كتبوا في معبد الروح

مجموعة مقالات كتبت في كتاب "في معبد الروح"

للأديب اللبناني المهجري د. جميل الدويهي

نشر الكتاب عام 2016 من ضمن مشروع د. جميل الدويهي أفكار اغترابية"

للأدب المهجري الراقي

جميع الحقوق محفوظة لأصحاب المقالات

 

 

 

 

 

تهنئة من الأستاذ أنطوان الحربية إلى الأديب د. جميل الدويهي

 

يسرّني أن أهنّئ المفكر والأديب والشاعر جميل الدويهي على نشر كتابه الجديد "في معبد الروح". وهذا الكتاب القيّم هو واحد من إصداراته وكتبه العديدة التي تبحث بإيمان ومحبة عن عالم جديد، يتحقق بالثقافة القيَمه الراقية، وبالكلمة الهادفة.

والكثيرون ممن قرأوا كتب الدويهي الشهيرة: "البطريرك إسطفان الدويهي من قمم إهدن إلى قمم القداسة" (باللغة الإنكليزية)، "وقلت: أحبكِ"، "أهل الظلام"، "طائر الهامة"... يقدّرون للدويهي فكره وأدبه ومساهمته الكبيرة في الأدب اللبناني والعربي، وفي المهجر على وجه الخصوص.

وإنني أعتبر كتاب "في معبد الروح" الذي وصلتني نسخة منه، من أهم الأعمال الأدبية التي تغيِّر في المفاهيم السائدة، وتكون عبرة ودروساً للأجيال الجديدة، فالحبّ في معبد الروح هو للناس جميعاً: "وكلُّ من يدَّعي أنَّه يحبُّ الله وحده يكون حبُّه باطلاً، فالحبُّ يكون لله والمخلوقات وللكون أيضاً. الحبُّ يعطيكم الحرِّيَّة، وبالحرِّيَّة ينسجم الخالق معكم ويصير الحبُّ في مرتبة العبادة."

والتسامح عند الدويهي قمة الإنسانية: "عندما تسامحون ترتفعون إلى الله بأثواب من نور، وعندما تثأرون للدم البالي، فلا تغادرون المآتم."

وعندما يأتي إليه أبناء بلدته برجل يعتبرونه كافراً ويريدون قتله أمام المعبد، يقف بينهم وبينه طالباً منهم أن يقتلوه هو قبل أن يقتلوا الرجل، ويصيح بهم: "مَن منكم كان قاضياً أو حاكماً بالعدل في أيِّ زمن؟ ومَن منكم حصل على توكيل من الله لكي يدافع عنه ويعاقب مَن يخالفونه؟ ومن أيِّ محكمة حصلتم على حقِّ المرافعة والإدانة؟ انظروا إلى الطيور كيف تسبِّح الخالق وليس لها كتاب، وانظروا إلى الشجرة كيف ترفع ذراعيها وتتضرَّع للإله الحبيب، وانظروا إلى الأمواج كيف تتلو صلاتها الأبديَّة، وهي لم تدخل يوماً إلى معبد، ولا تعرف الركوع... إنَّ الله يحبُّ عبادتكم ويقدِّس وجودكم، وعليكم أن تحبُّوه من غير أن تطلبوا منه شيئاً في المقابل، فالمعابد ليست أمكنة للبيع والشراء. وإذا رأيتم أنَّ الناس يحبُّون الله، ويَصِلون إليه من الطريق التي لا تسيرون عليها، فلا تلعنوهم لأنَّهم إخوة لكم في الدين وأنتم لا تعلمون. وقد يكون الله راضياً عنهم أكثر ممَّا هو راض منكم ومن عبادتكم. إنَّ الله لا يريد منكم دينكم بل يريد إيمانكم."

أما الذين يكفّرون الناس ويقتلون تحت شعار الدين، فيقول عنهم: "هؤلاء هم أعداء البشرية، وأعداء الفكر والتقدم. سيعترضونكم في الدروب الوعرة ويسألونكم عن أسمائكم ومدنكم وزوجاتكم، فقولوا لهم إنّكم أبناء الله، وليست لكم أسماء كما المجرات البعيدة لا أسماء لها. وإذا قالوا لكم: بم تؤمنون؟ فقولوا لهم: نحن نؤمن بكلّ شيء، نؤمن بحبّة التراب والجذور والسماء والشجر العاري لأنها كلّها من عمل واحد، ونعتنق الفكر لأنه فكر المبدع، ونقدّس الرياح التي تقتحم الغابات فتغيِّرها وتلبسها العراء لكي تعود من عرائها خلقاً آخر."

وعن تمجيد المرأة يقول: "الرجل يا ابنتي هو رأس المرأة والمرأة جسده وقلبه، وكلاهما يحتاج إلى الآخر ليعيش ويستمرَّ. المرأة هي الربيع الذي يزهر في الحقول، ويملأ السماء عطراً وغناء. وإنِّي لأعجب كيف أنَّ التقاليد جعلت منها تابعاً، وهي لا تتبَع ولا تُتبَع. وإنِّي لأعجب كيف يهين الرجل زوجته ولا يشعر بالإهانة. إذهبي إلى زوجِكِ واعرضي عليه الحقيقة، فهو يعرف نصفها ويكتفي بما يعرفه، فإذا رفض أن يعرف النصف الآخر، فانفضي غبار نعليكِ عند بابه، واخرجي من عنده ولا تعودي إلاَّ إذا عاد ورضيَ بما قسمه الله لكِ من حقٍّ ونصيب في الحياة. وعندما يذهب إليكِ معتذراً وراغباً في أن تعودي إليه، فاطلبي منه لباساً جديداً، وحذاء، وأصباغاً لوجهك وأظافرك. سيقولون عنكِ إنَّك امرأة مادِّيَّة، ولكنَّ المادَّة والروح واحد، ينفصلان أحياناً ويأتلفان أحياناً أخرى، ولكن لا يتحاربان، فهل يفصل المتنزِّه في الحقول بين عطر الزهرة ولونها، أو بين الشمس ونورها؟ هم يريدون منكِ أن تأسري نفسكِ في الروح فتظلِّي ضعيفة ومستسلمة، أمَّا جسدكِ فآلة هزيلة، تعمل في الفراش والحقل والبيت، وتتعطَّل عندمـا يريد لها الآخرون أن تتعطَّل..."

ويصرخ الدويهي في وجوه من يحتقرون الإنسان ويطلبون منه أن يكون تابعاً لهم: "أنتم تطلبون منِّي أن أقف على أبوابكم شحَّاذاً، فتعطفوا عليَّ، وتقولوا: ههنا رجل خاضع وضعيف، وفي وسعنا أن نمتلكه، ونسيِّره كما نشاء. وتريدون أن أعترف أمام البشر بأنَّكم نبلاء وملائكة، فتكرِّموني، وتكافئوني كما تكافئون العاجزين من أتباعكم. وتحبُّون أن أقول فيكم كلاماً لتغدقوا عليَّ بالهدايا، وتقدِّموا لأطفالي شربة ماء، ولكنَّني لا أقول إلاَّ حقيقتكم الجارحة، وأموت من العطش ولا أشرب من أيديكم، لأنّ أيديكم صفراء، وماءكم مالح ومسموم."

ومن النصوص التي أعجبتني كثيراً في الكتاب رفض الدويهي للأرقام: "أنتم تخطئون عندما تتحدَّثون عن الأعداد، وتحْسبون ما في حقولكم من ثـمار وفاكهة، وما على بيادركم من الخير. وتخطئون عندما تجمعون وتطرحون أموالكم بعد أن تعودوا من السوق وقد بعتم أو اشتريتم. وتخطئون أيضاً حين تعدُّون زوجاتكم وأولادكم، فالأرقام ليست إلاَّ أوهاماً وضعها العلم، وصدَّقها العالم المادّيُّ. والحقيقة هي أنَّ الأرقام لا تصدق... هكذا هو الله، لا يحدُّه عقل ولا تحدِّده أرقام، فلا تنظروا إليه بأفكاركم فقط بل بأرواحكم أيضاً لتكتشفوا أنَّه واحد. وإذا سمعتم مَن يقولون إنَّه غير واحد، فاسألوهم عن ذلك وانتظروا منهم أن يُجيبوا، فلعلَّه واحد وغير واحد في وقت واحد. ولا تستعجلوا في الحكم، فإنَّ أحكامكم ستكون خاطئة إذا كنتم تستخدمون أبصاركم للوصول إلى الحقيقة. وإيَّاكم أن تتَّهموا أحداً بالضلال، لأنَّ ذلك يُحدث الشقاق والفرقة بين الناس. وما أبغض الفرقة إذا كانت ابنة الأفكار المجرَّدة والأرواح المعطَّلة... والقلوب المتحجِّرة!"

هذه مقتطفات اخترتها من كتاب "في معبد الروح" وليس هناك متسع لكي أشير إلى كلّ النصوص التي أعجبتني فيه، فهي كثيرة. فهنئياً للدويهي على إصداره الجديد، وهنيئاً للأدب بعمل إبداعيّ وفكريّ من هذا النوع.

 

 

"في معبد الروح" للمفكر المهجريّ د. جميل الدويهي:

قيمة إنسانية وفكرية ومشروع لحياة

الأستاذة مريم الدويهي

 

ها هو كتاب رائد في الفكر المهجري الأسترالي "في معبد الروح" للأديب والشاعر اللبناني المهجري الدكتور جميل الدويهي، الذي بعد أن طفحت أكواب شعره المتعدد الأنواع والاتجاهات، أخرج كتاباً شكل مفاجأة للواقع الثقافي، وربما يكون مرحلة أولى من مراحل إصدارات فكرية متالية.

وبعد أن كان الدويهي "خمسة شعراء في شاعر واحد"، وقصّاصاً ومؤرّخاً، وباحثاً أكاديمياً نشرت أعماله في مجلات وكتب ومواقع متخصصة، بالإنكليزية والعربية، ها هو يطل بنفحة جديدة، وكأن دأبه أن يقتحم كل المجاهل من غير رهبة، وهو المثقف الأكاديمي المشهود له، والذي لمع نجمه في لبنان والمهاجر والشرق.

"في معبد الروح" لا يخاف الدويهي من مناقشة الفلاسفة، ومن الغوص في الدين، بفكر ينطلق من المسيحية أصلاً، لكنه لا ينحصر فيها، بل يطمح إلى الإنسانية الواسعة، وهو المُلم بالديانات والفكر الإنساني، واتجاهات العمالقة الكبار في الأدب العالمي.

لقد شملت ثقافة الدويهي آداب الشرق، ومدارس الغرب، واطلع على الحضارات، والتاريخ والأساطير والحكايات، وغرف من المسيحية والإسلام والتوراة والبوذية والهندوسية، ودرس أعمال جبران والريحاني ونعيمه وطاغور وغوته والكلاسيكيين والرومنطيقيين والرمزيين والسورياليين، وكثيرين غيرهم ممّن يضيق المدى بأسمائهم، أما الأدب العربي بقديمه وحديثه ففي ذاكرته الكثير منه. وهذا ما كوّن لديه مساحة فكرية واسعة استغلّها في إطلاق أوّل عمل فكريّ من هذا النوع في المهجر، حتى أن البعض تذكر من خلاله "نبي" جبران، على الرغم من أن للدويهي لغته الخاصة التي توازن بين الرمزية والواقعية، وأدبه أسهل من أدب جبران، أمّا أفكاره فتختلف.

الدويهي والفكر الفلسفي:

الآباء والأبناء:

يعارض الدويهي في الكتاب آراء جبران عدّة مرّات، ففي "الرجل وأبناؤه"، يقول الدويهي: "لا تنشغلوا بالتعاليم الضالّة التي تسعى إلى التخريب، إن الله أوجدكم وأحبكم ويريدكم أن تحبّوا الغرباء عنكم فكيف بأقربائكم يا قليلي الإيمان؟" (ص 62). ولا ريب في أنّ الدويهي ينطلق من فكرة مسيحية في الأصل، لكنّ الهدف ليس نقل الفكرة بل الانطلاق منها إلى مقارعة جبران في قوله: "أبناؤكم ليسوا لكم، ابناؤكم أبناء الحياة". وللتأكيد على صحة ما نذهب إليه، يقول الدويهي: "إن الأرض التي أطلعت الشجرة لا تغادرها ولا تبتعد عنها، بل تظلّ ملتصقة بها" (ص 63). لكنّ الدويهي لا يطلب من الأبناء أن يأخذوا كلّ شيء من أهلهم: "إذا كان الآباء يفرضون عليكم شرائعهم فلا تغضبوا، بل خذوا منها ما يفيدكم، وإذا سألوكم: لماذا لم تأخذوا كل شيء؟ فقولوا لهم: إنّ من يعطي كثيراً لا يسأل عن القليل الذي لم يؤخذ." (ص 63) وبهذا لا يريد الدويهي أن يفترق الأب عن ابنه، كما لا يريد أن يفرض الأهل على أبنائهم كلّ شيء يتمنُّونه.

الشيطان:

وفي موضوع الشيطان يخالف الدويهي جبران أيضاً، والدويهي درس تأثـُّر أدباء المهجر، وخصوصاً جبران والريحاني بمسرحية "فاوست" الشهيرة للشاعر الألماني الكبير غوته، ففي قصّة الشيطان (كتاب العواصف) يتعاون الخوري والشيطان على أن يحمل كلّ منهما الآخر على الطريق. وفي معبد الروح نسمع رجلاً يسأل الكاهن: "هل صحيح أيّها الكاهن الجليل أنّ الشيطان اتفق ذات مرّة مع كاهن لكي يحمل أحدهما الآخر إلى مسافة، فتعاونا ولم يتعبا؟" ويجيب الكاهن في معبد الروح: "مساكين هؤلاء الشعراء كم يعملون خيالهم في أقاصيص لا تمتّ إلى الواقع بصلة. لقد أراد جبران أن يصوّر الشرّ الذي في نفس كاهن، فصوّر بدلاً من ذلك الخير في نفس الشيطان، والشيطان لا يحمل أحداً في طريق ولا يساعد رجلاً متعباً". (ص 25-26). إذن يختلف الدويهي عن جبران، فالأوّل يعتبر أنّ الشيطان شرّير تماماً وليست له صفة من صفات الخير، بينما جبران يعتبر أنّ الشيطان يفعل خيراً عندما يحمل الخوري، وإن كانت نواياه شريرة بالمطلق.

ولم يكن جبران وحده من اعتقد أنّ الشيطان فيه خير، فقد كان هناك في الأدب المهجريّ صوت أميركي آخر هو أمين الريحاني الذي أسند إلى الشيطان أعمال الخير والرقيّ. وللدويهي دراسة أكاديميّة غير منشورة عن هذا الموضوع، كم أتمنّى عليه أن يسارع في نشرها. وعندما يقول الدويهي: "إنّ بعض الشعراء صوّروا الشيطان كأحد دعاة التطور الإنساني والاختراع وشكروه على جهوده لإصلاح العالم... " (ص )26 فهو يشير إلى المسألة التي ذكرتها سابقاً. فالدويهي يرى عكس هؤلاء أنّ الله وضع في الإنسان العقل والروح معاً، وأوجد له الفكر ليطوّر البشريّة ولا يد للشيطان في ذلك. ولكنّ بعض رجال الدين الذين جعلوا الدين منافياً للعلم واعتبروا أنّ تطوّر الإنسان يخالف الشرائع هم الذين جعلوا بعض المفكرين يعتقدون أنّ الشيطان هو صاحب الأعمال الجليلة والتقدّم (ص 26).

الخير والشرّ:

ويتابع الدويهي رحلته في فكر جبران، فيقع على نص "الخير والشرّ" في كتاب النبي، وفيه يقول جبران: "أنا لا أحدّثكم عن الشرّ الذي فيكم إنّما عن الخير الذي فيكم، لأنه أليس الشرّ بعينه هو الخير المتألّم آلاماً مبرحة من تعطّشه ومجاعته؟ فإنّي الحقّ أقول لكم: إن الخير إذا جاع سعى إلى الطعام ولو في الكهوف المظلمة وإذا عطش فإنّه يشرب من المياه المنتنة الراكدة."

فالشرّ عند جبران غير موجود، وهو الخير المتألّم، بمعنى أنّ الشرير إنّما يرتكب الشرّ لحاجته إلى الطعام والشراب، فأصل الشرير خيّر. ولكن جبران يناقض نفسه في النصّ ذاته، عندما يقول: "ليت الظباء السريعة تستطيع أن تتعلّم السلاحف البطيئة السرعة والحركة." ونستنتج من هذا الكلام أنّ الله هو الذي خلق الظباء سريعة (إلى عمل الخير)، وخلق السلاحف بطيئة (إلى عمل الخير)، فكيف يكون إذن أنّ الإنسان هو الذي يتحوّل إلى الشرّ لأنّه يجوع ويعطش؟ وهذه الإشكالية يلتفت إليها الدويهي مرتين:

-العظة 26: "وسمعتم أيضاً من بعض المفكرين أنّ الإنسان قد ولد وفيه الخير ويموت معه ولكنّه إذا شعر بالحاجة فقد يقتل أويسرق ليعيش. وإنّي لأسألكم وأنتم تغفرون لصاحب الحاجة خطيئته: ما الفرق بين هذا الخاطئ الشرّير وبين الذي تعضّه الحاجة ويعطش ويجوع، فيفضّل الموت على أن يفعل شرّاً؟" (ص 77).

وينطلق الدويهي في رده على جبران من فكرة دينية وإنسانية، إذ لا تجوز المساواة بين القاتل والضحيّة وبين السارق والمسروق، وبين الجاني والمجني عليه. وكم من ضعفاء في هذا العالم ستضيع حقوقهم إذا طلبنا منهم أن يسلّموا تلك الحقوق لمن يفوقونهم قوّة وثراء.

-العظة 26 أيضاً: "وقد سمعتم عن الأنانيّ الذي يأخذ ولا يعطي لأنّ عطاءه يعذّبه. وصدقاً أقول لكم إنّ الأنانيّ يعيش معذّباً على هذه الأرض لأنّه لا يُسعد مَن يحتاجون إليه، ولا يسرُّ بالعطاء الجميل، وإن أعطى من غير أن يدري فعطاؤه لا قيمة له لأنّه غير مقصود ولا تعلم به نفسه" (ص 76).

ويلفت الدويهي في هذا المقطع إلى ما جاء في مقالة "الخير والشرّ" لجبران: "إن الثمرة لا تستطيع أن تقول للجذر: كن مثلي ناضجاً، جميلاً، جوّاداً، لأنّ العطاء من طبيعة الثمرة والأخذ من طبيعة الجذر ولا يحيا إلاّ به".

فالجذر أنانيّ يغوص في التراب باحثاً عن الغذاء والماء، ولكنّه يعطي للثمرة أن تكون من غير أن يدري. والدويهي يعتبر الجذر غير سعيد لأنّه ولو أعطى غيره من غير أن يدري فإنّ عطاءه غير مقصود ولا تعلم به نفسه.

الحلوليّة:

ويعارض الدويهي جبران أيضاً في فكرة الحلوليّة أي أن يكون الإنسان إلهاً، ويتّهم الدويهي من آمنوا بالحلولّية بأنّهم جعلوا من غرور أنفسهم ورغبتهم في التعالي مرآة لخالقهم (ص 7)

الله الموجود:

ويمضي الدويهي في نقض صريح وجريء لآراء المفكرين، فيلتفت إلى موضوع خطير عند نيتشه: "إلغاء الله"، فيقول: "لقد تاه بعض الفلاسفة الذين اختصروا الطريق، وأرادوا أن يكون الله محواً وزوالاً فما أزالوه من الضمائر والقلوب ولا محوه من الكتب" (ص 7). ويعارض نيتشه قائلاً: "نيتشه لا يعرف الحقيقة. لقد رأى نفسه عملاقاً في مرآة كاذبة، فاعتقد أنّ الإنسان إله. أنا أدرك أن الإنسان ليس إلهاً ولن يكون، ولكن فيه قطرة من عبير الإله، فلماذا يفرّط بهذه القطرة التي تعطيه المجد والفضيلة؟" (ص 43)

الدويهي والدين:

يبحث الدكتور جميل الدويهي عن دين عالميّ، يتجاوز الأديان جميعاً وحرفيّاتها التي تفصل بين الناس، فكما يظهر في الكتاب أنّ الدين واحد كما أنّ الله واحد: "كونوا إخوة في معبد الروح، ولا تسألوا أحدكم: من أين أتيت؟ ومن هما أبوك وأمّك؟ فالمؤمن لا يسأل أحداً عن أصله ودينه، فالأصل واحد، والدين واحد كما أنّ الله واحد في جميع الأمكنة." (ص 92).

