كتاب "رجل يرتدي عشب الأرض"

للأديب اللبناني المهجري د. جميل الدويهي

كتاب فكري رمزيّ


 


 


 


 


 


 


 


 

يا الله أنت حبيب عطائي

ليس لي فضل يا ربّ في ما أفعله في حياتي، فأنت أعطيتَني منذ صغري، وما أكتبه هو جزء من كتابتك الجميلة في عالم الإبداع.

لم تقلْ لي مرّة: "أعِد إليّ شيئاً من حصادي أيّها البخيل الجشِع"، وأنتَ لك الحقّ في أن تأخذ منّي جميع ما لديّ.

أنت يا ربّ من أعطاني الفكر لأبدع، والروح لأرتفع، والجمال لأعطيه للناس.

لولاك ما زرعت في حقلي سبعة أنواع من الشجر، لكلّ شجرة لون وطعم... وهناك من يتخايلون بشجرة واحدة، وأنا لا أتخايل. ولولاك ما حبّرت قصّة، ولا كتبت تاريخاً، ولا نشرت فكراً في أرجاء الأرض.

كنتَ معي عندما كنت في الثلاثين من عمري أتعلّم لغة لا أعرفها. تحت ضوء شحيح كنت أتعلّم. لم أدخل إلى مدرسة إلاّ مدرستك، ولم يكن لي معلّم سواك.

أخطأتُ فصحّحتَ لي، ولم تضربْني مرّة واحدة على يدي.

ما فعلتُه في حياتي كثير يا الله، لكنّه قليل قليل أمام فضلك عليّ، فما تركته على أوراقي هو قطرة في الكون، نقطة في المجرّات، قبس في أنوارك الهائلة. فكيف يجرؤ إنسان على التبجّح بما ليس من صنع يديه؟ وكيف يستطيع فلاّح أن يدّعي أنّه زرع في الأرض وحصد منها غلالاً واغتني، وأنت صاحب الكلّ، والأغنى من الغِنى، ولا تقول شيئاً عمّا تعطيه؟

هناك من يفتخرون كلّ يوم بما أنتجوه، وهو ضعيف وزهيد، فيا عجبي من جرأة الإنسان على تزييف الحقيقة!

ولو كان عادلاً لكان تصاغر وتحاقر وتواضع، بل لكان نظر في المرآة ليرى بعينه كم هو أقلّ من حجمه وأصغر من كبره.

وهناك مَن يرون الحقيقة قبل أن ينظروا في المرآة، فلا حاجة بهم إلى أن يخدعوا أنفسهم، وهؤلاء هم الذين يعطون بغير حساب، ويقولون عند كل عطاء: "هذا

هو عطاء الله وما لي شيء فيه. هذا هو خبزنا فكلوه، وهذا هو حِبرنا فاغتنوا منه".

وهناك من يرفضون المقارنة بين صوت الطائر الغرّيد ونعيب الغراب، فأولئك ولو نظروا في المرايا فلا يرون إلاّ ما يعتقدون أنّه صحيح، وللناس أعين ترى.

إسمعْهم يا ربّ من سمائك في كبريائهم وغرورهم، وهم أمام الشمس وهيبتها وكبرها، يرفعون إليها برجاً من أبراج بابل، لكي يأمروها بأن تشرق من غير مكان.

شكراً لك يا ربّي، لأنّك منحتني من حكمتك لأكتشف ما هو أبعد من الأبعد، والأعمق من الأعمق بكثير.

وشكراً لك لأنّك جعلتني أقول الحقيقة عن نفسي ولو كنت سأحاكمَ وأُدان، وفي المحكمة نفسها هناك مَن يكذبون ولا يدانون.

أعطني يا إلهي مزيداً من الإبداع، ومزيداً من الحقيقة، لأنّني لا أحتاج إلى شيء سواهما، فلا مال يعنيني، ولا مناصب ولا ألقاب، فالفارغ فقط هو الذي يطير في الهواء ثم يسقط، أما الممتلئ من نعمتك، والراجح بعقلك فهو الذي ينتصر، ولو ظلّ طول الحياة لا يعلو عن الأرض قيد أنملة.

المجهول


كان رجل فقير يبحث بين الرمال على شاطئ البحر عن شيء أضاعه، فمرّ بجانبه رجل غنيّ وسأله: هل أضعتَ شيئاً؟

أجاب الفقير: أضعت المجهول، وأنا أبحث عنه منذ ولادتي.

فقال الرجل الغنيّ: سأساعدك للبحث عنه.

وراح الرجلان يبحثان عن المجهول.

وصادف أن مرّ في المكان بحّارة ذاهبون إلى الميناء، فتعجّبوا ممّا يفعله الرجلان وسألوهما:

هل أضعتما شيئاً؟

فقال الرجل الفقير: نعم: أضعت شيئاً منذ ولادتي... هو المجهول، فهل تساعدونني لكي أجده؟

وقال الغنيّ: وأنا أيضاً، فقدتُ الكثير منذ كنت في مهدي، ومع أنّني أملك الآن أموالاً طائلة، فما أزال أحتاج إليه، فهل تبحثون معي لكي أجده؟

شمّر البحارة عن زنودهم وراحوا يقلبون الرمال والحصى، وتوجّه بعضهم إلى غابة قريبة لكي ينظروا بين الأشجار العالية... وغطس واحد منهم في ماء الخليج لعلّه يجد ضالّته في الأعماق.

كثر الناس عند الشاطئ. أصبحوا بعدد رمل البحار، ولكنّهم لا يزالون حتّى هذه الساعة يبحثون عن المجهول، ولا يجدونه.


​تعلّمت من السنة الماضية


يمضي عام ويأتي عام آخر، يولدان من أمّ واحدة هي دورة الأرض، وإذا توقفتْ أتوقّف عن السير، وأعطي سلاحي لمن يحرُسون الليل.

علّمتني السنة الماضية أن أكون أقوى على العواصف، متمسّكاً بالأمل والرؤية، أُتعِبُ التعبَ ولا أتعب، يغْرق البحر في البحر ولا أغرق فيه، ولا يُحبطُني إلاّ خالقي...

وتعلّمتُ أنّ الحرّيّة هي أثمن ما في الوجود.

الله هو الحرّيّة، وإذا فقدتُها فقدت نفسي، وانتهت قصّتي مع الحياة.

لم يبقَ من عمري أكثر ممّا مضى، وما بنيتُ حياتي عليه في الأرض.

لا عنعنات تخيفني، ولا كلام أجوف، وعندي هدف سأحقّقه طال الزمان أم ​قصر...

عندي حلم كبير.قالت لي السنة الماضية: إذا دُعيتَ إلى مأدبة غداء، وكان صاحب المنزل فرحاً لأنّك تأكل عنده، فعليك أن تأكل أكثر ليفرح أكثر، وإذا كان مغتاظاً، فعليك أيضاً أن تأكل أكثر ليزداد غيظاً...

وأنا أسمع الكلمة، وسأجلس إلى وليمة العطاء، لأكسر مزيداً من الخبز وأشرب مزيداً من الماء.

وقالت لي السنة الماضية أيضاً: يا بنيّ، هناك من يحبّونك، وهم كثر، فاعطِهم من الحبّ أكثر ممّا تعطي لذاتك، وهناك قليلون ممّن عتمت قلوبهم، ولا يرون في كلّ ما تفعله إلاّ البشاعة، وهم يبحثون عن أيّ نقطة سوداء لينبشوها ويبنوا عليها عمارات، فامضِ مع من يحبُّونك وتحبُّهم إلى منارة العطاء، لأنّ الله لا يحبّ الجمود... والأهمّ الأهمّ أنْ لا ترضخ إلاّ لما يُمليه عليك ضميرك وهدفُك الكبير، وقلبك الذي يناديك إلى الخير.

ونصحتْني السنة الماضية قائلة: إنّ العام الذي سيأتي من بعدي هو شقيق لي، وأريده أن يكون مغتبطاً بك، كما كنتُ مغتبطة من قبل. لقد أعطيتَني بيادرَ من فكرك، واحتفلتُ معك في عيد الحَصاد، ولا أريد لأخي أن يكون أقلّ حظّاً مني، فلتكن له بيادر قمح، وغلال وفيرة، وعِيد...

ابتسمتُ للسنة الماضية، وقلت: أنتِ تأمرين، وما تقولينه هو عين الصواب، فمتى كان النبع يتدفّق في سنة ويغور في التراب في سنة أخرى؟ ومتى كان الحقل يُغْني صاحبه في عام ثمّ يفْقره في عام آخر؟... لكِ منّي وعد وعهد بأن يكون لكلّ عام قناطير من يديّ، ومن عقلي الذي يعمل في الليل والنهار، وفي الصيف والشتاء، ولا ينام أبداً.

وخاطبتُ السنة الماضية قائلاً: أفعلُ كلّ ذلك يتواضع المتواضعين، ومحبّة المُحبّين، وسأعطي أعمالي للناس من غير أن أطلب شيئاً في المقابل... سأتعب ليرتاحوا... سأحترق ليضيء الفكر... سأظلّ واقفاً كما يقف الرمح في الهواء ليجلس المتعَبون وثقيلو الأحمال... وسأُعاني لكي يفرحوا...

وسأرسل إلى المدينة مَن يصيح بأعلى صوته: تعالوا إليّ أيّها الجائعون لكي أطعمكم، لأنّ عطائي ليس منّي، بل هو من الله الذي أعطاني.

وهمَستْ لي السنة الماضية بقول أسمعُه منها للمرّة الأولى: انتبهْ أيّها الرجل العنيد، وضعْ هذا الكلام حلقة في أذنك: إذا كنتَ تركض في سباق وسمعتَ وراءك مَن يجهشُ بالبكاء لأنّه لا يستطيع الركض، فلا تشفقْ عليه، ولا تتوقّف عن المضيّ في ما تريده وتسعى إليه بخُطى مستعجلة، لكي لا يصحّ بك وبه القول: الأوّلون آخرون والآخرون أوّلون... وعندما ينتهي السباق فقط، عُدْ إليه وساعدْه لينهضَ من كبوته.

وقالت: أريدك أن تتواضع ولا تنكسر، أن تنحني ولا تنهزم، أن تكون ليّناً ولا تستسلم.

وعلّمتني أيضاً أنّ المساواة حقّ وفضيلة، ولكنّها قالت بحكمة الواعي: لا يمكنُ المساواة في أمور كثيرة، كالإبداع والعطاء والجمال والقيَم، فالنور ليس كالظلام، والطائر المغرّد ليس كالضفدع، والصحراء القاحلة ليست مثل الكرْم الذي يفيض بالعناقيد والغلال. ولو كانت المساواة تصحُّ في كلّ شيء لبطلت المراتب، والمناصب، والشهادات، ومسابقات الجمال والتفوّق.

وسألتُ السنة الماضية: هل تسمح لي أختُكِ بأن أعمل وحيداً... فإنّني رجل عصاميّ منذ ولدتُ وأحبّ أن أحقّق النجاح لنفسي بنفسي؟

فأجابت بكلّ ثقة: يكون لك ذلك، ففي التاريخ أمثلة كثيرة عن أناس نجحوا وحقّقوا ذواتهم، والإنسان الحكيم يعرف مقدار قوّته ويبني عليها... ولكنْ لا تنعزل في كهف، ولا تحتقر العلم والتطوّر، ولا تبغض القيَم والفضيلة، ولا تفقد صلتك بالجماعة، وإذا كان فيك قبس ضئيل من النور، فاعطِ منه للذين تحبّهم ويحبّونك.

وعلّمتني السنة الماضية أيضاً أنّ جيوش العالم كلّها لا تستطيع أن تحاصر الكلمة، وأنّ حبة قمح واحدة قد تُطعم الجياع، أمّا الزوان وإن كان كثيراً فيلقى في النار.

كما علّمتني أنّ هناك فرقاً بين ثمرة جميلة، ناضجة، زاهية اللون، لكنّها مُرّة في طعمها، وبين ثمرة صغيرة يحسبُها العابرُ لا تصلح لشيء، وعندما يتذوّقها تفرح نفسه، ويغتبط قلبه، ويقطف منها المزيد...

نعم أيّتها السنة الماضية... لقد أعطيتِني أسلحة كثيرة، هي إيماني بالله، وإرادتي، وعلْمي، وإبداعي، وشغفي بالتنوّع في ما أقوم به من أعمال، ومحبّة الناس... وهي أسلحة لا تُباع ولا تُشترى، وبها أعتزّ لأنّها تنصرني في معركة الوجود.

