أنا المسيحيُّ
شعر جميل الدويهي

 

القصيدة التي كتبها الشاعر الدكتور جميل الدويهي في عام 2011، وأحدثت ضجة في الأوساط الثقافية بعد أن ألقاها الدويهي في أمسية شعرية في جامعة سيّدة اللويزة، ونشرت في مجلة NDU Spirit، ثم في مجلة صوت الشاعر، وعرضت في كثير من المدارس اللبنانية ليقرأها الطلاب، ويستمعوا إلى صوت المسيحي المتمسك بأرضه، وصوت الإخاء الإسلامي المسيحي الذي لا غنى عنه، من أجل حياة حرة وكريمة، وإنسانيّة فريدة في وطن الآباء والأجداد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


أنـــــا المسيحيُّ في فكْري، وفـي دِينـي                لستُ الغريبَ، لا مــــــــــن أُمّةِ الصينِ
أنــــــــــــــا القديمُ هنا، بيتـي على جبلٍ                وفي ثيابي نـَـــــــــدى التفّاحِ، والتينِ...
أنــــــــا المسالمُ، هـــــذا خُبزُ مائدتي...               كأنَّـــه قمَرٌ في ليلِ تشريــــــــــــــــنِ...
أنـــــــــا المحبُّ الذي أعطــى لكم كتُباً،               وأنقذَ الشرقَ مــــــــــن بطشِ السلاطينِ
كبرتُ بين حقولي، فالبيادرُ مِــــــــــــن               حولي،  ومِـــــــن غلَّتي قمحُ المساكينِ

والنبعُ يسكبُ لـي مـــــــــاءً على شَفتِـي               والحَورُ مـــــــــــــن بيتِه العالي يُحيِّينـي

من أين جُبرانُ؟ مــن هذا الترابِ، ومــا              كلامُ جبرانَ مــــــــن مــــاءٍ، ومن طينِ
مِن أينَ أبطالُ هـــــذا العصرِ، مـن قممٍ               فيها الصخورُ، وفيها عطــــــرُ نسرينِ؟
أمـــا سمعتُم مِـنَ الأجدادِ عـــن "كَرمٍ"؟              أمــــــــــــــــا رأيتُم سماءً تحتَ صِنِّينِ؟
وحين كانت بلاد الشرقِ ضــــــــــائعةً               والناسُ كانــــــــــوا طعامـــــاً للزنازينِ
من هَهُنا انتفضَ الأحــــــرارُ، وانطلقوا              إلى الصباحِ على حَـــــــــدّ السكاكينِ...
أخافُ ممَّن؟ ولـي جـــارٌ يعيشُ معي...               فكيف يَطعنُ لي ظـهْــــــراً، ويُؤذينـي؟
وكيف ننسى بأنّ الله أوجَـــدنـــــــــــــا،              والله ميّزنــــــــا بالعطف واللــــــــينِ؟
وكيفَ نغتالُ تاريخـــــــــاً، ونسكنُ في               بيتٍ يقومُ على حِـــقــــــدِ الثعـــــــابينِ؟
المسلمونَ رفاقي، أهـــــــــلُ حاضرتي               أبناءُ مكّةَ، أحــــــــفـــــــــادُ الميامينِ...
قرآنُهم مثلُ نـــُـورِ الشمسِ فــــــي يدِهم              ونارُ قهوتِـــهــــــم دومـــــــــــاً تُنادينـي
لا. لا أخافُ، ولي عــــــــــرشٌ ومملكةٌ              والأرزُ فيهِ دمــــــاءٌ مـــــــــن شرايينـي
مرَّت جيوشٌ على أرضـــــــي، فما أخذتْ           منّي سلاحــــــــــاً، ولا احتلّت بساتينـي
يَرْوي المماليكُ كيفَ الحــــربُ أدخُلُها               وكيف يلمعُ رُمحي فـــــــــــي المياديـنِ
عندي كما الليلُ خيلٌ في حــــوافرهـــا               صـــــــوتٌ رهيبٌ كأصواتِ الطواحينِ
إنَّ السيوف التـي كانت تصيحُ هُنـــــــا               مــــــا زال منها بأضلاعي، وتكوينـي
ومــــــــــا أزالُ على الأقدارِ منتصِراً،               فالمجدُ يأخذُ مـــــــن كَفّـِي، ويُعطينـي
أنـــــــــا القويُّ، الذي في الريحِ قامتُه                 يُمْحى الوجودُ، ولا تُمْحَـى عَناوينـي.

