المهمّ أنّني أطلقت القصيدة من واقع الشعر الفصيح. وقد تعرّفت إلى ظاهرة التدوير في القرآن الكريم، ولفتني إليها الدكتور الصديق الراحل عبد الحميد جيده، وظاهرة التندوير هي أن ترتبط التفعيلات الشعرية ارتباطاً متتالياً لتشكّل وحدة نغمية قائمة بذاتها. والتدوير في رأيي نوعان:

- تدوير البيت الشعري كقول أبي نواس:

اتْرُكِ التَّقْصِيرَ فِي الشُّرْ                    بِ وَخُذْهَا بِنَشَاطِ

مِن كُمَيْتٍ كَسَنَى البَرْ                       قِ أَضَاءَتْ فِي البَوَاطِ

لِمْ - وَعَفْوُ اللَّهِ مَبْذُو                         لٌ غَدًا عِنْدَ الصِّرَاطِ...

والتدوير كما هو ظاهر في الأبيات هو انفصال جزء من التفعيلة الأخيرة في الصدر (الشُّرْ) عن جزئها في بدء العجز (بِ). والجزءان هما في الأصل لفظة واحدة. ولا يكاد شاعر عربيّ يستغني عن هذا النوع من التدوير في أعماله الشعريّة.

- تدوير القصيدة: وهذا النوع الثاني هو المقصود في مقالتنا هذه، وهو الأصعب، والأعصى على الكتابة، لأنّ التدوير فيه لا يقتصر على لفظة واحدة منفصلة إلى جزءين، بل يكون في جميع القصيدة من بدايتها إلى نهايتها، بحيث أن التفعيلة تتوالى ولا تتوقّف، وقد كنتُ أوّل مَن أطلق هذا النوع من الشعر الفصيح في أستراليا في مجموعتي "وقلت: أحبّكِ":

"المنفى تحت الشمس وأنتِ ظلٌّ في شمس المنفى، يا شجر الوزّال ويا ورداً في أعراس القلب، أقول: أحبّكِ، لم يحدث أبداً أن صار الحبُّ طقوساً أدخلها تحت المطرالمتساقط من عينِي. أدخلها في رئتِي ملحٌ، في جسدي برد يشبهني"... إلى آخر القصيدة.

وفي قصيدتي "جدّي القديم" المجموعة نفسها: "عيناه خابيتانِ،في عينيه من جمر المواقد في الشتاء، وما يزال الثلج منهمراً يغطّي رأسه، جدّي عصورٌ كلّها بردٌ وأشكالٌ أحاول أن أفكّ رموزها، فيطول تحديقي به"... إلى آخر القصيدة.

وفي قصيدتي "يرنّ الهاتف الليليُّ": "يرنُّ الهاتف الليليّ وهْي ترتّب الأشياءَ من كحل وعطر بين عصفورينِ ثرثارين، كيف تجيبُ حين توزّع الألوان بين الماءِ والأضواء؟ كيف تجيب إنساناً يحطّمها، فلا يبقى على فمِها سوى جمرٍ، سوى حرفينِ"... إلى آخر القصيدة (مجموعة قصائد من عصور الحبّ).

ففي المقطع الأول تجري القصيدة من أول كلمة إلى آخر كلمة على تفعيلة "فعلن"، وفي الثانية تجري القصيدة من أولها إلى آخرها على تفعيلة "متفاعلن"، وفي الثالثة تمضي القصيدة من بداءتها إلى نهايتها على تفعيلة "مفاعلتن".

والصعوبة في هذا النوع تكمن في الحفاظ على التفعيلة وفي الوقت نفسه إبقاء المعنى متواصلاً فلا تفقد القصيدة وحدتها وانسجامها، وقد جاءت قصيدة "جدّي القديم" مثلاً بمثابة قصّة قصيرة موزونة. ولستُ أوّل من كتب هذا النوع في اللغة الفصحى، فمنذ الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي ظهرت عدّة قصائد من هذا الصنف، أذكر منها على سبيل المثال قصيدة الشاعر خليل الخوري "الشمس والنمل" التي يقول فيها: "الشمس عاليةٌ، صليب الشمس مرتفع، عذابُ الشمس حُمّى، أخطبوطُ الشمس ذو المليون رمح لا يكفّ عن العراك."