بهذه الأسلحة نجحتُ أحياناً كثيرة، وأخفقتُ أحياناً، والنجاح يدفعني إلى مزيد من النجاح، أمّا الإخفاق فيحرّضُني على قتالِه ومحاصرته... حتّى أكسرَ شوكته.

ويا سنة تمضي لتأتي أخرى، لا تخافي ولا تحزني على رحيلك الموعود، فإنّ الزمن في رؤيتي هو خيط موصول، وكما أنّ قطرة الماء على صغرها تزيد من حجم المحيط، فأنتِ لا تتبدّدين ولا تزولين، وكما أنّ الصدى يتضاءل ولا يُمحى، فستبقين ذكرى جميلة، هي ذكرى ما صنعَه الناس لي، وما صنعتُه لنفسي وللناس... وسأظلّ أصنعه، حتّى آخر رمق من أحلامي... وآخر قطرة من سنواتي.


الخطيئة

كانت امرأة جميلةٌ تبيع جسدها على رصيف الشارع، وكانت تدأب كلّ مساء على المجيء إلى المكان نفسه، حيث تنتظرُ المارّة من الرجال لكي تعرضَ عليهم خطيئتهم، فتبيع ويشترون.

وكان في الشارع نفسه منزل فخم لأحد الأغنياء، وفيه امرأة محافظة، لا تخرج من بيتها إلاّ قليلاً، وهي متأبّطة ذراع زوجها، ثمّ تعود إلى المنزل نفسه وتغلق على نفسها الباب.

وذات عشيّة، أطلّت المرأة المحافظة من شبّاك بيتها، وخاطبت المرأة التي تبيع جسدها، قائلة: مضى وقت طويل وأنتِ على هذه الحال، فما أحسبك إلاّ سلعة رخيصة يتجاذبك الرجال ويلهون بك لهواً ثمّ يرمون بك جثّة هامدة ولا يعودون يطلبونك مرّة أخرى إلاّ لحاجة في نفوسهم.

قالت المرأة التي في الشارع: سامحيني يا أختي على سوء تصرّفي، ولو كنتِ تعلمين كيف أنّ الأقدار ساقتني إلى هذا الدرك من الانحطاط، لأشفقتِ على حالتي، وما تجرّأتِ على لومي.

قالت المرأة الغنيّة: إنّ الجوع والعطش لأفضل بكثير من أن يصبح جسدك بضاعة في سوق البيع والشراء، أما سمعتِ الوصيّة التي تقول: لا تزنِ؟

بلى سمعتها، أجابت الأخرى، وهي تبتلع غصّة حارقة... وتابعت: سمعتُها لكنّني ضحيّة أنا أيضاً، فكلّما يموت جسدي على فراش، تموت روحي معه ألف مرّة... لقد جرّبتُ كثيراً أن أكون في حالة أفضل ممّا أنا عليه، فما وجدت إلى ذلك طريقاً.

وفي تلك اللحظة، مرّ في الطريق شابٌّ فقير، مهترئ الثياب، حافي القدمين، يبدو عليه الضعفُ والعذاب، فرأى المرأة الغنيّة في النافذة، فطلب منها قليلاً من الطعام، فنهرته وأقفلت نافذتها بغضب. ثمّ التفت إلى المرأة الثانية ولم يكلّمها، بل أراد أن يتابع سيره غير عابئ بها، لكنّها استوقفته وقالت له: إنّ معي قليلاً من الدراهم التي حصلتُ عليها للتوّ، وكنت أريد أن أشتري بها بعض الخبز لأطفالي الصغار... سأعطيك إيّاها.

قال الشابّ، وقد بدت على وجهه النحيل علامات العجب: كيف ستطعمين أولادكِ يا امرأة، إذا وضعتِ النقود التي معكِ في يدي؟

أجابت المرأة: إنّ الله لا يتركني، وبفضله سأجد طريقة لإطعام صغاري.

وبينما كانت المرأة تأخذ نقودها لتعطيها إلى الشاب، ابتسم ابتسامة رقيقة وقال لها:

إن الله نفسه سيتدبّر أمري أنا أيضاً. اعيدي نقودك إليك، فأنتِ تحتاجين إليها أكثر منّي، ولكنْ ثقي يا امرأة أنّ خطيئتَكِ خلّصتكِ.

قال ذلك وغاب في عتمة الشارع.

لماذا خلقت الحاقدين؟

خلقتَ لنا يا ربّ الحاقدين، لنزدادَ حكمة ويزدادوا سقوطاً.

خلقتهم وفي عيونهم نار ولهب، لكي يلاحقوا البسطاء والأنبياء، وينفثوا ما في صدورهم من ضغينة.

خلقتهم مرضى ومشوّهين وعابدين للضلال، فهم يخافون من كلّ نجاح، ويطاردون من يفوقهم قيمة وفكراً ليطعنوه في الصميم ويكيدوا له المكائد.

خلقتهم لكي يعيثوا في الأرض فسادًا، ولكي يخنقوا الفكر في مهده قبل أن يفضحهم بالنور والفضيلة، لذا نراهم متربّصين على كلّ مفترق ليقتلوا ويشنِّعوا، فلا مكان ولا أمان لمن يفوقهم علماً ورقيّاً وإبداعاً.

خلقت لهم الكبرياء، لكي ينظروا إلى مرآة أنفسهم، ويروا أنّهم أكبر من الناس وأعتى، وهم في الحقيقة ضعفاء، وقطّاع طرق، وصغار صغار.

خلقتهم ليتظاهروا بالصلاة والعبادة، وعلى شفاههم لعنات، وفي قلوبهم شتيمة.

خلقتهم على صورتك ومثالك، ولكنّهم في أعماقهم شياطين، وفي أنفاسهم وباء.

خلقتهم وأنت تعلم ماذا سيكون منهم... وتعرف أنّ الذين يحبّون ويتواضعون سيكونون ضحايا.

خلقتهم لا يعرفون للرحمة معنى، ولا للوفاء قيمة، ولا للحياة ثمناً...

وخلقتنا نحن لكي نكون الوردة التي تعطي للصباح عبيراً، وتتأرجح على أجنحة النسيم.

نحن قبلة الشمس على الماء، ومن أيدينا حصاد وأمل... نعطي كالينابيع، ونغنّي كالبحار، ونسجد كأغصان الشجر.

نحن الربيع وعطره، والعصفور وسحره، والأرض وحصادها.

نحن مناجل الفلاّحين، وأناشيد الرعاة، وذهب الدوالي...

نحن معابد الروح التي ترتفع إلى حيث لا تطال عيونهم الشرّيرة وأفئدتهم الحاقدة.

نحن القصائد المعلّقات التي كُتبت بماء الذهب ولن تمحوها أظافر التشويه والعبث...

ولن يستطيعوا مهما طالت قاماتهم وارتفعت أن يعلّقوا قصيدة على حبال النور، ويوقّعوها بحبر القيامة.

نحن نفور بالغلال كلّ يوم، ومن خوابينا نسقي العطاش...

وعندنا كنوزٌ لا يفنيها الحقد، ولا يقتلها الشرّ المتربّص كلّ حين.

خلقتنا هكذا يا ربّ، لا نتكبّر على أحد، ولا نسيء إلى أحد، فإذا أساء إلينا الآخرون سقطوا، وكان سقوطهم عظيماً.

فاعطهم يا ربّ بعد أن يحقدوا، وأن يحفروا لنا الحفر، وامطرْ عليهم من السماء معاول ورفوشاً لكي ينزلوا في الأرض عميقاً، فهم إنّما يحفرون لأنفسهم، وينتظرون مآتمهم.

وسنبقى في النور الذي أعددتَه للمحبّين، أولئك الذين يرتفعون إليك بأجنحة الملائكة، ويسكنون بجوارك في بيوت من فرح وضياء.

واعطِنا كلّ يوم أن ننجح، وأن يكون لنا انتصار، ليتحرّقوا في معابد الشرّ والهزيمة، أمّا المعابد التي أعددتها لنا، فسترتدي كلّ يوم حلّة جديدة، وكلامنا سيكون مذابح للمصلّين، ومحاريب للعابدين، وسنكون منارة للروح والعقل لأنّك خلقتنا هذا، نوراً من نور، وأردتنا أن نكون هكذا، عطاء من عطاء.

نحن يا ربّ نعرف لماذا خلقت هؤلاء الساقطين الراسبين: خلقتهم ليكون لهم في كلّ يوم انكسار، ويكون لنا في كلّ يوم مجد وكبَر.

خلقتهم كأعمدة سوداء محنّطة تضربها الرياح والشموس فلا تتحرّك، وخلقتَنا أزاهير ملوّنة تفرش عطرها على النسيم، وترتقص في الوهاد التي لا تُحدّ.

نشكرك يا ربّ لأنّك خلقتهم وخلقتنا. فبقدر ما هم خائفون ممّا نعطيه، نحن لا نخاف من شرورهم...

وبقدر ما هم مبدعون لأساليب القتل والترويع، نحن مبدعون للحياة التي لا تموت.

ونحن نحبّهم أقوياء وعُتاة وجبابرة، لأنّنا نحبّ أن نهزم القويّ بأغنية عذبة، ونطعن الفاجرين بكلمة طيّبة، ونُقعد الجبابرة بأرواحنا التي تهيم في الخلود.

لهم الرحيل الطويل ولنا الحياة...

لهم الظلام ولنا الكواكب المشتعلة...

لهم صرخة ألم، ولنا وقفة مجد في العصور، حتّى تنتهي العصور .

رجل يرتدي عشب الأرض


شاهدت خلال أسفاري البعيدة، رجلاً يرتدي عشب الأرض، ويقيم ليلاً ونهاراً تحت سنديانة عتيقة، فلا بيت يؤويه، ولا أناس يعرفهم، فتعجّبت من حاله، وظننت أنّه من البشر الأقدمين، وقد فاته أن يسير في ركب الحضارة والتمدّن. وعندما سألته عن حياته، وكيف يعيش، ومن أين يأكل ويشرب، قال لي إنّه لا يحتاج إلى طعام وشراب، فهناك الكثير منهما في هذه الناحية، حيث الحقول مزروعة بالأشجار المثمرة، والغابة فيها كثير من التوت البرّي والينابيع الدافقة.

وسألت الرجل أيضاً عن لباسه الغريب، فقال إنّه كان يعيش في مدينة غير بعيدة من هنا، وكانت له أرض يزرعها، وكوخ صغير يقيم فيه، وذات يوم فكّر أن يذهب إلى ساحة المدينة لكي يعيّد مع المعيّدين، ولم يكن عنده ثوب جميل، فطلب من السماء أن تعطيه ثوباً، فضحكت السماء، وقدّمت إليه قطعة قماش من الحرير الأزرق، فجعلها رداء له، لكنّ أهل المدينة سخروا منه، وقالوا: أنظروا... هذا رجل يرتدي من الألوان ما لا يليق بالرجال، فعاد إلى كوخه حزيناً، وطلب

من الربيع أن يعطيه ثوباً، فابتسم الربيع وأعطاه قطعة من القماش فيها أزهار وأطيار وجبال عالية، فلبسها وتوجّه إلى المدينة مرّة ثانية، فتغامز الناس وقالوا: أنظروا، هذا رجل يرتدي من الثياب ما هو غير مألوف، فعاد الرجل إلى كوخه مرّة أخرى مهموماً. وصادف أن مرّ الليل من أمّام كوخه، فاستراح قليلاً على عتبة الباب، وخاطبه الرجل قائلاً:

أشفق عليّ أيّها الليل وامنحنى زيّاً أرتديه في العيد ولا يغيظ الآخرين. فقطع الليل من جلبابه قطعة من الجوخ الثمين وتركها عند الباب، فأخذها الرجل وصنع منها رداء أسود، وفي الصباح أخذ يسير إلى وسط المدينة، فرآه قوم يحملون أطفالهم الصغار ويمضون إلى معبد للإله، فقالوا له: أما قال الله: إفرحوا مع الفارحين، فكيف تلبس رداء أسود ونحن نفرح في العيد؟

ومنذ ذلك الوقت، أيقن الرجل أنّ لا مكان له في مدينته، فترك أهله وكوخه، وتوجّه إلى القفار حيث يعيش الآن، حيث لا يرى أحداً ولا أحد يراه، وكلّما جاء الصيف، ويبس العشب على جسده، يسير عارياً فلا يشعر بعيب، ولا يموت من خطيئة.

