة

رائحتُكِ هنا، صوتُكِ هنا، وظلُّكِ الطويل هنا... لا أعرف المكان الذي أنتِ فيه، غير أنَّني أعرف أنَّكِ في المكان... ولا يحتلُّني إلاَّ ابتسامة من شفتيكِ.

بضعُ سنوات مضت، لكنَّها خيولٌ مسرِعة. والزمان يطلق النار على المشرَّدين. أنا وأنتِ فقط لا ننتمي إلى الوقت، فقد عرفتُكِ في العصور الوسطى، عندما كان عطرك الفرنسيُّ غيمة فوق الأكوخ، فأحببتُكِ عن طريق الصدفة، وقرَّرتُ أن أحتلَّ جميع القارَّات. ومنذ تلك الحقبة، وأنا  واحد من الفاتحين، ولن ينتصر عليَّ أحد.

 

على الجسر

على الجسرِ، تنحدر قطرتان فوق حجر. وأنا وأنتِ ظلٌّ قديمٌ، هو ظلُّ الكلمات اليابسة.

طفل

لم يكن عندهم خبز، بل وجع يتمدَّد على الطاولة، ويدخل بين الأصابع كعقرب سوداء. وعندما رتقت أمُّه ثياب المساء، نسيت في جسده إبرة.

حانة

هناك حانة فيها أنا، وحانة أخرى فيها أنتِ. يبدو أنَّني شربت كثيراً، فعرفت أنَّنا اثنان.

 

سألت عن الوقت

شربتُ اليوم أكواباً من الذكريات. وكان عازف التشيلُّو يريدني أن أبقى معه، فقد رحل الآخرون، يجرُّون أذيال التعب. أمامي على المائدة كومة سجائر، وقنديل مرتعش يغالب رتابة المكان. سألت عن الوقت، فوجدته قصيراً كتنُّورة الراقصة. كان الوقت طويلاً، غير أنَّه ليس طويلاً كفاية، لكي أنتقم منه.

الجسد والرصيف

قولي: ماذا يفعل جسد من خشب غير أن يتحطَّم؟ وماذا يفعل رصيف من غير أن يضجر؟

الجسد والرصيف شيء واحد... وإذا كنتِ لا تصدِّقين، فانظري إليَّ وأنا أرتدي غبار الشارع.

 

 

أرثر كرافان

في الحقيقة، أريد أن أعيش مثل أرثر كرافان، على هامش اللحظة، وفي اللحظة المناسبة.

 

المقطع الأخير

العازف يهجِّئ المقطع الأخير. لقد خرج على النوتة، وكرهته من أجل ذلك، وسألتُ عنه الحاضرين:  هل هو موسيقيّ أم قاطع طريق؟

 

مَن يسمعني؟

مضت مئة سنة، ولم ألتقِ بأحد، فمتى يكون لوصولي موعد ورصيف؟ ومتى يكتشفني أناس، ويأخذونني إلى متحف؟ أنا متحف للشمع. أنا قبيلة. أنا صرخة في واد، أنا لا أحد.

 

نقطة أخيرة

 

دعي للشاعر نقطة أخيرة، يتوقَّف عندها عن الكلام...

ساعديه لكي يحبَّ سواكِ مرَّة واحدة،

من غير أن يكون خائناً.

 

غرقتُ

غرقتُ في نقطة ماء. نقطة الماء تغرقني إذا كانت كبيرة ، وفي داخلها كلُّ أسرار الأعماق. القطرة مرآة الأسرار، فمن يكتشفها؟ مسكينٌ أنا حين أدَّعي أنَّني قويٌّ، وأخاف أن أغرق في قطرة ماء.

 

الكاوبوي

كان الفتى الكاوبوي متباهياً بمسدَّسه المذهَّب. هجمت عليه قطَّة جائعة فنتفت شاربيه. أطلق النار في الهواء، ثمَّ سقط على ظهره بين أكياس الفول. مرَّت عربات على الفول، وضحك الناس في مسرح الدمى... وقبل أن يلتقط الفتى أنفاسه، كان سرواله مفتوحاً على عدَّة احتمالات.

 

بين بين

هذا الرجل الذي يمعن في الهذيان، ليس متفائلاً، ولا متشائماً، ولا بين بين. يجب أن تبحثوا عنه بين اللامبالاة وتنانير الراقصات.

 

عازف التشيلُّو

يصمتُ عازف التشيلُّو عندما أكون دادائيّاً أو سورياليّاً. قد يكون أحد الأوتار انقطع من أجنحة الوطاويط. وقد يكون عازف التشيلُّو أصيب بفالج. عازف التشيلُّو مريض. جئت به من فراشه لكي يعزف وأنا أثرثر. يصمت عازف التشيلُّو قبل قليل من انتهاء الأغنية. الأغنية ستكون خالية من الإثارة. الأغنية للترويع، فلا تثقوا بها. ورجاء، رجاء... احمِلوا معي عازف التشيلُّو إلى عربة الإسعاف.

 

لأنَّها حبيبتي

لشعرها النازل برق، وللكتابة عنها قنديل أحمر، وسحابة عطر أكبر من السماء.

ولأنَّها حبيبتي، خرجتْ يداي إلى أعراس الجسد، وتنكَّرتُ في ثياب طفل، كان صغيراً عندما كبرتُ، وصار كبيراً عندما أحببتُ.

قولوا لها إنَّني الراجع على صهوةِ الكتابة، والقادر على أن أشقَّ البحر بكلمة.

عودوا بها إلى ضفاق قلبي، واخبزوا لها من الشوق خبز الفقراء.

خذوني إلى دفء الأنامل الراعشة كورد الجدار، الهامسة كمساء الغابة.

لأنَّها حبيبتي، علِّموها طقوس الرقص البدائيِّ، لتحترق بين يديَّ كفراشة في آخر الليل. ولأنَّها أجمل النساء... فلها كلُّ قصيدة تبدأ وتنتهي بالحبِّ.

 

حرِّيَّة

أيَّتها الصغيرة كصمت، الكبيرة كبحر. لا تخافي من العتمة، فنحن الفقراء لنا مجد العالم، وهم الأقوياء لهم رماد الحكايات.

الخيول أغنية، والفضاء جلَّنار، والكتابة قناديلُ على أبراج. ونحن والقدر واحد، فلأكتبْ على جناح السنونوِّ: أنا أحبُّكِ في عالم كبير. أنا أحبُّكِ لأنَّهم لم يدخلوا في ثياب الحقد إلى روحي، وهي أعلى من كلِّ السموات... شربتُ من البحر، فكان حرِّيَّة، وقبَّلت الشمس، فكانت حرِّيَّة، وصلَّيتُ في معبد الفقراء، فكانت صلاتي شموعاً، ومعزوفةً على الطريق.

كيف يصِلون إلينا، ونحن التقاء اليمامة بالحقول، وبلادنا سرُّ النار والرياح؟

كيف يأخذونكِ رهينة، وأنتِ أطهرُ من غيمة، وأقوى من سيف؟ وكيف لا تكونين حبيبتي، وأنتِ الخطيئة التي منها وُلِدتُ، ولها أعيش، وبها لا أموت؟  

 

عائد إليكِ

عائد إليكِ من كلِّ صخب العالم. أرقص مع الهداهد، وأرتدي بحاراً بعيدة. تضعين القناديل في دربي، لكي لا أضيع مثل كلمة وقعت من كتاب، وكنَّسَتْها يدُ الرياح. وعندما أعبر من تحت الشرفة، تقولين للزمان أن يوقف عربته، ويترجَّل، فهناك متَّسع من الوقت لكي نثرثر، ونشعل المكان.

كلُّ شيء كاذبٌ إلاَّ أنتِ، وكلُّ كلام فارغ إلاَّ أنتِ، وأنتِ وجود الوجود، لذلك تحملني إليكِ الأعاصيرُ، ولا أتخلَّى عن هزيمتي على يديكِ.

بعد كلِّ صلاة، سأخبرُكِ من جديد بأنَّنا فقيران، وعاريان في لحظة مسرِعة. حبُّنا هو أوَّل المعجزة وآخرُها، فلماذا لا نرقص معاً في قبيلة الغجر، ونشربُ النسيان؟

أعطيتك البحر والشراع، فلا تخرجي من حقيقتي، لكي لا تفترسني الرياح، وأنا مقيَّد... سأقول: "وداعاً" لكلِّ مشهد آخر. ولن يبقى في المشاهد أحد إلاَّ أنتِ، يا كلَّ الحياة.

 

أجمل امرأة

أنام في العراء، وأتغطَّى بأوراق الشجر... وأحبُّ التشرُّد والبؤس، وهي معي... تضيء الكواكب. تضيء في قلبي.

أجمل امرأة هي الحرِّيَّة، وأقوى الرجال من يحبُّها. ولي امرأة واحدة، وطفل واحد منها، ونحن ثالوث مقدَّس.

 

اليوم فقط

اليوم سيكون لكَ البحر، وستغنِّي كالنورس العاشق عند شاطئ الذهب.

اليوم فقط أريد أن أسألك عن مصيرِك، بعد أن هربتَ من الأيدي الملوَّثة بحرائق المدينة.