ولا أزال أشدّد على أنّ هذا الضرب من الشعر هو أصعبها إطلاقاً، فقد كتبتُ الشعر العامّي، وشعر التفعيلة، والشعر العمودي والشعر المنثور، فما وجدتُ شيئاً أصعب من الشعر المدوّر، ولا يعرفُ مقدار هذه الصعوبة إلاّ من كتب هذه الأنواع معاً وخبِر التجربة.

وقد سألت نفسي مرّة: لماذا لا يكتب أحدهم قصيدة مدوّرة عاميّة؟

وكنت أعرف أنّ الشعر العامّي لا يختلف بأوزانه عن الفصيح، فراودتني الفكرة، مع العلم أنّ في جماعة الشعر العامي مَن يعتقدون أنّ جميع ما يُكتب من هذا الشعر هو الزجل، ويعتبرون أنّ الحفاظ على الزجل واجب مقدّس، وأنّ الشعر الزجلي لا يجب أن يُمسّ.

ولكن بما أن شعر الشروقي، وهو شعر عامّي لبناني، ليس من الزجل، بل هو نوع متفرد، وكذلك الروزانا والدلعونا والهوارة... فما الذي يمنع أن أضيف إليها نوعاً؟ وهل يغصّ البحر إذا شرب الساقية؟ وأين هي شجاعة الشاعر وفروسيّته إذا كان يخاف من المسّ بالمقدّسات؟

إن الثورة في العمل الأدبي هي قمّة الأدب، ولذلك لا أستطيع أن أتصوّر نفسي جامداً ذات يوم في إطار محدّد سلفاً، وفي اعتقادي أن أدبنا المهجري في أستراليا، كأي أدب آخر يحتاج إلى صرخة، وإلى انتفاضة متتالية، لكي لا يدخل في الجمود والتحجّر. كما أنني منذ جئت إلى أستراليا في عام 1988 أعيد القول إنّ على الأديب أن ينوّع في أعماله، بين الشعر والقصة والفكر والفلسفة والتاريخ لكي لا تتوقف عجلته عند حاجز معيّن، وكي يثبت جدارته عندما تصحّ المقارنة ويكون التقويم مرتكزاً على أسس أكاديمية وموضوعية لا علاقة لها بالتبخير والمديح الذي يبعث على الغثيان.

من هنا كانت القصيدة العاميّة المدورة التي أراها مرحلة جديدة في تحديث الشعر العامّي ضمن إطار الوزن، مع استخدام قليل من القوافي داخل النصّ، أو عدم استخدام القوافي إطلاقاً... كما أراها نوعاً من التحدّي لنفسي أوّلاً، باعتبار أنّ من يبتكر المادّة هو المسؤول عن الحفاظ عليها وعن الإضافة والتطوير في مكوّناتها. وتلك القصيدة، على الرغم من تجهيلها وطمسها والتخفيف من قيمتها بدافع الخوف والجبانة، هي اكتشاف لبنانيّ أصيل، مُسجّل باسم القارّة الأسترالية والأدب المهجري، وهذه حقيقة دامغة لن أضعها تحت مكيال مراعاة لخواطر مَن يعانون من عُقد نفسيّة، ومن رعب ظاهر لا يخفى حتّى على العميان.

 

 

بيتِك حلو

(القصيدة الأولى من المدوّر العامّيّ التي أطلقها الشاعر والأديب اللبناني المهجري د. جميل ميلاد الدويهي من أستراليا عام 2015)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بيتـِك حِلو، وجْنينتو كِلاّ عطر، قبل الفجر، وفراشتين زغار غَطّو عالزهر. ما تْسَكّري الشبّاك، تا يبْقى معي شويِّة أمل. تا قـُول ما عندِك زعَل. نحنا قبل ما نخْلق خلقنا سوا، ولولا ما نحنا نكون ما هَبّ الهوى. يا زْغَيّره، والكعب عالي متل بُرج الما انحنى. قدّيش عم غنّي لكي بيوت العتابا وميجنا:

يا ريتْ فِيّي عرفتْ مـَــرَّه شو بكي؟           قلبي عَذابو طال عـُمرو، وشو بِكي

تلْجِك غمرني، وكنت حابب شَوْبِكي           وفصل الخريف احتلّ شمس قلوبنا...