 

تعليق الدكتور عصام الحوراني على قصيدة أنا المسيحيّ

أنا المسيحيُّ: يُمحى الوجودُ ولا تُمحى عناويني

الدكتور عصام الحوراني

 

عنوان قصيدة، وخاتمتها، للشاعر د. جميل الدويهي، ألقاها في جامعة سيِّدة اللُّويزة في 20 تشرين الثاني 2011. قصيدة تستوقفك بمبانيها، وجرسها، ومعانيها التي تستأنف إلى تاريخ ينبض حيويّة، ويتشظّى منائر تشعّ في كلّ أرجاء المعمورة، إلى ماضٍ عريق، مثمِر فاعل، ربّما قد نسيه بعضهم أو تناسوه في عالم الكذب والرياء هذا. هذه القصيدة تثير فيك همّة الكتابة، وتشحنك بطاقة الخلق والإبداع.

 

قال الشاعر مستهلاً قصيدته:

أنا المسيحيُّ في فكري وفي ديني أهلي مِنَ العُربِ، لا مِن أُمَّةِ الصّينِ (عدّل الشاعر الدويهي البيت فأصبح الكلام: لست الغريب ولا من أمّة الصينِ)

 

يحملني الشاعر الدويهيّ مع أهله العرب إلى أورشليم، عبر أكثر من ألفي سنة: "وفي اليوم الخمسين... وصارَ بغتةً مِنَ السماءِ كما مِنْ هُبوبِ ريحٍ عاصفةٍ، وملأَ كلَّ البيتِ حيثُ كانوا جالسينَ، وظهرَتْ لَهُمْ ألسِنةٌ مُنقَسِمَةٌ كأنَّها مِنْ نارٍ واسْتَقرَّتْ على كُلِّ واحدٍ من تلاميذِ المسيح، وامتَلأَ الجميعُ مِنَ الروحِ القُدُسِ، وابتَدأوا يتَكلَّمونَ بألسِنَةٍ أُخرى كما أعطاهُمُ الرّوحُ أَنْ يَنْطِقوا، فكانَ كلُّ واحدٍ مِنَ الناسِ هناكَ يسمَعُهُم يتكلَّمون بلُغَتِه... كانوا من كلِّ الأُمَم ومِنَ العَرَبِ يسمعونَهم يتكلَّمونَ بالْعَربيَّةِ بِعَظائِمِ اللهِ". (أعمال الرسل 2/1-10) ومضى بولس الرسول إلى الجزيرة العربيّة في مهمّته المقدّسة، فقال في رسالته إلى أهل غلاطية: "بل انطلقتُ إلى العَربيَّةِ ثمَّ رجِعتُ أيضاً إلى دِمَشْقَ". (غلاطية 1/17)

أنا القديمُ هُنا، بَيْتي عَلى جبلٍ وفي ثِيابي نَدى التُّفـّاحِ والتّينِ...

 

قال الملك القديم الشاعر سليمان بن داود يُخاطِب الحبيبة الطالعة من البريَّة مُستنِدة على حبيبها: "تحت شجرة التفـّاح شَوَّقْتُكَ هُناكَ، خطبَتْ لك أُمُّكَ هناك..." (نشيد الأناشيد 8/5)

وقال لها أيضًا وأيضاً: "هُلمّي معي من لبنانَ يا عروسُ معي من لبنانَ... تحتَ لِسانِكِ عَسَلٌ ولبنٌ ورائِحَةُ ثيابِكِ كرائحةِ لبنانَ". هذا اللُّبنان القديم المتجذِّر بأهله هو بلد الزيتون والتين: "والتّينِ والزَّيتونِ وطُورِ سينينَ وهذا البلدِ الأَمين..." (القرآن الكريم، سورة التين 1-3)

وقد طوت رائحة تُفـّاح الدويهيّ الآكام والفيافي وبلغت أبا نواس فقال:

سلافُ دنٍّ إذا ما الماءُ خالطَها فاحَتْ كما فاحَ تُفـّاحٌ بلبنانَ.