ويطلب الدويهي من الناس أن يُصلُّوا على الأموات جميعاً من غير تمييز: "إذا مررتم بالقرب من مقبرة، فصلّوا على الأموات وأنتم مغمضو العيون، ولا تقولوا: هؤلاء ليسوا من أمواتنا، فالأموات لا يعرفون أسماءهم وقد تركوا معابدهم على الأرض وذهبوا إلى مكان ليس فيه معابد وأيقونات." (ص 51)

وانطلاقاً من هذه الحقيقة يجعل الدويهي معبده لجميع الشعوب: "فتحت أبواب المعبد لجميع الشعوب، فالله جمعكم لا ليفرّقكم، وفرّقكم لأنّ اختلافكم حكمة. وقد ولدتم على دين ليس لأنكم اخترتم دينكم بل لأنّ آباءكم وأجدادكم كانوا على هذا الدين، وبعد أن ولدتم لم يسألكم أحد عن الدين الذي تفضلونه فيكون لكم، فالأديان ليست منازل من حجر مقفلة الأبواب. وإنكم عندما تعبدون الله تكون عبادتكم ديناً، وليس مهمّاً كيف تصلّون. أمّا الذين قالوا لكم إنّ دين الآخرين ليس صحيحاً، فهم تجّار الهيكل الذين أصابهم الغنى، وما زالوا يجمعون المال ولا يشبعون ولبسوا التكبر درعاً." (ص 91)

وفي هذا المقطع القصير يطرح المفكّر الدويهي مجموعة من الحقائق المتّصلة بالديانات أختصرها في ما يأتي:

-الله جمع الناس لا ليفرّقهم.

-الله فرّق بين الناس شعوباً وقبائل لأنّ الاختلاف حكمة من الله وليس مدعاة للاقتتال.

-الإنسان يولد على دين آبائه وأجداده ولا يختار دينه، ولو وُلد أهله على دين آخر لكان اتّخذه.

-الإنسان لا يُسأل عندما يكبر عن الدين الذي يختاره، لأنّ الاختيار قد تمّ عن طريق التقليد والتبعية.

-الأديان ليست مقفلة، بل هي منفتحة على بعضها، وقد جاء واحدها ليكمل الآخر.

-عبادة الله هي الدين، والاختلاف في الصلاة لا يعني أنّ الله مختلف.

-تفضيل دين على دين آخر غير صحيح.

-الذين يصفون الدين الآخر بأنّه غير صحيح هم تجّار الهياكل.

وعندما يتحدث الدويهي عن آلهة متعدّدة لكل من الفلاّح والبحّار والفنّان والنحّات والراقص والعامل، فهو لا يقصد أنّ الله غير واحد، ولكنّ كلاّ منهم يراه على طريقته ويصلّي له على طريقته، فالفلاّح مثلاً يطلب من الله أن يغني زرعه، والبحّار يطلب أن يهدأ البحر ويكثر الرزق وهكذا.

وممّا لا شكّ فيه أنّ الدويهي ينطلق من عقائد دينيّة معروفة، خصوصاً المسيحيّة، لكي لا يظنّ الناس أنّه يريد إلغاء الديانات، فالعناوين الكثيرة التي يزخر بها الكتاب تدلّ على روح مسيحيّة: قيمة الحبّ، المسامحة، العظة الأخيرة (دعوة إلى السلام)، ففي المسامحة يقول: "لقد غفرت ذنوب الكثيرين من البشر وعليّ أن أغفر المزيد منها في الأيام والأعوام الآتية" (ص 6)... "والله أوجد فينا نزوات لا تقاوَم عند الضعفاء، ولكنّها تقاوم بصعوبة عند الأقوياء فيتقدّسون بالإرادة التي ولدتهم وطهّرتهم بنارها." (ص 6) إذاً يعتبر الدويهي أنّ الخطايا وُجدت في الإنسان ولا سبيل للفرار منها إلاّ بإرادة قويّة، أمّا الضعفاء فيسقطون في النزوات. ولكن هل يسامح الله الإنسان الخاطئ؟ هذا ما يوضحه الدويهي في قوله: "نحن عندما نقع في الخطيئة نكون قد نسينا أن نضع زيتاً في المصباح." (ص 32)، "الخطيئة ليست ضدّ النور، بل هي أزمة في قلب النور" (ص 32)، "عقاب الخطيئة لا ينبغي أن يكون موتاً أبديّاً، بل مسامحة وشفقة على الروح التي غفت ولم تنتبه إلى أنّ الظلام قد أتى على حين غرّة" (ص 32)، " النور أعطانا الحياة، والظلام لا يمنع عنّا الحياة." (ص 32) وسيمضي وقت طويل قبل أن يوافق الناس على فلسفة الدويهي، وها هو يريد إقناعهم بصدق نظرته، مستفيداً من قول القديس يوحنّا: "الله محبّة"، فيقول: "لا تقعوا في تجربة، أمّا إذا فشلتم فلا تيئسوا لأنّ الله يحبّ الإنسان" (ص 32).

ولا تكون المسامحة من الله إلى الإنسان فقط، بل من الإنسان إلى الإنسان أيضاً: "عندما تسامحون، فأنتم ترتفعون إلى الله بأجساد من نور، وتدوسون على الكواكب. وعندما تحقدون، فإنّ أرواحكم تكون محبوسة في أوكار الظلام، وقلوبكم أضيق من نعوش. إذا سامحتم، ترفرفون بأجنحة الملائكة، وإذا ثأرتم للدم البالي، فأنتم تصبغون حياتكم بالسواد، ولا تغادرون المآتم." (ص 92). ويبدو هذا المنحى التسامحي تكملة لما جاء في كتاب "طائر الهامة"، وهو قصّة يتحدّى فيها الدويهي الثأر ويعلن سقوطه. ويمضي الدويهي بعيداً في موضوع المسامحة، ليتّخذ هذه المرة بعداً فلسفيّاً خاصّاً به، ففي "النزوات"، يعتبر الدويهي أنّ الجسد ليس مسؤولاً وحده عن الخطيئة، بل تشاركه الروح: "يقولون لكم إن استجابتكم للنزوات إنما هي من فعل الجسد، فصدقاً أقول: إنّ الجسد والروح توأمان لا ينفصلان، تماماً كما لا ينفصل نُور الشمس عن حرارتها... فلا تتّهموا الجسد بما تذهب إليه أرواحكم صاغرة، ولا تبرئوا الروح من ميول الجسد." (ص33). ومن يقرأ الكتاب يلاحظ التوازن العميق الذي ينشئه الدويهي بين الروح والجسد، حتّى يصل به الأمر إلى انتقاد التخويف الذي يمارسه الفكر الدينيّ على الناس، ويميّز بين نوعين من الناس: من تنتصر عليهم شهواتهم، ومن ينتصرون على شهواتهم، وفي نظره أنّ الذي يعبد شهواته يصير خشبة في محيط هادر ويفقد طبيعته الإلهيّة، أمّا من يتبعون شهواتهم، فلن يكونوا مجرمين يستحقّون العقاب (ص 33-34)، والدويهي لا يقصد هنا النزوات التي تدعو إلى الجريمة، بل النزوات البسيطة التي لا تؤذي الغير ولا تدمِّر المجتمعات، ولكي أثبت أنّ الدويهي يريد للمجرم أن يعاقَب، أتلو عليكم ما كتبه في "طبيعة الخير"، إذ يقول: "إنّي لأسألكم وأنتم تغفرون لصاحب الحاجة خطيئته: ما الفرق بين هذا الخاطئ الشرّير وبين الذي تعضّه الحاجة ويعطش ويجوع، فيفضّل الموت على أن يفعل شرّاً؟" (ص 77). إذن الدويهي يفصل بشدّة بين النزوات والخطايا.

ومن منطلق ديني أيضاً يعتبر الدويهي أنّ الموت ليس نهاية، بل هو عودة: "انتظري زوجك عائداً من الحقول مع رفيف الأغصان، وسقسقة الجداول، وغناء الرعاة، وأعدِّي له مائدة العشاء لكي يأكل مع أولاده، ويشرب من كأسه التي احتفظت بها. وانظري إليه وهو ينفض الموت عن ثيابه كما تنفض الرياح الغبار عن الطريق. وتحدّثي إليه ليخبرك عن أسرار المجهول، وما وراء العتمة، وعن النور الذي يراه المغمورون بمحبّة الله." (ص 35).

الموتى إذن يعرفون الحقيقة وما وراء الموت، والحقيقة بالنسبة إلى الأحياء غير موجودة. وهذا ما يثبته الدويهي في عظة بعنوان "الحقيقة": "كم من الناس أرادوا أن تظهر لهم الصورة كاملة فعجزوا ويئسوا وأصابهم الجنون، ولو كانوا عقلاء لكانوا وفّروا على أنفسهم جهداً وتعباً مضنيين، واقتنعوا بأنّ ما هو موجود هو جزء ضئيل من الموجود، وأنّ أفكارهم عاجزة عن إدراك المعالم الخفيّة التي حجبها الله." (ص 78-79)

في هذا المقطع القصير يمكن لنا أن تحدّد مجموعة من الأسس التي تقوم عليها فلسفة الدويهي في رؤيته للحقيقة:

-البحث عن الحقيقة الكاملة يعرّض الناس للعجز واليأس والجنون.

-العاقل هو مَن لا يبحث عن الحقائق التي أخفاها الله لأنّها محجوبة ولا سبيل للوصول إليها.

-الفكر البشريّ ضئيل ولا يستطيع رؤية المعالم الخفيّة المحجوبة.

هذه الأسس الثلاثة لا تنفصل عن الفكر الديني، لأنّ الكثير من الحقائق محجوبة، ألم يخفِِ الله نفسه عن موسى عندما خاطبه؟ أولم يطمح آدم وحواء إلى شجرة المعرفة ليصيرا هما الله؟ ومَن يعرف ماذا وراء الحُجب غير الله تعالى؟

غير أنّ الدويهي الذي يتقمّص صورة كاهن في معبد الروح لا يصمت عمّا يفرزه الدين من مظاهر التكبّر، والقيادة، والعنجهيّة وتصدّر المآدب، والتمييز بين الناس، وصولاً إلى الدعوة للقتل، وتخريب الحضارة والعودة إلى أزمنة الكهوف. فهو ينتقد رجال الدين الذين"يغضّون الطرف عن أناس ضعفاء ليظهروا اهتمامهم بالأغنياء الذين يغمرونهم بالهدايا، ويروّضون عقولهم ليصيروا معهم في دائرة واحدة يمتنع على البائسين دخولها. وما هؤلاء إلا البائسون الحقيقيون الذين يجهلون أنّ الإنسان قيمة وليس سلعة تباع وتشترى، فما أقبحني عندما أكون في ضيافة أناس أثرياء في ليلة العيد، وأخجل من زيارة امرأة فقيرة ليس عندها سوى كرسيّ حقير تجلسني عليه." (ص 14-15)

وفي مكان آخر يقول: "إنّ رجل الدين الذي يهمل فقيراً لفقره، أو أرملة لحاجتها، أو يغضّ طرفه عن آلام المتألّمين ليمضي إلى حفلة عرس إنّما هو رجل يقتل الحبّ فيه، ويخلق البغضاء في نفوس البائسين." (ص 17).

إنّ الدويهي يتناول المظاهر النافرة من الديانات، فما من دين في العالم إلاّ ويحضّ على التواضع والخدمة والمساواة والرحمة والعدل...

وعن علاقة الدِّين مع المال، يكتب الدويهي قصّة قصيرة مبتكَرة من وحي خياله بعنوان "المال"، يتحدّث فيها عن مجاعة حدثت، فجاءه إلى المعبد جمع من الناس يطلبون منه أن يساعدهم، فخاطبهم قائلاً: "إنّ الله لن يحزن إذا أعاد إليكم أموالكم، ولن يبقى عارياً إذا أعطاكم لباساً لتستروا عريكم، ولن يجوع إذا فتح لكم أبوابه لتأكلوا وتشربوا من خيراته." (ص 65)، وطلب الكاهن من الناس الفقراء أن يتوجّهوا إلى الصندوق الذي في زاوية المعبد ليفتحوه ويأخذوا ما فيه من مال، فيؤمِّنوا الطعام لهم ولأطفالهم.

ويظهر دفاع الدويهي عن المسيحية في عظة لا تخطر على بال أحد، وقد لا يتوقّف عندها أحد، لما فيها من الغرابة، وتحدّي المفهوم من العلم، خصوصاً عند فيثاغورس والمعلّمين الأوائل الذين أخذوا بالمحسوسات، وأعني بتلك العظة "الأعداد"، إذ يبيّن الدويهي أنّ الأعداد اصطلاحات وضعها العقل المجرّد وانطبعت في أذهان الناس: "وقد تظنّون أنّ الفصول أربعة، وهي فصل واحد يرتدي ثياباً مختلفة." (ص )72. وبعد أن يقدِّم المفكر مجموعة من الأمثلة يصل إلى طبيعة الله، فيقول: "هكذا هو الله، لا يحدُّه عقل ولا تحدّده أرقام، فلا تنظروا إليه بأفكاركم فقط بل بأرواحكم أيضاً لتكتشفوا أنّه واحد. وإذا سمعتم من يقولون إنه غير واحد، فاسألوهم عن ذلك وانتظروا منهم أن يجيبوا، فلعلّه واحد وغير واحد في وقت واحد." (ص 73)

إن الدويهي يشفق على أفكار الناس المجرّدة عن الروح، ولذلك يقول لهم: "تعلّمتم أنّ المادّة التي يتكوّن منها الكون أربعة: ماء ونار وتراب وهواء، فما أدراكم ماذا يوجد في المكان الذي لا تصل إليه عقولكم وأفئدتكم؟ وهل تعلمون أنّ الفراغ هو مادّة؟" (ص 78)، فالناس كما يبدو للمفكر الدويهي يعتمدون على الأفكار فقط فيخطئون، وهكذا نظرته إلى الثالوث في المسيحيّة، المساوي لله في الجوهر، فالله واحد، وإذا قال أناس إنه غير واحد، أي ثلاثة، فليس ذلك خطأ إذا كان الثلاثة هم واحد في الحقيقة. وهو يشير بذلك إلى اعتقاد المسيحيين أنّ الله هو آب وابن وروح قدس، وفي الوقت نفسه يؤمنون بإله واحد.

ومثل هذه العظات تعبّر عن فكر الدويهي المستقلّ الذي كوّنه بنفسه، فمن الغبن أن يجتهد الغيارى في تشبيهه بأحد، فها هو يناقض جان جاك روسو في ميله إلى الغابة، عندما يلقي عظة بعنوان "ساكن الغابة" حيث يلتقي برجل يعيش في البراري، وتدور بينهما محادثة طويلة يظهر فيها أنّ الدويهي مؤمن بالعلم والتقدّم وتطوير البشرية، بينما ساكن الغابة مقتنع بالجمود. ويعتبر الدويهي أنّ الرجل أفضل من روسو بكثير، "ولو كان روسو مقتنعاً بأن الغابة هي مكان صالح للسكن، لكان توجه إليها ولم يعش في مدينة." (ص 83). وفي آخر المحاورة يترك المفكر إنسان الغابة ويسير إلى المدينة "حيث الصخب وضجيج الآلات التي تعلك الزمان، وكنت أمجد العقل والروح، وأغنّي للعلم الذي أخرج الإنسان من ظلام الأودية إلى شمس المعرفة." (ص 83).

ويستغل الدويهي حديثه مع ساكن الغابة ليؤكّد على أن الشرّ غير محصور في زمان، فالذهاب إلى الغابة لا يوفر البراءة والسلام، والعيش في المدينة ليس مدعاة للشرور: "قد يكون المرء طاهراً في مدينة، وشرّيراً في صحراء. وقديماً كان الناس يقتتلون بالحجارة والنبال، واليوم يقتتلون بالبنادق والمدافع. لقد تغيّرت الوسائل أما الطبائع فهي ذاتها. وكم من الحروب دارت رحاها في الأزمنة القديمة عندما كان الناس يعيشون في البراري والكهوف وينامون تحت أغصان الشجر." (ص 83)

هذه النظرة الفلسفيّة إلى واقع الخير والشرّ، لا تتشابه في أيّ شكل من الأشكال مع رؤية أي مفكّر آخر، بل إنها تدلّ على النضوج الفكري عند الدويهي الذي يناقض الفلاسفة والمفكّرين بجرأة وصدق. بل إنّ مقاطع كتابه لا تشبه عمل أيّ مفكر أو فيلسوف آخر، فمن السذاجة أن يشَبَّه بأحد جاء قبله. أمّا أن يكون واعظاً، فليس على طريقة جبران، بل على طريقة رجال الدين الذين بلغوا من الحكمة ما بلغوا، فقد جاء كثيرون قبل جبران واستخدموا الأسلوب نفسه، مثل لاوتسو وكونفوشيوس وطاغور ومار بولس الرسول...

وغير بعيد عن الغابة وساكنها، ينتقد الدويهي مَن يطلبون من الناس أن يرتدوا الخشن من الثياب، ويعيشوا في الصحاري، فيقول: "إنّك ترى في هذا العصر أناساً يبشّرونك بالسعادة، ويقنعونك بأن تسكن في الكهوف العميقة، وترتدي الخشن من اللباس، وقد يطلبون منك أن تقتل من أجل الغبطة، فاحذر من هؤلاء." (ص 82). وعندما يأتي إليه قوم يريدون قتل رجل لأنّه من غير دينهم، يقف الدويهي بينهم وبينه، قائلاً: "لو جاءني أحد إلى هذا المعبد وأنكر وجود الله أمامي، لما غضبت منه، ولما أسأت إليه، بل لأخذته باللين، وحاولت أن أقنعه بخطإ رأيه، فإذا اقتنع يكون اقتناعه ولادة ثانية له، وإذا لم يقتنع لا ينبغي أن يكون عناده موتاً. أمّا الحكم على الإنسان فلا يصدر عن أناس يصيبون ويخطئون، بل يصدر عن الإله العادل الذي يصيب ولا يخطئ." (ص 75).

إن الدويهي يستفيد من خبرته في كتابة القصة، ليمزج بين الرواية والحوار والقيمة الإنسانية للعمل الفكري، وخصوصاً في مجال الدِّين، حيث لا معنى للحكم المبرم من قبل أناس على أناس، وقد أرسل الله إلينا أنبياء كثيرين لحكمة منه، وكان يمكنه أن يرسل إلينا نبيّاً واحداً ويقول: اتبعوه، فنكون على دِين واحد ولا نختلف." (ص 75)

ويتحدّث الدويهي عن القاتلين بالسيف، وما هم سوى العصابات المتطرفة التي تهدر دم الإنسان وتعيث في الأرض فساداً: "هؤلاء هم أعداء البشرية، وأعداء الفكر والتقدم." (ص 84). ومصيرهم البكاء والظلمة، "فحياتهم مملوءة بالبؤس وموتهم هزيمة، ومقرهم حفرة أبدية ليس فيها إلا الصمت والوحدة." (ص 85).

وهكذا يبدو أنّ المفكّر اللبناني المهجري الدكتور جميل الدويهي، يقدّم في معبد روحه دستوراً إنسانيّاً فريداً من نوعه، يصلح لأن يكون مشروعاً لحياة، في عصر سادت فيه الفوضى، وتحطّمت المفاهيم. ولعلّ كلمة "سلام" التي مرّت كثيراً في النصوص، تصلح لأن تكون عنواناً أشمل للكتاب، الذي أشدّد مرّة أخرى على أنه مشروع مبتكر، وفيه مواضيع وأقاصيص وحوارات لم تخطر على بال أيّ مفكّر أو أديب من قبل، وهي تأتي من فكر الدويهي وثقافته ومن ضمن مشروع لنشر العدل والحقّ والخير في أرجاء البشرية، ومن صميم خطّة وضعها الدويهي لإبراز الأدب المهجري الراقي، بعيداً عن الاستعراضات الفولكلوريّة، وإنّ أي محاولة لتشبيه "في معبد الروح" بكتب أخرى، ما هي إلا سعي يائس وغير صحيح لتجريد المبدع من إبداعه، فيما الحقيقة ساطعة كنور الشمس.