 

عم تِسْمعي، والاَّ أبوكي مسكّر عليكي البواب؟ عم تقْشعيني واقف بقلب الضباب؟ صفّيت عندي فوبيا كلما حدا عا بابِك المغلوق دقّ وتِفْتحي... لا تِفْتحي... شو بْغار عالخصر الحلو، من وين جبتي شفّة المعْمول؟ من قَصْر الحلو... والنحل عنّو بيسألو. لا تفتحي... لولا حدا بتحْكي معو... معقول أخْوت صِير... عقلي مش معي، وْلا في حَدا، ولو كان عالعكّاز عم يعرُج أنا بتْحمّلو.

 

بْتِمشي ومعِك ماشي أنا من غير ما عم تعْرفي. بتتلبّكي، وعيونِك المتل العتِم، ما بيلمَحوني، بحيث روحي وحْدها بتمشي، وأنا صفّيت ما عندي جَسد. متروك جسمي مطرح الما في حَدا، بغابات ما فيها صدى. ولأيش بدّي كون من طين وحجر؟ محبوس فِيّي، والعُمر كمْشة ضجر. رُوحي كلام الشعر. زهْر المَرْيمي. ضَوّ الشمس. عصفورة اللي فوق خَيمِة ياسمين. روحي سما وبلاد من شمْع وحَنين. وإسمي ما بدّي تعْرفي، مكتوب إسمي عالوَرق: شاعر حزين... يمكن حَدا من الناس قبلي استعمَلو.

 

عم يسألوني ليش غيرِك ليش ما بعرِف بشَر؟ صورَه وحيده مصوّره إنتي... وما بقْشع غيرها بين الصوَر. علّقتها بحيط العتم صارت قمَر. وبْقول بين الناس: إنتي مْرايتي، وكحلة عيونِك متل سيف اللي انْشهر. ما شفت قبلو سيف بيقصّ الحجَر... ويْخبّروكي خْبار عنّي ملفّقه... لا تسْمعي، وقولي: أنا حبّيت شاعر قال عنّي زنبَقه. مَنّو متل كلّ الرْجال. مجبول من سحر القصايد والخيال. مبارح غمَرْني وحطّ عا كتفي من الإبداع شال... وهيدا اللي جايي من السفَر... قالوا غَني، وعندو خدَم وقصور أوسع من دِني... لكنْ أنا مَنّي إلو... إنتَ الوحيد الوقت ما عرفتَك ما بعْرف شو بِني، وغيرَك إذا جاب الدهب، عا جْمال من هون لحَلب، كرمال عينَك إنتْ مش رح إقبَلو.

 

وهيدي القصيده كتبتْها خْصوصي لِكي، وحبّيت إنّو تكون أحلى من الكلام. وهلّق بيقولو: وَين أوزان الخليل؟ هيدا شعر أو نثر؟ أو فكرة جميل؟ وبيتلْفنو تا يسألو: مين الإنتْ حبّيتها؟ شو إسمها؟ ومِن وين جايب هالحكي؟ وبقول: عبلَه. هند. ليلى. جولييت... فيكُن بعد تتصوّرو أحلى مَرا، كرمالها بقطع بحور من البـِكي، تا تْحطّني عا صدرها، وغنّي لها "عالليلَكي "... وتِضْحك إلي... وما شوف دمعَه فوق رمش عيونها، وعيونها غابات سودا، خَوخ من أعلى جرِد، بيمَوّتوني من البرِد. بزْعل أنا ميِّة سِنه... بزعل أنا قدّ الدِّني... وْلا بْريد أنّو يوم مِنّي يزْعَلو.

                                                                 جميع الحقوق محفوظة للأديب والشاعر  د. جميل ميلاد الدويهي       لأدب مهجريّ راقٍ