أطفال لا دين لهم


يوم وُلد الطفل الوحيد لوالده الحائر، أسماه ممكن، وفرّ به تحت جنح الظلام إلى جزيرة بعيدة حيث يعيش قوم يؤمنون بالله ولا كتاب لديهم. فبحث عنه أهله طويلاً، وعندما عثروا عليه، طلبوا منه أن يعود إليهم، فليس معقولاً أن يعيش ممكن في بلاد لا يعرف أهلها، ولا يكون على دين آبائه وأجداده، فقال الحائر لأهله: إرحلوا عنّي أيّها الأشقياء، واعلموا أنّني أبحث عن خلاص هذا الصبيّ من خطيئته التي ورثها، ولم يكن له شأن فيها.

تعجّب القوم من كلامه، وقلبوا شفاههم، وأراد رجل منهم أن يضربه، لكنّ واحداً من الأقارب المسنّين منعه، وقال له: دعه وشأنه، فقد اختار الطريق التي لا توصل إلى الحقيقة، وهو سيدفع ثمن فعلته.

قال الحائر: إنّ الحقيقة في نظركم قد تكون باطلاً في نظري، كما أنّ الباطل في نظركم هو الحقيقة عندي، فإنّي صدقاً أقول لكم إنّ الباطل قد يكون الحقيقة نفسها، ولكنّ كثيراً من البشر لا يعرفون الفرق بينهما.

عاد أهله إلى بلادهم خائبين، وظلّ هو وممكن في الجزيرة.

كبر الطفل وأصبح شابّاً، وتزّوج امرأة من تلك الأصقاع النائية، وأنجب منها ثلاثة أولاد: فتاة اسمها الحقيقة، وصبيّان هما غريب وعاقل.

وبعد ثلاثين سنة، جاء بضعة من أهل الحائر الذين ما زالوا أحياء، لكي يعرفوا ماذا حلّ به في تلك الأرض، فقد مضى زمن طويل ولم يكتب إليهم، ولا عرف بمَن مات منهم ومَن بقي على قيد الحياة. وكان من بين الزائرين شابّ في العشرين من عمره. وسأله الشابّ عن الإله الذي يعبده، فقال له إنّ اسمه الله، فقال الشابّ إنّه الإله نفسه الذي يعبده. ثمّ سأله عن الكتاب الذي يقرأ به أولاده، فأعلمه بأنّ لديهم ثلاثة كتب هي المعرفة، والمحبّة والعدالة.

تعجّب الشابّ ممّا سمعه، وأخبر الحائر بأنّ أهل مدينته، في المقلب الآخر من الأرض، لديهم كتاب يقرؤونه ويؤمنون بما جاء فيه... فقال الحائر: جميل هو كتابكم، وقد تعلّمت منه كثيراً عندما كنت أعيش بينكم، وأحببته، ولكنّني جئت بابني إلى هذا المكان لكي يعبد الله، ويكون له نجاة من حبائل الخطيئة التي وُلدتْ معه من غير أن يدري، وعاشت إلى جانبه، ومعه تموت.

سأل الشاب: وكيف يكون ذلك؟

أجابه: أما قال الكتاب: من ليس ضدّنا فهو معنا؟

قال الشابّ: ماذا تعني؟

قال: أنا معكم لأنّني لست ضدّكم، أمّا ولدي وأبناؤه فلا يعرفون شيئاً عن العقاب وعن النار المعدّة للأشرار، وهكذا لن يكون لهم حساب في الآخرة، لأنّهم لا يعلمون بما علمْتم به.


اللاعنون

كان في إحدى المدن ملك عادل، تحبّه الرعيّة وتكرّمه. وكان ذلك الملك يخصّص في كلّ سنة يوماً لكي يحكم بنفسه على مَن هم أسوأ الناس وأكثرهم شرّاً.

وأسرّ أحد الجواسيس للملك في ذلك اليوم بأنّ هناك جماعة من االقوم يسكنون عند طرف المدينة، يلعنون الظلام ويشتمونه كلّما حلّ بينهم، فطلبهم الملك إليه وأراد أن يحاكمهم، فقال رجل منهم بعد أن طلب الإذن بالكلام: قد يكون ما يشفع بنا، يا جلالة الملك، أنّنا نضيء شمعة في الظلام بعد أن نلعنه، فنحن أفضل من أناس كثيرين يلعنون الظلام ولا يضيئون شمعة فيه.

فكّر الملك قليلاً ثمّ قال: هل تخبرونني أين يقيم هؤلاء، فأعفو عنكم؟

أخبر الجماعة مليكهم أين يقيم لاعنو الظلام الذين لا يضيئون شمعة فيه، فطلبهم

إليه، ولمّا جاؤوا وعلِموا بالعقاب الذي ينتظرهم، قالوا: قد يكون ما يشفع بنا، يا أيّها الملك الجليل، أنّ هناك جماعة من أبناء هذه المدينة يلعنون الظلام ويطفئون كلّ شمعة تضيء فيه.

تعجّب الملك من كلامهم وطلب منهم أن يدلّوه على المكان الذي يقطن فيه أولئك الذين يلعنون الظلام ويطفئون كلّ شمعة تضيء فيه، ولمّا حضروا إليه وأنذرهم بأنّ عقاباَ شديداً ينتظرهم، طلبوا الإذن بالكلام وقالوا: قد يكون ما يشفع بنا، يا ملكنا الأمين، أنّ هناك طائفة هي أكثر شرّاً منّا.

قال الملك: ومَن هم؟

قالوا: إنّهم جماعة يكرهون النور، ويجدّفون على الشمس كلّما أشرقت.

عندئذٍ طلب الملك من جنوده أن يعتقلوا مَن يكرهون النور ويجدّفون على الشمس، وينزلوا بهم أشدّ العقاب، وقال لحاشيته: ليس في الأرض كلّها أسوأ من هؤلاء، فإنّهم الأكثر شرّاً بين جميع الأشرار.


أسير معكِ إلى نهاية الزمان


لا أريد منكِ شيئاً. لا تعطيني من مال المحسنين.

لا تفتحي الشبَّاك عندما أعبر في الشارع، سريعاً كفكرة داهمة.

لا تقولي إنَّني أعرف الجهات الأربع، فإنَّني قليلاً ما أعرفها.

أكتفي برغيف خبز يابس وقطرة ماء. أعطيتُ ثيابي للفلاَّحين والرعاة، ولبستُ حصير الأرض وبرْد الجبال. ذهبتُ مع الصيَّادين على مركب وغنَّيت مع الموج.

كلُّ الناس يعرفون أنَّني متقشِّف مثل طاغور.

الصلاة معي، بين شفتيَّ، زرقاء مثل عظامي. والشِّعر قامتي.

ليس عندي بيت يؤويني، ولا طريق أسير عليه. الطريق غبار ودمار، وغالباً ما أتَّجه إلى اللامكان. إذا كان اللامكان هو أنتِ، فلا بأس بقبلة، بعناق طويل، بصورة داخل إطار، وعندها فقط لا يمكنكِ المغادرة.

لا أريد شيئاً لكن أريدكِ أنتِ. أن تكوني السماء والماء. البحر والمراكب. الأرض والهواء.

إذا لم تكوني معي، فلن أصعد إلى نجمة، ولن أعبر إلى كلمة... يصبح الكلام يباساً، والضوء عتمة.

يمكنني أن أسير معكِ إلى نهاية الزمان. إلى موت جماعي، لا يبقى فيه أحد سوى أنتِ وأنا، وبقيَّة من جمر في معبد التضحية.

أنا أكتب وهم يتكلّمون


أنا أكتب وهم يتكلّمون. عليّ أن أضيء لهم، أن أكون بابور كاز. شاحنة نقل أحملُهم على ظهري، صعوداً وهبوطاً. كلّما سعلوا أمجِّدهم. كلّما ناموا وقاموا إلى الصلاة. كلَّما تلعثموا أصفِّق لهم. أعمل مصفّقاً بأجر معقول.

يسيطرون عليَّ بالسحر والتنجيم. يتمتمون بكلمات لا أفهمها. نسيت فقه اللغة. نسيت أنَّني تعلَّمت الكلام. كتابتي باطون، أعمدة من خشب، أصباغ للأحذية...

لا ينزل عليَّ الوحي إلاّ عندما يأمرون.

يحتجزونني في علبة، يحرقونني بالأسيد.

يضعون عليَّ شروطاً لكي آكل من أرغفتهم، لكنَّني آكل الأرغفة وألتهم الشروط. غير قادر على الصمت.

ضفدعة في بركة. محرِّك ديزل لا يتوقّف عن الهدير. الرياح قامتي، والبرق من معجزاتي.

أنا أكتب والكتاب يصير زورقاً، والكلمات عاصفة من صنع يدي.

لا يقنعني أحد بأنّ التلوُّث فضيلة، لا تغسل دماغي مساحيق الغسيل.

أقول للأعمى أعمى في عينه. أقول للبحر: أنا أنزلتك عن يدي طفلاً وكبرتَ في غمضة عين. لو علمتُ أنّك ستصبح مشاغباً كنتُ أعطيتك لساحر، كنت أنقذتك من المدِّ والجزر. كنت علّقتُك في خزانتي وارتديتُك في ليلة العيد.

حزين أنا أكثر من الأمِّ الحزينة، والحبر مقبرة الحروف.

أصرخ من أعماق الأعماق والناس لا يسمعون.

أكتب وأكتب وأكتب... لكنّ المجد فقط لمَن لا يكتبون.

امرأة تعرفني

صادفت امرأة بَصّارة في شارع ضيّق لكنّه مكتظّ بالعابرين، وما كادت تراني، حتّى هتفتْ إليّ قائلة: بعد خطوتين من هنا ستلتقي بالنهار وتسير معه إلى البحر، وهناك سيتركك ويمضي في سبيله، فلا تذرف دمعة على غيابه.

وخطوتُ خطوتين، فرأيت النهار ورافقتُه حتّى اختفى عن ناظري.

وفي اليوم التالي مررتُ بجانب تلك المرأة، فقالت: بعد أمتار قليلة، ستجد الليل، وستسير معه طويلاً حتّى تتعب من السير.

وما هي إلاّ مسافة قصيرة حتّى تأبّطتُ ذراع الليل الذي كان يعرُج في المدينة، وعندما تعبتُ منه وتعب منّي، تركتي عند جذع شجرة ناحلة ومضى في سبيله.

وفي اليوم الثالث، قصدتُ المرأة، لكي أسألها عمّا سأراه في يومي، فقالت: على ذلك المفترق هناك، ستقف بين النهار والليل، فلا النهار يسعدك بأنواره، ولا الليل يحزنك بأسراره، وستبقى هكذا معلَّقاً بين الحزن والفرح، كما أنت معلّق بين الخير والشرّ في نفسك.

وعندما وصلتُ إلى المفترق، رأيتُ الليل والنهار يتصارعان، فوقفت بينهما ومنعتهما من أن يضرب أحدهما الآخر. وكان كلّ واحد منهما يدّعي أنّه الأصل الذي قد جاء منه الآخر.

لقد أصبحتُ الآن كبيراً في السنّ، ولا أزال أقف بين الليل والنهار. وفكّرت أكثر من مرّة في أن أعود إلى الشارع الضيّق، وأتزوّج من تلك المرأة التي أخبرتني بما سيكون لي، لكنّ بعض العابرين أخبرني بأنّها انتظرني طويلاً، وكانت هي أيضاً تريد أن تتزوّجني، وعندما تأخّرتُ عنها، مضت إلى بلاد بعيدة حيث اقترنت برجل آخر يشبهني، لكنّه رفض الليل، وتأبّط النهار، ولم يقف حائراً بينهما.

الشتاء

بعد سنوات من ولادتي، سألتُ نفسي عن الاسم الذي تسمّت به، فقالت إنّها لا تعرف. وصدفَ أن مرّ الشتاء في المدينة، فخرجتُ إليه وسألته: هل تعطيني واحداً من أسمائك؟

أجاب الشتاء بغضب: ليس لي غير اسم واحد، ولا أريد سواه. لكنّني إذا أعطيتك إيّاه، فسوف يخاف منك الناس، ولا يعود لك أصدقاء.