 

مع د. جميل الدويهي "في معبد الروح"

د. عصام الحوراني

 

نحن في طريقنا إلى "معبد الرّوح"، نسير على دروبٍ متعرِّجة صعبة المسالك مليئة بالأشواك، بيد أنّ النفوس كانت طافحة بالبهجة والشوق الكبير، فهي في طريقها إلى معبد الحكمة والسلام. تذكّرتُ طيور فريد الدّين العطّار التي سارت في دروبٍ صعبة مماثلة لكي تصل إلى "السّيمُورْغ"، وتتّحدَ به بفرح عظيم. كنّا نسير بصمت، ولكنّ صوت الشيخ عبد الله اخترق صمتنا ليقول: جاء في الحديث الشريف: "إنّ اللهَ يبعثُ في كلِّ مئةِ عامٍ مَنْ يُجدِّدُ لهذهِ الأمّةِ دينَها"، وأردف: ولعلّ كاهن المعبد هذا، هو واحد من هؤلاء المجدِّدين. تابعنا سيرنا، وكنّا جماعة، من أمم شتّى، لا يعرف الواحدُ مِنّا الآخر، كنّا معًا نشعر في أعماقنا بأنّنا أكثر مِن إخوة، فنحن طلاّب معرفة، نطلب الحكمة ولو كانت في الصّين، فالسّعي مشتركٌ والهدف واحد. قال لنا واحدٌ كان قد زار المعبد مرّات من قبل: لقد فتح الكاهنُ أبواب المعبد لجميع الشّعوب وقال لنا: "كونوا إخوةً في معبد الرّوح، ولا تسألوا أحدكم: مِن أينَ أنتَ؟ ومَن هما أبوك وأمّك؟ فالمؤمن لا يسأل أحدًا عن أصله ودينه، فالأصل واحدٌ والدّين واحدٌ كما أنّ الله واحدٌ في كلّ الأمكنة".(ص92) سأل آخر: مِن أيّ جهة جاء هذا الكاهن العالِم الفقيه؟ فأجابه أحد المرافقين: جاء مِن الشّمال! فردّ الآخر ليقول: نعم، هو شماليّ لا غُشَّ فيه، وأنا أعرفه يوم كان شاعرًا مجدِّدًا بليغ العبارة، لطيف الكنايات، حُلو المجاز، جميل الصور، رائق الأسلوب، لطيف التخيُّل، شعره كثير الطلاوة يتدفّق سلاسة ورقّة. فخرجتُ أنا أيضًا عن صمتي لأقول: سمعتُ أخباره من كثيرين عرفوه منذ زمن بعيد، وقالوا بأنّه كان وما زال حتّى الآن شاعرًا كبيرًا وكاتبًا أديبًا بارعًا، وحكيمًا فيلسوفاً.

صعّدنا نحو معبد الرّوح وكلّنا أمل ورجاء بأن نصل أخيرًا ونصغي إلى حِكم هذا الكاهن، ونعاين بنفوسنا وأفئدتنا وعقولنا الحقّ، ونتعرّف إلى أفكاره المتنوِّعة وإلى آرائه الكثيرة الصّائبة في شؤون الحياة. وها نحن الآن على مشارف المعبد، ونرى من بعيدٍ الفلاّحين والحطّابين والمكارين والنساء والرِّجال كلّهم يتوافدون من كلّ القرى المحيطة التي تقع وراء الهضاب العالية. (ص4) تلك الناحية حيث يقع المعبد، قد شهدت في زمن مضى حروبًا كثيرة، وكما قال الكاهن لواحدٍ من رفاقنا: "اقتتل الأجداد، وتصارعوا بالحراب والفؤوس والرِّماح، وكلّ واحد يدّعي أن الله مِن أتباعه ومِن أنصار قبيلته". (ص4) ولقد نجا المعبد مِن حروب الناس "لأنّ الكاهن كان قد أعطى المحاربين خبز الحياة، ولم يُميِّز واحدًا منهم عن الآخر... وقال لهم: الحياة أيّها الأبناء تناديكم إلى هيكلها لكي تأكلوا وتشربوا بسلام... وإنّني أدعوكم إلى مأدبتي، مأدبة الخبز والماء، مأدبة السلام الجميل الذي يطير بكم على أجنحةٍ علويّة إلى سماء لا يتصوّرها الفنّانون والشعراء..." (ص5)

وصلنا أخيرًا إلى باحة "معبد الرّوح"، فجلسنا على مقاعد حجريّة نستريح من عناء الطريق ومشقّاتها الكثيرة. وتذكّرتُ كلام السيّد المسيح الذي قال: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال وأنا أريحكم"، فقلتُ في نفسي لعلّ في حِكَم هذا الكاهن قبسًا مِن نور المسيح، يريح الإنسان أيضًا ويُزيل عنه هموم الحياة الثقيلة ومعاناته الكثيرة. قال واحد من رفقائنا وهو صينيٌّ: لعلّ حِكَم هذا الكاهن هي تجلِّيات لـِ"أناشيد الطريق والفضيلة" للحكيم الصّينيّ لاوتسو الذي قال: "عندما يفيض الخفاء والظهور تباعًا من النبع ذاته بأسماء شتّى يبقى كلاهما سرًا مغلقًا وراء باب جوهرهما الواحد سرّ الأسرار".

جاء دورنا لكي ندخل باب المعبد الضيِّق، فمشينا نحوه يلفُّنا الخشوع وتُحيط بنا الرّهبة. هوذا الكاهن الورع أمامنا، استقبلنا ببشاشة ولطف ومحبّة خالصة، نظرنا إليه بغبطة وفرح، فإذا وجهه تحيط به هالة من الإشراق، "في فمه صلاة وأغنية، وعلى رأسه بياضٌ مِن جبال الأرواح، حيث يهطل الثلج بغزارة فيُغطّي كلَّ شيء، ويمحو السواد عن الجدران والأرصفة". (ص 4) في المعبد جمع كبير من كلّ الأمم والشعوب، يسأل واحدهم عن أمر ما في الحياة فيُجيب الكاهن المقتدر بثقة، وبفكر ثاقب، وبأسلوب سهل رشيق رائق عذب المورد ناصع البيان واضح التعبير. كنّا نصغي إليه بكلّ جوارحنا، كنّا صامتين جامدين وكأنّ على رؤوسنا الطير.

سأله واحد قائلاً "أنّه يبحث عن الله، ولا يجده في أيّ مكان. وقال له: قرأتُ غوته ونيتشه وفولتير وجبران وطاغور فلم أهتدِ إلى شيء، أمّا كلام الناس، فهو عندي أشبه بفخّار قديم في متحف، ولقد صدق الذين قالوا إنّ طبيعة الله مجهولة". (ص 7) أجابه الكاهن على الفور: "لكنّ الله فيكَ وفيَّ وفي كلِّ واحدٍ مِنّا، فلماذا تبحث عنه وهو في متناول يديك"؟ وراح يشرح له معنى قوله هذا، وكيف أنّ الله "هو الكلّ في الكلّ والنور في النّور، فأنت ترى بعضًا منه في الأشياء التي حولك". وعندما قال له هذا الرجل إنّه يريد معرفة الله معرفة كاملة! أجابه: "هذا وهم يا بنيّ، فأنت لا تعرف من المعرفة إلاّ شيئًا يسيرًا هو أصغر من قطرة الماء في بحر"! (ص 8) وقال الكاهن للرجل: "سأعطيكَ كتابًا من عندي عنوانه: (الحقيقة الكاذبة) وتتأكّد بعد أن تقرأه بعناية أنّ الحقيقة التي يراها أغلب الناس ما هي إلاّ أكاذيب متتالية جاءت بها العصور، ووضعتها في آذانهم فاعتنقوها من غير تفكير..." (ص9) أقتنع الرّجل أخيرًا بحكمة الكاهن، كما اقتنع الآخرون في المعبد، وقال له هذا الرّجل: "أعدك أيّها الكاهن في معبد الرّوح بأنّني سأعرف الله... سأعرفه عندما أغمض عينيّ، وعندما أفتح قلبي على أنوار السماء". (ص9)

وبينما نحن في المعبد، سمعنا أصواتًا وصخبًا في الخارج، فخرج الكاهن للحال، وإذا به أمام رجلين يتقاتلان ويتضاربان بالأيدي ويوجِّهان الشتائم بعضهما لبعض، فتدخّل الكاهن وفرّقهما عن بعض، وعرف منهما أنّهما أخوان، وقد أورث والدهما الكبير منهما ثورًا للحراثة والأصغر أورثه بقرةً حلوبًا. وبعد مدّة تزاوج الثور والبقرة وأنجبا عجلاً، فاختلفا على ملكيّة العجل. وبعد جدل طويل، أقنعهما الكاهن أخيرًا بالحكمة التي جمعت بين العقل والقلب، والتي قدّمها إليهما، فتصالحا، وقال الرّجل الكبير: "لو لجأ الناس إلى الحكمة، لكانوا نجوا من المجازر المروِّعة وأنهار الدِّماء التي سالت على مرِّ العصور. لو احتكم الناس إلى القلب والعقل معًا لكانوا خلّصوا أولادهم من ميراث الدّمار". (ص 12) حكاية هذين الرّجلين شائقة فمن رام التزوّد بها عليه أن يقرأ كتاب الكاهن المليء بالحكم. عاد الكاهن إلى المعبد لكي يُتابع محاوراته مع الزّائرين وتقديم خبز الحياة لهم، من خلال الحكم المختلفة، كما من خلال المعرفة التي قال عليها: "هي الأداة التي بها تواجهون الشرور وتنتصرون عليها". (ص 25).

واستمرّ كاهن المعبد في تقديم آرائه المتنوِّعة في شؤون الحياة كلِّها. تحدّث عن الزمان وقال: "إنّ الزمان أيّها الناس هو المركب الذي يُبحر فينا، فلا نحن نخشى السفر، ولا المركب يتعب من الدّوران... والناس يستقبلون الزّمان بثيابٍ أنيقة... وإنّ الثياب التي نحرص على انتقائها قشورٌ تغطّي أجسادنا، ولا تغطّي أرواحنا ونحن في داخل أثوابنا نشبه الحقيقة التي تختبئ تحت أوراق الخريف، وما أروع الحقيقة العارية التي تشرق عليها الشمس، ويغسلها المطر بدموعه". (ص 13 - 15)

وتحدّث الكاهن عن حقيقة الحبّ، عن الحبّ الذي يُعطي ولا يأخذ، فأشار إلى أنّ الحبَّ يكون لله والمخلوقات وللكون، فهو الذي يُعطي الناس الحريّة، وقال: "بعضكم يحبّ امرأة واحدة، فحبّه صادق وحميم، وبعضكم يحبّ كثيرًا من النساء، فحبّه ليس باطلاً لأنّ الذي يحبّ أفضل من الذي يكره. ولكن لا ترجموا امرأة إذا أحبّت رجالاً كثيرين فإنّها أيضًا لا تكره، وإنّكم لا تفرّقون بين ذكر وأنثى كما أنّ الله لا يُفرِّق". (ص 16) وبدا لنا هذا الكاهن الشاعر وهو الصّوفيُّ العاشق المتهجِّد الذي يُغنّي الحبَّ منذ انبثاق الفجر الليلكيّ وحتّى العشيّات الناعسة.

الكاهن الشاعر الذي يعيش في معبده قانعًا راضيًا سعيدًا، يعيش الطبيعة في أعمق أسرارها ودلالاتها، يعيش الطبيعة التي تحمل في عناصرها عظمة الله وقدسيّته، وهو يسأل الناس أن يُقدِّسوا الطبيعة بعناصرها المختلفة، ويقول لهم: "أحبّوا كلّ شيء رسمته يد الله. وإن فعلتم ذلك، فإنّ مواسمكم ستفيض خيرًا، وبيوتكم لن تفرغ مهما قست الأيّام والدّهور". (ص 21) وبين الشعراء والطبيعة علاقة حميمة، فالشاعر، وبخاصّة الرومنطيقي، يجد في الطبيعة نفسه الحزينة، يجد فيها الملجأ الأمين الذي يحميه من هيجان النفس وعذاباتها، فهو يرى في الطبيعة صورة حيّة لآلامه وأحزانه، فنسمع "فرنسوا دو شاتوبريّان" (1768 – 1848) زعيم الرّومنطيقيّة الفرنسيّة المشهور يقول: "هذه الأوراق التي تتساقط كما سنوات العمر، وهذه الأزهار التي تذبل كالسّاعات، وهذه الغيوم الهاربة مثل أوهامنا، وهذا الضوء الذي يضعف كتفكيرنا، وهذه الشمس التي يُصيبها الصقيع كما حبِّنا، وهذه الأنهار التي تتجمّد كحياتنا. جميعها ذات صلةٍ سرِّيّةٍ بأقدارنا". وننصت إلى كاهن المعبد الذي يقول: "طوبى للشعراء والفنّانين الذين سحرتهم الطبيعة في ربيعها وخريفها، فلبسوا أثواب الغابات، واستحمّت نفوسهم بمياه الأنهار والينابيع، وجسّدوا قوّة السماء في أعمالهم". (ص 45)

ويتحدّث هذا الكاهن العارف عن التعب الذي هو برأيه "معموديّة الجسد والرّوح... وإذا قال لكم أحدٌ: لا تجعلوا أولادكم يتعبون، بل عوِّدوهم على العبادة، وعلِّموهم الكتاب لأنّ فيه العلمَ كلَّه، فهذا هو الكافر الذي لا يُؤمن بأنّ الحياة تسير إلى الأمام، وأنّ انتصار الإنسان لا يكون إلاّ بالطموح والعلم". (ص 23)

نعم، هو الكاهن المفكِّر المجدِّد والشّاعر المبدع. لقد تحدّث عن الشعراء، عن كلِّ الشعراء في كلّ الأعصر والأزمنة، شعراء العصور القديمة الذين كانوا "في كلّ وادٍ يهيمون وأنّهم يقولون ما لا يفعلون". لكنّ الكاهن أنفذ بصيرته بعمق وبجرأة أهل العرفان، في حقيقة الشعر والشعراء، وهو واحد منهم، فقال: "تمعّنوا في أفكار الشاعر لتكتشفوا حقيقة الإنسانيّة التي تحبّ الخير والفضيلة. وقد تشاهدون شعراء ماجنين يحبّون الخمرَ، فلا ترشقوهم بنبال الحقد والانتقام، بل اسكبوا معهم خمرًا واشربوا حتّى تسكروا... حدّثوكم عن امرئ القيس، وبشّار بن برد، وأبي نواس، وقالوا لكم: هؤلاء شعراء من رعيلٍ فاسد ومتهوِّر، فانبذوهم ولا تقرأوا شعرهم، أمّا أنا فأقول لكم: إنّ هؤلاء شعراء مباركون، فقد أعدّوا وليمة للحبّ والجمال، وأورثونا جنائن معلَّقات لا تغيب عنها الشمس". (ص 28 – 29)

وتحدّث كاهن "معبد الرّوح" عن نور الفضيلة الذي يختلف عن نور الشمس، فهو الذي يخرج من القلب إلى القلب، ومن العقل إلى العقل: "أمّا الذي يفرح بنور القلب والعقل، فيختفي الظلام من طريقه وتتبدَّد الحُجُب". (ص 30) وتحدّث عن حقيقة ما في أعماق النفس الإنسانيّة من نزواتٍ، وهموم، وضغينة، وتلوُّنٍ، وحقدٍ، وجشع، وإجرامٍ، وكفرٍ... وما فيها أيضًا من صدقٍ، وفرح، وخير، ومسامحةٍ، وإيمان، وحرّيّة... لقد جعلنا ونحن في المعبد نرى أنفسنا بمرآة لديه مصقولة بالضِّياء، عكست لنا ما في بواطن أعماقنا من نزعات متنوِّعة الألوان، فنتعرّف إلى ذواتنا المظلمة الكالحة، لننطلق مع حكمته ومعارفه نحو آفاقٍ أرحب في عالم السعادة والسلام.

الهجرة التي رافقت البشر منذ أقدم الأعصر، هي ظاهرة طبيعيّة لحركة الجنس البشري الطامح أبدًا نحو التبدّل طلبًا للترقّي والتطوّر. وكان للهجرة صدى في قلب كاهن المعبد الذي اختبر بنفسه هذه الظاهرة وعاينها بكلّ أسبابها ونتائجها النفسيّة والماديّة. وهو الذي شاهد الناس في الموانئ، وهم يتركون أرضهم بالجسد، لكنّ أرواحهم تبقى هائمة على مرابع كانت مرتعًا لطفولتهم وشبابهم، يتركون الأرض الحبيبة وفي النفس غصّة وفي العين دمعة. فخاطبهم الكاهن قائلاً: "وإذا تركتم بيوتكم وحقولكم، فلا تلتفتوا إلى الوراء... فما تملكونه لم يكن يومًا لكم، فقد أخذه الفراغ واحتلّته الوحشة... وصدقًا أقول لكم: إنّ الغربة تجعلكم تتعذّبون من أجل أنفسكم ومن أجل غيركم أيضًا، والعذاب فضيلة". (ص49 - 51)

قال سُقراط: "أعرف شيئًا واحدًا، هو أنّني لا أعرف شيئًا"، هذه المعرفة التي حار في أمرها المفكِّرون منذ ألوف السنين، وقد أجهدوا في سبيلها عقولهم ولم يصلوا إلى حقيقة المعرفة. وقال الملك سليمان: "ووجّهتُ قلبي لمعرفة الحكمة ولِمعرفة الحماقة والجهل. فعرفتُ أنّ هذا أيضًا قبضُ الرّيح. لأنّ في كثرة الحكمة كثرة الغمِّ والذي يزيد عِلمًا يزيد حُزنًا" (الجامعة/1: 18). والكاهن "في معبد الرّوح" يقول: "واقتنعوا بأنّ ما هو موجود هو جزء ضئيلٌ من الوجود، وأنّ أفكاركم عاجزة عن إدراك المعالم الخفيّة التي حجبها الله... فلا تخجلوا مِن القول إنّكم لا تعرفون... فمعرفتكم ليست إلاّ معرفة القليل القليل..." (ص 79)

فكرة "اللاشيء" المعقَّدة كانت مِن أدقّ مفاتيح الحكمة في الشرق الأقصى. يقول الشيخ عيسى نورالدّين: "إنّ اللاشيئيّة هي لغز الميتافيزيقا الأوحد، ذلك أنّها لا شيء إلاّ أنّها موضوعٌ للفكر". ويقدِّم كتابُ "الطريق والفضيلة" للفيلسوف الصّينيّ لاوتسو صورةً لطبيعة "الطّاو" ولانهائيّته وأثره المباشر على السّلوك الإنسانيّ. والكاهن "في معبد الرّوح" يتطرّق في حديثه عن الحقيقة ليقول: "لقد تعلّمتم أن تقولوا إنّ اللاشيء هو لا شيء، لكنّي أقول لكم صدقًا إنّ اللاشيء هو شيء موجود، ولو لم يكن موجودًا لما قلتم إنّه لا شيء... وهل تعلمون أنّ الفراغ هو مادّة ، بل هو الأصل الذي انفصلت عنه المادّة التي تلمسونها وترونها"؟ (ص 78)

هوذا كاهن المعبد، شموليّ المعتقد والإيمان، لا تحدّه آفاق ولا يحدّه زمكان، ينظر إلى حقائق الأمور ويخترق عباب الفكر الصّافي فيقول: "وإذا قالوا لكم بمَ تؤمنون؟ فقولوا لهم: نحن نؤمن بكلِّ شيء، نؤمن بحبّة التراب والجذور والسماء والشجر العاري لأنّها كلّها مِن عمل واحد، ونعتنق الفكر لأنّه فكر المبدع، ونقدِّس الرّياح التي تقتحم الغابات فتغيِّرها وتلبسها العراء لكي تعود من عرائها خلقًا آخر". (ص 84) وكأنّنا في حضرة محيي الدّين بن عربي نسمع بعضً من شطحاته:

لقد صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ فمرعًى لِغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ

وبيتٌ لأوثانٍ وكعبــةُ طائفٍ وألواحُ توراةٍ ومِصحفُ قرآنِ

أدينُ بدينِ الحبّ أنّى توجَّهتْ ركائبُهُ فالحبُّ ديني وإيمانــي.

السلام عليك أيّها الكاهن المقتدر في "معبد الرّوح"، أيّها الكاهن الشّاعر العارف الحكيم، يا أديبًا نحن اليوم بحاجةٍ ملحّةٍ إلى حكمتك وإلى أفكارك النيِّرة، وإلى أدبك الذي يمتاز بأسلوبٍ رائقٍ تتمثّل البلاغة في كلّ فقرة من فقراته، وتكاد الأفهام تدركه قبل الأسماع. نحن بحاجة إلى هذه الأفكار التي تتدفّق من فكرٍ صافٍ، وبخاصّةٍ في زمن العولمة هذا، حيث بدأت تغيب أنوار الفكر الثاقب، وأنوار الرّوح المنبثقة من شمس السلام التي لا تغيب، وكما قال صاحب "معبد الرّوح": "الشمس هي الهديّة التي أعطاها الله للبشر ولم يُحطِّموها. الشمس هي الأيقونة المقدّسة..." (ص 4) وكانت وصيّة أديب هذا المعبد وفيلسوفه أن يصنع النّاس السلام، السلام الحقيقيّ الذي يدوم لأبنائهم ولأحفادهم، مردِّدًا: "اِزرعوا في كلّ حقلٍ شجرة سلام، وأضيئوا في كلّ بيتٍ شمعة للسلام، وصلّوا صلاة المجد لإله السلام".