واليوم سأطلب منك مرَّة أخرى ألاَّ تنحني لخبز المائدة، ولا تترجَّلَ عن حصانِك قبل أن تصل إلى قارَّة جديدة، فيها معبد وعبادة.

يحقُّ لي أن أعطيكَ صراخَ الوادي، ورفيف الأقحوان، فلماذا أنت خائن؟ ولماذا لا ترتِّب العناصر لتكون فيها؟ ولماذا لا تنقضُّ على الخوف الذي فيك؟

إنسانيَّتُك في مكان آخر، فاذهب إليها، واترك الجذوع الواقفة تنتظر السقوط.

ضع السؤال على الطاولة قبل أن يهرب المدعوُّون. وعندما أراك تضرب الأرض بقدميك، صارخاً، وواضحاً، ومنتصراً، سأعزف لك لحناً جميلاً على ناي القصب... لحناً من أعماق روحي، يعانق الخلود.

 

الذين رحلوا

ركبوا على صهوة القدر، لكنَّ خيامهم تبقى في الريح، وعيونهم تصبح قناديل السهر فوق الجبال والبحار.

أعمارهم حزينة، هي السفر إلى موعد السماء. هي مرآةٌ للحقيقة الأكثر اتِّساعاً، وهم بيننا، عازمون على البقاء حول المائدة، وهكذا -بين الأرض والسماء- لا يعود هناك إلاَّ وجود عذبٌ نعتقد أنَّه اللاوجود.

الروح القويَّة ذاهبة إلى مسارها بين الكواكب. الروح نار تدفئ العالم... ولكنَّنا متعلِّقون بمن نحبُّ، ونرفض أن تختفي الصور من كتاب. رحلوا، وكلام عينيكِ الدامعتين يكفي، ليملأ القصائد. وغداً سيفاجئونَكِ في حديقة المنزل، يحملون إليكِ أسرار العدم، لأنَّهم ما زالوا في صدى المكان والزمان. يكبرون كأطفال، ولا ينتهون كما تتبدَّد اللحظة.

 

نهر

عندي موعد مع النهر، لكنَّني ما رأيتُ ماءً بين ضفَّتين... سألتُ رجلاً أعمى عن مكان النهر، فخاف من صوتي. وسألتُ امرأةً، فقالت: أنت غريب فعلاً... فهل ترى نهراً في هذه النواحي؟ وسألت طفلاً يلهو في الحقل، فقال بتلعثم: أعتذر أيُّها الرجل، فالنهر لم يأتِ بعد.

بكيتُ على النهر لأنَّه ليس موجوداً...  ولم أكن أعرف أنَّ الأنهار تضيعُ أثناء الولادة.

 

الريح

الريح أنثى، رأيتها تخلع ثيابها على الشجر،

وتضرب على صدرها بالرعود.

رأيتها تقرع الأبواب...

بأصابع طويلة.

وتدوس على السطوح بقدمين غاضبتين...

الريح امرأة عجوز

رفض الخريف أن يتزوَّجها.

 

مرَّتين

هذا الرجل يغطس في النهر...

كم مرَّة ينزل إلى قعر الماء؟

جحظتْ عيناه

وأصبح وجهه رغيفاً أحمر...

لم يعرف أحد ماذا يريد...

قال أناس: لعلَّه أضاع خاتمه في الماء.

وقال آخرون: قد يكون غرق صديق له.

وقال البعض: لعلَّه يريد أن ينتحر، لكنَّه يرى الموت بعينيه فيخاف...

لكنَّ لا أحد منهم كان يعرف أنَّ هذا الرجل أراد أن يستحمَّ في الماء ذاته مرَّتين.

 

ديكارت

لعلَّ ديكارت لم يكن يقصدني

عندما قال: أنا أفكِّر، إذن أنا موجود.

فإنَّني مثل كلِّ شيء،

حين لا أفكِّر

أكون موجوداً أيضاً.

 

شجار

كان هؤلاء الصبية يسخرون منِّي،

يرتدون أقنعة من عدم.

ضحكوا طويلاً لأنَّني كنت أنظر يميناً وشمالاً وأتحدَّث مع لا أحد...

ضحكاتهم صرير قاطرات،

وأفكارهم عُلب.

سألني أحدهم: بماذا تختلف عن مقعد؟ عن شجرة؟

أجبته: أنا لا أختلف عن شيء. عن بحر. عن مجرّة.

ولكنَّك أسير الحواسِّ. أترى الشمس؟ هي ظلام يشتعل. أرأيت الليل؟ إنَّه نور يموت. أرأيت نفسك؟ أنت موجود، لكنَّك غير موجود...  فأين معناك؟

والأحد الذي كنت أتحدَّث إليه ولا تراه، صوته أقوى من العاصفة... لديه الكواكب، وأنت لديك رغيف وقبَّعة... هل فهمتَ ما أعنيه؟ ما أعنيه هو الشكُّ، وأنت اليقين الكاذب. ما ألتفتُ إليه شيء من الأنا، وكثيرٌ من الكلِّ. هو النور الذي لا تراه، والصوت الذي لاتسمعه، ولن يكون في قلبك ما حييت.

 

العدم

الكتاب كلمة، لكنَّها تكاثرت.

والبحر قطرة لكنَّها أنجبت... كلُّ شيء يتَّسع، وكلُّ كوكب يضيء.

شيء واحد لا يختلف. وإنسان واحد كان وما زال... وشمعة واحدة تتلاشى عند جدار، هي العدم الذي نسمِّيه حياة.

 

الأرض مستطيلة

إلى كم من البكاء يحتاج هذا القنديل لكي ينطفئ؟

وإلى كم من المجرَّات يحتاج هذا الحلم لكي ينتهي؟

وكم  من الدماء تريد الفصول لكي تتغيَّر؟

لن يجيبني أحد، لأنَّ حيرتي أكياس قديد.

غادرتُ قطار الأسئلة من زمان بعيد، وجلست مع السكارى والمحنَّطين. وأصبحت أعرف أنَّ الأرض لا تدور. الأرض ليست كرة يا "غاليله". رأيتُها بأمِّ عينِي تجادل الفقراء والفلاَّحين. وأمسكتها بيدِي. كانت جامدة وباردة كامرأة مقتولة منذ أيَّام. الأرض مستطيلة، مستطيلة، مستطيلة، لكنَّ الله بارع في تدوير الزوايا.

 

عارياً

أحتاج إلى الشارع، لأكون إنساناً. وأحتاج إلى الظلِّ لكي أصير شجرة.

وضعني الله في مكان ما، في زمان ما. ووُلدت ذات مرَّة وأنا أشاهد نفسي عارياً كالصقيع.

عندما أموت بعد حين، سأكون عارياً كذلك. نحن لسنا أبناء الحياة، بل عُراة يتقدَّمون في السنِّ، ويتَّسعون كالمحيطات التي ليس لها ثياب إلاّ العراء.

 

الزمن

أقتربُ من الخريف لأنَّه ربيع ممطر، وأتحدَّث إلى الشتاء لأنَّه صيف يبكي.

الفصول امرأة، تفرح وتحزن، وترتدي وتتعرَّى. والزمن ساحر يكذب على العيون.

 

حروف الهجاء

حروف الهجاء لا تكفي. حروف الهجاء مُقلَّدة.

أريد لغة من عَزف الرياح لأعجن رغيفي.

رغيفي لا يُكتَبُ، ولا يُقرأ، كأنَّه قبلة تحت المطر.

ذات يوم أكلني رغيفي، لأنَّني أعطيته للكلمات. وذات يوم سرقه الجواسيس، فالتفَّ على أعناقهم وقتلهم، واضطررت إلى قطع الطريق لأستعيد رغيفي.

حروف الهجاء مكتوبة على شاحنة للقمامة، مكتوبة على كيس بطاطا... على تنُّورة قصيرة صُنعت في بُرج حمُّود... على إعلان لدبس الخرنوب، فخر الصناعة الوطنيَّة.

أكره اللغة لأنَّها لا تشبه الجنون. الجنون أوسع من اللغات. أكبر من شاشة السينما. أكبر من صهريج المياه. خذوا لغتكم ولغتي من أمامي، واعطوني مفاتيح الغيوم، وشهيقَ الرعد.

دعوني وحيداً أمام الصمت، أبتلع رؤوس الأقلام. أعلِّق سروالي على عمودالإذاعة. أعرِّي القصائد. فأجمل الكلام ما كان هارباً من الكلام.

 

رأسي

أحتجُّ على اضطهاد النساء. أحتجُّ على الأفلام، والمجرَّات، وبائعي التُّحف.

وأريد أن أنشر غسيلي على السطوح. على صنوبر بيروت. وأريد أيضاً أن أخطبَ في الجماهير، وأحاصر الكواكب.

كوكباً كوكباً ستتفتَّت على يدي، بالأسيد. لتنطفئ تلك النجومُ الخائفة، ليصير الليل سجَّادة. ضجرت من هذا البصيص الذي لا ينتهي، ومن هذا النور الذي هو ظلام في الأصل.

أعطوني كوكباً واحداً لا يخاف، وسأقبل به.

أعطوني كوكباً يلمع ويكون ذهباً، وسأضعه في حقيبتي.

