بيان: توضيح من الأديب والشاعر اللبناني المهجري د. جميل ميلاد الدويهي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


في أواسط عام 2015 أطلق الشاعر والأديب المهجري اللبناني د. جميل ميلاد الدويهي نوعاً من الشعر لم يكن معروفاً في الشعر اللبناني وهو "الشعر المدوّر العامي" الذي طَوّره من الشعر المدوّر الفصيح. والشعر المدور الفصيح كان معروفاً في العالم العربي وخصوصاً في لبنان منذ الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، ومنه قصيدة خليل الخوري "الشمس والنمل" (1957) التي يقول فيها: "الشمس عاليةٌ، صليب الشمسِ مرتفعٌ، عذاب الشمس حُمّى، أخطبوطُ الشمسِ ذو المليونِ رمحٍ لا يكفُّ عن العِراك".وكان الدويهي أول من كتب قصائد من هذا النوع في أستراليا في مجموعته "وقلت :احبّك" الصادرة عام 2002. وقد تناهى إلى أسماع الدويهي أنّ الشعر المدوّر العامي كان معروفاً من قبل أو أنّه نوع نادر، ما ينفي صفة الابتكار عنه. والابتكار حقّ مشروع وحقيقة للتاريخ. وبما انّ الدويهي لا يدّعي شيئاً ليس له، فيُرجى من أيّ شاعر كتب هذا النوع (المدوّر العاميّ) في العالم العربي أن يعلمنا بذلك أو يرسل إلينا نصّاً مؤرّخاًً. وبناء عليه سنعترف بكل شفافية وصدق بأنه كتب المدوّر العامي قبلنا.
والغرض من هذا الطلب هو تبيان الحقيقة التي لا نتكابر عليها، ولكي لا نقع في اللغط الذي حدث بالنسبة لشعر التفعيلة، حيث هناك آراء مختلفة حول مَن كتب شعر التفعيلة أولاً. ونحن سنثبت مقطعاً من قصيدة لنا من الشعر المدوّر العامّي "عندي حنين البحر" لكي نبيّن طريقة هذا النوع وكيف يُكتَب:
"والمقعد اللي كان يجمعنا سوا، ما عاد يذْكر كيف كنّا وكيف كان. والحظّ كان بْعيد... ما عندي أمل تا شُوف وجُّو عا الطريق... ولا في حَمام يطِير تا يشْرح لِكي شو صار فيّي، وكيف جرْحي بيشْبَه البحر الغميق. قـَعْدو الغجَر قدّام بيتي وخبّرو إنِّك ما بدِّك ترْجعي، وقلبِك لأنّو صار أقسى من الحجر، نِتّفتْ عُود الزنبقَه... وهْربتْ من ضوّ القمَر. والشِّعر يللي كنت عم أكتب لِكي، صاير ورق مصْفرّ عم يبْكي عا حالو بْقلب غابْ. من بعد منِّكْ ما قدرت إعشق مَرا. عايِش أنا والحَيْط والحزن المَعي، وتا تغيب عنّي الشمس قِفّلتْ البواب."
من شروط هذا النوع كما هو ظاهر أنّه موزون (هنا على تفعيلة "متفاعلن") وليس نثراً، ويمكن أن يُغنّى بسهولة. كما أنّه لا يلتزم بالضرورة بالقوافي داخل المقطع ولكنه يلتزم بقافية في آخر المقطع، فكلمة "عذاب" تأتي بعد "غياب"، "ضباب"، "كتاب" إلخ... في المقاطع التي سبقت. ونحن نوضح هذه الأمور التقنية لكي لا يظنّ البعض أن مَن كتبوا نثراً باللغة العامية قد كتبوا الشعر المدوّر العامّي. فاقتضى التوضيح، ونحن بالانتظار. وبناء عليه سنحدّد موقفنا.
                                                                                 د. جميل ميلاد الدويهي - لأدب مهجريّ راقٍ من أستراليا.