"في معبد الروح" محاولة للإحاطة بالمحيط

الشاعر الدكتور مروان كسّاب

 

الدكتور الشاعر مروان كساب يبحث شارحاً ومحللاً ومعلقاً على مؤلَّف الدكتور الأديب والشاعر جميل الدويهي الوارد تحت عنوان "في معبد الروح"، وقد استهل مقاله الاكاديمي في عنوان: "محاولة للإحاطة بالمحيط" أي محاولة الإحاطة بهذا المؤلَّف الرائع المشابه للمحيط في عمقه واتساعه، حيث الإحاطة به تمسي حلماً توّاقاً الى اقتناص الجمالات واقتباس هذا الأسلوب الأدبيّ الأصيل المبني على المبادئ والقيم الروحية التي لا يضاهيها شيء آخر مهما بلغ مبلغه من الرفعة والتجلّي، طالما أنّ تلك المبادئ المشار اليها آنفاً تبقى هي هي الرصيد الذهبي الذي تقاس عليه سائر القيم الروحية والأدبية، لكي يكون لها النصيب الأوفر بالتربُّع على عرش الخلود والبقاء.

*محاولة للإحاطة بالمحيط

عنوان بهذه العظمة اللامتناهية: "في معبد الروح" كتاب مكتنـز بما يتجاوز عمق البحار وشرود المدى لا يمكن مواجهته إلا بعنوان آخر قد يكون مرآة صافية لما يزخر به هذا المؤلَّف من قيم روحية ومزايا إنسانية وأفكار وصوَر تدور على محاور عدّة لتأخذ مجموعة مناحٍ من مكنونات الكون والحياة، بحيث يطلّ علينا الدكتور جميل الدويهي بإطلالات متعدّدة ومتنوعة تأخذ كل منها وجهاً موّاراً بالضياء ليهدي أبناء البشر سواء السبيل في منعرجات الحياة الروحية والاجتماعية على حدّ سواء.

تراه تارة شاعراً محلّقاً حيث لا يمكن أن تصل الأجنحة فيأتيك بالصور البيانية المليئة بالحركة التشخصية بحيث أنّك والحالة هذه تشعر وكأنّك ملتصق تماماً بالحدث أو الوضع الذي يتطرق إليه أو يؤميء إليه ولو تلميحاً، إنه والحق يقال، وفي هكذا محطات يتراءى لنا الشاعر الرمزي بامتياز، مما يذكرنا بالشاعر الرمزي "بودلير" الفرنسي بصوره الرمزية التي تفوق الوصف وتتجاوز التحديد، فعلى سبيل المثل نورد بعضاً من هذه الصور لدى شاعرنا وأديبنا ودكتورنا الأستاذ جميل الدويهي، عندما يطالعنا في مقدمة مؤلَّفه العظيم، بمثل هذه التشابيه الرمزية العجيبة إذ يقول بما حرفيّته: "وعلى رأسي بياض من جبال الأرواح" و"الشمس هي أيقونة مقدّسة وتحفة من ذهب ونار".

وفي أمكنة عدة من صفحات هذا الكتاب الذهبي ترد تصاوير مزدهية بالألوان الزاهية والأضواء التي تغل بعباب الوجدان لتجترح الأعاجيب الشعرية والأدبية وأحياناً الرؤى الفلسفية المزدانة بالإيمان المطلق بمبدع الكون والحياة الرب الإله القادر على كل شيء وفي كل شيء، الكل في الكل والواحد في الكل، وقبل الولوج في خضم تحليل الموضوعات المتنوعة والمتعددة التي تطرق اليها دكتورنا جميل الدويهي يحسن بنا الإشارة ولو بصورة عاجلة إلى باقة من ورود الصور الشعرية التي اقتطفها هذا الشاعر الخلاّق من جنائن خواطره وتأملاته، لدى تطرقه إلى مناشدة المرأة إذ أورد ما حرفيته: "عليكِ إن تولدي من جديد - أما رأيت الزهرة الجميلة كيف تخرج من الأرض القاسية، وكيف تخترق جدار العدم لتعانق الصباح وتنشر عطرها على حبال النسيم؟" حقاً لنتأمل بهذه الصورة الشعرية الجذابة التي رسم شاعرنا من خلالها تألق المرأة وتبلور شخصيتها على محك التجارب والصعوبات، إذ إنه قارنها بالزهرة التي تخرج من الأرض القاسية وهنا يعني بالأرض القاسية الصعوبات الجمة التي تواكب المرأة في حياتها العائلية والاجتماعية ومع ذلك إنها تخرج منها على غرار الزهرة وتنشر عطرها على حبال النسيم.

وهل ثمة أروع من هذه الصورة النابضة بالحركة والموشاة بهمسات النسيم؟ دعوني أقول هنا، إن هذا الإبداع آتٍ من السماء على أجنحة سماوية تتسامى على كل ما في هذا الكون من هواجس ضبابية وتطلعات جانبية هامشية لا تقاس إلا بمقياس الالتفافات العابرة والاعتبارات المبنية على الفرضية المبتذلة: طوراً تراه، أي الدكتور جميل الدويهي، فيلسوفاً عقلانياً يوظف كل ما لديه من طاقات فكرية بحثاً عن الحقائق الأولى اوالمبادئ الأولية التي انصرف إلى بحثها وتعميقها أعلام الفلسفة الاغريقية قديماً، وكما تطرق إلى البحث نفسه فلاسفة آخرون ومعظمهم أوروبيون بحيث تناولوا البحث في المادة والروح بأزلية العالم وقدمه، ناهيك عن البحث في مسألة النفس وخلودها، إلى ما إليه من موضوعات ترتدي بأغلبيتها الطابع الفلسفي وتقوم على التحليل المنهجي الآيل إلى تحديد الأسباب وربطها بالنتائج المتأدية عنها بطريقة جدلية لا تقبل المغالطة، من هنا يبدو لنا أن الدكتور جميل الدويهي لم يدخر جهداً إلا وبذله في سبيل رفع النقاب عن مثل هذه الموضوعات التي يكتنفها الالتباس لكي لا نقول الغموض والابهام، وعليه ومن هذه النقطة البارزة أي النقطة الفلسفية نرى أنه في معبد الروح تبرز أمامنا طائفة من الموضوعات التي تشكل في قسمها الأكبر طروحات فلسفية يصعب الرد عليها في حين أن الدكتور جميل استطاع بدأبه الجاهد أن يجلي غوامض هذه الأسرار التي تواكب الانسان في كل مرحلة من مراحل حياته، بحيث أن السؤال الذي يطرح نفسه: هل إن المرء في حياته العادية يستطيع أن يكون بمنأى عن ظاهرتي الخير والشر أو فكرة الشريعة ومبدأ الحكمة وتداخل القلب والعقل في تحدي مصائر العباد، وفكرة الانسان واعتبار وجوده قيمة في الوجود وليس سلعة تباع وتشرى في سوق المعاملات والمقايضات المادية؟ فضلاً عن تطرقه الواضح إلى موقف رجال الدين تجاه البائسين بالمقارنة مع نظرتهم إلى الفئة الغنية من الناس، وفوق ذلك وقبل كل هذا إن دكتورنا جميل لا يغرب عن باله إطلاقاً التمسك العميق بمفهوم الألوهية، بحيث يشير قائلاً: "الله غير مرئي إلا في جوهره" وهذه هي الصورة المتألقة بالإيمان المطلق، إنما يزيدها تألقاً عندما يحدثنا عن "الأصوات التي يحدثها الصمت" وهل ثمة أروع وأبدع من لغة الصمت التي تسكت لديها جميع اللغات؟ وهنا يلتقي الدكتور جميل مع أكبر شعراء الجيل الثامن عشر في فرنسا، لجهة مناجاة الصمت وهو الشاعر ألفرد دوفينيي في قصيدته الرائعة "موت الذئب" الذي قال بما حرفيته في اللغة الفرنسية: فقط الصمت هو عظيم، وكل ما تبقى هو الضعف.

إن البحث في كتاب "في معبد الروح" يتطلب أكثر من مبحث وقد لا نفيه حقه حتى لو أننا كرسنا معظم الوقت في التحليل والتنقيب، ذلك أن مثل هذه الموضوعات التي جرى بحثها "في معبد الروح" تقتضي أكثر من معبد وأكثر من مذبح، لأن معظمها يتسم بطابع روحاني مجرّد وليس ثمة أمر مضنٍ على الباحث أكثر من تجريد الشيء مما هو عليه إلى ماهيته ونوعيته وكينونته، وجميع هذه الموضوعات ينضوي تحت لواء الطروحات الفلسفية التي تزيد حرجاً وتعقيداً مع تطور الأجيال وتفاقم الحالات المستجدة التي من شأنها إثارة القرائح وتحريك الأقلام لإخراج الروح البشرية من ديمومة الانكماش والانطواء إلى ما كل ما فيه من روح المحبة والتضحية والانفتاح: وهذا ما سعى إليه دكتورنا جميل الدويهي ليقدم إلى الانسان والمجتمع على حد سواء وفي أي زمان أو مكان من العالم أجمع زاداً روحانياً لا جوع عنده ولا عطش حيث يكون البيدر كل البيدر والنبع كل النبع، فهنيئاً لكل من يتزود من هذا البيدر المدرار ولكل من يجرع الجرعة السرمدية من هذا النبع الرقراق الدفاق بالماء العذب الصافي الذي لا يروي العطاش فحسب بل العطش نفسه حيث تكون الحقائق والقيم المطلقة هي المقياس الأساسي في هيكلية الأشياء وتجريدها من ماديتها الضيقة إلى رحاب المثُل العليا، عالم الأفلاطونية حيث تنعم الروح في معبد الروح وتبث صلاتها الخاشعة على ثغر النسيم ووريقات الحبق والياسمين، فتعبق الحياة بأريج الانسانية المجردة بما يرادف الأزل والخلود كينونة ومصير.

حقاً عندما اخترت عنوان هذه الدراسة والتحليل لكتاب "في معبد الروح" "محاولة للاحاطة بالمحيط" إنه العنوان الملائم باعتبار أن كتاب "في معبد الروح" هو محيط المعرفة ودائرة معارف، وبحثه وشرحه يقتضي بأقل ما فيهأكثر من موسوعة لكي يفي قسطاً واحداً مما ينبغي ايفاؤه لهذا المؤلف العصري المبارك الذي جمع بين دفتيه روح الشعر وعقلانية الفلسفة وصهرها في بوتقة الإيمان والانسانية المعطاء.

21 كانون الأول 2015

الدكتور جميل الدويهي في معبد الروح

المحامية د. بهية أبو حمد

 

اقترب مني بقامته الصلبة والتي تعكس صورة رجل أعطى الثقافة والأدب وجهاً ومعنى آخر وجعل لغة الحب فيها إلزاماً.

إنه الدكتور جميل الدويهي – ابن زغرتا البار – ذو أدب رفيع وأسلوب نادر اختلف فيه عن معظم الأدباء. إنه الكلمة الأدبية – إنه الثقافة الفكرية بحد ذاتها – إنه فيلسوف القرن العشرين – أجل – أقولها وبكل فخر عن شاعر، وكاتب، وفقيه، وناقد، وبروفسور، وصحافي برع في جميع الميادين وفي جميع الظروف رغم قساوتها عليه ورغم الحسد الذي يشرب كأسه كل يوم. إنه حقاً أسطورة القرن العشرين، وفيلسوف أعطى الحق والوطن، والحب والمحبة، والحرية معنى آخر.

ما أبهرني في معبد الروح هو الأسلوب اللاهوتي والمعاني الصادقة والخالدة التي تنساب علينا كلمسة سحرية لتغذي كل طرف فينا – وتغير أسلوب حياتنا.

لقد دعا الدويهي إلى الغفران الذي اقترن بالشمس (والذين لا يغفرون عجزت نفوسهم عن السير نحو الشمس) ومن منا لا يعشق نور الشمس بعد الظلام الكالح.

كما دعا إلى إزالة الحقد الذي يدمر الحب – وجسد الله حباً في البشر (الله هو الحب الذي فيك وفيّ) (لكننا جعلنا الحقد يطغي على قلوبنا فإذا الحبّ جثة هامدة على مذبح النزوات البغيضة.)

اقترنت الحكمة مع الدويهي – في المرأة التي أعطت الحياة (الحكمة هي المرأة التي أعطتنا الحياة). كما أكد أن الحكمة موجودة في عناصر الكون (في العاصفة والسكون – في الهواء والشمس، في البحر الهائج، في الأودية العميقة) ودعا إلى أن نذهب إلى الحكمة بخطى وئيدة.

أعطى الدويهي للوقت والزمن قيمة كبيرة وثمناً باهظاً (إن كل دقيقة تمضي هي ذهب خالص) ودعا الى كشف الحقيقة (ما أروع الحقيقة العارية التي تشرق عليها الشمس.)

أمّا الحبُّ في فلسفة الدويهي فهو ألوهي – يرفعنا إلى مصاف الملائكة – ويشدد على الحب النقي المجرد من أي فائدة أو مصلحة (الحب الذي يعطي ولا يأخذ) (إن الحب يرفعكم من مصاف الناس إلى مصاف الملائكة – وكم يكون جميلاً لو تحبون من غير فائدة – فآنذاك تطير أرواحكم إلى السماء كألحان ربيع وتولدون في معمودية الحب ولادة جديدة.)

(ومن أسوأ الحب الذي يعبر عنه رجال الدين لمن يملكون الثروة والغنى) - (ومن أسوء أنواع الحب أن يحب المرء الرب إلهه عندما يكون في حاجة إلى شيء منه.)

للفكر البشري مكانة خاصة عند الدويهي لأنه أداة للعلم والتطور (إن الله قد أوجد الفكر البشري ليكون أداة العلم والتطور ورفعة الإنسان) – وأعطى الدويهي للشاعر حقه بأن إرثه خالد لا يموت (لماذا يموت الشاعر ولا يموت؟ لأنه أودعكم إرثاً من الفكر يغني الحضارة) كما دعا الله أن يحفظ الشعراء (صلوا معي يا إخوتي أن يحفظ الله الشعراء من كل شرّ.)

نظر الدويهي إلى النور والظلام بشكل مميز وخارج عن المألوف. فكانا بنظره توأمين لا ينفصلان – أما نور الفضيلة فكان الأقوى والأمتن لأنه (يخرج من القلب الى القلب) ومن (العقل الى العقل). وأكد على الإكتفاء به (إن الذي يكتفي بنور النهار لا يعرف الطريق إلى الليل). ولم يكتف الدويهي بهذا الحد بل دعا إلى سكب النور والخير في أرواح العباد ليصبحوا معابد مقدسة (اسكبوا من النور في أرواحكم لتصير معابد مقدسة) (فالخير يزيد النور نوراً... ويزيح الظلام) فهل هناك أسمى وأرقى من هذا التعبير والوصف؟

في معبد الروح لم يعد للموت رهبة فقد صوره الدويهي كمرفأ (الموت هو المرفأ الذي سعى إليه بخطى متسارعة ونحن نواكب مرور السنوات) – وعلّمنا الدويهي أن الموت ينتظر كل إنسان على قارعة الطريق- إنه صدفة كما أن الحياة صدفة تنظر إلينا ولكننا لا نراها.

أما إدراك المعارف الخفية فكان له فلسفة أخرى عند الدويهي ووصف الحقد، التواضع والخير والشر بشكل آخر ودعا الى اليقظة والتروي في التعامل مع البشر (إن اقترابك من بعض الناس هو الخسارة بعينها وابتعادك عنهم ربح لك) (الناس لا يفهمون إلا ما يرونه).

في معبد الروح انتقد الدويهي نيتشه وجبران وغوته بشكل أدبي راق ومميز - وأكد أن نيتشه لا يعرف الحقيقة – لأنه رأى نفسه عملاقاً في مرآة كاذبة فاعتقد أن الإنسان الهاً- لذا دعا الدويهي الإنسان الى التواضع ليكون قوياً في تألهه وفي علاقته مع الآخرين. (أما رأيتهم في الصفوف الأمامية ويتصدرون المآدب؟ يتكابرون في المجالس ولا يتركون مجالاً للحكماء والأدباء والفنانين لكي يتكلموا – فلن يعطوك سوى جهلهم وغرورهم – فأنت حين تغمرهم بأفضالك ومزاياك تجعلهم يتحرقون على جمر أحقادهم وتنتقم منهم.)

وكان لجبران وغوته نظرة أخرى في معبد الروح – فجبران دافع عن الإنسان الذي أضاع طريقه ولكنه بنظر الدويهي ما زال إنساناً – أما غوته فيريد الشر خادما للخير- وقد استخلص الدويهي بأن جبران وغوته معاً لا يعرفان اتجاه الريح لأن الشر نقيض الخير وليس خادماً له ولا يقود إليه – بل إنهما صديقان لدودان (سامح الخطأة والجناة فإنك في ذلك تفعل خيراً لك وشراً لهم.)

في معبد الروح شنع الدويهي بالبخل ووصفه بأبشع الأوصاف (البخل من أبشع الرذائل) وصوّر البخل كأداة أو سبيل يعوق الوصول الى الله (البخل يبعدكم عن الله – لأنّ البخيل بخيل في صلاته وفي تسبيحه أيضاً).

أما الكرامة في معبد الروح فكان لها معنى آخر، فالإنسان قوي وجبار (أرفضي أن تركعي لأنّ الركوع هزيمة وانحطاط) ولتكن لك كرامة فالموت على حد السيف أشرف من الحياة على أشلاء الهزيمة.

أما الحرية والوطن فهما تؤأمان بنظر الدويهي (حيث تكون الحرية يكون لنا وطن) أما الحرية فلها معنى آخر ومكان مميز خال من الحقد – لأن الحقد بنظر الدويهي هو (بيت أسود تدخلون إليه ولا تخرجون منه إلا وقلوبكم يابسة) أما المحبة فتعلم الإنسان ليصبح مفكراً وفيلسوفاً، أما الحقد فإنه (يخرجكم من عقولكم فتصبحون أشباحاً في حقل مهجور). ودعا الدويهي إلى حب المحبة (أنا أعلمكم أن تحبوا المحبة) (وإذا ضربكم أحد بحذائه فلا تجيبوه بالحذاء) (اخلعوا رداء الكراهية وتكلموا لغة السلام.)

الكلمة في معبد الروح هي أزلية (والكلمة هي الأبد والأزل) أما الوفاء فله معنى أقوى وأجمل ويرسخ في كل فرد منا (لكنكم من وطني ولوني وديني... فأي وطن علمكم أن تفتكوا بإنسانه؟ وأي دين أوعز إليكم أن تقتلوا وتمثلوا بالأجساد؟)

(أعرف أنكم لا تميزون بين الكلمة والحذاء – وبين الوردة والخنجر) ( فأنا أعبد إله الحق الذي يعطي ثوبه لمحتاج وخبزه لجائع.)

وما أجمل معنى الصدق في معبد الروح ( الصادق يبني بالمحبة والمحبة تبينه) - والذي نزهه الدويهي عن كل عيب ورفعه إلى الألوهية (الصادق يتحدث إلى الله والله يحادثه) (والكاذب شيطان أعمى).

في معبد الروح رسخ الدويهي العلاقة بين أفراد العائلة (ويله من يفرق بين الأب وأبنائه – وبين الأم وابنتها وبين الجار وجاره فقد جاء ليهدم لا ليبني) –( إن المحبة هي الشمس التي تضيء عليكم جميعاً.)

في معبد الروح شدد الدويهي على العطاء وربطه بالخالق (إنكم حين تأخذون من الله لا نتزعون عن أنفسكم صفة العطاء) واحتقر الجشع (هؤلاء يا أخوتي لا يشبعون ولو كانت جميع كنوز الدنيا في أيديهم) (أما شعورهم بالجوع فقد بدأ منذ ولادتهم ولا ينتهي إلا إذا صاروا في القبور) ، كما كان للحرية معنى آخر عنده (الحرية هي الأم التي أعطتكم الولادة وأرضعتكم – هي الصباح الذي يشرق في عيونكم – الحرية نقيض الموت بها الكواكب الشرقة وله عتمة القبور.)