أعطوني كوكباً أقوى من المصباح، وسأعلِّقه في سقف غرفتي.

أعطوني كوكباً من زجاج، وأنا سأحوِّله إلى مرآة.

النجوم حين ترتجف، تذكِّرني بلحظة الموت... وما نفعها حين لا تدفئني في الصقيع؟

المجرَّة كلُّها لا تعني لي شيئاً، لأنَّها تثرثر بغير فائدة، لأنَّها تدور في غير اتِّجاه، ولأنَّها بشر  من غير أجساد.

يعجبني تحطيم الأجسام، كأنَّها صحون في مشاجرة. يعجبني التمرُّد على الأشكال، ففي رأسي قبيلة من الجنّ، وعقلي خشب قديم، لا يتنجَّر.

 

تشابيه

أحببت صوت امرأة، يأتي من الهاتف رقيقاً مثلَ ورقة السجائر. بصوتها أحتلُّ برجَ بابل، وأقتل النمرود.

امرأة جميلة... عندما تهمس تنفتِح قميص الليل، تـطير الشبابيك.

وعندما رأيتها، كانت عيناها كعينيْ ظَبي، وحاجباها كالسيف، وترائبها مصقولةً كالسَّجَنجَل.خدَّاها من تفَّاح، وابتسامتها أعمق من بركة المتوكِّل.

أخذتُ الكاميرا على عَجل، وصوَّرت قدَّها الميَّاس. غصن نقا مكلَّلاً بالذهب.

 وصوَّرت خصرها الذي من خيزران. صوَّرت عنقها الذي يشبه عنق الزرافة. وساقيها اللتين من مرمر.

وعندما رحلتْ ذات مساء، تشاجرتُ مع اللحظة، واعتنقتُ الغضب. لم يبق عندي غير صُورِها، وخزانة من التشابيه، لا أعرف شيئاً عن أصحابها.

أنا الآن هائم في الصحاري أسأل الشعراء: هل رأيتم امرأة مرّت من هنا؟ فأجدهم يبكون كالأطفال،  ويقولون: كلّ امرأة من حبر تموت، وكلّ التشابيه تحترق ولا يبقى منها شيء سوى الرماد.

 

ليلة الصدفة

لا أعرف إذا كنت في سفينة نوح أم لا؟

لا أعرف متى مررت على هذه الطريق. أعرف أنَّني مررت، وأنَّ سارقاً أخذ حقيبتي، وأعادها فارغة من صورتي، ولون شعري.

كان السارق يعرفني، وكان بلون الماء.

حملني على ظهره، وأوصلني إلى المقهى. دارت الموسيقى. شربت كأساً من البيرة، رقصتُ على بحيرة البجع. عضَّتني بجعة في رأسي. ضربتُها بعصا الغسيل، ولحقتُها. كانت أسرع من القطار. أسرع من طائرة مقاتلة. لكنَّني نتفت ريشها، وكوَّمتها على الرصيف. جاء الفلاَّحون ليتفرَّجوا. جاء عازف الأورغن، فحملها بحزن عميق، وعلَّقها على الشجرة. كانت شجرة صفراء، لكنَّها شجرة للبجع.

عدت إلى المقهى، لأثرثر قليلاً. لم أجد أحداً. كانوا جميعهم في المأتم، أمَّا السارق فقد اختفى. كان على موعد مع الصُّدفة. بكيت من فراقه، وظللت وحدي، نائماً على الطاولة، حيث لا صُدفة معي. لقد خسرتها، وخسرتُ جميع ما كنت أملك.

 

 

خيال يتلاشى

عندما جلستِ بجانبي بعد أزمنةٍ تحوّلنا فيها إلى جسدين من حجر، كان تفَّاح شفتيكِ ينتظر العبور إليَّ، لكنْ ما تجرَّأتُ على قول كلمة. ما عبَّرتُ عن رغبتي. ما أفصحتُ عن تشرُّدي. نظرتُ إلى عينيكِ فقط، فاكتشفتُ أنَّ السواد الذي فيهما بقيَّةُ ما في قلبي من حريق.

كلُّ شيء انتهى، عندما صعد الزمان إلى عربته، ومضى. لم يبقَ شيء على المقعد سوى غمامة عطر. خيال يتلاشى، وأتلاشى معه.

مرَّة أخرى ترحلين، وأعود إلى خيبتي، إلى علبتي، إلى معتقل لا يمكن لأحد أن ينقذني منه.

 

حبيبتي

تتبعني حبيبتي في الغابات، تجرُّ شعرها على الضفاف والحور. وترسم بحبر شفتيها قناديل معلَّقة. أبحث عن شيء لها، شيء لا يراه إنسان. فكَّرت بالهواء، بالصقيع، بالعطر السارح من أكواب الزهور. فكَّرت بالعواصف والرعود والأضواء التي تنسكب من مجرَّات بعيدة. وفكَّرت بالخيَال وما وراء الفكرة. لكنَّني لم أعثر على ما يرضيها. يبدو أنَّها تريد منِّي ما أريده لنفسي فقط، ولا أعطيه لأحد.

 

سقراط

سقراط يعلِّمني أن أعيش في خطر. ولا أخاف.

يقول لي: عد إلى ذاتك، إلى الأصل، ولا تقل لأحد إنَّك تعرفني. سيعتقلونك في المدن. سيتَّهمونك بأنَّك تفكِّر. الأفكار للأقوياء، ولست للعُراة. العُراة من أفكارهم يملكون كلَّ شيء، والذين يرتدون ثياب المعرفة يتشرَّدون. إذا كنتَ لا تخشى من الموت، فيمكنك أن تقول إنَّ العطر هو الذي صنع الغابة، واليباس هو الذي صنع الحقل، والموت هو الذي أطلع الأغنية، لكنَّ العميان لا يبصرون، والعُرج لا يعرفون أنَّ الطريق موجودة. إذا اضطهدوك فاعطِهم وردة من حديقة روحك. وإذا فتحوا لك الباب لكي تهرب إلى مدينة بعيدة، فقل لهم: المدن لا تعنيني. مدينتي هي روحي ولا أخرج منها. سأتبعها وتتبعني. ستغنِّي معي في الليل والنهار. والأغنية لا تنطفئ.

أجلس مع سقراط في حديقة من نور. في فضائها كواكب، وعلى أزهارها دموع الكلمات. والمقعد في الظلّ يتَّسع لنا. ونحن لن نسكت عن الكلام، لأنَّ كلامنا معجزة، وسكوتنا أصعب من الموت.

 

أسماء مستعارة

لا تضعوا صورتي مع صورة أحد. الصور أكثر من الناس، أعلى من ناطحة. الصور تستفزُّني.

لا تقولوا إنّ َلي اسماً، فالأسماء مستعارة، وأنا ضيَّعت هويَّتي في بحيرة.

العرب أخذوني من اسمي. أشعلوا نار قهوتهم. قالوا شعراً. وأنا جالست عنترة، ولبطني حصان.

وأهلي تركوني على الشاطئ وحيداً، فجاءت موجة، وابتلعتني بالرغوة. بعد مدَّة استيقظت من رغوتي.

والزمان حملني على ظهره مثل كيس من الشمندر، وتركني في الحقل وحيداً.

نقرتني العصافير. عاثت فيَّ فساداً.

والمكان عيَّرني بأنَّني لا أحمل اسماً. فبيتي عار، ومدينتي النسيان.

أفرح بأسماء ليست لي. أعلِّقها على الجدار، وأتسلَّق عليها كسنجاب. أعضُّها. ثمَّ أعود إلى مقعدي، مسرعاً، متآمراً على ذاتي. أتشاجر مع الغياب، فيضربني بمكنسة، ويسمعون صراخي من "واغا واغا".

 

تهجَّرت

تهجَّرت أكثر من مرَّة. تهجَّرت من وطن صغير، ومن وطن أكبر، ومن وطن أكبر من الأكبر، ومن وطن أصغر من الأصغر.

تهجَّرت وسفينتي خالية إلاَّ من الأشباح.

كان معي أطنان من الذهب عندما تهجَّرت. هاجمني قراصنة. سرقوا جلدة رأسي. وأخذوا منِّي ذهب المواعيد، وغابوا على أعقابهم.

قراصنة من الصومال. عرفتهم من لهجتهم. كانوا يشتمونني بلغتهم الأصليَّة.  

ترجّلتُ من سفينتي عند حائط مهجور. كُتبتْ عليه شعائر العبادة. نزل عليَّ ملاك بجناحين، فحدَّثني عن جدِّه الملاك، وعن احتمال أن أكون ملاكاً، فرفضت. لأنّ بلادي تبيع جسدها، وأنا ابن الخطيئة.

وعندما رفرفَ الملاك عائداً إلى سمائه، كانت لعنتي ترفرف على القمم، على الشواطئ. على منارة مهجورة، وما زلت إلى الآن أهرب من لعنتي.

 

عار عن الصحّة

 الحقيقة هي كذب يُصدَّق. هي انتحال ذكيّ. شهادة بالزور.

الحقيقة كلام. وكلُّ كلام عارٍ عن الصحَّة.