قلت له: ولماذا يخافون؟

قال: هل أنت تغضب مثل غضب رعودي؟ وهل في روحك عاصفة كتلك التي تهبّ على الأشجار فتقتلعها وتعرّيها؟

أجبتُ: عندي الغضب وعندي العاصفة، فماذا أريد أكثر؟

قال الشتاء: لو أعطيتُك اسمي، فإنّي أخاف عليك من الوحدة، فالناس يمجّدون الفصول الأخرى، ويتمنّون لو أنها تطول ولو أنّ أيامي تقصر وتنتهي. وهم يكرهونني

أيضاً ويمطرونني باللعنات، وكلّما برقت السماء أو رعدت يهرولون إلى منازلهم في رعب وقلق، وعندما أغدق عليهم بالمطر، تتجهّم وجوههم، ويحملون مظلاّت لكي لا يصيبهم البلل، فأشعر وكأنّني أسيء إليهم بدلاً من شعوري بالسعادة.

توقّف الشتاء هنيهة عن الكلام، بينما كنت أراقبه وأشفق عليه من الخيبة التي يشعر بها، وعندما أيقن أنّني ساكت وليس عندي جواب، أردف قائلاً: إذا كان اسمي يعجبك، فخذه، وستكون أنت أوّل من يتسمّى به في البشر.

صرخت بفرح عظيم: هل صحيح أنّك ستسمح لي بأن أتّخذ اسمك أيّها الشتاء؟

رعد الشتاء رعدة قويّة اهتزّت لها مفاصلي، وقال بصوت قويّ: خذه، فلعلّك تحمل عنّي بعضاً من اللعنات التي أصابتني في الدهور.

مضى الشتاء عنّي مسرعاً، ومنذ تلك اللحظة أصبح اسمي الشتاء، وصار أهل المدينة يخافون منّي كلّما مررت بجانبهم، ويلعنونني كلّما التقيت بهم، ولم يعد أحد  يلقي عليّ السلام.

هنا تسكن العاصفة

انتهى وقت الكلام، ورجعت إلى ذاتي التي تعرفني. مساحة من الوقت صارت في غابة الذكريات، خريفاً لا ينتهي، حكاية عن سنونوّة تركت بيتها ولم تعد.

ليس لديّ الكثير لأقوله، سوى هذا الصمت، على حافّة بئر عميقة.

تلك السنوات الجميلة غادرتني، وطفولة أحبّها هي أغلى ما عندي، أرقّ من أجنحة الملائكة، أطيب من العبير.

تعالي أيّتها الغابة، لكي نلعب معاً، أمزّق ثيابي في تلك الشجرة. لا تهمّني الأشواك، لا تؤلمني الجروح. وليأتِ القدر مرّة أخرى لأعطيه يدي. لأعطيه كلّ ما أملك.

الكثيرون غادروا، وسيغادرون، وقطار الأزمنه يمضي إلى البعيد، حيث لا أحلام تبقى، ولا عيون تدمع.

راضٍ أنا بكلّ شيء، بالملح على فمي، بالشقاء الذي لم يفارقني يوماً، وبالسفر إلى مدينة لا أعرفها. وتلك المرأة التي سرقت كتابي، ضحكتُ منها... وحزنتُ عليها، لأنّ صورتي ستؤلمها، ستخبرها قصّة لم تسمع بمثلها، والحبر سيكون محيطاً لا حدود له، ولا تنجو من غضبه سفينة.

أقفلتُ باب السخرية، وحملتُ مظلّتي، لأمضي وحيداً، إلى معبد صغير في ظلّ ياسمينة، عمّرتُه بيديّ المتعبتين، وكتبتُ على بابه: هنا تسكن العاصفة، لكنّ الشموع تضيء، ولا تنطفئ. هنا معجزتي الأولى التي حوّلتُ فيها الدمعة إلى وتر، والسكينة إلى أغنية.

أغطّي كلّ خيبة بابتسامة، كلّ ألم بوردة، فانظروا إلى وجهي، لتعرفوني، وكُلُوا من خبزي قبل أن أغادركم، فعلى التلّة هناك، لن تذكروا كلمة قلتها لكم. فأنا صُدفة مرّت في كتاب، وكلّ صدفة تمحوها الأزمنة.


عجبتُ من زمن

عجبتُ من زمن رأيت فيه الملوك يشْحذون على أبواب الفقراء.

عجبتُ من زمن يعتقد فيه بعض الناس أنّ ما معهم من مال يكفي لكي يصنع أمجادهم، لكنّ الأمجاد لا تُصنع، والأرواح السامية لا تباع ولا تُشترى.

كان رجل قد خرج لتوّه من السجن، ونسيَ أن يغسل يديه، وعندما سلّم عليه بعض الناس وتلوّثث أيديهم، نظر إليهم بتعجّب مصطنع وقال لهم: يا لكم من مجرمين! لقد نسيتم أن تغسلوا أيديكم، فتلوّثتُ منكم.

وكانت امرأة تبيع جسدها في الطريق، فرأت سيّدة عجوزاً مجعّدة الوجه، رثّة اللباس، ذات قدمين نحيلتين، تحمل على كتفها كيساً ثقيلاً فتكاد تسقط من الإعياء، ويكاد ظهرها يلامس الأرض. ضحكت المرأة التي تبيع وتشتري وسخرت من العجوز وقالت لها: أنظري إليّ أيّتها المرأة الشمطاء الهزيلة، كيف أنّ ثيابي جميلة، وكيف زيّنتُ نفسي بالجواهر، وتعطّرتُ بأغلى العطور. فقالت العجوز من غير أن تنظر إليها: وأنظري إلى هذا الكيس الذي على ظهري. إنه ثقيل جداً لأنّ فيه حرّيّتي.

وقالت الشوكة للزهرة الصغيرة: أنا أعلى منكِ مقاماً، وقد جرحتُ أناساً كثيرين. أمّا أنت فحقيرة، ولو داس عليك العابرون في الحقل، لالتصقتِ بالأرض وفقدتِ الحياة. فأجابت الزهرة قائلة: لكنّني أجمل منك لوناً، وأرقّ ملمساً، وأحلى عبيراً، ولو اجتمع كلّ صانعي العطور لما استطاعوا أن يسكبوا في أوانيهم ما يشبه عطري.

وبعد قليل هبّت عاصفة، فاقتلعت الزهرة والشوكة معاً، لكنّ عطر الزهرة بقي خالداً في آنية من ذهب.

وكان أحدهم يتباهي بما لديه من كنوز وخدَمٍ وقصور، ويبالغ في الحديث عن مآثره، وما فعله في حياته لكي يصل إلى ما وصل إليه من الثراء. وكان في الجمع رجل عجوز، يتهالك على مقعده، ويتّكئ على عصا لا تفارقه، ويضع نظّارتين سوداوين على عينيه، وهو يصغي إلى ما يقوله المتعجرف المغرور. وما إن سنحت للرجل العجوز فرصة للكلام حتّى نهض عن مقعده بثقل، فكاد يتعثّر من جهده، وأزاح نظّارتيه عن وجهه، وقال أمام الجمع بصوت مرتجف: هل تذكرني؟... أنا القاضي الذي حكمَ عليك بالسجن منذ ثلاثين سنة، وكنتَ قد أخذتَ مال أخيك ولم تردّه، واقترضتَ مبلغاً كبيراً من أحد المصارف ثمّ هربت إلى بلاد أخرى... ولو أعدتَ المال إلى أصحابه في هذه اللحظة، لرجعتَ فقيراً معدماً، فعلى مَن تكذب وتتكبّر؟!

عجبتُ من جاهلين يتفاخرون على الفلاسفة، ومن معدَمين يتطاولون على أرغفة الأنبياء، ومن مفْلسين يزعمون أنّهم صنعوا الشمس والبحار.

وعجبتُ أيضاً ممّن تواضعتُ له، وأنحنيتُ أمامه لأنّ في قلبي المحبّة، فظنّ أنه جبل وأنّني حبّة تراب. لكنّ الذي رفعه تواضعي... وكم تمنّيت لو أنّني لم أتواضع له، لكي يعرف حقيقة نفسه، ويتذكّر ماضيه، قبل أن يتلفّظ بحرف واحد عن حاضره!


صلاة

عاش في إحدى القرى النائية أربعة رجال بخلاء، وكانت لهم بيوت متجاورة، فاتّفقوا على أن يصلّي كلّ واحد منهم كلمة، فيقول الأوّل: يا، ويقول الثاني: ربّ، ويقول الثالث: ارحمْنا، ويقول الرابع: آمين.

ودأبوا على الصلاة بهذه الطريقة أربعين سنة متواصلة، حتّى مرضَ واحد منهم، فذهبوا ليزوروه في بيته، وقالوا له: إنّنا نخاف عليك أيّها الجار، فقد كنتَ مؤمناً حقّاً، وصديقاً مخْلصاً، ولكنّنا نخاف أكثر أن تموت، فلا نعود قادرين على الصلاة، ولا نجد أحداً يقوم بالمهمّة العظيمة التي كنت تقوم بها.


القنديل


أراد القنديل المشتعل أن يتباهى أمام القنديل المنطفئ، فقال: أنظر إليّ يا أخي العزيز، فإنّني أجمل من عروس في ليلة زفافها، ولولا أنواري لتاه السائرون في الطريق، وغرقت المدينة في ظلام. أنا ابن الله والله يعرفني، ومن أنواره العظيمة اقتبستُ شعلة أبديّة، ولذلك لا يأخذني نوم، ولا تنظفئ شعلتي. أنا النار المقدّسة التي تحدّثت عنها الكتب، واعتنقتها الديانات.

قال القنديل المنطفئ: وأنا مثلك يا أخي، ولدنا معاً من أمّ واحدة وأب واحد، والله يعرفني أيضاً، فكما أنت تضيء الآن في العتمة كنت أضيء فيما مضى، لكنّ الزمان أقعدني، فأصبحتُ أثراً بعد عين . وها أنذا، على مقربة منك، أتذكّر أيّام الصبا، عندما كانت شعلتي لا تنطفئ، وكنت أظنّ أنّها شعلة خالدة لا يقوى عليها الموت.

في منتصف تلك الليلة، ارتعش النور على صفحة الليل، وهبّت رياح قويّة، فأسقطت القنديل المشتعل من مكانه فتناثر إرباً، وتحوّل نوره إلى عتمة حالكة، أمّا القنديل المنطفئ فقد نجا من غضب الطبيعة، وظلّ وحيداً في الفضاء لا يجاوره أحد سوى ظلامه.


يوم ضربني والدي

ضربني والدي عندما وجدني أتعرّض للأذى ولا أدافع عن نفسي.

وعندما اعترضني جماعة اللصوص وسلبوني ثيابي واقترعوا عليها ولم أنبس ببنت شفه.

وعندما تكابر عليّ المتكابرون، وتظاهروا بالتواضع والانسحاق مثل يسوع المسيح.

وعندما رفع العاجزون أصواتهم وانخفض صوتي.

وعندما كرّمت الناس فلم يكرّموني، وعندما أعطيت الناس ما لا يستحقّون، فجرّدوني ممّا أستحقّ.

وعندما سكتُ عن الكلام، وكان الوقحون والنمّامون والكاذبون يثرثرون.

وعندما سمحت للحاقدين أن يقطعوا طريقي، ويأخذوا لقمتي من فمي.

وعندما تراكض الخائفون من قامتي لكي يجعلوني قزماً في عيون الناس.

وعندما حذفوا اسمي ليضعوا أسماءهم، واعترضوا على مقامي ليضعوا في مكاني قامات لا تليق.

وعندما تطاول قصار القامة وخفضت رأسي لهم.

وعندما سخروا من علمي وهزأوا من أفكاري.

وعندما أكلوا رغيفي وهم ليسوا جائعين.

وعندما رضيت صاغراً بأن يسيروا معي، فلم يرضوا بأن أسير معهم.

وعندما ثاروا على قيمتي، واغتاظوا من إبداعي، وتفنّنوا في قطع رأسي.

وعندما زعموا التواضع وهم متكبّرون، وملأوا الدنيا بأخبار قداستهم، وهم أشرار.

وعندما نجحوا في إظهار براءتهم وما هم أبرياء، وأبدعوا في التظاهر بغير ذواتهم وأنا لا أعرف إلاّ الظهور في ذاتي.

وعندما قبلت بأن يكون الواشي، والكاذب، والمتملّق في عداد صحبتي.

وعندما أساؤوا إليّ بكلّ طريقة، فعندما سألتهم: لماذا تسيئون؟ اتّهموني بالإساءة.

وعندما اجتمعوا في السرّ لكي يكسروا هيبتي حسداً وغيظاً ونميمة، فحوّلت عنهم أنظاري ولم أدرك مقدار خطرهم على حياتي، إلاّ عندما شارفت على الموت.