في معبد الروح دعا الدويهي إلى النظر للإله بالفكر والروح لأنه واحد (فلا تنظروا إليه بأفكاركم فقط بل بأرواحكم أيضا لتكتشفوا أنه واحد – أما معابد الله فهي مقدسة (فالمعابد ليست أمكنة للبيع والشراء)، كما دعا إلى عمل الخير في كل حين (الخير يكون في الصحو والعاصفة في الغنى وفي الجوع) كما أن الخير يعني الوجود (إذا سمعتم عن أحد لا يعمل خيراً ولا شراً فاسألوا عن معنى وجوده.)

الحقيقة في نظر الدويهي هي الحلم الذي لا يتحقق (الحقيقة هي الفضاء الذي لا يبلغه الطائر مهما علا جناحه). أما الله فلا يوجد إلا في النور – والشر في نظر الدويهي ارتبط بطبيعة الإنسان أمّا الحياة كما وصفها الدويهي فلا تدوس عليها جحافل الموت إلا لتزيدها حياة واملاً – والبكاء على الماضي جهل – والنحيب لا يصنع الأمجاد – أما الصلاة فهي أجمل الفرح – والصمت هو أجمل العبادة – والوطن هو في القلوب وهو الحرية. كما دعا إلى أخذ الأوطان معنا إلى حيث نذهب لأنها الوجود الذي لا تحده حدود.

أما الأفكار فهي مرايا تنعكس عليها محبة الله (ومن كانت أفكاره متحجرة فإن الله لا يعمل فيه، ولا هو يعمل بروح الله.)

دعا الدويهي إلى احترام الشاعر وتقديس أفكاره (قدسوا أفكار الشعراء لأنهم يصبون لكم خموراً لا تفنى) كما دعا إلى النظر إلى الأمام وعدم الرد على المغفلين الذين يشدون المرء إلى الوراء – (أما الذين يشدون بعقولكم إلى الوراء فلا تصغوا إليهم – فهؤلاء لا يستحقون أن تعطوهم آذانا صاغية ولا يفهمون أن الأشرعة لا تبحر إلى الأمس).

أشار الدويهي إلى الفكر المبدع الذي يقرب المرء من الله – والأفكار الجامدة فمصيرها اللعنة والشتيمة كما دعا إلى عمل الخير والعطاء بسخاء (إذا أعطيتم الآخرين قبل أن تأكلوا فتكونون أفضل الخيرين – أعطوا منازلكم للغرباء وافتحوا مخازنكم للمحتاجين – وستجدون أن الله لا يترككم جائعين).

وانتقد الدويهي الجشع (هناك أيضا أناس كثيرون لا يشبعون ولو أصبحوا في القبور) وشجع على المسامحة للتقرب من الله (عندما تسامحون فأنتم ترتفعون إلى الله بأجساد من نور) (إذا سامحتم ترفرفون بأجنحة الملائكة).

وكان للسلام مسك الختام في معبد الروح حيث دعا الدويهي إلى وجوده في البيوت والشوارع (إذا رأيتم سلاما يتجول في دروبكم وتحت أشجاركم فاصغوا إلى كل كلمة يقولها) (والذين يصنعون السلام فبالسلام تكون غبطتهم ولا تزول) (ازرعوا في كل حقل شجرة سلام).

وكان صوت الدويهي صارخاً وداوياً في وجه الحرب (إذا سمعتم ذات يوم إله الحرب يصرخ إليكم فاخرجوا إليه عراة حفاة واطردوه وإذا رفض الرحيل فاقطعوا لسانه).

"في معبد الروح" هو من أجمل الكتب التي قرأتها – لقد غذى في نفسي معالم ثقافية عالية وغرز في نفسي المحبة والسلام وحب الوطن وحب الله – إنه حقاً كتاب صلاة وفلسفة يجذر أصالة الهوية، ويعمق جذورنا في الوطن الأم، ويعلمنا المحبة والتواضع والمسامحة والصفات النبيلة.

هنيئاً لك يا دكتور الدويهي على هذا العمل الفلسفي الجبار المفعم برائحة الفلسفة اللاهوتية التي قلّ نظيرها، وإلى المزيد من أعمال ممثالة ترفعنا إلى الله بلغة المحبة والعطاء.

 

جميل الدويهي "جبران" جديد

د. عزت الصباغ – باريس

 

أعتقد أن كتاب "في معبد الروح" للدكتور جميل الدويهي قد اعتملت معانيه في وجدانه منذ إمعاناته الأولى لكل ما يدور من حوله على مراحل، وهكذا نبضت الإيقاعات القوية داخل نفس أديبنا الشاعر وتكونت أساسات البناء بيديه، ليرتفع بناء كتابه "في معبد الروح" عالياً، علوَّ "كلية الخير" التي انطلق اليها، لينهل منها بمخزون فلسفي وبوعي تربوي على الساحة الثقافية. أوجز قوله سنداً: "لتدفعوا الشر بحركتكم الانسانية، إنما هي حركة أخلاقية من قبلكم، للدفع بالمجتمع الانساني قدماً، عندما نمعن في الحقيقة ملياً" (ص 14).

يمتلك مؤلفنا حساً مرهفاً وقياساً دقيقاً للإمعان، عندما يشخص في مهمة كل من القلب والعقل: "فالأول يدق شعور صاحبه بسلبه وإيجابه، والثاني - العقل - يتلقفها ليتحكم في بناء الفكرة، بنسبية تتماشى ودرجات الوعي كما وظروف صاحب هذا العقل والقلب، ها نحن حيال الحركة، لتنفيذ ما أبان عنه قلب الانسان من شعور والفكرة التي رسمها عقله على خارطته، ليصار إلى شق مسار حياتي جديد يحث الانسان عليه خطواته لتحسين الواقع والاعلاء من شأنه بالأخلاق. من هذا المنطلق، يتمسك صاحب "في معبد الروح" بالتعريف الحسي للزمان: "إنه بدء لا بدء له ولا نهاية".

وفي هذا إقرار علماني صرف من قبل الدكتور جميل الدويهي أثلج به صدور من عشقوا المنطق والقياس، بما يليق بـ "معبد الروح" بين أيدينا: "فالزمان بعيد عن الخضوع لأهواء الانسان الأنانية ورغباته، والزمان بريء يطلب البراءة، وصامت يطلب الصمت والتأمل"، ليركن هذا الوجود ويثبته على دعائم أخلاقية انسانية، بحيث اندفع الانسان إلى بناء المكان وتحسن ظروف العيش فيه، هكذا يتألق الانسان العربي في زمانه الحاضر على مكان يتجدد بناؤه باستمرار مخلص وأفكار نيرة على نحو ما نقدر، بناء على ثقافة عالية لمؤلفنا، ضمنها "في معبد الروح"، فكم أبان لنا عن روعة الحقيقة عارية، "تشرق عليها الشمس ويغسلها المطر"، فالحب السامي يعطي ولا يأخد..."

"كل قطرة في البحر لها قصّة مع الزمان والانسان".

عنوان في غاية النجاح، تحمل طياته مجازاً لإشارة مؤلفنا إلى عذابات "الشاميين" لأن يمخروا عباب اليتم إلى "الأميركيتين" طافشين من نير الظلم والبطش العثماني. أولم يمارس هؤلاء المعذبون على الأرض سعيهم الحثيث لترك أوطانهم ولم تحل دون بعضهم إلا ظروفهم الصعبة وامكانياتهم؟ فلا مثالية تصمد أمام مضايقات لا تحتمل وكما يردد الدكتور جميل الدويهي في مؤلفه: "إن الانسان مزيج من العقل والروح يرتفعان إلى فوق ولا يتوقفان عند حدود مرسومة".

الدكتور جميل الدويهي و "في معبد الروح" "جبران" لبناني جديد يعود، فتألقت به "صومعة جبران" وقد بنى أمامها شرفة، لم تكفه بالاطلالة الصادقة على الانسان، ممسكاً بيده وقد أنار طرقاً راسماً بها سياسة شمولية جديدة لانسانية الانسان في أصقاع هذا العالم... دكتور جميل الدويهي، أكن لك تقديراً شديداً، "فمعبد الروح" بحث كتاب في "فلسفة معنى وجود هذا الانسان بكرامة على الأرض".

باريس 19 تشرين الثاني -2015
 

روحانية الدكتور جميل الدويهي أديب وشاعر من بلاد الأرز

في كتاب "في معبد الروح" والمكتوب "يُفهم من عنوانه"

د. تيريزا حرب

 

مقدمة:

الدكتور جميل الدويهي، طائر غرّيد عرّج على أغصان أشجار الحياة الملونة بالنغمات في عالم الموجودات الأرضية، فقطف من كل برعم حكمة من الأيام، محتكماً لمنطق إله الحب والسلام.

ما همّه العقبات من كل من طاوعته نفسه أن يحتكم لمنطق لا يتناسب مع منطق الكلمة وشهادات الجامعات والمنابر المخصصة لأسياد الكلمات!

- نعم تمخضت المصاعب على دروب حياته في غربة مرة طعمها بطعم العلقم، فتطاول على المشقات وكبّل الضيقات قاهراً المصاعب مشرئباً نحو الحرية. ما همّه من ظلم الزمان وكيد الخلان ما دام محافظاً على عائلة مسيحية قوامها الحب والتفاهم والاخلاص بانسجام تام مع زوجة مثقفة من بيت كريم بني على صخرة الإيمان مقابل أرزات تنورين! وللتذكير

"فحلاوة الدنيا لجاهلها... ومرارة الدنيا لمن عقلا".

فالحياة والنجاح فقط لأصحاب الهمم المتألقة! توسمتُ فيه الخير في تحديه للمصاعب وإيمانه القوي عندما تذكرت الشاعر أحمد شوقي:

"علمت أن وراء الضعف مقدرة وأن للحقّ، لا للقوة، الغلبا!"

فعندما عصرته الأشواك شدده الشاعر ابن الوردي:

"إنما الورد منَ الشوك وما ينبت النرجس إلا من بصل"!

د. جميل عصر حبات الحصرم في أعين الحساد وجاء مع الشاعر المتنبي بايمان ينادي متحدياً مرارة الغربة:

I'm a paragraph. Click here to add your own text and edit me. It's easy.

"تريدين لقيان المعالي رخيصة ولا بد دون الشهد من إبر النحل"!

ما همّه كشاعر موهوب وارادته صوّانية تردد:

"أبى لي إغفاء الجفون على القذى يقيني أن لا ضيق إلا سيُفرج"!

"ألا ربما ضاق الفضاء بأهله وأمكن من بين الأسنة مخرجُ".

فدخل في "معبد الروح" وسطّر عُصارة أفكاره فجاءت تتويجاً ناجحاً لصفاء الروح وعمق المنطق.

- دخلت "في معبد الروح" للدكتور جميل الدويهي "كتاب المئة صفحة" فوجدته أبواباً مشرعة على مصراعيها ترحّب بالدخول مع أهلاً وسهلاً لكل قراء الكلمة الموزونة ومنطق الفهم والتفحص والدقة.

- دخلت إلى 37 محطة ووجدت في صلب كل تلك المداخل تقصّياً لحقائق مدروسة تحوي في حنايا طياتها تسليط الأضواء على من يأخذون من خيرات الله ولا يعطونه مقابل خيراته، وحكمة موجزة من الاستنتاج توقظ ضمائرهم النائمة في غياهب الجهل التي لن تعطيك سوى الغرور!

فهل يطلب من العلّيق ماء الحياة؟

- "في معبد الروح" وجدت صلاة روحانية وأغنية حلوة، ووجدت سلاماً وصفاء، غفراناً وتسامحاً، براءة قلب وطهارة روح... بحثاً عن الله في أنوار السماء في فضاء الله الواسع، كما وجدت حكمة وتبصراً، فهماً وتعقلاً، علماً ومعرفة، ضميراً وحقاً ووجداناً، بانتظار شمس العطاء في خبز الحياة ونور الخلاص.

قرأت العناوين أولاً التي جاءت بالتسلسل كما يلي:

1) صورتي في المعبد، 2) الرجل الغريب وطبيعة الله، 3) الحق والباطل 4) ما هو الزمان 5) قيمة الحبّ 6) البحر والعناصر 7) التعب والشقاء 8) طبيعة الشيطان 9) الشعراء 10) النور والظلام 11) النزوات 12) الموت 13) هموم عبد المنعم 14) المرأة ورجلها 15) الهجرة 16) التضحية 17) المتلونون 18) الصدق 19) يوم الثأر 20) الرجل وأبناؤه 21) المال 22) الحرية 23) الفرح 24) الأعداد 25) الدين والكفر 26) روح الخير 27) الحقيقة 28) ساكن الغابة 29) القاتلون بالسيف 30) أوطانكم 31) الافكار 32) اللباس والطعام 33) معبد لجميع الشعوب 34) المسامحة 35) دعوة إلى الحرّية 36) المرأة الغريبة 37) العظة الأخيرة: وصيتي.

وجدت لاستنتاجات الدكتور جميل الدويهي طعم الفرح والسعادة والمرونة...

فالخطأ عند الدكتور جميل لن يكون نهاية، كما "ان الولادة ليست بداية" وهو غير خائف من الغفران "لأن التسامح قنديل المعرفة، والذين لا يغفرون عجزت نفوسهم عن السير نحو الشمس"، "فأختاروا الظلمة الأبدية ودياجير العبث".

الدكتور جميل يحذّر "من الوقوع في فخ الفهم الخاطئ! فإن كثيراً من النصوص لا يمكن تفسيرها إلا بالحكمة العميقة"!

والحكمة هي من نتاج العقل والقلب معاً: "فليس القلب عاجزاً عن الفهم، ولكنه في حاجة إلى هداية العقل، والعقل لا يسير إلا على خطى القلب".

- وللحب الشامل قيمة عند الدكتور جميل إذ قال: "كلّ من يدّعي أنه يحب الله وحده يكون حبّه باطلاً، فالحب يكون لله وللمخلوقات وللكون ايضاً. الحب يعطيكم الحرية، وبالحرية ينسجم الخالق معكم ويصير الحب في مرتبة العبادة".

أما أجمل أنواع الحب عند الدكتور جميل، فهو "الحب الذي يُعطي ولا يأخذ، فالحب ليس مبادلة في سوق تجارة، فإذا استطعتم أن تحبوا هذا الحب، فلا يكون للبغض مكان في قلوبكم ولا للشر طريق إليكم".

التعب في "معبد الروح" هو "معمودية الجسد" وهو "سنّة الحياة، فقد ولد معنا وسيموت، وبه ستخلد أرواحنا".

- المعرفة "هي الأداة التي بها تواجهون الشرور وتنتصرون عليها".

- "الشعر هو سراج الفضيلة المعلّق في الظلام، ودواء الجروح العميقة التي عجز الأطباء عن معالجتها. وإذا كان الدواء يصلح للجسد فإن الشعر يصلح للأرواح المعذبة فيداويها ويخفف من آلامها".

- أما من أجل النور، "فاسكبوا من النور في أرواحكم لتصير معابد مقدسة، وطهروا قلوبكم بفعل الخير، فالخير يزيد النور نوراً، ويزيح الظلام، وبه يسامحكم الله على أخطائكم".

- نادى الدكتور جميل: "نعم يا بنيّ، سامح الخطأة والجناة، فإنك في ذلك تفعل خيراً لك وشراً لهم، فالأبغض عند هؤلاء ان يجدوك سعيداً ولا تبالي بما يفعلونه لك من أذى".

- وللمغتربين ناداهم قائلاً: "إن الغربة تجعلكم تتعذبون من أجل انفسكم ومن أجل غيركم أيضاً، والعذاب فضيلة! فافرحوا لأنكم اغتربتم ولا تعيشوا في الأحزان: إن الأحزان نفسها لا تدخل إلى القلوب التي تفيض بالمحبة."

- وللحب والسلام محطة: "اخلعوا رداء الكراهية وتكلموا لغة السلام، فهي لغة المجد الأبدي، وبها تحطمون أغلال العبودية لتنطلقوا إلى فضاء الحرية".

"فالذين يعرفون الحب هم الفلاسفة الذين اكتشفوا طبيعة الله وأين يوجد، فكلامهم صلاة وقلوبهم معابد".

وينادي المتلونين: "يا أبناء الخداع المتمادي، إن الهكم لا يناسبني فأنا أعبد إله الحق الذي يعطي ثوبة لمحتاج، وخبزه لجائع".

ويضيف: "إلهي يزورني، عندما أكون في البرد والعاصفة. الصادقون هم الذين يرفعون جباههم للشمس، ولا يخافون من العواصف والرعود... فالصدق مولود من الحرية، والكذب هو ابن العبودية".

- "بالشجاعة تتخلصون من الخوف وتتمردون على من كبّل معاصمكم بالحديد. ليكن لكم من قلوبكم سلاحاً تواجهون به ولتتحرروا من داخلكم. وعندما تصبحون أقوياء، فمجدوا القوة التي في أرواحكم، وعمّروا لكم معبداً تقدّسون فيه الانتصار، وترفعون صلاتكم إلى إله الحرية".

- ومسك الختام للكتاب "في معبد الروح" كانت الدعوة إلى السلام ليعيش ويكبر في بيوتنا وعائلاتنا وشوارعنا وأوطاننا: أستراليا، لبنان والعالم.

- فاصنعوا سلاماً وازرعوا في كل حقل شجرة سلام واسقوها بنبضات قلوبكم! وأضيئوا في كل بيت شمعة للسلام، وصلوا صلاة المجد لإله السلام مع الدكتور جميل الدويهي! فأكبر غبطة هي بتمجيد إله السلام الذي يعيش في طيات قلوب وبيوت وعائلات وأوطان الشرفاء والعقلاء من بني البشر.

ونداؤنا الأخير نوجهه مع الدكتور جميل الدويهي طالبين سلام السلام والمحبة للجميع.

"في معبد الروح"

دعوة محبة في صحاري الضغينة

الأستاذ كامل المرّ

 

صدر مؤخراً كتاب "في معبد الروح" للشاعر الدكتور جميل الدويهي، ولم يسعفني الحظ ولا سمح الوقت للاطلاع عليه قبل اليوم . وما إن أتيحت لي الفرصة حتى قصدت "معبد الروح" مستطلعاً ما في رحابه ، ناشداً الراحة. فأنا كلما أتعبتني شجون الحياة أنشد الراحة في رياض سفر أدبي فكري قديم، في الزمان، أو جديد، فوجدتني في واحة أدبية حُبكت عباراتها بتأنٍ، وصيغت بِنَفَسٍ شعريٍ وافر الظلال، ما يضفي على الصورة في العبارة ألواناً لا يلامسها إلاَّ خيال شاعر.

أما ما احتوته العبارة من أفكار فقد اعتمدت في كثير منها على الأضداد لاظهار محاسنها ومدى ترابط بعضها ببعض. فلا نور بغير ظلام ، والمعرفة خصمها الجهل، والحقيقة عند قوم غيرها عند قوم آخر، وليس من حقيقة مطلقة سوى الله والوجود.

والله... من هو الله؟! وما السبيل للتعرف اليه؟

"في هذه الناحية اقتتل الأجداد ، وتصارعوا بالحراب والفؤوس والرماح ، وكل واحد يدعي أن الله من اتباعه ومن أنصار قبيلته. على الحجارة سالت الدماء ، وفي الحقول ارتفعت رايات الموت، واختلط عويل النساء بصراخ الأطفال وصهيل الخيول، وحمل العجائز أبناءهم القتلى على ظهور الثيران لكي يدفنوهم بين الأبنية المتلاصقة، إذ لم يعد هناك متسع من المكان لأجساد تتساقط كأوراق الخريف."

وسيبقى الناس يقتتلون ويتصارعون على ماهية الله وجنس الملائكة، وعلى الليل والنهار ودورة الشمس. و"الشمس هي الأيقونة المقدسة التي صرف الله عليها كثيراً من الوقت قبل أن يعرضها على صدر السماء الزرقاء تحفة من ذهب ونار. وهي عندما تسير إلى الماء بخطى ثقيلة، تعرف ان البشر ينتظرونها في ساعة معينة، لكي يقوموا إلى حياتهم من نوم بائس." "وعلى الرغم من أنهم يركضون وراء الوهم والعبث ، فهي تضيء لهم وتضحك من بساطتهم ، وتقول في سرها : الناس طائفة من أسوأ الملائكة."