خذوني إلى العصور القديمة. الإشارة باليدين حديث عذب. كرهت الصباحات. القهوة. التبصير. الراديو. المذيع. ما وراء الأخبار. ما أمام الأخبار. الكاميرا الخفيّة. الضحك. أسماء البرامج. الهاتف ومَن يهتفون. كرهت الخطاب. المنابر العتيقة. تمرَّدت على زياد بن أبيه.

أحبُّ أن أجرِّب الحديث من غير كلام. حديث بالاحتكاك مثلاً. حديث كهرباء. يقتل بصمت. يقتل القاتل والمعزِّين. يقتل النعش الذي على العربة، والحصان الذي بكى من كلام الرثاء.

خذوني إلى حفيف الأشجار، وسقسقة الينابيع. الأشجار لا تُرى بالعين المجرَّدة، ولا تُسمع بالأذن. هناك موسيقى في أعماق الجذور. والينابيع لا تجري إلى البحر، بل إلى نفسها. كلُّ قطرة تعود إلى الوراء، إلى الأصل.

أتركوني وحيداً في جزيرة الصمت، حيث للسكوت معنى. للرهبة ضجيج. واتركوا الضفادع في البحيرة. في نقيقها البطيء. البحيرة خرجت من بطن الجفاف، والضفادع أبناء العطش.

 

سأقول

أخاف أن أقول لكنَّني سأقول، وأخاف من ألاَّ أقول، لذلك سأقول:

إحملوا هذا السرير، وتعالوا إلى المعموديَّة -الخلاص. لا أريد رؤوساً تنحني في معبد الهزيمة، لا أريد شجراً يابساً تدعس عليه الأيَّام. لا أريد لشيء أن يبقى في مكانه. طوبى للأقوياء الذين يُعيدون ترتيب الحقيقة. يتأبَّطون رأس الغول.

الخوف ممنوع. الجوع ممنوع. الجبانة مأتم.

أخاف ألاَّ أقول، ولو كنتم ستضربونني بحجر، ورأسي من زجاج.

ستضربونني بكلام الأنبياء الغابرين. بالملوكِ الحاضرين الغائبين، الوارثين الموروثين، القادمين الذاهبين. على أعتابهم خيول، وفي أيديهم رماح. وعلى دروبهم طواحين.

أبطالكم صورٌ مرسومة. زِفْت في الضمائر. تماثيل من نحاس.

أخاف ألاَّ أقول: "اتبعوني"، لأنَّ بيوتكم من هباء، وخبزكم من عار. اتبعوني لكي لا تدوس عليكم خيول الغضب، وعربات الكآبة. هناك على المقلب الآخر، ربيع لا ينتهي. بلاد من عاج وحرير. غبطة مذكورة في سفر المزامير.

 

زيادة في الأجور

عازف التشيلُّو لا يعزف. سمع بزيادة في الأجور.

وصاحب المقهى يفاوض. يتعب.  يشرب كأساً مع الثلج. يتَّكئ على عكَّازة الخيبة.

ليس للموسيقى الآن شكل مفهوم. موسيقى من الفونوغراف. موسيقى جاز مرتبكة. لا تليق بها المجوهرات. الموسيقى تُعطى مجَّاناً، لا تأكل ولا تشرب. تغضب في السرِّ والعلن.

والموسيقيُّ هيكل عظميٌّ. زومبي، يتغطَّى بربطة عنق.

حطَّم العازف معجزته. كان يمكن أن يصير خالداً، كباخ، كموزارت، كبيتهوفن.

وكان يمكن أن يُفرغ بحيرة البجع من مائها. يزوِّر المشهد.

عازف غير مثقَّف، يُريد أن يشتري رغيفاً، يريد أن يشتري حذاء. يريد أن يشتري زجاجة بيرة. تكراره مملٌّ.

كان عليه أن يتمدَّد قليلاً في الجوع. أن يجرِّب الشهيقَ والزفير. وأن يَخرج من هذا التوتُّر المبهم.  توتُّر في الروح وتوتُّر في الآلة.

ليبقَ هناك وراء الطاولة، ينام على شاربيه. ليبقَ بطيئاً في أحلامه، وقد لا يعود منها. وليبقَ العزفُ من بطن الفونوغراف. نريد عازفاً متحضِّراً. لا يقرأ النوتة، ولا ينجب أولاداً. عازفاً ينام في الشارع. يتشاجر مع المارَّة. يصارع الشجر واللصوص. يبكي على حياته. يغضبون من بكائه، يمسحون به الأرض، ولا يعطُونه ليرة واحدة... المادَّة جسد، والجسد أصل الخطيئة. الجسد يخرِّب الموسيقى، يحطِّم التشيلو... ويقتل السامعين عن بكرة أبيهم.

 

أشباح

في كلِّ النوافذ عيونهم جمر ورماد.

يسدلون عليك غبار اللعنة. يضعونك في قمع. يسكبونك على أشجار الكينا.

ما عبَروا من هنا مرَّة إلاَّ كان حريق. حريق على الدفاتر. رعب في المحاجر. دخان في الجسد.

يعرفون كيف تبقى جائعاً، كيف تصرخ في الليل. لكنَّ الليل محبرة، والقمر فكرة للكتابة.

تحت المقاعد. في ألواح الصابون. في الأبواب والأكواب. في المناضد المبعثرة. في الصلاة. في القيام والقعود. يُغيرون عليك بأظافر من نحاس. يضربون رأسك بمطرقة الخيانة. ممنوع أن تقرأ. ممنوع أن تكتب. ممنوع أن تطير فراشة. فالأرض والسماء لهم، والصحائف من اكتشافهم. لهم رؤوس كثيرة، وأشكالٌ في غير محلِّها. لهم الأزمنة والأمكنةُ الداكنة، وغرف التعذيب. لهم الصفوف الأماميَّة.

سأغلقُ الباب عليهم لكي أعمل. لكي آكل رغيفاً. لكي أشرب كأساً في العشاء السرِّيِّ. أهرب منهم. من خيالاتهم. من السكاكين التي في قبضاتهم. أصرخ بهم: ليس بالخبز أحيا. ليس بالتراب.

أنا الوحيد الوحيد الذي لا ترونه. أنا البعيد البعيد الذي لا تسمعونه. كتابته بلغة القبائل. وحروفه من ذهب وكواكب.

الحقيقة هي أنَّكم أشباح، وأنا لا أصدِّق وجودكم. صُوَرُكم عتمة. وصورتي شمس معلَّقة. ومِن غيري لا أسماءَ للمجرَّات.

 

الكتابة

كتابتي ابنة الحبر. ابنة العدم.

كتابتي بلون الظلام. في بيتها حزن دائم، وشعراء يتقنون الرثاء.

وضعتها على خطوط سوداء، كلمات أكثر سواداً.

كلمات فيها الشتاء، والرعد، والبركان، وغضب الأرواح التائهة.

أنتم تقرأونها من غير أن تقرأوا. لقد كذبت عليكم. خدعتكم بالكلام.

جعلتكم لا تميِّزون بين السطور. سطر قاتل وسطر مقتول. حرف خاطئ وحرف ملاك بأجنحة.

إنَّكم لا تعرفون ماذا أريد، وماذا لا أريد. أنا لا أعرف نفسي تماماً. لا أعرفكم، ولا أعرف معاني الكلمات. ضربتني صاعقة في رأسي. نسيتُ أنَّ الكتابة قد صُنعت لكم، ونسيت أنَّكم وُلدتم لتقرأوا.

كان يمكن أن أحدِّثـَكم بصمت، لعلَّكم تفهمون صمتي أكثر ممَّا تفهمون الكتب. الصمت هو القصيدة التي كتبها العطر على أجنحة الزنابق. الصمت هو الصلاة والعبادة. الصمت هو الوجود الذي يبتعد إلى ما هو أبعد من الممكن.

إذا وصلتم إلى أعماق الكلام، فعليكم أن تعرفوا أنَّكم في خطر. الكلام يغيِّر. حرب على اليوم والغد، وعلى العالم أجمع.

أنصحكم بأن تقرأوا الصمت. ما بين الكلمات. ما خلف السطور، لكي تعرفوا وجهي، وتسمعوا كلّ كلمة أقولها، ولو كنت لا أقول.

 

عبور النهر

حاولت أن أعبر النهر... النهر ليس فيه ماء.

حاولت أن أتبع النهر... النهر لا يذهب إلى مكان.

أين القبائل الذين كانوا هنا؟ أين الملوك، والقصائد؟

على جسر الحجر  وقعت حروب، وتساقطت أسماء.

الجسر شاهد، وشهيد تحت أقدام الخيول؟

المراكب ممزَّقة الأشرعة. في النهر أسرار لا يعرفها الفلاَّحون. للأنهار موعد مع الجسد.

أنت لا ترى الماء، بل ترى دماء متنكَّرة.

أنت لا تسمع الخرير، بل أصوات اللعنة...

كتبوا على النهر أنَّه الخيط بين الموت والقيامة. إذا نزلتَ إلى أعماق النهر، ستجد حضارة غائبة، وضمائر مستترة. ويمكن أن تعثر على وجوه ما زالت تنظر نحو الشمس.