وعندما حوّلوني إلى المحاكمة وهم الجناة والمعتدون.

وعندما وقفوا على رؤوس الجبال، وقالوا: أنظروا إلينا، نحن لا نسكن إلاّ في الأودية العميقة خوفاً من أن ينعتنا الناس بالغرور.

وعندما أعلنوا ألوهتهم، وقالوا: كم نحن صغار، وكم نحن رافضون لكلّ ما يرفعنا إلى فوق.

وعندما انحدرتْ أخلاقهم إلى الحضيض، وهم يبشّرون بالعدل والفضيلة.

وعندما ملأوا الدنيا بأخبار طهارتهم، وما هم إلاّ أبعد الناس عن الطهارة.

وعندما نجحوا في تصويري بأنّني المعتدي بعدما حاولت أن أردّ اعتداءهم...

ضربني والدي لأنّني كثيراً ما راعيتهم، وأشحت بنظري عن ألاعيبهم وصغاراتهم، وانتظرت أن يصبحوا كباراً، فإذا بهم صغار صغار.

ضربني والدي، وسيقوم من القبر ليضربني مرّة أخرى إذا بقيت جباناً من أجلهم، ورضيت بالمذلّة ليتعاظموا على جثّتي.

 

التمثال


أراد أهلي أن يشيّدوا لي تمثالاً بعد أن أموت، فرفضت بشدّة، وقلت لهم: إنّني لا أشبه التماثيل في شيء إلاّ في عنادها أمام الريح والضباب، فإذا استطعتم أن تنصبوا تمثالاً للعناد يكون تمثالي.

قلب أهلي شفاههم، وعادوا إليّ في اليوم التالي قائلين: هل تنزل عند رغبتنا وتسمح لنا بأن نجعل لك تمثالاً في ساحة المدينة، لكي يخلّد ذكراك؟

قلت لأهلي: لا أحتاج إلى تماثيل تخلّدني. أحبّ المقامرة بكلمتي، فإمّا أتنتصر بها على الصمت وإمّا أخسر، فإن ربحتُ ذكرني الناس، وإن خسرتُ تنكّروا لي.

خرج أهلي من بيتي لائمين ومتعجّبين من كلامي. وفي اليوم الثالث جاؤوا إليّ قائلين: تهلّلْ أيّها الصبيّ، لقد وجدنا نحّاتاً ينحت صورتك بالمجّان ولا يأخذ قرشاً واحداً، فما رأيك؟

قلت لهم: خذوا كلّ ما في صندوقي من المال واعطوه للنحّات، لعلّه جائع ويحتاج إلى طعام وشراب.

خرج أهلي من عندي لا يلوون على شيء، وقرّروا أن ينتظروا ساعة وفاتي، لكي يشيّدوا لي تمثالاً من غير أن أعلم. وهكذا حدث، فقد أصبح لي تمثال في الساحة، تعشّش تحت إبطه العصافير، ويرتاح عنده المكارون العائدون من الوادي، ويرمي العابرون بالقذارة في أفيائه.

ذات يوم: صرختُ من قبري: يا أهلي وصحبي، يا ناكري فضلي عليكم، اقتلعوا هذا التمثال في مكانه وارموا به في بحر الظلمات، واكتبوا في المكان: "هنا كان يلعب طفل صغير قبل أن يكبر ويغيب"، وازرعوا وردة حمراء... لكي ترسل إلى روحي، في كلّ صباح، نسمة من عطرها الجميل.

الغراب


كان أناسٌ في قرية وراء الجبال يعبدون غراباً أسود، وقد حنّطوه وجعلوا له مقاماً في وسط القرية، يزورونه ويتباركون به. فالرجال كانوا يسجدون أمامه ويبتهلون إليه بأن يغدق عليهم بالخير وعلى أراضيهم بالغلال، والنساء كنّ يصلّين بتضرّع لكي يشفق الإله الغراب عليهنّ، فينجبنَ أطفالاً يشبهونه في وسامته وجلاله. والأولاد الصغار كانوا يطلبون منه أن يكون لهم في كلّ يوم عطلة وعِيد لكي لا يذهبوا إلى مدارسهم.

وكانت تسهر على ذلك الغراب سادنة عجوز، تتقن السحر والشعوذة.

وذات ليلة مرضت السادنة فلزمت بيتها، ولم تحرس الغراب المحنّط، فمرّ في المكان رجل غريب، ورأى الطائر الأسود، فانزعج من هيئته، وانتزعه من مكانه، ثمّ جاء بحمامة ناصعة البياض وجعلها في الموقع، حتّى جاء الصباح، وخرج الناس من بيوتهم. وكان أوّل ما فعلوه أن ذهبوا ليلقوا نظرة على غرابهم، فلم يجدوه، بل وجدوا الحمامة تقف مكانه وتهدل بصوت عذب. فما كان منهم إلاّ أن هجموا على الحمامة وأمسكوا بها، فنتفوا ريشها، وقطّعوها إرباً إرباً، ورموا بها في بئر عميقة، وقالوا بعضهم لبعض: لقد استقامت العدالة، وتخلّصنا من الشرّ الذي أحاط بنا من غير أن ندري، وليس علينا الآن سوى أن نبحث عن غرابنا الحبيب، أو نجد أيّ غراب من طينته، فيعود النور إلى قلوبنا، ويزول الشؤم الذي جاءت به هذه الحمامة إلى قريتنا، ويُمحى يوم أسود من تاريخنا المجيد.


الفلاسفة الثلاثة


التقي ثلاثة فلاسفة عند مرفأ بعيد، بعد أن أقلعت سفينة الحكمة، وغابت في دياجير المحيط الهادر.

قال الفيلسوف الأوّل: أنا فيلسوف المادّة، لا أؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولا أفهم كيف يعتقد الناس بوجود الملائكة وهم لا يرونهم. وفلسفتي هي عبادة المال، والطموح إلى التقدّم العلمي لاكتشاف الكواكب والأبعاد.

قال الفيلسوف الثاني: أنا فيلسوف الروح، أنكر المادّة وأعيش في الكهوف والبراري، وأطلب من الناس أن يرفضوا العلم، ويرتدوا الخشن من الثياب، ويتأبّطوا كتُب الدِّين لكي يعمَلوا بما جاء فيها من غير زيادة ولا نقصان، فإنّ الدِّين هو العِلْم كلّه.

وقال الفيلسوف الثالث: أنا فيلسوف المادّة والروح معاً، تتعانقان تارة وتختلفان تارة أخرى... أؤمن بالعلم والتقدّم، وبأنّ المال هو سبيل لرفاهيّة الشعوب، لكنّني في الوقت ذاته، أؤمن بالروح، فالمادّة والروح هما كالزهرة وعطرها، وكالمصباح ونوره.

وما كاد الفلاسفة الثلاثة ينتهون من كلامهم، حتّى مرّت على رصيف المرفأ امرأة جميلة، فقال الفيلسوف الأول: سأتبعُها لعلّها تعطيني جسدها. وقال الثاني: سأتبعها أنا أيضاً لكي أحصل على روحها، فجسدها من تراب، والتراب لا يعني لي شيئاً. وقال الثالث: أمّا أنا، فسأطلب روحها لكي أعشقها، وأكتبُ على جسدها ما تكتبه الروح وتشتهيه.

العبوديّة

مضيتُ لأبحث عن نفسي، فأحرّرها من عبوديّتها. وبينما أنا في الطريق، رأيت رجلاً مقيّد الرجلين واليدين، فأسرعت لأفكّ قيوده، وأحرّره من العذاب.

وبعد مسيرة يوم واحد، شاهدت امرأة تلطم وجهها وتصيح قائلة: إنّ زوجي يضطهدني ويحمّلني من الأعباء ما لا تستطيع الجبال حمله، فليت أحداً يحرّرني منه ويمنحني حياة جديدة.

أشفقتُ على تلك المرأة، وعرضتُ عليها أن تهرب معي، فنتزوّج في مدينة بعيدة.

ولم تنته رحلتي بزواجي من تلك المرأة، إذ رأيت ذات يوم، على تلّه عالية، رجلاً في مقتبل العمر مصلوباً، وقد عرّاه صالبوه من ثيابه، فانخلع قلبي لرؤيته معذّباً ومهاناً، وصنعتُ سلّماً من الخشب، فصعدت إليه، وأنزلته عن الصليب، وكنت أقول في نفسي: ليته يكون الناصريّ، فيكون شأني كلصّ اليمين، وأكفّر عن خطيئتي.

ومرّت سنوات، وأنا ألتقي بأناس يحتاجون إلى الحرّيّة، ولم أعد أتذكّر كم من الأغلال قد حطّمت، وكم امرأة تزوّجت، وكم رجلاً أنزلتُ عن الصليب... لقد أصبحت شيخاً طاعناً في السنّ، ويؤلمني أنّ الذي لم أستطع أن أحرّره حتّى الآن هو إله نفسي.


لو لم تكن أنت


هذه الكلمات أكتبها إليك، أنت مَن ليس له عنوان، لكنّك تعرف العناوين والأصوات كلّها، وتطرق على بابي كلّ مساء لتعطيني خبزاً من يديك. يا أبي وأمّي وإخوتي، وكلّ الأمس واليوم. أنا لا أجرؤ على النظر إلى عينيك، وأخاف أن أتحدّث إليك بكلمة، فأفقد اللحظة التي فيها أتأمّل بما صنعتَه لي. وعندما أحمل غلّتي إلى السوق أشعر بأنّك تحملها معي، وتهمس للناس أن يأتوا إليّ، فيفرحوا معي بالحصاد الجميل.

يسألونني عن الثوب الذي أرتديه، فأقول إنّه ليس لي، وعن البيت الذي أسكنه، فأقول: وجدتُه بالصدفة على الطريق، فدخلتُ إليه، وكان غيري يسكن فيه منذ زمن بعيد. وغداً عندما أغادره إلى مسكن آخر، ستظلّ روحي هائمة فيه، كما طائر يغرّد... كما ضوء يبحث عن نجمة فارقته، كما موجة غريبة تريد أن تعرف من أين جاءت وإلى أين ستصير.

أوصيتني، أيّها الحبيب، بأن لا أخاف من العتمة لأنّ سراجك معلّق في الأفق، هناك حيث مراكب الرحيل لا تتعب ولا تحطّمها الرياح العاتية. وقد يتركني كثيرون ويمضون إلى ذواتهم، لكنّك وحدك لا تتركني. وقد يهجرني من أحببتهم ويهملون صورتي على جدار الذكريات، غير أنّ صورتي في قلبك ولا تهملها، بل تنظر إليها كلّ يوم نظرة أرقّ من الغيوم البيضاء، فكيف لي أن أحزن وأنت تعرفني أكثر ممّا أعرف نفسي... ولا تنكرني يوماً؟

تأمّلاتي هذه ما كنتُ تأمّلتُها لو لم تكن أنت من قبل الدهور... وكلّ كلمة كتبتُها، أنت علّمتني كيف أكتبها، أيّها المعلّم الأوحد، يا نوراً من نور، يا فضيلة ما بعدها فضيلة، يا قيمة الحياة، يا حديقة من عطر أغتبطُ كلّما دخلت إليها. وأنا وأنت لن يترك أحدنا الآخر، فرحلتنا طويلة طويلة، وزورقنا يشقّ المحيط العظيم، أنا أغنّي فيه كطفل عاشق، وأنت تقوده إلى ميناء السلام. لك من روحي كلّ السلام.


أربع نساء


تزوّجتُ فيما مضى أربع نساء، كلّ امرأة منهنّ اخترتها من قبيلة مررتُ بها، أثناء تجوالي الذي بدأته قبل الزمان وسينتهي بعد الزمان.

سألتُ الأولى عن حبّها لي، فقالت: أحبّك حتّى ينتهي الحبّ، فحزنتُ كثيراً، وطلّقتُها في اليوم نفسه، لأنّني لا أؤمن بحبّ ينتهي ويزول.

وسألتُ الثانية عن حبّها أيضاً، فقالت: أحبّك مثلما الشمس تشرق على الناس وتعطيهم الضياء، فعتبتُ عليها، وقلت لها: أنت طالق، لأنّ الشمس تشرق وتغيب، فنصف حبّك ظلام، وأنا لا أحبّ العتمة.

وسألتُ الثالثة، فقالت: أحبّك حتّى الجنون، فتأسّفتُ وقلت لها: إذهبي إلى بيت أهلك، فقد اكتفيتُ من جنوني، ولست أرغب في جنون آخر ينغّص حياتي، ويزيدني ألماً وبكاء.