 

***

 

قصيدة جديدة من الشعر المدوّر العامي

 

من ضمن المشروع الذي أعلنه لأدب مهجري راق من أستراليا، يواصل الشاعر والأديب المهجري د. جميل الدويهي تقديم نماذج من الشعر المدوّر العامي الذي كان له شرف إطلاقه من سيدني أواسط عام 2015، والغرض من هذه النماذج تحفيز النقد على متابعة الإبداع المهجري بطريقة علمية تعتمد المقارنة والحيادية والأحكام التي تصدر عن ضمير أكاديمي صحيح، وكذلك الإضاءة على الأدب المهجري في أستراليا والتنوّع الذي يتّسم به. ونذكّر أننا طلبنا من جميع الشعراء والدارسين أن يرسلوا إلينا نماذج من هذا الشعر إذا كان كُتب قبلنا، فلم يصلنا حتى الآن أي نص، حتى من أولئك الذين يزعمون أنه "كان موجوداً قبلنا" أو أنه "نادر الوجود". كما نذكر أن هذا النوع موزون وليس نثرا، وهو يقوم على تراكم الصور والرموز والاستعارات بشكل كثيف.

 

يا ريت فيها صورْتِك تحْكي معي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يا راكْبين الخيل، مش رح يمرْقوا... صارو قمح بالسهل. صارو قصّة اللي بتنمَحى من كتاب عمري. تفرّقوا متل الصوَر. حاكيت أهل البيت، تاري ما حدا بيردّ وتشرْدق عبير الليلكي. وكانت مَرا حبّيتها، عا شفافها خوخ الجبال العاليه، وصدْرا متل عصفورتين تمرّدوا وما عاد بدهن يعقَلو. معقول شاعر هيك نفّض غبرة الوقت ومِشي؟ والدمع أخضر، صار عشب القنطَره. وبين المدينه وبرجْها انكبّ الحبر، والمحبَرة ما عاد ساعو تيابها غير البِكي. يا غابة الفيها شجر مصفرّ، ليش الريح هربانه وما فيّي مْسكتْها من إيدها وحِطّيتها بقلب السكوت؟ ليش الأسامي تغيّروا؟ وكيف الحلم عم يكْسر الشبّاك حتّى يرُوح منّا، وينطفي ضوّ القمرْ؟... من وقت ما خلقْنا سوا إنتي وأنا عم نكتب الكلمات بدْموع السفر.

***

حبّيتْ إنّي أوصفِك، ما لقيتْ حرف زْغِير يتْعلّق حلَق. والخصر يللي كتبتْ عنّو كتاب ودّعني، وأنا من وقتها ما في معي غير السؤال. عا مقْعدي هيدا خيالي مش أنا، عم إطْرح وعم إجْمع غْمار الضياع. في ناس قالو: كيف بيكون الشِّعر، حزن وغضب، وبيوت سَودا معلّقه بقلب الضباب؟ والشِّعر هُوّي مراية الفيها قدَر. لولا ما إنتي تترْكيني، كان شِِعري متل موسيقى، متل مرجوحة عصافير بالحَور العتيق. متل الصَّلا... يا ريت فيكي ترَجّعيني سنين، حتّى كحْل عينيكي المتل خَيل العرب، غابات يِطْلَع بالمدى. وخصْلات شَعرِك مَشّط وغنّي لكي... بسّ الوقت هربان عا بلاد الغجَرْ... من بعد ما غبْتي حياتي مْخزّقه، ورُوحي متل قنديل عا الأرض انكسرْ.

***

هلّق أنا وعم فلفِش وراق الزمان، تْطلّعتْ فيكي، وقلتْ فيّي تطلّعي، بسّ العتَب مجروح ما بينْفع حدا. وصوتِك غميق كتير مين بيسْمعو؟... يا ريت فيها صورتِك تحْكي معي، بركي إذا قلْتي "حبيبي"، بعْد فِيّي طِير مع طَير الفضا... جِبلِك من جبال اللي خلف جبال معزوفة كَمانْ، خَيّط لِكي فستان لَوْنو أرجْوان. وبرْكي إذا زرار العا صدرِك متل ورده تْفتّحو، بقْطف من التفّاح، بعْرَق متل ما بيعرَق فجر نيسان... ناوي بعد أوقَف عالطريق... يمكن خَيَال يْمرّ من بعد الغْياب... ما يئِستْ. ما حبّيتْ إنّي قُول مش رح نلتقي... حبّي أنا أكبر من البحر الكبير. أوسع من الأفكار، أبعد من حدود المملكِه، وأعلى من الغيمه اللي كانت متل ريشِه طايره فوق الشجرْ... 
مِيّة سِنه رَح ضَلّ حِطّ بْجَيْبـِة النسمِه بَريد، لو كان مِنّك ما بَقا يُوصَل خَبَر.