حاولت أن أتحدَّث إلى النهر ذات مرَّة، فلم يسمع. كان مسرِعاً لكي لا يصادف أحداً. النهر غاضب. النهر لا يحبُّ أن تتبعثر أجزاؤه. لا يحبُّ أن يصادق البشر.

 

لو كان عندي

لو كان عندي حصان، كنتُ ركبت عليه، وذهبت إلى الصين. سأشتري سجَّادة، وأشرب القهوة بين الفلاَّحين. سأتعلَّم اللغة.

لو كان عندي حصان، لأخذته معي إلى معبد الشجرة. الشجرة فيها أسرار مقدَّسة، والحصان يعبد الأشجار. لربطته عند النبع. النبع يسابق الخيول، يروِّضها، يفرُّ من عطشها.

لا أريد حصاناً أعرج. أريد حصاناً عائداً للتوِّ من فيلم كاوبوي. سأفلته في ساحة القرية، ليهجم على الخائفين، فيأكل وجوههم، ويتركهم قشوراً على التراب.

سأعطي صاحب الإسطبل ليرة ذهبيَّة، لكي يطعم حصاني، وسأدخل إلى  الحانة، فأستمع إلى موسيقى هوجاء، وأنظر إلى أناس يرقصون. أناس لا يعرفون لغة الرعد، ولا يشربون إلاَّ ما تبقَّى في الكؤوس.

سأشاغب تحت القناديل، وأقلب الطاولة... الطاولة من خشب قديم، والنادل متجعِّد كالعصور.  كلُّ شيء سيتغيَّر. ولن أغادر المدينة، قبل أن تعمَّ الفوضى، وتشرق الشمس في العيون المنطفئة.

 

الجبان

كالعاصفة أمتطي جوادي لأدافع عنك، حين تكون على سجَّادة الخضوع.

تنتظرني لكي أعطيك بيتاً، كي أحضر إليك خبز المائدة، أيُّها الجائع من زمان.

عندي قدِّيسون، وأنبياء، وماردون في العراء، حيث الريح تصيح، والبرق يلوِّن الطريق.

لستُ قاتلاً عندما أقتل الحقد في العيون، ولست مجرماً عندما أضيء في العتمة.

أنت تقرأ شيئاً من الكلام، وتبغض شيئاً من الحقيقة.

أنت تشرب قطرة من النهر،  وتنسى أنَّ النهر فاصلة في كتاب، وأنَّ قطرة الماء التي تشربها وأنت خائف هي العطش.

 

عندما أكون صغيراً

عندما أكون صغيراً، أصعد إلى السطح، لأحطِّم الكواكب، لأرتدي غيمة مسافرة.

أركض في الوادي. في الوادي ذئاب، لكنَّها لا تخيفني. الذئاب لا تأكل الناس عندما أعود صغيراً.

يحاصرُني الجيران، وأحاصرُهم. أختبئ وراء الجدار لأضربهم بالحجارة والوحل. أقطع الطريق على البنات. البنات يرتعدنَ منِّي عندما أكون صغيراً.

ليس لي شاربان، ولا أحلق تحت الشجرة. الحلاقة تضييع للوقت. عليَّ أن أطارد عصفوراً أعرج. إلى أين سيطير؟ أطير وراءه. أنا من نوع الطيور. من نوع الأشباح المخيفة، عندما أكون صغيراً.

في زمن الطفولة أحبُّكِ أكثر من الآن، وأنت لا تعرفين ذلك، لانَّني لا أملك الجرأة على الكلام. وجهي أحمر. فمي كبير. رأسي من فخَّار، لا يفكِّر. أتأفَّف عندما تجلسين وتنُّورتك من كشمير. وأغضب عندما تطبعين قبلة على جبيني. طباعةٌ غير أنيقة. بضاعة مهرَّبة.

في ذلك الزمان، كنت أنتعل الشارع المبلَّل بمطر الخريف. كنت أغنِّي مع الراديو. كنت شيئاً غير مألوف. موسيقى نشاز. عزفاً خارج النوتة.

أنظري إليَّ الآن. أناقتي تذهلني. ربطة عنقي من حرير. قامتي عالية. لم أعد أجمع التنك وعلب العصير. لم أعد أقطع الطريق على البنات... ليتني أعود صغيراً، لأنَّني أكون أعظم الفاتحين عندما أكون صغيراً.

 

السائق

كم مرَّة عليَّ أن أفتح  هذا الباب، لكي أصعد إلى جانب السائق؟

كم مرَّة عليَّ أن أعطيه اسماً، لكي يكون مثلي من طين ورماد؟

كم مرَّة سأدفع له، لكي نصل إلى آخر الطريق؟ وكم مرَّة سأدلُّه على العناوين، ليعرف مَن أنا، مَن أنت، ومَن هو؟

كم مرَّة سيعود إلى الوراء...  سيضيع بين العناوين؟

العناوين ليست صحيحة. أنا لست صحيحاً. أنا طاغية.

إذا كان أحد يبحث عن عنواني، فأنا هناك،  على الرصيف، أتعارك مع الحقيقة. أسرق اللحظة من يد الزمان.

 

حقود

هذا الحقود هناك، أحلامه فارغة كسطل الحليب. ولد من اليباس. كيف أنجب الفراغ أحداً؟ اسألوا الفلاسفة، العلماء، أطبَّاء الولادة والموت. اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. اسألوا مار يوحنّا، مار جرجس قبل أن يقتل التنّين. الرهبان والحطَّابين. النساء الواقفات على جسر الولادة. سيصبّون عليكم جام الغضب وتندلع حروب.

لا يشبه أحداً. هيئته صفراء، وجهه خريف. لا يحلق. يريد أن يكون قنفذاً. مذكور في معاهدة فرساي... مكتوب في العهد القديم أنَّه من ضحايا الطوفان.

متطاول على أرغفة القدِّيسين، وعلى أوعية النحاس. نزل من السطوح كما ينزل الوحي. أطلعه ساحر من قبَّعة. صفَّق الناس. صفَّقت له ربَّة البيت، وكانت تعلف السناجب.

صورته على الشجرة، على جدران الإذاعة. في الصحف. أشهر من الأعياد، ومن نار على علَم. يشفق عليه القريّون، يقدِّمون إليه بَيض الحمام. يرقصون في عرسه. يقرأون له في القداديس. يتحدَّثون عن إلهامه. يعتقدون أنّه يُفكِّر عندما يحكّ رأسه. يحكُّ رأسه طويلاً. يصرخ العمدة. يصرخ الكهنة، يتلهَّف المصلُّون. رأسه ناشف. لا يطلع منه شيء. خذوه إلى طبيب. تلزمه عناية. يلزمه دواء لكي تخرج الضغينة من قلبه.

 

لا أحبُّ الوعود

تطلبين منِّي أن أكون هادئاً بين يديكِ. وأنا طفل هارب من الزمان، لا تحتويني علبة. أدهنُ وجهي بألوان الغابة. أتعرَّى. أصرخ في الوادي. أخرج من عتمة الهياكل، على فمي برق. أتغطَّى بعزف القبائل.

لا تطلبي منِّي أن أكون عجوزاً، يغمض عينيه ويسير.

لا تطلبي منِّي أن أكون شمساً منطفئة.

لا أحبُّ الوعود والانتظار، وقصّة تتكرَّر.

في كأسي ضوء الكتابة. في فمي أغنية الينبوع، وثيابي هي العبير الذي ترتدي منه الحقول.

 

 

الفراغ ممنوع

أعزف لكم وأنتم لا تسمعون. أقرأ لكم وأنتم لا تقرأون. إلى متى ستطول إقامتي في الحبر والعبير؟ ومن سينقذني من داخل علبتي؟

أخذني الساحر معه إلى مدينة بعيدة. أخرجَ الأرنب من قبَّعتي. جعلني أختفي ولا أعود. صرختُ به من وراء الوراء: أرجعني إلى خارطتي. رتِّبني كما ترتِّب المحيطات. كان يضحك من سذاجتي، ويسهر على جسر، تحت النجوم. يجيء له الأطفال بالكؤوس فيشرب ويرمي بالفراغ في النهر. الفراغ ممنوع. الوجود صحيح. هناك رجل واحد يجب أن يكون وجوده فراغاً، لأنّ المدينة منطفئة والكلمة في الحضيض. رجل واحد أعرج، وعيناه كئيبتان. يصرخ إلى الساحر، وليس على الساحر أن يجيب.

 

لماذا لا أفكِّر؟

أفكّر في كلِّ حين. التفكير صداع. أخذت حبَّة أسبيرين، وقال الطبيب: دعْني أفكِّر عنك. لكنَّني فكَّرتُ: كيف يفكِّر عنِّي؟ إذا فكَّر عنِّي أكون من غير تفكير. أريد أن أفكِّر، وعندما لا أفكِّر أفكِّر في أيِّ شيء، في تنكة، في قمع، في جرَّار زراعيٍّ. .. دعوني أفكِّر لكي أتعب، وأشرب كأساً من الكونياك. أتأمَّل في الكونياك. أسأله عن عمره. أطلب منه أن يقوِّيني. أقول له: الكحول ممنوع على الشعراء. الماء ممكن. جعلوه للعمادة... أفكِّر وأفكِّر، وأخاف أن أغرق في التفكير. أنظر إلى رغوة الكونياك. هي ليست رغوة وليست من الصابون في شيء.  هي قليل من فكري يعمل في الكأس. حقيقة أنا مثل هذه الكأس، شفَّاف، تخترقني الشمس من جهة إلى جهة. يتركني أحدهم على طاولة في حانة. يريد كسري أيُّ مشاغب. ومكتوب على الكأس: فكري مرَّ من هنا.

