لماذا اخترعوا النقد المقارن؟

بقلم د. جميل ميلاد الدويهي

لأدب مهجريّ راقٍ

 

(كُتبت هذه المقالة في 27 شباط 2016، وهي مقالة عامة تهدف إلى تصحيح موضوع النقد المقارن، 

وليست موجّهة إلى أي شخص بعينه، وقد حذفنا منها المقاطع التي قد يرى البعض، لسبب نجهله، أنها موجهة إليهم، إذ يبدو أنهم يعرفون أكثر منّا)

 

أطرح هذا السؤال على نفسي كلما استمعت إلى آراء نقدية تطرح هنا وهناك، فأظنّ أنها من باب الفكاهة أو المزاح، إذ أنّ من يطلقونها لم يكتبوا في حياتهم بحثاً أكاديمياً، فالواضح أن الساحة النقدية مفتوحة لمن هبّ ودب من كل أصقاع الأرض، وكل من تعلّم أن يفكّ الحرف، وخرج من صف البكالوريا أصبح ناقداً يُحسب له ألف حساب، وامتلأت المسارح بمن يُطلقون الأحكام من غير أن يرفّ لهم جفن، ومن غير أن يخجلوا بعريهم المفضوح، فيما نحن أصحاب الإختصاص نرتعب ونفرّ إلى جهة مجهولة خوفاً من الزلازل والبراكين.

عجيب أمر الحرية كيف تسمح لكل نسان أن يجاهر برأيه كيفما اتفق له، ونحن مع الحرية، لكن في الأدب لا وجود لسلطات تلاحق المزورين والمنتحلين والطارئين، وقد تَرك هذا الأدب لأصحاب العلم والضمير أن يحكموا، والمتخصصون في النقد يطلقون الأحكام بتأنٍ ورهبة لانهم اطّلعوا على أعمال الكبار من أمثال شكسبير وموليير وراسين وألبير كامو وغوته وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وطه حسين وسعيد عقل ونزار قباني... فأصبح من الصعب عليهم أن يفرّطوا بالرأي وأن يسيئوا إلى هذه القامات الهائلة. فالناقد مثل القاضي العادل الذي يتأني ويدرس القضية ويفتح كتاب القانون ويطّلع على السوابق في قضايا مشابهة قبل أن يطلق الحكم، لأن من الأحكام ما يغيّر ويشوّه ويقتل.

وقد اخترع الناس النقد المقارن ليس لغاية في نفس يعقوب، ولا من أجل اللعب والتسلية، بل من أجل أن يضع الناقد نصّاً قرب نص، وكتاباً أمام كتاب، ومن المقارنة يبدأ العمل، وتصدر الآراء، فلا يكون نقد "عنزة ولو طارت" .

قبل أن يكتب الدكتور عزت الصباغ من باريس عن كتابي "في معبد الروح"، ويسميني جبران الجديد، وضع كتابي على الطاولة مع "نبي" جبران، وقارن وتوصل إلى هذه الصفة التي على جمالها ترهبني وتجعلني أتردد في التسليم بها. فالصبّاغ أكاديمي من الطراز الأول، وعالم معروف من السوربون في الفلسفة وعلم الاجتماع، وعندما أطلق عليّ الدكتور عصام حوراني من بيروت والدكتور يوسف عاد من بيروت أيضاً صفة "خليفة سعيد عقل"، أو "لا يكتب بهذا المستوى إلا من كان من طينة سعيد عقل"، (مع تشكيك الدكتور عاد بأنّ أحداً قد يخلف سعيد عقل) لم يفعلا ذلك ارتجالاً إنما وضعا أمامهما قصيدتي في مئوية سعيد عقل وقصائد أخرى سمعاها في مناسبات أقمتها في لبنان، ودرسا تلك القصائد وقارناها، مع شعوري أيضاً بالرهبة والتردد  في قبول هذا الشرف.