وسألت الرابعة، فقالت: أحبّك مثلما تحبّني، وٍسأظلّ أبحث عن أسرار الحبّ وخفاياه حتّى أحبّك أكثر. ففرحت فرحاً عظيماً، وعانقتُ امرأتي، وقلتُ لها: طوبى لك لأنّك تحبّينني كما أحبّك، فلا أريد حبّاً من الآخرين لا تقْدِر عليه نفسي، ولسوف تمضي آلاف السنين قبل أن تعرفي أسرار الحبّ وخفاياه... وحتّى تعرفي تلك الأسرار سيزداد الحبّ... ويتمرّد على النهاية، ليصبح شيئاً من الخلود.


الصالح والشرّير


كان الرجل الصالح عائداً من قارّة بعيدة، وبعد مسيرة ستّة أيّام، أراد أن يرتاح تحت شجرة عجوز، فداهمه النعاس وغاب في قيلولة النهار. وما هي إلاّ دقائق حتّى سمع جلبة، فقام من نومه خائفاً، وفوجئ برجل شرّير يمتطي دابّة سوداء يقترب منه.

قال الرجل الشرّير: هل رأيتَ يا أخي؟ لقد امتلأت جرّتي بذهب وفير... ولم أعد فقيراً.

قال الرجل الصالح: ومَن أغناكَ وأعطاك؟

قال الآخر: لقد كنت أقطع الطريق فأستولي على أموال الناس، وأضعها في جرّتي، وهكذا أصبح عندي مال كثير، وسأبني بيتاً لامرأتي التي لا تتوقّف عن الشكوى من الحاجة التي نعانيها.

غضب الرجل الصالخ ممّا قاله محدّثه، فأسرع إليه، وأنزله عن دابّته، وتعارك معه ساعة أو ساعتين، واستطاع الصالح أن يأخذ الجرّة، فيرمي بالذهب الذي فيها إلى كلّ ناحية، حتّى وصل الذهب إلى أعماق الأودية. فراح الشرّير يبكي بكاء مرّاً ويلطم وجهه، ويقول: ويحك أيّها المعتدي اللئيم! لقد هزمتَني وجعلتَ حلمي في الحياة الكريمة يتحوّل إلى كابوس رهيب. ماذا سأفعل بعد الآن؟ لا شكّ في أنّني سأعود إلى حياة الفقر والعذاب... وسيجوع أبنائي.

ندِم الرجل الصالح ممّا فعله، وقال للشرّير: لا بأس يا أخي، سأساعدك لكي نجمع الذهب المتناثر ونملأ جرّتك به، فتعود إلى أهلكَ عزيزاً ومكرّماً.

ومنذ تلك الساعة، ما يزال الرجلان يبحثان عن الذهب في كلّ ناحية، وفي الجبال والأودية والسهول، ويضعانه في الجرّة. وسيمضي وقت طويل لكي تمتلئ من جديد.


ابحثوا عنّي في الضياع


كون قمراً منطفئاً لو ادَّعيتُ أنَّ السماء لي، وأكون حديقة من غيرِ عبير إذا قيل إنَّني أملك الربيع والهواء والمطر.

حقيقتي أنَّني أبحث عن الحقيقة، وفي البحار البعيدة أسأل عن جزيرة لم توجَد بعد، وعن كتابة لم تُكتب بعد.

كثيراً ما أعود طفلاً جريئاً يغامر في قلب العاصفة، ولكنَّني أضعف من أن أتحدَّى الحياة، وأضعف من أن أفهم الموت. أعتقد دائماً أنَّ الوجود انتظار لمحطَّة في مكان ما، وفي زمان ما. الوجود كذبةٌ فارغة، وأنا أعيش فيها لكي أتشاجر معها.

خطيئتي كبيرة، مهما قيل ومهما سيقال. لا شيءَ تغيَّر منذ كتبت أوَّل قصيدة لامرأة من نار ونور، لامرأة تنطفئ. لأضرم النار في ذكرياتي.

أيُّها السائلون عنِّي، وأنا في الدرب، ليس معي سوى ظلِّي وهمومي الكثيرة. إبحثوا عنِّي في الضَياع. تابعوا وجودي في الكآبة. حاولوا أن تجدوني في الأديرة المهجورة، في الكتب القديمة، في عشب على جدار. الآخرون تركوني، والقطار ذهب مع الريح. ولم يبقَ لي سوى رغيف من الصقيع. الآخرون لا يحبُّون عبادتي. لا يريدون رؤيتي، لأنَّ رؤيتي مقصلة. والآخرون يهاجمون بيتي وبيتي من رماد، ويضحكون من مأساتي، ومأساتي أنَّني ولدتُ والكلمة على شفتيَّ.

أنا والآخر


عاش في قريتي رجل غريب الطباع، يتحدّث إلى نفسه بصوت عال، فظنّ أهله وجيرانه أنّه رجل مجنون، وأخذوا يضطهدونه ويكيلون له اللعنات، ويتشاءمون من رؤيته، ففرّ منهم لا يلوي على شيء، حتّى وصل إلى مكان قريب من منزلي، فجلس على صخرة عالية وبكى من خيبته وسوء زمانه.

خرجتُ إليه مسرعاً، وسألتُه عن حاله، فأخبرني بما جرى له من الناس، فخفّفتُ عنه وقلت له: سأخبرك بسرّ، ولكن إيّاك أن تبوح به لأحد، وإلاّ فإنّ حالي ستكون مثل حالتك من الظلم والمعاناة.

فرفع رأسه الثقيل إليّ، وسألني عن سرّي فقلت له: أنت لا تتكلّم إلى نفسك، بل إلى إنسان آخر يعيش معك، وفي دروبك يمضي، ولا تفترقان إلاّ حين يأخذه النوم، فيبتعد عنك ليأوي إلى مكان آخر، ثمّ يعود إليك في الصباح.

سألني الرجل: وكيف عرفت أنّه امرؤ آخر يعيش معي؟

زفرتُ زفرة عميقة، وقلت له: أنا مثلك أتحدّث إلى رجل آخر، يشبهني تماماً، ولكنّ الفرق بيني وبيتك أنّك تتحدّث إليه بصوت عال وأنا أتحدّث إليه بصوت خفيض.

دهش الرجل من كلامي، فتابعت: إذا كان أهلك يضطهدونك من أجل ما تفعله، فإنّ أهلي اضطهدوني أيضاً وأخرجوني من ديارهم، ولم يبق عندي سوى هذا البيت الذي بنيته في هذه الناحية، بعد أن ضاقت بي الحياة، وهو بيت كبير لا أحتاج إليه كلّه، فإذا كنتَ لا تريد العودة إلى أهلك، فيمكنك أن تقيم عندي، فتأكل وتشرب وترتدي الجميل من الثياب، ولن آخذ منك قرشاً واحداً.

اغتبط الرجل أيّما غبطة بما سمعه، ولم يصدّق ما قلته، لكنّني أخذته من يده إلى بيتي، وأسكنته فيه، فأصبحنا، أنا وهو، أربعة من المساكين الذين لا يتوقّفون عن الكلام... ولا يتعَبون.


تاريخ


كان التاريخ المزيّف يخطب في الناس، ويخبرهم عن مآثره وما فعلته يداه في الزمان، وما هي إلاّ لحظات قليلة، حتّى رعدت السماء، وانهمر المطر غزيراً، وهبّت رياح زعازع، فاقتلعت الأشجار، وفرّ الناس إلى بيوتهم، خوفاً من الفيضان.

وفي مدينة غير بعيدة، كان التاريخ المجيد يعبُر على عربته التي تجرّها خيول بيضاء، وقد طارت فوقها أسراب الحمام والشحارير، تغنّي بألحان سماويةّ، وعلى المدى الذي يصل إلى البعيد البعيد، امتدّ بساط أخضر مطرّز بالياسمين والزنابق، يعلنُ قدوم الربيع.


المرأة المجهولة


كنتُ أجلس عند باب بيتي، وعلى مقربة منّي ثلاثة أكياس منتفخة من القماش، بدا عليها الإرهاق وكادت أن تتمزّق لكثرة ما حملتُها على ظهري ومشيتُ بها في المدن.

شعرتُ بالجوع ولم يكن معي ما أقتات به، فأخذتُ أحد الأكياس إلى السوق، وقلت: مَن يشتري منّي سعادتي؟

استغرب الناس من منطقي وبيْعي الغريب، فاقترب أحدهم منّي، وكان غنيّاً كما يبدو من هيئته ولباسه، وسألني:

هل حقّاً أنت تبيع سعادتك؟

قلت: نعم، أيّها الرجل الذي لم أعرفه من قبل. هذه سعادتي في الكيس، فهل تشتريها؟

أخرج الرجل الغنيّ من جيبه بعضاً من ذهبه وفضّته، ووضعه في يدي، فأعطيته الكيس، وعدت إلى بيتي.

ومضت أيّام كثيرة، وكان الرجل نفسه يسأل عنّي كلّ يوم، ليعرف إذا كانت لديّ

سعادة أخرى أبيعها له، حتّى ضجرتُ منه.

وبعد أيّام، عاد إليّ الجوع، فحملت الكيس الثاني إلى السوق وصرخت في الناس: مَن يشتري منّي لامبالاتي؟

تجمهر الناس مندهشين ممّا أعرضه عليهم، وقال واحد منهم:

هل أنت حقّاً تبيع اللامبالاة؟

قلت، نعم... وهي من أغلى ما عندي، فهل تشتريها؟

فقال: لم أعرف اللامبالاة في حياتي، فلا بأس أن أجرّبها.

دفع الرجل ثمن لامبالاتي ومضى في سبيله. لكنّه أصبح يسأل عنّي دائماً ليعرف إذا كان عندي لامبالاة أخرى فأبيعها له، حتى انزعجتُ من سؤاله.

وما هي إلاّ مدّة حتّى داهمني جوع شديد، فحملتُ الكيس الثالث إلى السوق وطفقت أنادي: مَن منكم أيّها الناس يشتري أحزاني؟

فاحتشد أهل السوق جميعاً حولي، وهم يقلّبون شفاههم، فلم يسبق أن باع أحد من التجّار أحزانه. ولم يجرؤ أحد منهم على سؤالي عن تجارتي، بل تشاءموا منّي، وتراجعوا مستنكرين وغاضبين.

وبقيت وحيداً في السوق حتّى كادت الشمس تغيب، فمرّت من أمامي امرأة جميلة، سوداء العينين، رقيقة الشفتين، ذات شعر أسود ينسدل إلى ظهرها. وعندما رأتني وحيداً ومعي الكيس، اقتربت منّي وقالت بصوت أرقّ من هديل الحمام: ماذا تبيع أيّها الرجل الذي يرتدي عشب الأرض؟

أجبتها وأنا أراقب كلّ حركة من حركات وجهها: أبيع أحزاني.

قالت المرأة: لن يشتري أحد أيّ حزنٍ من أحزانك... إلاّ إذا كان يحبّك.

قلت لها: لا أريد من أحد أن يحبّني، فأنا أحبّ وحدتي وهي تحبّني، وأكتفي بها.

قالت: يبدو عليك أنّك إنسان فقير وطيّب، وأنا ابنة وزير غنّي. سأشتري منك أحزانك... هل أنت راضٍ؟

كاد قلبي يطير فرحاً عندما أخذتْ المرأة نقوداً ووضعتْها في يدي، ودفعتُ إليها بالكيس على عجل، فودّعتني وغابت في العشيّة.

مرّت أيّام طويلة، وأنا ما أزال أنتظر في المكان نفسه، لعلّ تلك المرأة تعود، وتسألني إن كانت عندي أحزان أخرى أحبّ أن أبيعها. لكنّني لم أعد أرى لها وجهاً، ولا أعرف إلى أين أخذتها العتمة.


البئر وأختها


قالت البئر لأختها: أنظري إليّ كيف أنّ الشتاء ملأني من خيراته، فما نضب مائي، ولا جفّت أعماقي. والشمس على صفحتي تتهادى كعروس من عالم السحر...

وكم عابر سبيل يمرّ بقربي، ويطلب ماء فلا أعطيه! وبالأمس جاءني شابّ من بلاد فارس، وكان يعاني القيظ والعطش، فخفت أن يغدر بي من بعد أن أسقيه، ويشوّه جمالي. فقد سمعت عن بئر مهجورة شرب منها الناس، وألقوا بحجارة فيها، والعياذ بالله أن أصير مثلها.