 

الحقيقة تحرِّرني

النهر يعود إلى الوراء، فأين هو الينبوع؟ والسفن العابرة لا تعرف إلى أين تذهب. الأرض لا تدور منذ أيَّام نوح. عندما تندهش الأرض تتوقَّف عن الكلام. ولا يطلع الشجر.

أنا فقط على ضفَّة النهر أعرف الحقيقة. الحقيقة تحرِّرني... قلت للناس: النهر غيَّر طريقه والسفن غرقت، فاحتقروني لكثرة ما تعاطيت من الحشيش. كانوا يتبعون النهر ويقرأون مزامير الماء. وكنت أرفض أن أسير معهم. طلبوا الشرطة لكي تعتقلني. لكنَّ الشرطة في إجازة. كان اللصوص يسرقون كلَّ شيء. سرقوا الحوانيت والأشرعة. سرقوا الماء والهواء. سألني اللصوص: هل أنت معنا؟ قلت لهم: أنا لصٌّ في وقت الحاجة وقدِّيس في وقت الصلاة. وما أزال من تلك الساعة، أصلِّي وأشاغب، وأسير كما النهر إلى غير اتِّجاه.

 

أعرفك

أصبحتَ تعرفُني، وأنا أعرفك. إذا تخلَّيتَ عنِّي، أقع في هاويةِ روحي، أصبحُ فراغاً بين الكلمات.

لا أريد أن تخبرَني أين تسكن، لأنَّ قلبي مدينة مهجورة عندما تغيب. ضلوعي بابسة كحطب الغابة.

لا تفارقني لأنّ خطيئتي كبيرة، خطيئتي والبكاء وُلدا معاً ويموتان معاً. وأنا أعيش بينهما، كظلّ الوردة.

عودتي إليك، إلى الذات، وإلى المطر الذي يصنع البحار. أسير نحو المطر لأنّ حياتي عطشى، وأنت الوحيد الذي عنده ماء لحياتي.

 

تعودين

تعودينَ كما بالأمس، وتجلسينَ على مقعد الذكريات. أنظر إليكِ من قريب. منذ عصور لم أغرق في خليج أسود.

أحبُّ أن أحطِّمَ الخزف على جبين الأيَّام، أحملَك وأعودَ إلى الوراء، عندما كنَّا سجينين على شرفة، وشفتاكِ وردة الصباح. هناك شيء واحد يمنعني أن أكتبَ شيئاً لعينيك. ربَّما قصيدة ليست من حبر،  بل من وجعي... شيء واحد يمنعني... هو الخوف الذي اطفأ كوكبينِ على عجَل... فكلَّما التقيا في الفضاء البعيد يبكيانِ من العتمة.

 

اللحظة الضائعة

كثير من اللحظات الضائعة لا يعرف بها الوقت. يتأبّط لحظاته ويمشي. حقيبته مثقوبة، تتساقط لحظات على الرصيف، يسرقها العابرون، يكرهها موعد القطار. القطار تأخّر عن المجيء فلماذا يسأل عنه مَن ينتظرون اللحظة المناسبة؟

والنهر يمشي، يحاول الأطفال أن يمسكوه في اللحظة. يفرُّ النهر. يغنّي وهو يركض، على عزف التشيلّو. لكنّ التشيلّو من غير ماء. يعطش. يتناول اللحظة. يعصرها. تفرُّ اللحظة أيضاً ويبقى العطش.

أنا في اللحظة أريد أن أعيش، أكتب حياتي على دفتر، لكي لا تضيع. يأتي سارق ما. يأخذها من أمامي دفعة واحدة. أتشاجر معه. يتدخّل عازف التشيلو. يريدنا أن نهدأ قبل أن تجفّ البحيرة من مائها في اللحظة. عادة لا تعرف اللحظات أنّها تأخذ كلّ شيء ولا أحد يأخذها. يعلّبها الصاغةُ في آلات تدور وتدور. ينام جميع القدّيسين. ينام حرّاس الهيكل وتبقى اللحظات تنهمر كالشتاء، فمَن يقفل النوافذ قبل أن تدخل العاصفة إلى البيت، وتحمل سريراً، خزانة، مقعداً؟

تحمل الرياح العاتية في اللحظة جبلاً من مكانه، تطرحه في المحيط.

وقفتُ أمام اللحظة عارياً، ضربتُها بقبضتي. تناثرتْ في كلِّ مكان. كانت تلك لحظتي. ومن تلك اللحظة لا رياح تقهرني. لا رعد يخيفني. أنا الرعب الذي يرعب الانتظار.

 

عندما يحبُّني

أنتظر أن يحبَّني، وينتظر أن أحبَّه.

الحبُّ كتابة أنيقة على دفتر الزمن. قصيدة أعمق من البحار.

عندما أحبُّ أخترع سيمفونيَّة اللحظة. أتحدّث إلى النجوم.

عندما أحبُّ لا يهمُّني أن يطول الزمن أو يقصر. أنا سفينة تُحطِّم حدود الزمان.

وعندما يحبُّني، سأرتدي ثياب الربيع، وأغسل شعري بماء العطر والينابيع.

سأعانقه لكي لا يضيع من يدي، وأضيع.

أحبُّه من بعيد. وفي يدي زهرة، من غير أن أعرِّيها، ومن غير أن أسألها أعرف الجواب.

 

عندما وضعتَني في قلبك

لماذا أعيش هنا، والهناك يتّسع لقصيدتي؟

قل لي كلمة واحدة، وأطير إليكَ مثلما يطير العصفور من قفصه.

أحبُّ الشمس التي هي أنت. أحبُّ الرعد الذي هو أنت. ولا أحبُّ أحداً إلا أنت.

في النهار أنظر إليك من نافذة الروح، فأراك باسماً، مُطلاًّ على الجبل، هاتفاً إليَّ بأنَّك تحبُّني وأكثر، وفي الليل أتسلّق على الجدار لأهمس لنجمة، فتجيبني أنت، وأنت السؤال والجواب.

فرحتُ كثيراً عندما وضعتَني في قلبك. وعندي رغبة في أن أبقى هناك. هناك بيتي الذي فيه ولدت. وهناك حقيقتي التي لا يعرفها أحد غيرنا.

الشعراء لم يحبُّوا كما أحببتُ. لم يفرحوا كما فرحتُ، وأنا أملأ في كأسي نوراً، وأسمع خطواتك وأنت تقترب. 

رميت بالأحزان على قارعة الطريق عندما رأيت صورتك في الوردة، وسمعت صوتك في الحديقة، ونظرت إليك تدوس على الغيوم، وتأمر الكواكب بأن تضيء.

أنا لا أسأل عنك، لأنّك ترافقني. ومن أجل عينيك لا أخاف ولا أتزعزع.

 

انتظار

كلّ يوم أنتظرُ يوماً آخر. واليوم عربة نقل، كنتُ فيها أمس. انتقلتْ بي من رصيف إلى رصيف. صادقتُ الشحّاذين، وسألتهم عن اليوم، فقالوا إنَّهم لا يعرفون شيئاً عنه، سوى أنَّه بطيء كالسلاحف، متردّد كاللصوص. التواريخ فزّاعات. الأوقات غربان تأكل بعضها. الانتظار لا ينتظر.

أكنِّس الشارع وأنا أبحث عن شيء أضعته. أبحث عن موعد، وحكاية. يزاحمني المشرّدون على مكاني. ينصحونني بالمغادرة لأنّ العاصفة تمرُّ في مثل هذا الوقت، وفي مثل هذا المكان. يسقط الموعد في حفرة. يلقي بنفسه من فوق جسر. يتعب الغوّاصون في تحديد مكانه. لا أحد يجدني. لا أحد يعرف أنّني نجحت في الخروج على المألوف. أعيش أبعد من الذاكرة. وأعمق من الحروف. وبأعجوبة من صنع يدي أحطِّم انتظاري.

 

صار البحر أزرق

عندما غرقتُ في النهر، أنقذتْني امرأة. قبّلتْني في فَمي، فأحببْتها.

كانت مشرقة، وشعرُها ينسدِل فيغطِّي الأكواخ، ويسرح في الغابات.

كتبتُ عنها قصيدة على ماء النهر، فأخذها الماءُ إلى البعيد وارتجَّ البحر.

تركتني وحيداً، لأنّ زوجها كان ينتظرها عند أطراف الغابة. قلت لها: لماذا تركتِ على فمي قبلة؟ فلم تجبْ لأنَّها كانت تمعن في الغياب.

منذ ذلك الحين صار البحر أزرق من قصيدة كتبتُها، وبكت طيور النورس من عذاب روحي.

 

خطيئة

هادئاً، هادئاً كشجرة في القيظ. يعبر النسيم فيَّ، فتسري في عروقي رعشة. بصمتٍ أرتِّب هيكلي، وبصمت أدخل في الصلاة.