 

وطن شاعرنا، قديم قِدَم الزمان، وأساس بيته متين وثابت على صخور الجبل الصمّاء، لا تُزعزِع أركانَه الأعاصيرُ، من أيِّ جهة أتت، ومهما كانت عاتية وظالمة. ما يُذكِّرنا بعصر النهضة في أوروبّا وكيف بدأ مع مأساة سقوط القسطنطينيّة المريع في 29 أيّار من عام 1453. يوم دخل محمّد الفاتح قصر الأباطرة وقد تلا وهو يدخل هذه الآية الفارسيّة: "ينسجُ العنكبوتُ خيوطَه في قصر الأباطرة، وتُرسِل البومةُ نعيبَها الليليَّ فوقَ أبراج إيرازاب!" ... وكان فجر النهضة الليلكيّ قد بدأ يهزم الظلامَ والْبومَ مع أصداح البلابل فوق تلال روما وجبالها.

 

ويُتابع شاعرنا:

أنا المُسالمُ، هذا خـُبزُ مائِدَتي... كأنَّهُ قمَـرٌ في لَيْـلِ تِشْرينِ

هو المسالم بلا حدود، كما في الموعظة الخالدة على الجبل، ولكنّ يسوعَ "دخل هيكل الله وأخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل، وقلب موائد الصيارفة وكراسيَّ باعة الحمام، وقال لهم: مكتوبٌ بيتي بيتَ الصَّلاةِ يُدْعى وأنتُمْ جَعَلتُموهُ مغارةَ لُصوص". (متّى 21/12-13) وخبز مائدة الدويهيّ المقمَّر هو رمز الشراكة والمحبّة، رمز الفداء والحياة الجديدة: "وفيما هُمْ يأكلونَ أخذَ يسوعُ الخُبزَ وباركَ وكَسَّرَ وأَعطى التَّلاميذَ وقالَ: كُلوا هذا هُو جَسدي...". (متّى 26/26)

 

أنا المُحِبُّ الذي أَعطى لكم كتبـاً وأنقذَ الشَّرقَ مِن بَطْشِِ السَّلاطينِ

 

نعم، هو المحبّ المعطاء، الذي ترجم ثقافة اليونان وعلومهم إلى لغتنا العربيّة، وملأ بها "بيت الحكمة" وبيوتَ العلم والفكر في أرجاء بلاد العرب، وهو الذي أسهم إلى حدٍّ بعيد في قيام العصر الذهبيّ العربيّ العبّاسيّ. هو المحبّ الذي حافظ على لغته العربيّة في زمن القحط العربيّ والانهزام واليباس وعصر الانحطاط. هم الرُّهبان أهل الحبّ الإلهي الذين لا تزال كتاباتهم المسيحيّة والإسلامية وباللغة العربيّة تملأ جدران الكهوف والمغاور حيث كانوا يتنسّكون في جبال لبنان. ولا ننسى مدارس: عينطورة 1734، عين ورقة 1789، والمدرسة الوطنيّة 1863 للمعلِّم بطرس البستاني، والبطريركيّة 1865، والثّلاثة الأقمار 1866، والحكمة 1876 وغيرها... في زمن لم يكن فيه في البلاد العربيّة سوى عدد من "الكتاتيب" في مصر، و"الأزهر" الذي كان يهتمّ بالعلوم الدينيّة فقط. أمّا الصحافة فحدِّث ولا حرج عن دور اللبنانيّين الرائد في هذا المجال، منذ "حديقة الأخبار" 1858 لخليل الخوري، وقد جاوز عدد الصحف حتى خروج العثمانيين المئتين، وأصحابها لبنانيّون، منهم: رُشيد الدحداح، المعلِّم بطرس البستاني وابنه سليم، يعقوب صرّوف، فارس نمر، خليل سركيس، سليم وبشارة تقلا صاحبا "الأهرام" في مصر، شاهين مكاريوس، جرجي زيدان...والأسماء كثيرة جدًّا ومبثوثة في المراجع المختلِفة.