قالت البئر الثانية: وأنظري إليّ كيف أنّ الصيف قد أحاطني بشرّه، فامتصّ مائي، ولم يبق في عروقي سوى بضع قطرات أخشى عليها أن تذهب أيضاً. وانظري كيف أنّ العابرين قد شربوا منّي وألقوا بالحجارة في داخلي، فتألّمتُ كثيراً، وكفرت بالناس الذين لا يحفظون جميلاً، ولا يردّون معروفاً، لكنّني بالأمس رأيت شابّاً من بلاد فارس، وقد أخذ منه العطش كلّ مأخذ، وكاد يسقط من الإعياء قبل أن يصل إليّ، فأسرعت إليه، ودفعت إليه بما بقي عندي من ماء قليل، فشرب، وفرح فرحاً عظيماً، لأنّه نجا من موت محتّم. وفرحتُ أنا معه، لأنّني أنقذتُه بالقليل الذي أملكه.

عودة الحقّ

دعا رجل مقطوع الساقين جماعة إلى حفل موسيقيّ في بيته، للاحتفاء معه بمناسبة قطع ساقيه.

وعندما جاء المدعوّون إلى بيته، سألوه كيف يشعر بالفرح إذا كانت ساقاه قد قطعتا، فقال لهم: إنّ قصّتي طويلة، ولكنّني سأختصرها توفيراً للوقت، ولكي لا أحرمكم من المتعة في هذه الليلة المباركة. فقد خلقني الله طويل القامة. وكنت كلّما ذهبتُ إلى المعبد، يقف رجال قصار القامة بالقرب منّي، فيشعرون بالغبن، ويتّهمونني بالتكبّر والغرور والأنانية. وأنا لست متكبّراً، ولا مغروراً، فليس لي يد في طول قامتي، ولا أستطيع تقصيرها لو أردت، كما أنّني لست أنانيّاً، وكم تمنّيت لو أعطيهم شيئاً من جسدي لكي يصبحوا طوال القامة مثلي! وذات يوم اشتكوا إلى الحاكم، فاستدعاني إلى المحكمة وحكم عليّ بأن يُقطع رأسي، لكي يتمّ العدل وتستقيم المساواة بين البشر، فبكيت بكاء مرّاً، ورأيت شبح الموت أمامي، وكم كنتُ محظوظاً عندما سألت الحاكم أن يرأف بي ويقطع ساقيّ بدلاً من رأسي! ففكّر قليلاً، وقال: لا بأس في ذلك، فالمهمّ عندنا أن تصبح قصير القامة لكي لا يشعر هؤلاء الناس بأنّك أفضل منهم... وهذا ما حدث أيّها الأصدقاء، ولذلك دعوتُكم لكي تفرحوا معي بعودة الحقّ إلى أصحابه، واحتفاظي برأسي.


المحقّرون

أقمتُ لمدّة قصيرة عند جماعة، ورأيت منهم في الأيّام الثلاثة التي قضيتها عندهم ما يشيب له شعر الغلمان، فقد أخذني أحدهم إلى جبل قريب حيث ترتفع أعمدة عُلّق عليها أناس كثيرون، فارتعبتُ من هول الشهد، وحزنتُ على هؤلاء الناس الذين تتأرجح أجسادهم في السماء الداكنة، وكلّما هبّت الريح يتمايلون، كأنّهم يسعون للقيامة من الموت.

سألت الرجل عن هؤلاء المساكين، فأخبرني أنّ قومه من المحقّرين الذين لا يطيقون أن يكون بينهم إنسان يفكّر، أو يكتب، أو يتفلسف، أو يبدع في أيّ شأن من شؤون الحياة، وقد عاقبوا كلّ نابغة وطبيب وعالم، حتّى غصّت الجبال والأودية بتلك الأعمدة التي تنحتُ الفضاء بصريرها المتواصل.

وقال الرجل أيضاً: لم يبقَ في هذه الأرض إلاّ بشر قليلون هم الذين يكتفون من الحياة بما قلّ، ولا يعملون إلاّ لكي يأكلوا ويشربوا.

وسألني الرجل عن حالي، وماذا كنت أفعل في حياتي قبل أن أصل إلى دياره، فقلت له: أنا مزارع بسيط، لا يحدوني أمل إلاّ أن أزرع وأحصد وأعيش في الكفاف.

فرحَ محدّثي فرحاً عظيماً، وبدا السرور على وجهه، وقال لي: يمكنك أن تبقى عندنا إلى ما تشاء، فنحن نعتبرك واحداً منّا. تالله ما أعدلَ المساواة، فليس لأحد فضل على أحد... لا بالتقوى ولا بعمل صالح!

تركني الرجل ومضى في سبيله، وأنا لا أزال أحدّق في تلك الأجساد المصلوبة في عين الزمان، وترتعش روحي في داخلي من هول الحقيقة وفظاعتها. وبينما أنا في تلك الحال، مرّت قافلة من بلادي، فيها مكارون يعرفونني جيّداً، وما إن وقعتْ عيونهم عليّ، حتّى أسرعوا ليلقوا عليّ سلام، ويسألوني عمّا حدث لي، وكيف وصلتُ إلى هذه الناحية، فقلت لهم: إنّ دابّتي نفقت من العطش خلال سفري الطويل، وتهتُ في الصحراء حتّى اهتديتُ إلى هؤلاء القوم.

قال لي أبناء بلادي: ونحن سنبيت هذه الليلة هنا، وفي الصباح، سنتابع طريقنا إلى بلاد الإفرنج.

في ذلك الليل، لم يغمض لي جفن، وتسلّلت تحت جنح الظلام، لكي أفرّ من تلك البلدة، وأولّي الأدبار، ولم أعد أزورها من ذلك الحين.


الناكرون للشمس


شاهدت خلال سفري البعيد رجلاً يسير الهوينا ويتعثّر في مشيته، ويستعين بعصا قطعها من غصن نحيل لكي لا يقع، فظننت للتوّ أنّه فاقد البصر، وخفت أن أسأله عن منزل كنت أقصده، فيأخذني من يدي ونسقط في حفرة. لكنّني عندما اقتربت منه اكتشفت أنه يضع عصبة على عينيه، فلا يرى، فاعتقدت للوهلة الأولى أن الرجل قد فقد صوابه، واستغنى عن بصره من طوع نفسه لكي يعشق الظلمة، أو لعلّه كره الناس فلم يعد يطيق رؤيتهم.

اقتربت منه وحيّيته، فأجابني بابتسامة صفراء، وهو يتحسّس المكان والزمان ليعرف من أنا. فقلت له إنّني غريب عن هذه الديار وقد لفتني منظره، وكيف أنّه غطّى عينيه... وسألته عن حاله، فقال لي إنّ عينيه سليمتان ولا يشكو من ضعف نظره، ولكنّ أهل مدينته كانوا ينكرون الشمس ويقولون إنّها غير موجودة، وكان هو يعترض على رأيهم، ويدلّهم على الشمس وهي في كبد السماء، ويحاول أن يقنعهم بأنّ الشمس فوق رؤوسهم وتضيء لهم الطريق. وعبثاً حاول أن يقنعهم بتلك الحقيقة، حتّى غضبوا منه، واضطهدوه، ومنذ ذلك الحين، قرّر أن يضع عصبة على عينيه، لكي لا يرى إلاّ ظلاماً، وإذا سأله أحدهم عن الشمس، يقول: إنّها غير موجودة.


حبيبتي والصورة


قالت لي حبيبتي: لقد وضعت صورة لك على جدار غرفتي، فكلّما دخلت إليها وجدتُك أمامي، كأمير من العصور الوسطى، وبنظراتي المشتاقة ذهبتُ إليك وقبّلتُك من غير أن أدري... وجعلتُ لك صورة ثانية في كتاب، فعندما أفتحه لأقرأ شعراً، عثرتُ عليك مختبئاً بين الصفحات المرتعشة، فأحادثك بصوت خافت، كأنّنا طفلان يثرثران ويخافان أن يسمعهما أحد.

تنفّست حبيبتي بهدوء، ونظرتْ إليّ بعينين سوادوين يشعّ منهما القلق والانتظار، وتابعتْ: ولك صورة ثالثة قرب سريري، حتّى إذا نمتُ، ودّعتُك بالتفاتة شوق ورغبة، ورحلتُ من ابتسامتكَ العميقة إلى أحلامي وأمنياتي العذبة.

وعندما كنت صامتاً، وراغباً في مزيد من الهمس الحميم، شذرتني حبيبتي بنظرة حادّة، وقالت بكثير من الغضب والعتاب: فأين صورتي عندك أيّها النرجسيّ المغرور؟

وحينَ لم أجب، قالت: إذا لم أعرف منك أين وضعتَ صورتي، فسأغادرك ولن أعود إليك، وستنتهي قصّتي معك مثلما بدأتْ.

ارتعدتْ فرائصي، وخفتُ من حبيبتي أن ترحل من حياتي، فوضعتُ يدي على قلبي.

​لا قصّة تشبهنا


متى ستقولين لي: أحبّ أن أراك؟

أحادثك بكثير من الشوق وكثير من العناق...

ربّما قبلة من بعيد... ربّما شجار وحيد... واغتيال بنيران صديقة...

لا أريد أكثر من ذلك... لأنّني أخاف أن تصيري مثل كلّ النساء...

أن تكوني ورقة في كتاب، فإذا قرأتها أصبحت من الماضي....

أنت حكاية لا تبدأ ولا تنتهي...

فكيف وجدتُك بعد هذا الغياب... بعد رحلة قطعت فيها بحاراً ومدناً خالية من الروح؟

كان كلّ شيء في نظري جامداً وبارداً، حتّى أطلعتُك من بين أصابعي حريقاً لاتطفئه مياه البحار؟

قلت لك ذات مرّة: إنّني عاجز أن أشرح لكّ، لأنّ كثيراً من المشاعر تكون أكواناً، ّومجرّات لا يختصرها الكلام... فكيف أقول: أحبّك، وعندي أكثر من الحبّ؟ وهل استطاع الشعراء أن يخترعوا كلمة أخرى تليق بك يا أميرة العصور؟

أبحث في قصص العشّاق عن قصّة تشبهنا، فلا أجد، وقد أصل إلى مكان لا أتقن فيه إلاّ السكوت عندما أنظر إلى عينيك، ولو في لحظة واحدة... والنظر إلى عينيك أكثر من مغامرة، وأخطر من سفر في المجهول...

يا امرأة هي كلّ السؤال والجواب... و كلّ السهر والعذاب...

متى أراك ولو صدفة؟ وعندما تعبرين من أمامي، أحمل حقائبي، وأسير معك... ولا أعرف إلى أين... فلست أحتاج إلى شيء سوى أن أكون قريباً من عطرك الجميل، وأن أذوب على جمر شفتيك، وأحتاج أيضاً إلى أن أضيع حيث لا يستطيع أحد أن ينقذني من الضياع.

العصفور وطائر البوم

قال العصفور الملوّن لطائر البوم: لماذا تتغاضى يا أخي عن جمالي، وأنت تعرف أنّني ولدت بألوان قوس قزح؟ إنّ الملوك لا يستطيعون أن يرتدوا أثواباً كثوبي، ولا أحد في العصور قد غنّى بمثل ما غنّيت. والشعراء قد كتبوا عنّي قصائد معلّقات.

قال طائر البوم: ليس المهمّ أن يراك الناس جميلاً، بل المهمّ أن ترى أنت الجمال في نفسك، فأنا يا أخي الصغير أرى هذا الجمال في نفسي، ولذلك لا أعتبر أنّك أفضل منّي في شيء، كما أنّ بنات جنسي يتهافتن عليّ، ويرغبن في الزواج منّي، ولا يلتفتنَ إليك.

وبينما كان العصفور وطائر البوم يتجادلان، مرّ صيّاد في الغابة، فصوّب بندقيّته إلى العصفور الصغير الذي ارتعد وفرّ مذعورا ليختبئ بين الصخور، بينما ظلّ البوم في مكانه مطمئنّاً، لا يعير اهتماماً لبندقيّة الصيّاد. وقال في نفسه: طوبى للقبيحين، فإنّهم أبعد الناس عن ظلم الأقدار.

كلّ امرأة هي أنت

التقيتُ أمسِ بامرأة تشبهك، فتبعتها في الطريق... وتشاجرتُ معها.

قلت لها: مشكلتك ليست عندي، فأنت تشبهينها، وكل امرأة تشبهها هي حبيبتي...