يأمرني كاهن نفسي بشيء من الرهبة، ويقول لي: أغمض عينيك، فالخطايا كثيرة من حولك.

أتجادل مع الكاهن، لأنَّني لا أحبُّ الظلام، ولأنّ صورة امرأة أجمل من صورة العتمة.

أقول للكاهن: إذا كنتُ ريشة في يد القدر، فإلى أين أستطيع الهرب؟... أنا جناح مكسور. أنا جرح أعمى. أنا خطيئة من غير ذنب. تخيفني خطيئتي، ولكنّني أدوس عليها وأنتصر على ذلّ الحياة.

 

الجبل

قالت التلَّة للجبل: لماذا أنت متكبِّر؟

نظر الجبل إلى نفسه، فوجد أنَّه ما زال كما هو منذ أبصر النور. قال للتلَّة: لستُ متكبِّراً، ولكنَّ الله خلقَني أكبر منكِ... إذا استطعتِ ذات يوم أن تكوني مثلي، فستكونين كبيرة أنتِ أيضاً، وسيتّهمُك الصغار بأنَّكِ تتكبَّرين عليهم.

 

على الماء

رأيت صورتي على الماء. كان يمكن أن أبقى سنوات عند النهر، لكنَّني أخاف من صورتي. خدعَني المصوِّر، جاء بي من الغياب، أجلسني على الكرسي. جعلني أضحك. منذ زمن طويل لم أضحك. المتسلِّطون أخرجوني من سعادتي. أجبروني على البكاء،  فأغرقتُ المدن. المصوِّر يريد أن أدفع له ثمن الصورة. تشاجرت معه. قلت له: الصورة ليست لي. هناك من زوَّر صورتي، جعلني أبدو سعيداً، واللصوص ورائي. يتقاسمون ثيابي. يريدون إسكاتي. يقولون: لا تكتب. لا تقرأ. إشهد بالزور. حملوني بأيديهم الملوَّثة إلى الغابة. هناك شربوا ورقصوا... ظللتُ وحيداً في الغابة، والمصوِّر يلاحقني، يجمع أشلائي،  ويكوِّمني وراء الزجاج، داخل إطار. لا أحبُّ أن أكون سجيناً. كسرت زجاج الصورة، وركضتُ في العراء. ركضت عارياً، لكي لا يصوِّرني أحد.  لا أطيق ألواني. لا أطيق ثيابي. سيكتبون ذات يوم أنّ أحدهم خلع باب الصورة، حطَّم النهر لكي لا تبقى صورته على الماء.

 

شفتان

أسيرُ في الشارع، ألتفتُ إلى نافذتها. هي وراء النافذة تراقبني أيضاً. تعتقد أنَّني سارق. لا أحد مثلي يراقب أنفاسها عن كثب. يتتبَّع خواطرها.

وراء النافذة تقف. تتمعَّن. تشهق. صدرها يرتفع ويهبط. تتوقَّع أن أهاجم البيت. أسرق الذهب والفضَّة. أقيِّدها على كرسيّ، وأستولي على أساورها... تنتحب. ترفع سمَّاعة الهاتف وتتحدَّث مع أحد. فجأة يأتي رجال الشرطة. يسألونني عن اسمي، وماذا أفعل في هذه الساعة من الليل. يقول لي أحدهم: وراء النافذة تلكَ امرأة مضطربة. هل كنت تريد أن تسرق منزلها؟

أجيب الشرطيُّ بهدوء: يبدو أنَّ هناك خطأ. ما أنا سارق، ولا أريد أن أسرق شيئاً... سوى شفتيها.

 

نرقص معاً

التقيت به في الشارع. كان غاضباً، وحولي أناس غاضبون أيضاً. كنَّا من قبيلتين. رفع أهلي بنادقهم، فقلت لهم: لا تستعجلوا. قد نرقص معاً. أريد موسيقى، من أيِّ نوع. تخلَّى الرجل الآخر عن غضبه، ورقصنا في الشارع. خرج الراقصون من الحانات وانضمُّوا إلينا. كان أولاد صغار في حافلة، فنزلوا لكي يرقصوا. رقصت المدينة كلُّها. رقصت المدن. ومنذ ذلك الوقت تركنا البنادق للصدأ، وكتبنا على الطريق: لا موتَ بعد اليوم.

 

فلاَّح

سألتُ فلاَّحاً عن أرضه الخضراء، وعن أكياس القمح التي يخبِّئُها للشتاء، فأخبرني بأنَّ الأرض ليست له، بل لأطيار الجبال، وقال إنَّ رجلاً يمرُّ في الليل بينما هو نائم، فيحرث الحقل، ويبذر الحبوب، ويأمر الفصول أن ترتدي من أثوابه. وعندما تمتلئ البيادر، يعود إلى مدينته البعيدة وهو يغنِّي: "المجد للصباح، لأناس يولدون من الشمس، ولأطفال لن يجوعوا بعد الآن."

 

أصبحتُ خائفاً منكِ

لا أعرف مَن أنتِ، ولكنّني أعرف أنّكِ ضوء الكلمات، كلّ الصلاة، وكلّ المزامير.

أبحث عنك في الأفق، فأجدني تائهاً فيك مثل أحلام الصغار.

همس يديك أنشودة،

ابتعادك مأساة،

وعيناك أفق للكتابة.

ليس أعذب منك في الينابيع، وليس أشهى من قبلة تتركينها على شفتي. تتركينها عميقة كجرح لا شفاء منه.

هذا المساء سألقي بخيبتي على الأرض لتنكسر، لعلّك تمرّين من أمامي. تسيطرين على المدى. تغطّين بشعرك الطويل كلّ مدينة.

اشتريت لكِ أمس شالاً من قرفل، وكتبت عليه بندى الصباح كلاماً أعمق من الحبّ، أبعد من الرحيل، وأقرب من الخلود.

وبنيت لك معبداً على كوكب، فالأرض لا تشبهنا أنا وأنتِ. ونحن لا نشبه أحداً إلاّ أغنية ترتفع ولا تعود.

الثريّا التي تضيء في العتمة صنعتها بيدي من خزف الشوق، لذلك هي أنيقة، كأنّ ساحراً يحرّكها بيديه، فتلتمع، وترافقنا في الطريق لكي لا تضيع.  والشعراء يعرفون أنّ كلامي الذي اكتبه لكِ ليس من حبر، بل هـو مـن وردة تتَّكئ على كتف الـربيع. ويعرفون أنّني على الجسر تركت

حرفين، هما أنا وأنتِ. هما ولادة.

كلَّما حاولت أن أبتعد عنك، أقترب، وكلّما اقتربت منكِ احترق، فهل أنت امرأة أم نيزك يحفر في الجسد؟

أصبحت خائفاً منكِ بقدر ما أحببتكِ، وأحاول أن أطفئ النارَ التي أضرمتِها في الوجود، فلا يبقى شيء منّي. وأصرخ من معاناتي إليكِ، لكي تعرفي أنني لا أحبّك، بل أكثر من أحبّك بكثير.  

لا تهمليني يا سيّدة الكلمات الأنيقة، فأنا بحر من غير ماء. شجرة مقتولة، رصيف من غير بشر. حكاية من غير عنوان. أنا الفراغ الذي لا فراغ بعده، والصمت الذي لا صمت مثله...

من غيرِ عينيكِ، أحمل جثّتي وأمشي تحت المطر. إذا غاب صوتك عنِّي أغيب من الحياة. إذا تركتِني يابساً تأكلني طيور الخيبة.

ما هُزمتُ في حياتي إلاّ على يديكِ، لكنّ الهزيمة التي أحبّها لنفسي هي انتصاري. فما أجمل انتصاري على امرأة أحبُّها!  

 

أنا والنهر واحد

أركض وراء النهر وأخشى أن يضيع. قد يسرقه أحد. يزوِّر شهادة ميلاده. يعرضه في متجر للتُّحف. أو يضعه في صورة على جدار. النهر لا يذهب إلى مكان، وعندما يغوص في البحر، لا تتغيَّر هيئته: كريستال أبيض على مدِّ النظر. أصْلي. لا يذوب في الصيف ولا يتحطّم في الشتاء. الفصول تتغيَّر. تتبادل الثياب، لكنَّ الذين يرسمون النهر لا تهمُّهم الأصوات. حملوا النهر على أيديهم. ولن يعطشوا بعد الآن. والنهر لا يغادر مكانه... فكيف يقول العلماء إنَّ الأنهار تجفُّ، والمياه عمياء منذ الولادة؟ يمكنني أن أثبت أن النهر فارغ. نزلت إلى قعره. فتحت فمي. ابتلعته. وعندما خرجت منه كان يلهث بقوَّة. يشدُّني إليه، لنكون واحداً.

أنا والنهر واحد. كلّما اقتربت منه أحيا، وكلّما ابتعدت عنه يموت.

 

عيناكِ

الحبر يتّصل بعينيكِ، ولذلك أتبع النهر لكي أصل إليكِ.