 

هذا المسيحيّ الدّويهيّ اللبنانيّ المسالم الذي يأكل خبزه بعرق جبينه، فيزرع حقوله بفرح، ويملأ بيادره بالغلال والخيرات، هو المعاند أبداً، المتعالي كصنّين وأرز جبران، بعنفوان أبطاله الأحرار الميامين الذين يعرف التاريخ صولاتهم وجولاتهم ذوداً عن الحرّيّة والوطن والكرامات، هذا اللبنانيّ المتسامق كما الحور على ضفاف السواقي والجداول والينابيع، وكما الإهدنيّ المقاوم البطل يوسف بك كرم، على صهوة جواده فارساً مغواراً يُجابه الألوف فينتصر ولا ينحني أبداً.

 

أعيشُ بينَ حُقولي، فالـجَداوِلُ مِـنْ صُنْعي، وفي بَيْدَري قمـحُ المساكينِ (عدّل الشاعر الدويهي البيت فأصبح الكلام: كبرتُ بين حقولي، فالبيادرُ مِــــــــــــن               حولي،  ومِـــــــن غلَّتي قمحُ المساكينِ

والنبعُ يَسكُـبُ لي ماءً على شَفتِـي والْحَـوْرُ مِنْ بيتِـه العالي يُحيّيني

مِن أينَ جبرانُ؟ من هذا التُّرابِ، وما كـلامُ جبرانَ مِـن مـاءٍ، وطيـنِ

مِن أينَ أبطالُ هذا العصرِ، مِـنْ قِمَمٍ فيها الصُّخورُ، وفيها عطـرُ نسرينِ؟

أما سمِعْتُـم مِنَ الأجدادِ عن "كَـرَمٍ"؟ أمـا رأيتُـم سماءً تحـتَ صنّيـنِ؟

وحينَ كانت بلادُ الشَّـرقِ ضائِعَـةً والنّاسُ كانوا طعامـاً للزَّنـازيـنِ

في أرضِنا وُلِِدَ الأحرارُ، وانطَلقـوا إلى الصباحِ على حـدِّ السّكاكيـنِ

 

هذا اللبنانيُّ المسالم، كما الرّهبان الذين أشرنا إليهم، وكما شاعرنا الدويهيّ، يربأ بنفسه أن يتلفّظ بطائفيّة مبنيّة على الأحقاد والأطماع والمصالح، فالله في دينه واحد أحد لكلّ الناس، هو المؤمِن بمسيحه، إيماناً لا يتزعزع، ويجعل من موعظة المحبّة المطلقة والتسامح بلا حدود، شعارَه في حياته وفي تعامله مع جيرانه إلى أيّ دين انتموا. بيد أنّ الحزازات الطائفيّة التي اتخذت في السنوات الأخيرة ألواناً متنوِّعة، وتبدّت بأشكال مختلِفة من إرهاب يطال الجسد كما يطال النفس، وكثُر الكلامُ على أقلِّيّات وأكثريّات، وخوف وتخوينٍ وتخويف، وقلق يُساوِر الأنفس. فكانت هذه القصيدة في أوانها، تطرح القضايا بكلّ شفافيّة وبجرأة عوّدنا عليها شاعرنا، وحسبك أنّه أصيلٌ عريق من ذاك العرين الإهدنيّ الأبيّ:

أخافُ مِمَّن؟ ولي جارٌ يعيش معي... فكيفَ يَطعَـنُ لي ظهراً، ويُؤذيني

وكيـفَ نَنْسى أنّ الله أَوْجَدنـا، واللهُ وحَّدَنـا مِـنْ عَهْـدِ قـايينِ (عدّل الشاعر الدويهي البيت ليصبح الكلام: والله ميّزنا بالعطف واللينِ)

وكيفَ نغتالُ تاريخـًا، ونسكنُ في بيتٍ يقـومُ على حِـقـدِ الثَّعـابينِ

المسلمونَ رِفاقي، أهلُ حـاضِرَتي أبنـاءُ مكَّـةَ، أحـفـادُ الميامينِ

قرآنُهم مِثلُ نورِ الشمسِ في يدهِـمْ ونـارُ قهوتِـهم دوْمـًا تُـناديني

لا، لا أخافُ، ولي عـرشٌ ومملكةٌ والأرزُ فيـهِ دِمـاءٌ مِنْ شَرايييني

مرَّ الملوكُ على أرضي فما أَخَذوا مِنّي سِلاحـًا، ولا احتَلّـوا بساتيني

يروي المَماليكُ كيفَ الحربُ أدخُلُها ويُخبِرُ التُّـرْكُ عنـّي في الميادينِ

عندي كما الليلُ خيلٌ، في حوافرها صوتٌ رهيبٌ كأصواتِ الشياطينِ

إنَّ الرِّماحَ التي كانت تَصيحُ هُـنا ما زالَ منها بأضلاعـي، وتكويني

وما أزالُ على الأقـدارِ مُنتَصِـرًا فالمجدُ يأخـذُ من كفـّي ويُعطيني.

الخيل، والرماح، والحرب، والمجد والانتصار هي من موروثات الإهدنيِّين المؤمنين بثبات الجغرافيا والتاريخ، فكأنَّ قاماتهم قدَّت من صخر وارتكزت على صخر أيضاً. ومن هذا التأكيد على حقيقة الوجود، يطرح الشاعر سؤالاً مُلحّاً: أخاف ممَّن؟ وهذا السؤال هو في الواقع تعبيرٌ عن استنكار في وجوه مَن يحاولون تخويف المسيحيِّين في الشرق من إخوانهم، وإخوانهم ليسوا في قصد تخويفهم، ولا هم في قصد الرضوخ لمنطق الترهيب. وقد نسي مَن يصطادون في الماء العكِر عهود الأمان والوفاء بين الجيرةِ المتحابِّين، فها هو الخليفة عمر يُعطي المسيحيِّين عهداً "لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملَّتها أنَّه لا تُسكَن كنائسهم ولا تُهدَم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحـد منهم..." (أورده الطبري)." ولمَّا دخـل أمير المؤمنين إيلياء تلقَّاه البطريق صفرونيوس وكبراء المدينة، فتلطَّف بهم وأدناهم وتحدَّث إليهم حديثاً أدخـل محبَّته فـي قلوبهم، فقد رأوا منه الصدق في مـا أعطاهم من الأمان. وجـرى أن أدرك موعـد الصلاة عمراً وهـو مـع البطريق صفرونيوس في كنيسة القيامة، فطلب إليه البطريق أن يصلِّي فيها، فهي من مساجد الله، واعتذر عمر بأنَّه إن يفعل يتبعه المسلمون على تعاقب القرون، إذ يرون عمله سُنَّة مستحبَّة، فإذا فعلوا أخرجوا النصارى من كنيستهم وخالفوا عهد الأمان. (أورده الطبري).