وبالرغم من كون الناس طائفة من أسوأ الملائكة، يقتتلون ويتصارعون فيما بينهم، ويشهرون الحروب المدمرة فقد "نجا معبدي من الحروب، لأني كنت أعطي المحاربين خبز الحياة، ولا أميز واحداً منهم عن الآخر. كانوا يجيئون اليَّ مستعجلين والدماء على أثوابهم، ورائحة الدخان تفوح منهم، وبعضهم كانوا يصخبون ويفاخرون أنهم قتلوا امرأة أو هدموا بيتاً على رؤوس أصحابه. وكانوا يسألونني بشغف: هل عندك خبز لنا هذا اليوم؟"

"كنت أجـيـبهم: هذا هو خبزي يعطى للذين أخطأوا، لأن الخطأ لـن يكون نهاية كما أن الولادة ليست بداية... الحياة أيها الابناء تناديكم إلى هيكلها لكي تأكلوا وتشربوا بسلام." فـ"الخطيئة ولادة، ولكنها ولادة متعثرة، ومن نواتها القاسية خرجت هذه الآلاف المؤلفة من الرؤوس، وهذه الأقدام العارية التي تخبط في تراب الزمن."

"والله الذي أعطاكم الشر سلاحاً، أعطاكم الخير ايضاً، وسرعان ما سوف تكتشفون الخير في أنفسكم فتكرهون أرواحكم الماضية، وتبحثون عن منازل جديدة، ومعابد لا تهدمها العواصف." فتكتشفون فضيلة الغفران: "والذين لا يغفرون عجزت نفوسهم عن السير نحو الشمس ، والشمس تناديهم ، فاختاروا الظلمة الأبدية ودياجير العبث."

وكاهن المعبد حين يعطي المحاربين خبزاً وماء فهو لا يداجيهم ولا يسترضيهم، بل يفعل ذلك لأن البراءة في قلبه. فالفضيلة صيرته كاهناً "في معبد الروح"، ولن يبرح "المكان حتى يضيء كل مصباح، ولا يبقى فجر تحت مكيال."

الموضوعات التي يتناولها كاهن المعبد وهو يكرز على الناس عديدة ومتشعبة. ففي قصة الرجل الغريب الذي قصد المعبد وهو يبحث عن الله ولا يجده، وقرأ غوته ونيتشه وفولتير وجبران وطاغور ولم يهتدِ إلى شيء: "اما كلام الناس، فهو عندي – اي الرجل الغريب – اشبه بفخار قديم في متحف، ولقد صدق الذين قالوا ان طبيعة الله مجهولة." فكرز عليه الكاهن "بأن الله فيك وفيَّ وفي كل واحد منا." "الله ليس كائناً مجسماً كما أنا وأنت وهذه التلة العالية التي تسرح عليها القطعان، هو الكل في الكل والنور في النور، فأنت ترى بعضاً منه في الأشياء التي حـولك، فكـلُّ شيء قـدر صغير مـن الله الـذي لا يحدّ."

"الله غير مرئي في شخصه، لكنه مرئي في جوهره وعليك أن تعوّد عينيك على الرؤية المجردة من العناصر المادية، وأن تسمع الاصوات التي يحدثها الصمت، والكتابة التي يتركها الفراغ على الورق، والنور الذي يتولد من الظلام."

"سأعطيك كتاباً من عندي عنوانه: "الحقيقة الكاذبة"، فاقرأه بعناية، لكي تتأكد من ان الحقيقة التي يراها اغلب الناس ما هي إلاّ أكاذيب متتالية جاءت بها العصور، ووضعتها في آذانهم فاعتنقوها من غير تفكير، وما تراه أمام عينيك من مظاهر الحرب الضروس على طبيعة الله، وملكيته، وحقوق مصادرته، والدفاع عنه بعض من تلك الأكاذيب التي توارثتها الأجيال واحتربت من أجلها، فامتلأت القبور بالأحياء، وظلَّ الأموات يجترون الباطل ما عاشوا، فسخرت القبور من حماقاتهم وضحكت منهم الحياة. ما هو الله؟ الله هو الحب الذي فيك وفيَّ ولكننا جعلنا الحقد يطغى على قلوبنا، فإذا الحب جثة هامدة على مذبح النزوات البغيضة."

فحمل الرجل الغريب متاعه عائداً إلى قريته صائحاً: "أعدك ايها الكاهن في معبد الروح أنني ساعرف الله... سأعرفه عندما أغمض عيني، وعندما أفتح قلبي على أنوار السماء."

فكم من سكان الأرض في أيامنا هذه يفتحون قلوبهم على أنوار السماء؟!

كثيرة هي الموضوعات التي عالجها الكتاب بلسان كاهن المعبد الذي ساق بعضها على شكل قصة قصيرة إذا جاز التعبير، أو رواية، أو على شكل حديث مع زائر للمعبد، كـ "الحق والباطل، وقيمة الحب، والبحر والعناصر، والتعب والشقاء، وطبيعة الشيطان، والشعراء، والنور والظلام، والنزوات، والموت، وهموم عبد المنعم، والمرأة ورجلها، والهجرة، والضغينة، والمتلونون، والصدق، ويوم الثأر، والرجل وأبناؤه، والمال، والحرية، والفرح، والأعداد، والدين والكفر، وروح الخير، والحقيقة، وساكن الغابة، والقاتلون بالسيف، وأوطانكم، والافكار، واللباس والطعام، ومعبد لجيع الشعوب، والمسامحة، والمرأة الغريبة."

أمّا "ما هو الزمان" وهو الرابع في ترتيب الموضوعات التي عددناها فيقول إن "الزمان هو البدء الذي لا بدء له ولا نهاية" وتلك مسألة فلسفية شغلت عقول المفكرين على مرِّ العصور ويجب معالجتها من منظورها الفلسفي المرتبط بفكرة الوجود، ولا يتسع المجال لذلك الآن. ويختم الدويهي كتابه "في معبد الروح" بالعظة الأخيرة وموضوعها "الوصية" وجاء فيها: "سألني أهل الناحية : ما هي وصيتك الأخيرة لنا؟ فأجبتهم: ليست عندي كلمة يا إخوتي أقولها الآن إلاّ ان تدعوا السلام يعيش ويكبر في بيوتكم وشوارعكم."

"نعم يا إخوتي وأحبتي، لقد أرهقتنا الحرب وجوعتنا، غير أننا لم نيأس، بل جاهدنا ليكون لنا فرح وسلام، وهذا الجهاد كان مرهقاً وصعباً. وصدقاً أقول لكم: إن الذين حملوا السلاح وذهبوا إلى الساحات ليقتلوا ويُقتلوا، هم أكثر الناس ندامة ويأساً، وإن الزمان شاهد على ما فعلت أيديهم، والزمان لا يعود إلـى الوراء، ولا يمحو ما كتبه الحقد بحبر الدم والدموع..."

"في معبد الروح" واحة سلام نفسيّ في صحاري الضغينة. فلنقرأه بتأنٍ لنكتشف ما احـتـوت صفحـاتــه الـ 99 من أفكار، ولنستمتع بعبارته الأدبية التي تلامس حد الشعر سبكاً وتضاهيه صورة وظلالاً ومضموناً. وإن أسعفنا الحظ والوقت سنعود إلى الكتاب بقراءة نقدية... جميل سلم قلمك وإلى مزيد من العطاء الهادف.

 

"في معبد الروح" لجميل الدويهي

"هل رأيت العصافير تتوقف عن الغناء ونبعـًا يكره أن يتدفق؟"

الأستاذ أسعد خوري

يجلس الدكتور جميل الدويهي في "معبد الروح": "يأتيني الفلاحون والحطّابون والمكارون والنساء العاملات من كل القرى التي تقع وراء الهضاب العالية. في فمي صلاة وأغنية، وعلى رأسي بياض من جبال الأرواح، حيث يهطل الثلج بغزارة فيغطّي كل شيء، ويمحو السواد عن الجدران والأرصفة". هكذا تبدو صورة المؤلف في كتابه الجديد "في معبد الروح" الذي يتضمن أفكارًا للحياة الدنيا بكل قيمتها ومظاهرها، وبكل الأفكار والآراء المتشّعبة. من الحق والباطل، الخير والشرّ، الحقيقية والخطأ، الوطن والغربة، والنور والظلام... وصولاً إلى المسامحة والدعوة إلى الحرية والمحبة والأنسنة.

لم يترك الدويهي في كتابه أية مفاهيم قيميّة، دون أن يتطرق إليها. كان فيلسوفًا واعظًا انسانيًا، مدركًا لأبعاد كل كلمة يقولها أو يخطّها على الورقة. كان ابن بلدة إهدن الشمالية "جبرانيًا" في فلسفته وطروحاته وأسلوب كتابته. يتذكّر دومًا أن جبران خليل جبران وُلد في بلدة بشري الجارة لبلدته. إهدن وبشري بلدتان جبليتان أدركتا منذ الأزل معنى الحياة، ومعاني الحرية والمحبة والتضحية. وكذلك معنى أن تكون إنسانًا في زمن التوحش واللامبالاة والهمجية...

في حكمة الدويهي فلسفة للوجود الإنساني. الزمان عنده هو "المركب الذي يبحر فينا، فلا نحن نخشى من السفر ولا المركب يتعب من الدوران". يقول: "الزمان هو البدء الذي لا بدء له ولا نهاية، فالمستعجل والمتمهّل كلاهما يصل إلى مبتغاه... بيد أنّ الذين يسيرون بسرعة إلى المنتهى قد لا يفرحون بالحياة، إذ يداهمهم الموت ويخطفهم قبل أوانهم، بينما يفرح المتباطئون بما حولهم، وعندما يموتون تكون أعينهم وقلوبهم قد شبعت من الوجود". هكذا ينظر إلى "الحقيقة العارية" التي لا تشرق عليها الشمس، ويغسلها المطر بدموعه... "لأننا في داخل أثوابنا نشبه الحقيقة التي تختبئ تحت أوراق الخريف".

الحبّ والنور

في "يوم العيد" تحدّث المؤلف عن طبيعة الحب فقال: "إن الحبّ هو النار التي تشتعل في حطب قلوبكم، فتحوّله إلى لهبٍ أبديّ. الحبّ في الأصل كان تقدمة من الله إلى الإنسان... وكل من يدّعي أنه يحب الله وحده يكون حبّه باطلاً، فالحبّ يكون للّه والمخلوقات وللكون أيضًا. الحبّ يعطيكم الحرية، وبالحرية ينسجم الخالق معكم ويصير الحبّ في مرتبة العبادة".

"فلسفة" الدويهي عن التعب والشقاء تتلخّص بقوله: "البعض يكرهون التعب لأنهم يعيشون من غير أمل، ولا ينظرون إلى المستقبل بعيون ثاقبة لكي يروا ما تُعدّه الحياة من السعادة، والبعض لا يتعبون من تعبهم لأنهم يعرفون أن غلالهم ستكون وفيرة عندما يجيء الصيف، فهؤلاء هم المؤمنون".

النور والظلام يراهما الدويهي: "توأمان لا ينفصلان، وُلدا معًا ويخلّدان معًا". ويضيف: "لكن نور الفضيلة يختلف عن نور الشمس، فنور الفضيلة لا ترونه بالعيون المجرّدة، أمّا الشمس فترونه. نور الفضيلة يخرج من القلب الى القلب، ومن العقل الى العقل، ونور الشمس يأتي من خارج القلب والعقل وتتلقفه العين برغبة. وصدقًا أقول: إن الذي يكتفي بنور النهار لا يعرف الطريق الى الليل، أما الذي يفرح بنور القلب والعقل، فيختفي الظلام من طريقه". يضيف: "أما الذين يأخذون ولا يعطون فهم يتنكّرون للعطاء... وبالرغم من ذلك، هل رأيت العصافير تتوقف عن الغناء؟ وهل رأيت نبعًا يكره أن يتدفق؟..." إنه الخير والشرّ وهما "صديقان لدودان منذ التاريخ". يقول المؤلف: "لعلّك قرأت جبران وفهمت منه أن الإنسان صالح ولا يفعل شرًّا إلا إذا جاع أو عطش، أو إذا طلبت منه الحياة أن يكون ماردًا من أجل الخير المتألّم..."

المرأة هي الربيع

في موضوع "المرأة والرجل" يصف المؤلف المرأة بأنها "الربيع الذي يزهر في الحقول ويملأ السماء عطرًا وغناء". ويتابع: "إن العواصف لا تقعد الرجال والنساء عن تأدية رسالتهم الخالدة في العمل والإبداع. طوبي للمحراث الذي يغيّر وجه الأرض فيقلبها وينزع الجفاف من شرايينها، وطوبى لليد التي تبذر في التراب وإن كانت تعرف أن كثيرًا من البذار ستأكله الطيور وتبدده الأعاصير، وطوبى للأفواه الجائعة التي تنتظر الحصاد، فتفرح وتسرّ. وطوبى للشعراء والفنانين الذين سحرتهم الطبيعة في ربيعها وخريفها، فلبسوا أثواب الغابات، واستحمّت نفوسهم بمياه الأنهار والينابيع، وجسّدوا قوّة السماء في أعمالهم."

الهجرة وأنشودة الأفق

الدكتور جميل الدويهي الذي عرف الهجرة بكل ظروفها الصعبة والحالمة، أدرك أهمية "اكتشاف المجهول" وبالتالي معرفة الذات أكثر فأكثر. يقول: "قلت لرجال يتجمعون عند الميناء: منكم من يفضّل البقاء حيث وُلِد، وبعضكم يحب الرحيل واكتشاف المجهول، أما الرحيل فعشق للمسافة، واعتناق لديانة المغامرة، فاحملوا معكم متاعكم واضربوا في البحر لتكتشفوا عوالم جديدة، فأنتم لم تولدوا لكي تعيشوا في صومعة الحرمان. وإذا تركتم بيوتكم وحقولكم، فلا تلتفتوا الى الوراء... ولا تحزنوا لأنكم فارقتم أهلكم واخوتكم وأحباءكم، ففي كل جزيرة تنزلون عليها سيكون لكم أهل وأخوة وأحباء. البحر سيعلمكم أنشودة المدى والأفق والأمواج ستهدهدكم كأطفال وُلدوا للتوّ من رحم الطبيعة... نحن نحبّ الحرية، وحيث تكون الحرية يكون لنا وطن، ونكره العبودية، وحيث تكون العبودية تنتهي أوطاننا..."

الحريّة والفرح

في بلاد الغربة، في الهجرة القاسية تبدو الحرية منارة يهتدي إليها المؤلف ويقدّسها ويجعلها معبدًا من "رماد أحلامه". والحرية عنده هي "العشق السماوي" وهي "الأم التي أعطتكم الولادة وأرضعتكم، وعلّمتكم أن تتكلموا وتفكروا، وسجّلت أسماءكم في سجلّ الخالدين. وهي الصباح الذي يشرق في عيونكم، فاحتضنوا الصباح لكي لا يهرب من أمامكم، فتصبحوا أنتم والعدم واحدًا لا ينقسم". ويقول: "الحرية صنعتنا كما يصنع الفلاح محراثًا يشقّ الأرض، وكما تصنع الطيور غناءً يكسر بندقية الصيّاد، وكما يصنع الطفل سفينة من ورق ليغزو بها البحار والمحيطات. نحن أبناء الحرية، وإذا أنكرناها أنكرنا الوجود ورمى بنا في الغياهب. نحبّها لأنها حرّرتنا من الوهم والضياع، وأعطتنا سلاحًا لنقتل الجمود، ونتمرّد على الظلام الرهيب".

أما الشجاعة فيراها الدويهي "الأداة التي تتخلصون بها من الخوف، وتنقضّون على الاستسلام، وَمَنْ لا يملك الشجاعة، فإنه سيبقى خاضعًا وذليلاً، وستمرّ به العواصف فترميه جثّة هامدة على قارعة الطريق. "أما الفرح فهو "رضاكم عن حياتكم، ورضاكم هذا لا يتغيّر مهما تغيّرت الفصول وتبدّلت أحوال الزمان".

ويحثّ المؤلف الناس على الفرح: "افرحوا أيها الناس لأن الله أوجدكم، وحرّركم، ولم يحرّر كثيرين غيركم. وقد أعطاكم أولادًا صالحين وأزواجًا وزوجات، ووهبكم عقولاً تبدع وتفكّر، وعيونًا تنظر إلى البعيد، وغمركم بمحبة لا تزول".

في وصيته الأخيرة يقول المؤلف: "اصنعوا سلامًا يا أخوتي، وليكن سلامًا يدوم لأبنائكم وأحفادكم، وازرعـوا في كل حقل شجرة سلام، وأضيئوا في كل بيت شمعة للسلام، وصلّوا صـلاة المجد لإله السلام..."

لكن القمة في مواقف جميل الدويهي تتجلى في "المسامحة" وهو الذي عرف في وطنه الأول لبنان مآسي الحروب، والاقتتال، والثأر، وهو يسمو بالإنسان للتخلص من كل أحقاده وردود فعله حتى على من أساؤوا إليه. يقول: "أقف على قمّة الجبل. أتخطّى الدم. لم أرث من أجدادي إلا هذا الجدول، وتلك الغيمة البيضاء، وابتسامة الكروم".

يتابع: "عندما تتسامحون، فأنتم ترتفعون إلى الله بأجسادٍ من نور، وتدوسون على الكواكب. وعندما تحقدون، فإن أرواحكم تكون محبوسة في أوكار الظلام، وقلوبكم أضيق من نعوش".

"في معبد الروح" كتاب للحياة بكل ألوانها وفصولها الزاهية منها والقاتمة. هو باقة ورد ومحبة وأمل ورؤية متفائلة لمسيرة الناس.

 

رسالة من الأستاذة ليندا اللقيس غصن -1

 

إليك أيها الكاهن في معبد الروح، أيها القنديل المملوء بزيت المحبة ونور السلام.

أيها الروحاني المميز بروح التسامح والإنسانية، أيها القلب الكبير الرافض الكراهية والانتقام، أيها القائل: "اخلعوا رداء الكراهية وتكلموا لغة السلام". لقد خيّل لي وأنا أطالع كتابك "في معبد الروح" بأني أسمع واعظاً يشرح المحبة شريعة ملكوته الأولى...

والمتلونون الذين تتكلم عنهم... إنهم صورة واقعية لبشر يعيشون اليوم...

لقد صدقت القول: "فريسيون، مقنعون، سارقون" وأنا أقول: "ماكرون، وأخبث من هيرودس (...) ما أكثر هذه الفئة من البشر!

أيّدك الله وحققب أمانيك وأبقاك رمزاً للمحبة والسلام... للمبادئ والقيم الإنسانية الرفيعة التي على طريق الانقراض...

طابت أيامك أديباً وشاعراً... إهدنياً عريقاً، أحبك الله، فكنت من سلالة القديسين.

دمت يا صاحب القلم بالعزّ والكرامة.

 

من هم الصادقون؟

من كتاب "في معبد الروح" للأديب والشاعر الدكتور جميل الدويهي

ليندا اللقيس غصن – 2

 

"الصادقون هم الذين يرفعون جباههم للشمس ولا يخافون من العواصف والرعود... الصدق هو الوعد الذي قطعه الله للبشر وهم يكذبون والكذب هو الجبانة اما رأيتم الكاذب كيف يتلون ويخاف من افتضاح أمره؟ هو القاتل المقنع الذي يقتل الضمير فيه قبل أن يقتل الانسان."

" في معبد الروح" هو صلاة فيه نلمس طيبة وصفاء الكاتب الدكتور جميل الدويهي، ورهافة الحس الروحاني المميز به... وفي معبده ترتفع الروح إلى خالقها.

عين الصواب ما تكتبه أيها الدكتور العبقري الأصيل وأنت تصف "الكاذب المقنع الذي قتل الضمير فيه قبل أن يقتل الانسان" و"الصادقين الذين يرفعون جباههم للشمس". هذه الفئة من البشر أين هي الآن في هذه الحقبة العصيبة؟! لقد أصبحت الأقلية الضائعة بين هذه الأكوام البشرية المهرولة إلى أين؟ لا أحد يعلم... وحده الساكن في الأعالي يعلم.

يتسابقون وعلى ذواتهم يكذبون وبمظهر البراءة يتظاهرون، يخافون النور لأنه يكشف الحقيقة وهم أبناء العتمة فيها غارقون، يكذبون ويتذاكون ولكن لكل شيء نهاية وستظهر الحقيقة التي وإن نامت أحياناً لكنها لا تموت... إذن أيها الانسان لا تترك العنان للسانك بالثلب والافتراء في غياب الآخرين. إنها القباحة الوقحة، والخطيئة الكبرى، وكن من الصادقين لأن الصدق فضيلة على جبين الكرام والكذب وصمة عار على جبين الأدنياء، فكن من الكرام مرفوع الجبين للشمس، وكالنسور الباسطة جناحيها المحلقة بكل فخر وألق، ولا تكن صرصوراً يستتر في ظلمة الدهاليز لئلا يكشف أمره النور... ولا "تتلبّك" في ما تقول... قل الصدق وكفى.