عندما غمر النهر بيتي، فررت من النافذة لأقع في النهر، صرخت من يأسي، لم يلتفت إليّ أحد. كان جميع الناس في السفينة يلوّحون بأيديهم. ماذا يريد الناس منّا؟ أنا وأنتِ فقط سنبقى، موجة عالية تغمرني لأصل إليك. يداكِ خلاصي. عمري هو الجزيرة التي تقرّبني منكِ. أفرض عينيكِ على القصيدة، أقيس المسافة بين كلمة وكلمة، أتخبّط في السطور. السطور ليست كتابة، هي العطش الذي أشعر به. الملح على فمي. الملح في رئتي. أخاف من الخوف، أشهق، حاول أن التقط بصيصاً من نجمة فوق رأسي. تضحك النجمة وتهرب مع عشيق. أبقى في قعر صوتي. أترنّح من الشقاء. يعصرني النهر في يديه. أصير واحداً مع النهر. يصبح النهر واحداً معي. يتخلّى عن الرحيل. يترك الزوارق ويتبعني في غرقي. غرقي في عينيك قصّة سأكتبها للأجيال، سأقرأها للنهر. سأجعلها أيقونة في معبد روحي.

 

زجاج

تمرِّين تحت النافذة، يتفتَّح الياسمين. الياسمين كان كئيباً لأنَّه اشتاق إلى خطوتك على الطريق. وأنا فوق، أتسلّق على حبل النجوم، لأجد لكِ عقداً من ذهب لا يعرف عنه الناس. يحتار فيه الصيارفة، يشتهيه السارقون. أخشى إذا أعطيتك شيئاً منِّي أن يأخذه اللصوص. كانوا في الحانة يتآمرون لاختطاف امرأة. يبدو أنَّهم يريدون أن يتشاجروا معي. في هذه المدينة بالذات، وتحت هذه النافذة ستكون معركة بين الطياطن. مَن سيقتل مَن يا أفروديت المعجزة، يا سميراميس الحلم والأسطورة؟ إذا اختطفك أحد نعود إلى طروادة، إلى الحُفاة العُراة الذين يتقاتلون بالرماح والعصيّ، وأنا لن يغلبني أحد، فقد حملتْني أمّي من قدميّ، وأنزلتني في النهر المقدَّس. منذ عرفتُك أصبحت أقوى من الملوك، لكنَّ شيئاً واحداً يجعلني أنكسر:  قلبي الذي من زُجاج يتحطَّم.  

 

عمَّن أقتبسُ الآن؟

ستتعبون الآن. تركضون وراء السطور كما يركض اللصوص وراء خيول بريّة في فيلم "مدافع للقدّيس سبستيان"، سترهقون أفكاركم بالتفكير: ترى عمّن اقتبسُ في هذا اليوم بالذات؟ تحكّون رؤوسكم... تتحيّرون لأنّ سقراط لا يشبهني. حافي القدمين كان، مطارداً من أناس لا تختلف وجوههم عن وجوهكم. والفلاسفة الآخرون في القبور. لو تخرجونهم، تسألونهم عن نصوص قد يكونون كتبوها وخبّأوها في العتمة التي كثيابكم. تخرجون لويس باستور ليعطيكم حقنة ضدّ الأحقاد. ليشحن أفكاركم بالبنسلين. يصبح نبش القبور من التقاليد كأعياد البربارة، تشتغلون حفّاري قبور... مهنة لا تبطل والأموات كثيرون.

يا أعداء الفكر، والإبداع، والولادة. لا يعرف أحد شيئاً إلاّ مَن تعبدونه. صنم قبل الإسلام، عتيق كالجاهلية. محيط من الجمود. أعبدوه ما تشاؤون، ولي إله واحد. صورته في قلبي، وبه سأنتصر عليكم.

 

صانع الوجوه

الذي يصنع الوجوه، أعطى وجوهاً لأناس كثيرين. أناس يعرفهم ولا يعرفهم.

رآني في الشارع. وجهي قديم، فيه عذاب، وعيناي موصولتان بخيط المطر.

قال: خذْ وجهاً غير هذا الوجه. لقد بعتُ كثيراً من الوجوه.

قلتُ: أكتفي بوجه واحد، لا أريد وجوهاً.

أقفل صانع الوجوه حانوته ومضى.

جاء الربيع فقال لأصحاب الوجوه الكثيرة: سأعطيكم رحيق الورود، وسماء الحمام. وأعطيكم ماء الينابيع.

ثمّ جاء الصيف، فقال: يا أصحاب الوجوه. سأعطيكم ذهب الأرض وأغاني البحر والزبد. وأعطيكم خزائن لا تفرغ.

وجاء الخريف، فقال لأصحاب الوجوه الكثيرة: سأجعل أوراق الشجر الصفراء جواهر في أيدي نسائكم، وكنوزاً في خزائنكم.

وبعده جاء الشتاء، فخاطبهم قائلاً: ستأخذون منِّي كلَّ ما تطلبون، فتفيض حقولكم خيراً، وتمتلئ جراركم  زيتاً وخمراً.

ولم ينتصف الشتاء حتى وقع طوفان شديد، فخاف الناس وهربوا إلى الشاطئ حيث كانت سفينة راسية، فأرادوا الصعود إليها.

قال لهم قائد السفينة: أعتذر منكم أيُّها الأحبّةُ الجاهلون، فإنَّ سفينتنا لا تتَّسع لمَن لهم وجوه كثيرة.

صاح أهل المدينة وهم يرمون على الأرض بأكياس ذهبهم وكنوزهم التي أخذوها من الأزمنة، وقالوا: نهبُك جميع ما لدينا، فنَجِّنا من الطوفان. وعندما لم يُصغِ إليهم أرادوا اقتحام السفينة بالقوّة، فمنعهم الحرّاس...  ورآني أحد البحَّارة من مسافة وأنا أسير في الجمع باحثاً عن خلاصي، فخاطب قائدَ السفينة بصوت عال: هذا رجل لا يحمل إلاّ وجهاً واحداً، فالتفتَ القائد إليّ وأومأ بأن أصعد إلى السفينة. ففعلتُ، ثمَّ أمر بأن تُقلع السفينة في البحر...

وبينما كان الآخرون على الميناء يبكون وينتحبون بوجوه كثيرة، كنت أُشفق عليهم بوجه لا يتغيَّر كما تتغيَّر الفصول.

 

غيمة

الغيمةُ البيضاء هي ريشة وقعتْ من يد شاعر، عندما كان على كوكب.

 

كبريت

كان يجب أن أنتهي من كتابي منذ زمن. فقد ضجرتُ من الكتابة. الركض على السطور مرهق. الحبر مبيد للحشرات. الكلمات مفخَّخة.

أنتم لا تعرفون عنِّي شيئاً. ليست لديّ نظَّارتان مستديرتان، وشعري لا يلامس الغابة... لا أتبع الخطوط، والقرى المسكونة بالأشباح تضجرني. الفلاَّحون متَّهمون بقتل سقراط. رفعوا تمثالاً لشاعر البيدر. حنَّطوه لكي يكون أقوى من غدر الزمان... أعطوني شيئاً لأنتهي من عذابي. لأرتاح من فداحة المشهد. مَن منكم إذا طلب أخوه سمكة أعطاه حجراً؟ مَن منكم أسأله عن نار فيعطيني رماداً؟ يبدو أنَّكم لم تقرأوا الأسرار. لم تسمعوا بمعجزة. الحقيقة أنَّني تعبت. أريد أن أنتهي من كتابي قبل أن يغضب منِّي جميع القدِّيسين والأنبياء. فرجاء هاتوا علبة كبريت لأنتهي من كتابي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

استكمالاً لعمارته الشعرية، من أجل أدب مهجري راق، يطلق الشاعر والأديب المهجري الدكتور جميل ميلاد الدويهي مجموعته الجديدة "حاولت أن أتبع النهر... النهر لا يذهب إلى مكان"، وهي من النوع السابع من أنواع الشعر التي يكتبها الدويهي، وهي الشعر العمودي، شعر التفعيلة، الشعر المدوّر، قصيدة النثر، الزجل، شعر التفعيلة العامي، والقصيدة المدورة العامية التي أطلقها الدويهي للمرة الأولى على الإطلاق من أستراليا (بيتك حلو، ما بخاف من واحد جبان، وعندي حنين البحر)، وسيطلق الدويهي قريباً مجموعة شعرية تتضمن الأنواع السبعة بعنوان "أعمدة شعري السبعة" لإثبات فرادة الشعر المهجري في أستراليا وتميّزه، وإيصال رسالة الأدب الراقي من المهجر إلى العالم.

توضيح

 

جميع حقوق النشر محفوظة لصاحب المجموعة الدكتور جميل ميلاد الدويهي، والمجموعة منشورة حصرياً على موقع أفكار اغترابية للأدب الراقي.

والنصوص المنشورة أدناه تتراوح بين الأدب الرمزي والأفكار الفلسفية، والذاتية من ضمن أسلوب النص الذي يمكن اعتباره نثراً فنياً جديداً أو شعراً في المفهوم الحداثي.

كما أنّ في بعض النصوص لمحات من المدرستين السوريالية والدادائية أضفناها من باب التنويع وإغناء الواقع الثقافي والأدبي في ديـار الانتشار.

 

مشروع د. جميل ميلاد الدويهي:

لأدب مهجري راقٍ