ولذلك أصبحتْ عندي مدينة من النساء.

قالت المرأة: لا أعرفك أيّها المخادع، ولا أعرفها، وفي اعتقادي أنّك تحتاج إلى طبيب.

ورأيت في أسفاري البعيدة عينين سوداوين فيهما الغضب والحنين، وما أزال منذ تلك اللحظة أحاول أن أعرف أسرار التناقض، وأصنع زورقاً لأعْبر من أحلامي إلى واقع أراك فيه إلى جانبي... وتضيء تلك المدينة.

كم سيمرّ من الزمان قبل أن نلتقي، ونقول كلمة واحدة، ثم نغيب في النسيان؟

لا يهمّني شيء بعد ذلك.

لا أريد قبلة أو عناقاً.

أريد أن أحبّك بصمت...

وأن تعرفي أنّني لا أطلب شيئاً لنفسي، سوى أن أعطيك هذا الحبّ الذي لا يشبه إلاّ صورتي، فقد أعيش أعواماً طويلة، وقد يمحوني الزمان، أو قد نفترق في مكان ما، لكن سيبقى عطرك الجميل مسافراً في ذاكرتي، ويصرخ أمامي بسكوت عميق.

قد يقول لك أحد إنّني أشتهي أن أكون معك، فلا تصدّقي، لأنّ روحي تذهب إليك في كلّ لحظة، وكلّ شيء آخر هو تفاصيل لا أحتاج إليها.

عندما أحزن، لا تتركيني وحيداً، لأنّ حزني سيصبح غابة، وكلمة منك تعيدني إليّ طفولتي...

فاكتبيها على نسمة...

على جناح غيمة...

على رفيف طائر...

وعندما أسمعها سأولد من جديد.

***

ربّما لن تقولي يوماً: أنا أحبّك، وقد تقولين ما يعذّبني... لكنْ اتركي لي هذا الحلم الذي أعيش فيه، فإذا انتهى، لا يبقى لي شيء سوى فراغ طويل... يشبه الموت.

***

كلّما أكون في عذاب، ارفعي سمّاعة الهاتف، ودعيني أسمع صوتك... صوتك فقط يُعيد جسدي إلى روحي... ويعلن أنّ الليل قد انتهى.


الأعميان

قال رجل أعمى لرجل أعمى آخر: عجباً كيف أنّنا نرى هؤلاء الناس ولا يروننا، فلا أذكر مرّة واحدة أن ألقى عليّ أحدهم السلام.

قال الآخر: صحيح ما تقوله. إنّهم لا يرون. وبالأمس جاء رجل غريب إلى جماعة منهم، وسألهم عن منزل يريد أن يزوره ولا يعرف مكانه، فأخذه واحد منهم بيده، وبينما هما يسيران سقطا في حفرة، وكنت أمرّ في المكان، فسمعتهما يطلبان النجدة، فمددت لهم العصا التي معي لأنقذهما... وفي اليوم التالي، صدمتني سيّارة بينما كنت أعبر الشارع، ونجوت بأعجوبة، وزعم السائق أنّه لم يرني في الطريق... ولولا أنّه سمع صياحي من الألم، لما عرف أنّه قد صدم أحداً.


صمغ


أراد الناس أن يحاكموني لأنّني كنت ملتصقاً بك.

قال لي القاضي: لقد خالفتَ الشرائع، ففي مدينتنا لا يلتصق الرجل والمرأة... يمكن أن تقبّلها على عجل، أن تعانقها في غمضة عين... ثمّ يذهب كلّ واحد في طريق. أمّا هذا الالتصاق لمدّة طويلة فهو مخالفة للديانة، وفتنة بين الناس.

ارتعدت فرائصي، وشرحتُ للقاضي بأنّني كنت أريد أن أقبّلك في لحظة خاطفة، كما تأمر الشريعة، وأغادرك في غمضة عين، كما جاء في الكتب... لكنّ شيئاً كالصمغ جعلني ألتصق بك، وعبثاً حاولتُ أن أفلت، فشعرتُ بألم وعذاب...

وما أزال إلى الآن أشرح للقاضي أنّ الصمغ هو الذي جعلني، من غير قصد، أرتكب معصية... فلا القاضي يُصدّق، ولا أنتِ تُصدّقين.

الذهب المفقود


عندما عثر الحائر على خارطة في كتاب قديم تدلّه إلى جزيرة الكنز، صنع زورقاً من خشب، وراح يشقّ المحيط بحثاً عن الثروة، وما هي إلاّ أيّام حتّى وجد صندوقاً من الذهب مدفوناً عند جذع شجرة، فطار قلبه من الفرح، وحمل الصندوق إلى الزورق ليعود إلى أهله.

وبينما هو في وسط المحيط، هبّت عاصفة رهيبة، وهطل المطر غزيراً، وانقلب الزورق، فسقط الصندوق إلى قاع المياه، ونجا الحائر بأعجوبة عندما سبح إلى صخرة ترتفع عن سطح الماء، فجلس عليها يندب سوء حظّه، ويلطم وجهه. وفجأة رأى اثنتين من حوريّات البحر تسبحان بالقرب منه، وسمعهما تتحدّثان، فقالت الأولى: أنظري إلى هذا الرجل كيف أنّه يشعر بالحزن والعذاب، فلعلّه صاحب الصندوق الذي رأيناه للتوّ في قعر المحيط وكان فيه ذهب كثير. قالت الثانية: إيّاك يا أختاه أن تلمسي ذلك الصندوق أو تأخذي شيئاً منه، فقد تقوم حرب بين بنات جنسنا، وتتحوّل حياتنا من فرح وسعادة إلى أحزان ودموع. 

                                                                            شمعة تضيء

قرّرت في يوم من الأيّام أن أعمل الخير للناس، فحملتُ شمعة مضيئة وسرت في الليل أمامهم، وكانوا يفرحون برؤية النور وهو يشقّ حجاب الظلام، ويقولون لي: طوبى لك من رجل، فلولاك لما أضاءت دروبنا، ولكنّا تهنا في الغابات والقفار.

وحملت شمعتي المضيئة في النهار، فاستغربوا جميعاً، واتّهموني بالجنون، وقالوا: يا لك من رجل أحمق! فهل تضيء لنا دروبنا في النهار، والشمس أغدقت علينا من جميل عطائها، وهي أكثر نوراً من شمعتك الهزيلة؟

فأجبتهم: إنّ من الحكمة أن أضيف من القليل الذي عندي على الكثير الذي عندكم. الحقيقة أقول لكم: إنّ الشمس لو غابت الآن، فإنّ نور هذه الشمعة سيمحو سواد الليل من عيونكم.

وما أزال أحمل شمعتي وأسير مع الناس، ففي الليل يشكرونني ويعترفون بفضلي عليهم، وفي النهار يشتمونني ويهينونني، لكنّ شمعتي لا تنطفئ.


أعطوني النهر كلّه


أقف أمام المرآة، فأجدني بريئاً ليس في قبضتي سكّين، ولا ارتكبت جريمة.

الجريمة - كما جاء في مرافعة الادّعاء العام - أنّني أسير إلى الأمام، ولا أتراجع.

ما ذنب النهر إذا كان الله قد أعطاه ماء وفيراً، وأعطى الساقية ماء أقلّ؟

هناك تناقض في الأفكار بيني وبين كثير من الناس، فعندما أعطي لا أتحدّث عن عطائي، لكي لا يصبح عطائي نوعاً من الأخذ، بل أبالغ في التظاهر بأنّني فشلت في صعود القمّة. لكنّ الكثيرين يظنُّون عكس ذلك، ويحاسبون على ما يفكِّرون به، وليس ما أفكِّر به.

كم هو عذاب لي، أن أطبع مئات الكتب، وأدعو الناس إلى حفل لأوزّعها مجانًا، وعندما أعود إلى منزلي أجد في صناديقي كتباً كثيرة...

وكم يغيظني أن ألتقي بأحدهم في الشارع، فيطلب منّي كتاباً، فأعطيه، ثمّ يطلب كُتباً لأخيه، وابن عمّه، وجيرانه، فأعطيه، وعندما أدعوه إلى حفل، يرفض الحضور!

وكم يحزنني أن أعيش في وطن، ينظر فيه بعض العابرين إلى أعمالي وكأنّهم ينظرون إلى قطعة حطب مرميّة في غابة، بينما يستميون في مديح لا مبرّر له، في أمكنة أخرى وأزمنة لا تشبه زماني.

وكم يؤلمني أنّ كثيراً من الأصدقاء الذين فتحت لهم أبواب مدينتي، وسلّمتهم مفاتيح قلبي، يدوسون على سطوري، ويعاملونني كأنّني لا أفعل شيئاً.

وكم يقضّ مضجعي أنّ الفارس الحقيقي يُتّهم بالادعاء، ومَن لا يرفع سيفاً، ولا يملك رجولة ولا بطولة هو البطل المقدام الذي لا يُجاريه أحد.

وكم يعذّبني أنّ الحقيقة المطلقة هي في أيدي بشر، يقولون للشيء: كن فيكون، ويصنعون رجالاً من هيئة الطين.

ولستُ أدري ما هي الخسارة التي يشعر بها امرؤ إذا قال لمَن يتعب، ويضحّي، ويجاهد، ويقدّم من عرقه وماله... كلمة جميلة، أو عبارة شُكر وتقدير، لينفض عنه غبار التعب؟

بلى ، أنا أدري... لأنّ المساواة التي يُراد بها باطل هي أصل البلاء، فالذي يضيء في العتمة يجب أن يتساوى مع العتمة. وهذه المساواة هي أشدّ أنواع المساواة فتكاً، بل هي سبيل إلى الدمار.

أعطوني النهر كلّه، لألقي فيه بجميع ما كتبت، وبجميع أيّامي التي أهدرتُها... وكانت حبراً على ورق.


لحظة واحدة


كلّ التواريخ أعرفها.

أعرف يوم ولادتي، ويوم ضحكت ويوم بكيت...

كلّ الأيّام التي أحببتها كتبتها في دفتر صغير لكي لا أنساها.

وكلّ أعياد الفرح والكآبة...

وكلّ المحطّات التي مررت بها، والمرافئ التي حزنت عليها، والشوارع التي أقمت فيها تحت المطر والضباب...

ورسمت على دفتري أيضاً كثيراً من المقاعد، والدوائر، والزوايا، والأرصفة ودخان القطارات.

لم يفتني شيء من الماضي، ولو سألني أحد عن أيّ لحظة، فسأفتح دفتري... وفي الصفحات التي تموج تحت أصابعي، سيولد عمر من جديد، بكلّ تفاصيله وألوانه...

إلاّ لحظة واحدة، لم يخطر في بالي أن أكتبها أو أخبّئها، لأنّني خفت عليها أن تصبح قديمة ذات يوم، فألتفتَ إليها من غبار العاصفة، وأكتشف أنّني لم أعد في حاجة إليها.

تلك اللحظة هي عندما رأيتك، وأحببتُك في سرّي، وخفت أن أقول لك أيّ كلمة، لكي لا أجرح اللحظة كما يجرح النسيمُ الوردة في صباح رقيق.

أحببتك بصمت ورهبة، وكأنّني في هيكل للعبادة، فلا أجرؤ أن أدوس على رخامه، أو أنبس ببنت شفة في ظلاله.

ولم أسأل يوماً إن كنت تحبّينني أم لا، فهذا أمر لا يهمّني، لأنّ الحبّ عندي أن تكوني في قلبي أيقونة مقدّسة، وعلى شفتيّ صلاة، وفي ليلي صورة تصرخ من وراء السكون.

لا يمنعني أحد أن أحبّ السماء، والنهر، والوادي، وحفيف الغابات.

ولا أطلب من اليمامة التي تهدل على غصن وتطربني بغنائها، أن تبادلني الحبّ، أو تنزل عن غصنها لكي تغمرني بجناحيها فأختبئ من الحياة.

وتلك الصورة التي علّقتها في رموش عينيّ، لا أسألها أن تخرج من إطارها لكي تعطيني موعداً أو قبلة.

… تلك اللحظة الوحيدة التي لا أذكر متى كانت، لا أريد أن أعرفها، لأنّ حبّك يرتدي كلّ اللحظات.

حبّك ليس إلاّ لحظة أفلتها الزمن فلا تنتمي إليه، بل تنتمي إلى زمان الخلود.

انتهى

جميع الحقوق محفوظة لمشروع الأديب اللبناني د. جميل الدويهي "أفكار اغترابية" للأدب المهجري الراقي - سيدني