الديانات جميعها ثقافات متجانسة تمتدّ بجذورها إلى الماضي البعيد والتّاريخ المُغرِق في القدم، وتخُصّ الله الأزليَّ الذي لا يحدّه زمان ولا مكان: "والله وحّدنا من عهد قايينِ"، فلِمَ التفرقة بالعصبيّات البغيضة، كيف ننكر التاريخَ الذي في أزمنته توحَّدْنا، وترافقنا، وتشاركنا تحت شمس واحدة؟ مع تفكّك الحكم العثماني كان المسيحيّون روّاد القوميّة العربيّة الصافية، القوميّة التي لا ترتبط بالدين، أيّ دين، أي بفصل الدين عن السياسة، السياسة المعاصرة التي تلبّي حاجات الإنسان المعاصر. ويشدّنا الشاعر الدويهيّ في هذا السياق إلى كلام للمعلِّم بطرس البستاني ابن القرن التاسع عشر الذي كتب في "الجنان" 1870 عدد 1 "أنه لا يُمكن أن يقوم الحكم الصالح إلا بفضل اشتراك الجميع فيه، وفصل الدين عن السياسة، وفصل السلطة القضائيّة عن السلطة التنفيذيّة... وإقامة العدل والاتحاد بين أبناء الأديان المختلِفة، وتقوية الشعور الوطنيّ الموحِّد..." وتحضرني أيضًا في هذا الصدد الوصيّة الثامنة لأمين الريحاني التي كتبها في أيلول سنة 1931، ويقول فيها: "إنّ الوَحدةَ العربيّةَ المؤسَّّسَةَ على القوميّةِ لا على الدينِ هي وَحدةٌ مقدَّسةُ فأوصيكم بها. واعلموا أنّ لا خلاصَ للأقلِّيّاتِ من ربقةِ الأجانب، أو في الأقلّ من التدخّلِ الأجنبيِّ، إلاّ باتِّحادِهِم معَ العرب، بل بامتزاجهم بالأكثريّات امتزاجاً عقليًّا أدبيًّا روحيًّا، فتصبحُ البلادُ ولا أكثريّات فيها ولا أقلِّيّات. واعْلموا كذلك أنّ لا مستقبلَ مجيداً للعرب ولا وَحدة عزيزة شاملة بغيرِ الحكمِ المدنيِّ الديمقراطيِّ القائمِ على العدلِ والمساواةِ بالحقوقِ والواجبات. واعلموا أخيراً وتأكّدوا أنّ في الدولة العربيّة الكبرى ستضمحلّ العصبيّات الدينيّة والطائفيّة كلها، أو ستنحصِر في دوائرِها الخاصّة بها ولا تتعدّاها. وسيقومُ مقامَها في الوطنِ عصبيّةُ الجنسِ واللّغةِ والثقافةِ، وقد ارتبَطتْ كلُّها بالمثلِ الإنسانيِّ الأعلى، وبالمصلحةِ المشتركةِ المتبادلةِ بين الأهالي جميعاً على السواء".

ثمانون عاماً عبَرَتْ على وصيّة الريحاني، فمن وُلِدَ زمانها صار شيخاً عجوزاَ يتوكَّأُ على عصاه، والوصيّةُ نفسها ما زالت صبيّة حسناء مراهقة، تختال بدلالها وغنجها، وتُحاول بخفر أن تتقرّب من شبّان العرب، وهم عنها لاهون، يتجمّدون عجائز في عصبيّاتهم وأفكارهم الموروثة والملتصقة بأعماقهم، وتراهم تائهين في صحراءَ قاحلة يلحقون بناقة هرمة، يلفُّهم اليأس والتبلُّد والقنوط وهم لا يشعرون. والأحرار يقفون في مهبّ الريح، رؤوسهم شامخة، تلفّـهم الحسرة، فيتنهّدون ويُردِّدون مع شاعرنا الدويهيّ، المؤمن بقوَّة الإنسان وثباته في وطنه:

أنـا القويُّ، الذي في الريح قامتُه يُمحى الوجودُ ولا تُمحى عَناويني.

إنَّ كلمة "عناويني" مفتوحة على جميع الاحتمالات: هي المكان، والزمان، والتراث، والثقافة، والتاريخُ، والنضال الإنسانيُّ من أجل البقاء... وعناوين أخرى كثيرة لا يطالها الزوال.

 

 

جميع الحقوق محفوظة للشاعر اللبناني المهجري الدكتور جميل الدويهي  لأدب مهجريّ راق