"في معبد الروح"، "الصادق يتحدث إلى الله والله يتحدث معه، والكاذب شيطان أعمى يختفي على الدروب والمفارق ليوقع بين الناس والصدق يجعلكم أنقياء وطاهرين والكذب يجبلكم بتراب حالك، فكلما تظاهرتم بالبراءة يكون الحقد ظاهراً على وجوهكم ولو غطيتم نفوسكم بثلوج القمم وأجنحة الملائكة، فإن الأصباغ لا تخفي شيئاً عن العيون الثاقبة".

إذن تحدث أيها الانسان مع ربك واصغِ إلى صوته القائل: "أحبوا بعضكم كما أنا أحببتكم". فلا تزرعوا الشوك في طريق الآخرين. بل افرشوا الأرض بزنبق المحبة وزيتون السلام... وإذا التقيتم بالشيطان الكاذب في الطرقات فاهربوا إلى الجبال العالية.

من أقوال القديس يعقوب: "إذا كانت قلوبكم مملوءة من الحسد والمخاصمة فلا تفتخروا ولا تكذبوا على الحق، فمثل هذه الحكمة هي حكمة دينوية، بشرية، شيطانية، وحيثما يكون الحسد والمخاصمة تكون أعمال السوء... وأما الحكمة التي تنزل من فوق فهي طاهرة مسالمة تفيض رحمة وأعمالاً صالحة، ثمرة اليد تزرع في السلام للذين يعملون من أجل السلام". والكاهن الصالح في معبد الروح يقول:

"دعوا السلام يعيش ويكبر في بيوتكم وشوارعكم". حبذا أيها الكاهن الصالح لو عمل البشر بهذه الأقوال المقدسة، لكانت الأرض وأهلها بألف خير وسلام.

 

في ربوع الوطن – المعبد

ليندا اللقيس غصن -3

 

صبيحة يوم نيّر قصدتُ الربوع حيث كان الأهل والأجداد يتنزهون... تلك الربوع التي لم تزل تحتفظ ببصماتهم، جلست تحت أفياء الشجر أسرّح النظر بين الجبال والسهول، فلفتت نظري غابة خضراء وارفة أشجارها تعانق السماء في وسطها معبد تقصده أفواج البشر... نهضت ودخلت مع الجمهور وجدت في داخل المعبد الكاهن الصالح يصلي، وعلى وجهه هالة من النور السماوي. سمعته يقول للجماهير في المعبد:

"في هذه الناحية اقتتل الأجداد وتصارعوا بالحراب والفؤوس والرماح وكل واحد يدعي أن الله من أتباعه ومن أنصار قبيلته، على الحجارة سالت الدماء وفي الحقول ارتفعت رايات الموت واختلط عويل النساء بصراخ الأطفال وصهيل الخيول، وحمل العجائز أبناءهم القتلى لكي يدفنوهم".

صدقت أيها الكاهن، تماماً كما يحدث في أيامنا هذه... المسلسل يعيد نفسه على الساحة الكونية... وجميل أيضاً ما يقوله الكاهن في المعبد:

"لقد نجا معبدي من الحروب لأنّني كنت أعطي المحاربين خبز الحياة ولا أميّز واحداً منهم عن الآخر، كانوا يجيئون إليَّ مستعجلين والدماء على أثوابهم ورائحة الدخان تفوح منهم. كانوا يفاخرون بأنهم قتلوا امرأة أو هدموا بيتاً على رؤوس أصحابه وكانوا يسألونني بشغف: هل عندك خبز لنا في هذا اليوم؟" (من "في معبد الروح").

وما أجمل ما كنت تجيبهم: "هذا هو خبزي يعطى للذين اخطأوا". كما يقول الكتاب المقدس: "أحبّوا أعداءكم واحسنوا إلى مبغضيكم ومن سألك اعطه وافعلوا للناس ما أردتم أن يفعل الناس لكم فإن أحببتم من يحبكم فأي أجر لكم؟ لأن الخاطئين يحبون من يحبهم". و"الأصحاء ليسوا بحاجة إلى دواء بل المرضى... احسنوا غير راجين شيئاً ليكون أجركم عظيماً وتكونوا أبناء العلي لأنه يلطف على الكفار والأشرار". وقد خلقنا الله لأمور مهمة وكل مخلوق بشري من جبلة الله الواحدة وله طرقه الخاصة للعمل في قلوب مخلوقاته، ويجب ألا ندين ونحكم ونؤذي الآخرين ولا نعرف طرق الله، فمن نحن حتى نأخذ مكان الديان؟

إليك هذه العبرة يا أخي الانسان: أحس رجل بأنّ عاملاً فقيراً يمشي خلفه... فقال الرجل في نفسه: "هؤلاء الشحاذون دائماً يلاحقوننا ليطلبوا مزيداً من المال"، فقال العامل الفقير: "عفواً سيدي محفظتك سقطت منك". إذن فلنحسن الظن بالآخرين ونترك الأحكام إلى الله تعالى لأنه هو القائل: "لا تحكموا على أحد فلا يُحكم عليكم".

- عبرة...

قالت الأم لابنتها ليلاً: "اخلطي الماء في الحليب فإن عمر لا يرانا" أجابت البنت: "إذا كان عمر لا يرانا فإن ربّ عمر يرانا".

إذن لا تحفروا الخنادق وتخفوها بالسجاد والزهور لتقع البشر في فخاخكم... وليكلم كل ذاته قائلاً: الله يراني...

عيشوا السلام والمحبة وإله السلام الذي يعلم الخفايا يجازيكم خيراً. "وإذا سمعتم ذات يوم إله الحرب يصرخ اليكم اقطعوا لسانه لكي لا يبقى له صوت". (من "في معبد الروح").

 

من كتاب في "معبد الروح"

للأديب ونابغة العصر الدكتور جميل الدويهي

ليندا اللقيس غصن- 4

 

"الضغينة مقتلة ليس لأنها نقيض المحبة بل لأنها نقيض الفكر والحكمة، إذا حقدت على زوجتك وأولادك تكون عدواً للحياة نفسها، وإذا حقدت على نفسك تتعذب حتى الموت. الحقد بيت أسود تدخلون اليه ولا تخرجون منه إلا وقلوبكم يابسة ووجوهكم صحراء، الحقد يجرّدكم من عقولكم فتصيرون أشباحاً في حقل مهجور".

أجل أيها الفيلسوف والكاتب المخضرم... الحقد آفة كريهة سوداء بلون الظلم تلف هذا الكون، تدخل البيوت وتتغلغل في القلوب فتجرد الإنسان من الشعور بالرحمة والمحبة ويصبح مخلوقاً بدون إنسانية.

ألا تعلم أيّها الانسان ماذا فعل ربك مع الذين لاحقوه وصلبوه؟ ألا تعلم ماذا قال عندما سُمِِّر على الصليب، قال: "اغفر لهم يا أبتاه" هو القدير القوي غفر ولم يحقد أو ينتقم بل استعمل قوته الإلهية للرحمة... والرحمة لا تحقد ولا تنتقم.

ادخل يا أخي الانسان إلى "معبد الروح" واسمع نصائح الكاهن الصالح يقول: "إذا ضربكم أحد بحذائه فلا تجيبوه بالحذاء بل بالكلمة الحقة التي تنقل الجبال وتحوّل الظلام إلى أنوار وكواكب واحذروا أن تكونوا ضحايا في معركة الحق لأن الحاقدين لا يعطونكم عبير الزنابق وحفيف الشجر بل يعطونكم أشواك الحقول وفحيح الأفاعي".

أجل لا تجيبوه بالحذاء لأنكم إن فعلتم كما فعل فأي أجر لكم وما الفرق بينكم وبينه؟ بل كما يقول الكاهن الصالح "بالكلمة الحقة" وأنا أقول: بالصمت الحكيم الذي هو أبلغ جواباً من الكلام.

يقول الكاهن الصالح: "إن الذين يعرفون الضغينة هم الجهلة الذين لا يقرأون ولا يكتبون، أما الذين يعرفون الحب فهم الفلاسفة الذين اكتشفوا طبيعة الله وأين يوجد فكلامهم صلاة وقلوبهم معابد".

"لا تعاقبوا انساناً على ضغينته لأنكم إذا عاقبتموه أصبحتم أنتم حاقدين وملاعين، أما إذا أصبحت ضغينته خطراً عليكم فلا تقفوا أمامه عاجزين وحائرين بل كونوا أقوياء وعُتاة لأن الضعفاء فقط هم الذين يسقطون على التراب فتدوس عليهم الخيول وتأكل العربات من لحومهم، أما الأقوياء فيتمجدون بقوتهم وينتصرون على الوحوش التي تهاجمهم".

أجل سيد التسامح والرحمة عندما هاجمته عصابة يهوذا لاعتقاله قال للتلاميذ: "استعدوا للمحنة". لم يقف مكتوف اليدين فتمجد وانتصر رافعاً يمينه مانحاً السلام... هذا السلام الذي يتعطش إليه هذا الكون سيدي... أيها النور الذي ينير وسط الظلام. يا إله العدل نسألك أن تمنح هذه الشعوب التي أحببتها بنفحة من ألوهيتك الشفاء من مرض وبيل... مرض الحقد والكراهية العمياء.

نرجوك يا أبا المراحم أن ترفع العالم من الهوة السحيقة وتجعل السلام يغمر الوطن الذي زرته ووقفت على قمم جباله رافعاً يمينك تبارك... هذا السلام المفقود ونحن بأشد الحاجة إليه ليسير العالم بحكمة ورحمة ووئام وليستفيق الضمير من سباته العيمق ليتغلب الانسان على الشر الكامن في أعماقه...

 

"في معبد الروح" تحارب الضغينة والثأر

ليندا اللقيس غصن -5

 

إن وصفتك بنابغة العصر فهذا الوصف تستحقه عن حق وحقيقة وليس مجرد كلام... وستبقى على مر الأجيال في عالم الأدب والنبوغ الكاتب المميز لما لك من عظات طيبات في "معبد الروح" قائلاً:

"اخلعوا رداء الكراهية وتكلموا لغة السلام".

هذه اللغة التي أصبحت على طريق الانقراض ولم يعد من يفهمها... فلا عليك أيها البطل العبقري الشاهر قلمك تحارب الضغينة والثأر كما حارب البطل الإهدني يوسف بك كرم الظلم والعبودية.

فالصادقون الذين تتكلم عنهم في معبدك قائلاً: "الذين يرفعون جباههم للشمس ولا يخافون من الصواعق والرعود". وأنت من هذه الفئة أيها النابغة، وستبقى مرفوع الجبين للشمس فلا تخف من الصواعق والرعود وإن كانت لا تضرب إلا القمم، فأنت قمة شامخة يحرسها سيد السماء والصواعق لا تستطيع ان تهزها وتذكر أخوة يوسف ماذا أرادوا له... الموت وليمحى أثره فأصبح ملكاً... إذن لا تقلق من تدابير البشر هناك عين لا تنام ترى الخفايا وتعلم النوايا.

حفظك الله وأخذ بناصرك وحقق أمانيك، ومن كان الله معه لا يخاف شيئاً... وإن غفا الحق أحياناً لكنه لا يموت. ستشرق الشمس وتنبت لك الغابة أشجاراً من الاخضرار تحميك لتحقق أحلامك وتصل إلى حيث تريد، وكما تقول في معبدك: "الذي يكون في قلب الله لا يخاف ولا يتراجع" وقنديلك الطافح بزيت المحبة ونور السلام تسطع أضواؤه مبددة صعوبات المعابر لتصل رسالتك إلى الضمائر والقلوب.

من معبد الروح: "أنا من جهة وأنتم من جهة، أنتم مسلحون بالحقد والضغينة وأنا مسلح بقدرتي على الحياة، والضغينة لا تقتل الحياة".

"اغضبوا ما تشاؤون وافتحوا النار كما تشاؤون فالله اعطاني أعماراً كثيرة لأعيش في عصركم فإذا انتهى عمر على أيدي الطغاة حييت في عمر آخر".

صدقت فأنت تحيا في معبد الروح إلى الأبد وستبقى تتناقله الأجيال الصاعدة مع بقية مؤلفاتك القيمة... ويسرني أن أكون في مركب الصالحين أمثالك حيث يقود هذا المركب الربان القدير لينتصر على الأمواج العاتية ليصل إلى الشاطئ الأمين وتظهر حمامة السلام تحمل غصن الزيتون علامة خلاص العالم من طوفان الحقد والكراهية والحسد المسيطر على الكون...

رائع ما تقول في معبدك:

"لو كنتم من غير وطني كنت قلت: لعلَّ هؤلاء يكرهونني لأنّ أجدادي اضطهدوا أجدادهم وليس لي حق على مَن ليس من أهلي، ولو كنت من غير لونكم كنت قلت: هؤلاء لم يألفوا أجناس بشر تختلف عنهم فلأدعهم وشأنهم. لو كنتم من غير ديني كنت قلت في نفسي: قد أكون كافراً في نظرهم وهم لا يحبون الكافرين... لكنكم من وطني ولوني وديني فأي وطن علمكم أن تفتكوا بأبنائه؟ وأي دين أوعز إليكم ان تقتلوا وتمثّلوا بالأجساد".

أجل بالله عليكم، أي دين علمكم القتل والثأر والضغينة وأي وطن حلل إلى أبنائه إبادة الآخر؟

أرض الوطن تتسع لكل أبنائه كائناً من كان وسيد الأوطان قال: "لجميع الناس على اختلاف أحوالهم مكان في ملكوتي وشريعتي هي العدل والرحمة والوفاء" لذلك أحب الكل وعلى الخصوص الخاطئين لأنهم بحاجة إلى رحمة، فإذا كان الرب الخالق أحب الجميع وخاصة الخاطئين وأنت يا أخي الانسان تكره الجميع حتى الصالحين الذين من وطنك ولونك ودينك وأهلك لأن الكل أخوة بالانسانية البشرية.

"سامحكم الله أيها الأحبة الجاهلون" (من معبد الروح).

لقد وصل العالم إلى أسوأ الازمنة واختلطت أقدار البشر ودخل الشر القلوب الحسد لامتلاك كل شيء وتدمير الآخر...

تقول إحدى الحكم: "لا بأس، لا تحاسب كل من اساء إليك وهاجمك ولكن ابتسم لأنه يكون قد وفر عليك اكتشاف شخصيته".

كتاب "في معبد الروح" مهمّ في رفع مستوى وعي القارئ العربي

الأستاذ محمّد حسين العمري

 

… صحيح أنّ معرفتي ببعض أدبيات الدكتور جميل الدويهي سبقت لقائي به في مكاتب جريدة "المستقبل"، إلا أني وفي كلتا الحالتين وجدته هو هو، لطيف المبسم، طيب القلب وحلو اللسان - أي حلو الكلام - والله سبحانه وتعالى وصف هذا النوع من البشر بسحر البيان، استناداً إلى قوله تعالى في القرآن الكريم وبما معناه: "إن من البيان لسحراً"...

إن الدكتور جميل هو من الوجوه الناجحة ويستطيع أي مثقف ومتعلم أن يستفيد من مواهبه... فأنا وعلى سبيل، أعجبتني احدى قصائده التي وما إن اطلعت على ابياتها مثنى وثلاث ورباع حتى انطبعت في ذاكرتي، لأن الشاعر كان قد أحاطها بالعقل والحواس بحيث لا يمكن لأيّ متعلم ومثقف أن يفصل النص عن الذات، أي عن ذات الشاعر، ولذلك جاءت قصيدته هذه - لا تغمضي عينيك - مؤثرة، جذابة ومعبِّرة: "لا تغمضي عينيكِ كي لا تبصري عُمري الذي قد صار لوحاً أسودا".

ومن الشعر والشاعر، وما في الشعر من دواخل تدور الكآبة حولها تارة وتدور الفرحة والابتسامة حولها تارة أخرى، تنتقل من هذا اللون إلى لون آخر... فالدكتور جميل كتب قصة - طائر الهامة - بلغة يستطيع المتعلم والمثقف ثقافة عامة أن يفهمها بسهولة، وبدون أية تعقيدات فنية كانت أم فلسفية. أما القارئ العادي فلا يستطيع على ما أظن، أن يفهم بسهولة ما يفهمه المتعلم والمثقف، ولذلك كانت السيدة مريم (الدويهي) في حديثها عن طائر الهامة الفقرة 9 من العامود الأول، أقرب إلى الواقعية عندما قالت: "القارئ العربي في الغالب معتاد على الواقعية، ويحبها لأنها لا تحتاج إلى عمل الفكر والغوص وراء الأبعاد"، اأي وراء الرموز وغير ذلك... فهؤلاء قالت عنهم الكاتبة مريم: "بأنهم يكرهون الرمز، ولا يميلون إليه"، والواقع أن هؤلاء يتمنون بأن يتساووا في الفهم مع غيرهم من القراء وبدون أية تعقيدات فنية، بدليل أن الدكتور منصور عيد قال في تعليقه على القصة الآنفة الذكر، بأن الدكتور جميل مغرم بالرمزية، والرمزية أحياناً تكون كالشيفرة تحتاج إلى من يفكك كلماتها لمعرفة الأهداف والغايات التي يرمز إليها الكاتب.

ولكي يزداد الكاتب تألقاً في قصته الجديدة - طائر الهامة - فقد ضمنها مسألة العدل الإلهي عندما استشهد بقول للسيد المسيح عليه السلام: "طوبى للناس الودعاء الذين سيرثون الأرض"، وهذا يعني أن لكل عمل من أعمال الانسان ثمناً عند الله... فالناس الودعاء هم الذين سيرثون الأرض، أما الطغاة، والمتكبرون والمتجبرون فلسوف يندمون على ما قاموا به من أعمال غير مشروعة دينياً ولا انسانياً، ولست أدري إذا كان الدكتور جميل يعلم أو لا يعلم، بأن استشهاده بتلك الآية الواردة في الإنجيل، فيه محاكاة لبعض الآيات الواردة في القرآن الكريم ومنها "والأرض يرثها عبادي الصالحون"، أي الودعاء من الناس، الطيبون... وبعبارة أخرى فعندما يقرأ القارئ كتاباً للدكتور جميل، فهو يقرأ لرمز من رموز الأدب العربي المعاصر الذي لا تخونه العبارات حتى ولا الألفاظ، وهذا أمرٌ يُجمع عليه كل من التقى به وتعرف عليه، وقرأ له، وحسبنا أن نشير هنا الى عمل آخر عكس حكمة الكاتب وتألقه في عالم التجديد... ففي "معبد الروح" يقدم الدكتور جميل الدويهي للقارئ العربي الثقافة اللازمة والمعلومات العامة التي تجعل منه مثقفاً ناجحاً، لا يبتعد عن قضايا أمته وشعبه السياسية والاجتماعية والفكرية... ولكي يتأكد للقارئ الفاضل براعة الدكتور جميل في تصوير ما يعترض الانسان على الأرض من مشاكل ومآس ومعاناة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع وما ينبغي له أن يتصرف في حدود الممكن، فإني أدعوه لقراءة كتاب "في معبد الروح" لأهميته في رفع مستوى وعي القارئ العربي على حقوقه وواجباته...

ففي هذا الكتاب يتناول الدكتور جميل الدويهي أدق المواضيع سخونة وجمالاً وذكاءً، ومن الخطأ أن لا يُترجم هذا الكتاب القيّم إلى اللغات الفرنسية والانكليزية والألمانية.

 

الحكمة الالهية كالزهرة التي تنشقها الروح
الأستاذة كلود ناصيف حرب

 

سبع وثلاثون عظة بشوق تابعتها. قصص قصيرة تتناول قضايا الحياة الإنسانية، في لغة تمزج بين الواقعية النثرية والرمزية الشعرية...

كنت خلالها حقاً "في معبد الروح".

يا لها من مواضيع إنسانية مهمة! "كونوا إخوة في معبد الروح"، عالجها الكاهن بحكمة وإدراك.

إنه الأديب والشاعر اللبناني القدير الدكتور جميل الدويهي.