إن المؤسسات الأكاديمية الكبرى تعطي الألقاب والجوائز على عمل معين، كأن يقدّم الكاتب أو الشاعر عملاً مطبوعاً إليها، وعندما تكتمل الأعمال، تفحص اللجان ما هو مقدَّم إليها عن طريق المقارنة والمقارنة فقط، والكتاب الذي يحوز على رضى أعضاء اللجنة يبرز إلى الواجهة وتُهمل الكتب الأخرى. هذا في بلدان العالم التي تعتمد الأسس الأكاديمية، أما في بلاد الحرية، فما إن يصعد أحد الطارئين إلى المسرح حتى يبدأ بكيل من عبارات التقريظ والمديح والتفخيم، ولا يلتفت إلى أي شيء آخر ما عدا مقدار الاستفادة التي يستفيدها من الممدوح الذي نجح في اجتذاب الناس إليه، تارة باستخدام الترغيب والترهيب، وتارة بإيهام الآخرين بأنّ لديه امبراطورية يمكنهم الدخول إليها وجني خيراتها.

ذات مرّة اقترب منّي أحد الكتّاب في لبنان من الذين يرفعون المفعول به وينصبون الفاعل وطلب مني أن أكتب نصاً عن نفسي لأنه يريد إصدار كتاب عن أدباء وشعراء يعرفهم، كان جوابي على الفور ومن غير كثير من المقدمات. "أشكرك وأعتذر. لا أريد أن تكتب عنّي". لماذا كان جوابي كذلك؟ لا للتكبُّر، ولا للتظاهر بمظهر المترفّح الذي يجحد النعمة، فأي كاتب أو شاعر يتمنى أن يكتب عنه أحد، ولكنني كنت أعرف مَن يقف وراء هذا الكاتب، ومَن يصحّح له أخطاءه، وكنت أعرف أيضًا أنني إذا كتبت عن نفسي الصحيح فلن يثبته، بل سيقوم بعملية حذف لا مثيل لها...  فيجب أن أتوقف عن الركض في سباق الضاحية وأخسر السباق لأنّ أحدهم عجز عن الركض وأجهش في البكاء ورائي. ولو كنت الأول في السباق أكون مغروراً ومتكبراً ومتعجرفاً، وإذا خسرت السباق وجعلت الذي يبكي يأخذ الكأس أكون متواضعاً ومنسحقاً مثل يسوع المسيح...

أين هو النقد المقارن؟ وكيف يُعرف أدب من أدب؟ وبأي ميزان نعرف ما الفرق بين الشعر العميق والشعر السطحي؟ وكيف نفصل بين كتاب مثل "في معبد الروح" و"طائر الهامة" وبين أدب رخيص لا يُبلع لا بالطول ولا بالعرض؟

إننا سنظل على ثبات مواقفنا، وعلى أعمالنا الإبداعية المتوالية بشكل يشبه الصدق الذي لا يُصدّق، مدفوعين بحلم واحد وعزيز على قلوبنا وهو إبراز الصورة المضيئة والحقيقية للأدب المهجري، أما تحطيم الصعوبات فمن اختصاصنا،  وترويض الأفكار العشوائية فمن هواياتنا الأحب، وكسر شوكة الحاقدين من أجمل أنواع اللعب التي نفضّلها، والفروسية ورثناها عن أجدادنا وآبائنا، ولا يظنن أحد أن المسرحيات الهزلية تعنينا، فنحن خارج المسرح تماماً، ولا نخسر ثانية واحدة لكي نفكّر في  ما يجري فيه من مؤامرات وتركيبات لا تخطر على بال أينشتاين،  وصولاً إلى الأدب المهجري الذي نسعى إليه، أدب خالٍ من الإقذاع والشتائم وصُور الخلاعة والتهتك، أدب واثق الخوة يمشي ملكاً ولا يحتاج إلى أكوام من التشريفات والألقاب التي بات عدّها يعصى على الفهم والمنطق ويشبه الأساطير،  أدب يتحدّث بلغة عالية، فريدة، جديدة، وفي قوالب شعريّة متنوّعة... أدب هو كالشمس لا يسعى إلى حجبها إلاّ كل حقود وحسود. والأدب الصحيح قد لا يذكره الحاضر الجَاحد والناقدون العنصريون، ولكنه سيخلد في المستقبل، ولن يصحّ إلاّ الصحيح. أما الذين كانوا لا يخرجون من بيوتهم فباتوا لا يدخلون إلى بيوتهم منذ عودتنا من لبنان، فالناس يرونهم ويضحكون من الأعجوبة التي حدثت معهم. وثبت أن جميل الدويهي يصنع العجائب....