من جديد نسافر معك إلى رحلة الكلمة اللبقة والعبرة المهمة والرسالة الأخوية وهذه المرة "في معبد الروح". ومعك أيها الكاهن، الحكمة الإلهية كانت كالزهرة التي تنشقها الروح وتحيا بعبيرها، كالرحيق الذي تستقي منه الروح وتدوم فيه، كالشمس التي تستشف الروح ضياءها وتحيا بدفئه... وكسحابة الصفاء التي تمطر رذاذ الحنان والعطاء... وكقوس قزح الأمل بعد أمطار المعرفة... وكأنشودة السناء التي تتصاعد أنغامها محبة وفهماً...

وفي كل قضية كانت الحكمة المستوحاة من عمق النفس هي وعي الله في الانسان...

تلك الساكنة أبداً في جوهر الانسان كأنها الزاد يحملها معه أينما كان...

الحكمة في معبد الروح كانت معلم الروح الأكبر. فيها تكمن أسرار المعرفة الآلهية، وبها تكتمل تعاليم الروح. إنها نور الروح بعد بلوغ المعرفة الإنسانية.

كانت هالة نور مقدسة تكلل هامة الانسان. لها يصغي العقل، ومنها يرتوي القلب...

وأنا اقدم هذا الكتاب الجديد هدية لكل من يرنم للسلام ، لأني خلال متابعتي حروفك الصادقة ذات الحكمة والوعي والمعرفة عشت سلاماً دافئاً...

سلام كان الصفاء الداخلي والراحة النفسية... سكون وهناء.

سلام الروح وسلام العقل وسلام القلب، سلام العقل من الجهل وسلام القلب من البغض، حيث حروفك دفعتني للتخلى عن القلق والبغض... الحقد والغيرة.

في معبد الذات يبتهل الإنسان إلى خالقه وفي محراب الروح يتأمل في إنسانه... هكذا سافرنا معك أيها الكاهن القدير دكتور جميل الدويهي في كتابك الراقي "في معبد الروح"...

فلتكن الروح جديرة باحتواء قدسية هذهِ التأملات...

وألف مبروك مع محبتي.

 

قراءة في كتاب"في معبد الرّوح" لجميل الدّويهي

الأستاذ سليمان ابراهيم - عنّايا

 

أمتطي شهوة القراءة سبيلاً للعيش "في معبد الرُّوح" جديد الكاتب جميل الدّويهي، لأجده وقد تقمَّص العيش كاهنًا يحيا جائبًا أَروقته السَّبعة والثلاثين من المقالات الممتدّة على مئة وأربع صفحاتٍ من الحجم الوسط والّتي أصدرها في سدني أوستراليا،خادمًا له، راعيًا لشؤونه، محدِّثًا عبرها أبناء رعيته، ومن خلالهم أبناء المسكونة أَجمعين: مجيبًا عن تساؤلاتهم، مخفّفًا من آلامهم النّفسيّة، مهدّئًا من روعهم على تسرّب قيم ٍ واندثار أخلاقياتٍ قد باتوا يشتاقون لعيشها وممارسة طقوسها، هم الّذين كانوا قد تربّوا على نهجها واعتناقها دستور حياةٍ... ففغرت المدنيّة المتفيشة شدقيها وراحت تزدردها وتغتالها من يومياتهم رويدًا رويدًا،وخافوا أن يبحروا في خضم الوجود مواجهين إعصاراته حفاة عراة يتضوّرون إلى عيشٍ كريم ٍ، في زمن طغيان المادة وسيادة التّفلُّت...

زوار معبده الّذين يقصدونه، جلّهم من النَّاس الطيّبين، زلفوا إليه من القرى وراء الهضاب العالية، رافضين العيش "في منازل الأمس" حيث تمكث حكايا الثأر وتعشعش الضغينة في مُستنقعات الدماء... ( ص4) وقد هالهم العيش وسط بشرٍ خنقوا الخير فيهم وأحيوا الشّر فباتوا "ناسًا من أسوأ الملائكة". فينبري الكاتب هاديًا، مُرشدًا قاصديه إلى ضرورة عيش المرء التسامح مع أخيه الإنسان، ممارسةً يوميّةً، كفريضةٍ فُطِرَ عليها ليتعاون الجميع من خلالها على إحياء الخير فيهم، وبناء الجمال من بعدهم واللّذين لا يتحقّقان إلاّ بعيش المحبّة بينهم، ليكونوا حينها قد أدوا الدَّور الّذي قد أوجدهم الخالق من أجله مشاركينه فعل بناء العالم: "عليك أن تحدِّد النظر في المخلوق لكي تعرف الخالق معرفةً غير كاملةٍ، بيد أَنّها كافيةٌ لإقناعك بنبل وجودك ومكانتك تحت السّماء".(ص9).

من المقالة الأولى "صورتي في المعبد" التي يحدِّد جميل الدويهي دوره في المعبد من خلالها؛ حتّى "وصيَّتي"، المقالة الأخيرة الّتي يضمِّنها الغاية من وضعه للكتاب "ليست عندي كلمة يا إخوتي أَقولها الآن إلاّ أن تدعوا السلام يعيش ويكبر في بيوتكم وشوارعكم". (ص98)، يلتزم الكاتب في معظمها نهجًا في الكتابة، يبدأ بعرض المعضلة النفسيّة- الأخلاقيّة، أو الإجتماعيّة –الإنسانيّة؛ يشرع من بعدها بعرض الحلّ عن طريق الإرشاد والتّوجيه وتصويب المسارات، لرعيّةٍ تُصغي وتفهم، إلى أن ينتهي النّص بقدرة الكاهن على إقناع المخطىء بالعودة عن خطئه وفاقد الشّيء كيف يحظى به: معتمدًا التّرغيب والتّرهيب حينًا والإستفهام الإنكاري كما تجاهل العارف حينًا آخر... ومن الملفت، طغيان أُسلوب السّرد على الحوار وتقنيّاته إلاّ فيما ندر... كما ونلمس استعمال الكاتب للوجوه البيانيّة والبديعيّة على تنوّعها، ممّا يغني النّص الأدبي بالصّورة التي تقرّب المفهوم المجرد إلى فهم القصد والمضمون من المخاطب في النص، كما من القارئ إيًّا كان، بالحواس والقدرات الإدراكيّة سواءَ بسواء. ناهيك إلى اعتماده على المثل الخرافي أو المشخصن في النّصوص إلى جانب الصورة، لتحقيق الهدف من رعايته لشؤون الرّعيّة؛ والتّمثيل بشواهدٍ من المدوّنة على هذه الأمور، وفيرةٍ جدًّا في مقالات الكتاب كافّةَ. بالإضافة لركون الكاتب إلى إبراز المتعارضات من المفاهيم: الحق/الباطل، الخير/ الشرّ، العتمة/ الضوء، الثأر/ التّسامح، الكره/ الحبّ، الصّدق/ الكذب، مشدِّدًا على اتباع الإيجابي ونبذ السّلبي منها إن كنّا نريد العودة إلى طبيعتنا الأصليّة والتّقرب إلى خالقٍ أحد.

فالكاتب - كاهن المعبد- يحدِّد دوره، بزرع البراءة وروح التَّسامح بين أبناء رعيته... وردًا على سؤالٍ حول طبيعة الخالق، يرى الكاتب أن معرفة الخالق وطبيعته تتمّ بسماع الصوت الدّاخلي الّذي يحدثه الصّمت وفي مساحة الفراغ التي تتركها الكتابة ليتأمل الباحث، إضافةً إلى أهميّة الظلام التي تبرز قيمة النور في مسيرة الإكتشاف والّذي يستفيد منها جميع الباحثين المتنوّرين عن الحقيقة. (ص6-9). كما وأنّ الحكمة الموصلة إلى المعرفة هي من نتاج القلب والعقل معًا: "لو احتكم النّاس إلى القلب والعقل معًا لكانوا خلّصوا أولادكم من ميراث الموت والدّمار".(ص12). ويلوم الكاتب النّاس على اختيارهم "منذ قديم العصور أن يكونوا عبيدًا للأزمنة، بدلاً من أن يكونوا أسيادها". (ص15). ومن أهم القيَم الإنسانيّة التي يتطرق لها الكاتب : الحب الّذي "هو النّار الّتي تشتعل في حطب قلوبكم، فتحوِّله إلى لهبٍ أبدي"(ص16). كما يعرج بالكلام على الحبّ السّيئ ومفاعيله (ص17-18).ومواضيع جمّة أخرى لها في قلمه نصيب، من مثل العناصر الطّبيعيّة والبحر، التّعب والشّقاء، النّور والظّلام، النّزوات، الموت، وصولاً إلى "طبيعة الشّيطان" التي من أهم ميزاتها، أن الشيطان"يزيّن لكم الشّرور ويدفعكم إليها..."(ص24).فالحديث على الشعراء الّذين يرى فيهم " كواكب مضيئة"... وما يقولونه بأنّه أمرٌ حسن، لأن الجمال شيء مقدّس... "والشعر سراج الفضيلة المعلّق في الظلام، ودواء الجروح العميقة التي يعجز الأطبّاء عن معالجتها. وإذا كان الدواء يصلح للجسد فإنّ الشِّعر يصلح للأرواح المعذّبة فيداويها ويخفِّف من آلامها".(ص27).

مواضيع إنسانيّة إجتماعيّة متشعّبة يتناولها كاهن المعبد تصويبًا لنظرة أبناء الرّعية إِليها ومواقفهم منها، كـ "النزوات"، "الموت"، "المرأة ورجلها" و"الهجرة" التي يرى فيها "اعتناق لديانة المغامرة"، "المتلونون" في مواقفهم، "يوم الثّأر" الّذي يرى فيه فعل خيانة للمحبّة، وهروبٌ جبان إلى أقبية الضّغينة ومنازل العبوديّة..." ومواضيع أُخرى كعلاقة الرّجل بأبنائه وموقفه من المال والحرّية والفرح، ونظرته للأعداد والدّين والكفر، وضرورة التمايز بـ "روح الخير" وكيفية عيشه وممارسته ليكون مصيبًا هادفًا. وصولًا إلى الحقيقة التي لا يعرفها كاملةً أحد والّتي يربطها الكاتب جميعها بعالِم ٍأحدٍ، خالق الكون هو. فـ "ساكن الغابة" المدعو الخطيئة والذي هو ليس سوى الشّيطان الذّي يظهر للناس مزيّنًا بلبوس شتّى... وهنيئًا لمن ينجو من براثنه... وقوفًا بـ"القاتلين بالسّيف"، أُولئك الّذين "يرتدون الحماقة ثيابًا ويحملون الجهل زادًا وعتادًا: (ص84).فـ "أوطانكم"، حيث يدعو الكاهن المهاجرين إلى أخذ أوطانهم معهم إلى حيث يذهبون، "فالأوطان ليست من طينٍ وماء. هي الوجود الّذي لا تحدّه حدود. هي أنتم، ومن غيركم أَنتم لا مكان للمكان".(ص87). وتظهر رسالة جميل الدويهي في مقالته "معبد لجميع الشّعوب" من خلال توجهه إلى أبناء جلدته ووطنه كما إلى أبناء وطنه الثّاني فشعوب الأرض، مفادها: "أن الأديان ليست منازل من حجرٍ مقفلة الأبواب... وأنّكم عندما تعبدون اللّه تكون عبادتكم دينًا". (ص91). وعن المسامحة الّتي يختصر تقريبًا بثّها نهجًا بين الشعوب لحفظ السّلام العالمي الهدف من الكتابة، يقول: "عندما تسامحون، فأنتم ترتفعون إلى الله بأجسادٍ من نور، وتدوسون على الكواكب. وعندما تحقدون، فإنّ أرواحكم تكون محبوسة في أوكار الظّلام، وقلوبكم أضيق من نعوش".

بكلمة، لقد مازج الكاتب جميل الدويهي بين ما فُطر عليه من إنسانيّةٍ وما تربّى عليه من قيم ٍ ومبادئ َأخلاقيّة من جهةٍ، وما امتازت به شخصيته العلميّة الأكاديميّة من جهةٍ ثانية، من طاقات البحث المنهجي البادي بوضوح من خلال معالجة الموضوعات التي تناولها وهو يخوض تجربةً تبتّل فيها القيم سراطًا سويًا، يدعو إلى عيشه "في معبد الرّوح"؛ وإن كانت التّأثيرات الدّينيّة قد ظهرت جليّةً في الكتاب، إضافةً إلى تسجيل مواقفه، رفضًا وقبولاً لبعض الفلسفات وآراء الفلاسفة التي بثّها المقالات، ليبقى كتابه في نهاية المطاف قيمةً مُضافةً إلى مكتبتنا العربيّة.

في  الجفاف المادي تنعشنا الصلاة "في معبد الروح"

الأستاذ سركيس كرم

 

"إنَّ الله يحبُّ عبادتكم ويقدِّس وجودكم، وعليكم أن تحبُّوه من غير أن تطلبوا منه شيئاً في المقابل، فالمعابد ليست أمكنة للبيع والشراء. وإذا رأيتم أنَّ الناس يحبُّون الله، ويَصِلون إليه من الطريق التي لا تسيرون عليها، فلا تلعنوهم لأنَّهم إخوة لكم في الدين وأنتم لا تعلمون. وقد يكون الله راضياً عنهم أكثر ممَّا هو راض منكم ومن عبادتكم. إنَّ الله لا يريد منكم دينكم بل يريد إيمانكم." (من كتاب "في معبد الروح" للأديب الدكتور جميل الدويهي).

ليس هنالك من هدية تضاهي بقيمتها الفكرية والمعنوية قيمة الكتاب... وكيف إذا أتى الكتاب إلينا حاملاً عبق الحكمة وعذوبة الفكر وشفافية الموقف؟ وكيف إن جاء ليغني في مضمونه عالم الابداع والفلسفة، وليزيد المجتمع بلاغة فكرية وقيمة حضارية تزيل بوهجها الخلاق رتابة اليأس وتواجه الشر "بسيف" الحقيقة؟ "في معبد الروح" يستل الدويهي سيف الحق الذي يستمد صلابته من الكلمات الهادفة إلى نشر الوعي، والذي لا تتمكن من حمله إلا أيدي من آمنوا بفعالية الصلاة وقدرة الخير على هزيمة الشرّ مهما بلغ من جبروت ومهما بالغ في وحشيته. كتاب "في معبد الروح" يعكس روحية الكاتب الأديب جميل الدويهي الذي عرفناه في سعيه المتواصل إلى محاربة الجهل ممتشقاً قلمه الغزير العطاء الذي يوظفه في العمل الدؤوب لكي تبقى راية الحضارة والسلام مرتفعة في سماء الانسانية. فالدويهي يحملنا عادة ويطير بنا من خلال أشعاره إلى عالم لا يسكنه إلا عشاق الكلمة المتحررة وروادها، ويأخذنا كذلك بواسطة كتاباته إلى سمو القمم التي ما عرفت يوماً إلا طعم الحرية والفروسية والتضحية حيث تحلق مخيلتنا ضمن إطار لا يحده الزمن ولا تحيطه القضبان. لذا تعالوا نترافق في هذه المقالة المتواضعة مع ما عايشته في رحلتي التي جعلني فيها قلم جميل الدويهي أصّلي "في معبد الروح".

ها نحن نتهيب الموقف قبل أن ننطلق في مسيرتنا بين الجبال والوديان فيما عاصفة الماديات تهب بقوة في الخارج، تهز رفوف المكتبات بوحشية لكي ترغم الكلمة الراقية على الإنكفاء. انها الهجمة الممنهجة التي تمزّق كل ما يمت بصلة إلى وجدانياتنا. هي الشر الذي يحاول رمي الأفكار من أعالي صفحات الفكر الخلاق. هي العاصفة التي تهب بكبسة زر منطلقة من قساوة الآلة وصقيعها القارس، لتتمادى في ضرب عمق أعماق الانسانية... وكأنها انتزعت، في غفلة من الزمن، الحق من جذوره وهي في طريقها إلى تدمير المستقبل بعدما أنتهت من تشويه الحاضر... وليس هنالك من يقف في وجه الريح سوى فرسان الحرية ورسلها كالمبدع الذي حفر في الذاكرة دعوة إلى التحرر تقول: "فتمرَّدوا على مَن وضعوا الحديد في معاصمكم، وليكن لكم من قلوبكم سلاحاً تواجهون به، وإذا لم تتحرَّروا من داخلكم فلا أحد يحرِّركم." (ص68). أو ليس من أجل ذلك عقدنا العزم على الخروج وسط العاصفة رغم المخاطر بحثاً عن "المعبد" الذي يلتجيء إليه أولئك الذين آمنوا "أن النور أعطانا الحياة، والظلام لا يمنع عنَّا الحياة." (ص 32).

تابعنا السير بصعوبة في خضم الصورة المادية القاتمة التي تمحي الألوان في أيامنا هذه فتخطف في طريقها تقاليدنا وسعادتنا وتعاوننا وتقاسمنا لبهجة الحياة ومشاعرها. تغتال الحرية. تشوّه الحقيقة. كل ذلك باسم التطور. ووسط هذه العاصفة المدمرة نحاول أن نخرج من عزلتنا علنا نجد في مكان ما نفحة من الأمل والتفاؤل والمحبة، علنا نجد خميرة ذلك الخبز الروحي الذي يعيد الحياة من جديد إلى أفكار تائهة ضلت طريقها في غابة اللامنطق... وفيما نحن نناضل ونصارع العاصفة، يلفحنا عبق البخور الآتي من فوق، وكأنه يريد ان يغمرنا ليسير بنا إلى مصدر تلك الرائحة الزكية. "الله ليس كائناً مجسَّماً كما أنا وأنت وهذه التلَّة العالية التي تسرح عليها القطعان، هو الكلُّ في الكلِّ والنور في النور، فأنت ترى بعضاً منه في الأشياء التي حولك، فكلُّ شيء قدر صغير من الله الذي لا يُحدُّ..." (ص 7). تخترق هذه الكلمات هدير الريح. تدخل قلوبنا. فتتفجر إرادة اكتشاف ما يضمه المعبد الذي بتنا نراه يشّع شموخاً من على ذروة الأفكار... نتردد في الدخول للوهلة الأولى ومن ثم نفعل لأن أرواحنا المتعطشة الى الحكمة قد ملت الانتظار، وها هي الآن باتت تشعر بأمان لا توفره سوى معابد الروح التي يخدمها كهنة هم بطاركة في الحكمة... كهنة من طينة جميل الدويهي لا تخيفهم عواصف ولا تكبلّ حريتهم الماديات، ولا تقدر المظالم على أن تبدّل شيئاً من قناعاتهم وشفافية رسالتهم... "إنَّ الثروة لا تغيِّر شيئاً في طبيعة الإنسان لكنَّ طبيعة الإنسان تشتهي، لأنَّه يخاف أن يموت وجيوبه فارغة، وكأنَّ الزمان يخضع فقط لأهوائه ورغباته." (ص 15).

تبهرنا معالم المعبد. تتشابك أحاسيسنا مع عظمة تواضعه. وتنقلنا رحابة الكاهن الجليل إلى عالم أحببناه. أغتبطنا بأخلاقياته وطموحاته... عالم نحلم بمقوماته وبساطة عيشه وفعالية تعاليمه... عالم لا يتطلع إلى المصلحة في الحبّ، بل إلى الحب النقي النابع من القلب الذي يتغلب على كافة العوائق كونه يمس في طيبته قلب الله بعيدأً عن الأنانية المستعصية: "ومن أسوإ أنواع الحبِّ أن يحبَّ المرء الربَّ إلهه عندما يكون في حاجة إلى شيء منه، أمَّا إذا كان مكتفياً بما لديه، فلا يرفع صلاة من قلبه إلى السماء." ( ص 18). هذا ما ذكرّنا من جديد بأننا فعلا نمضي في سبيلنا. ننسى الأهم لأنه الأصعب... تستميلنا السهولة. وفي أوج الأنا يخفت تواضعنا ليهيمن الكبرياء... نظن أننا كائنات أسطورية خارقة إلى أن يأتي الألم على حين غرة. فجأة نتذكر الخالق وتعاليمه. ننحني صلاة وتوبة. يعود إلينا التواضع. ومن ثم نتعافى، فننسى ونتناسى ونتكبر إلى أن يطرق الألم باب أجسادنا الزائلة من جديد. وفي كل مرة يتجدد صراعنا بين ضعفنا البشري وبين قوة الإيمان بالرب الذي لا علاج من دونه ولا خلاص خارج مشيئته: "وكم هو عاقل الإنسان الذي يفهم أنَّ له موتاً ينتظر على قارعة الطريق كما له الحياة التي يحبُّها ويتمتَّع بها! وكما أنَّ الحياة صُدفة، فالموت أيضاً صدفة لكنَّها تنظر إلينا، ونحاول نحن أن ننظر إليها فلا نراها من وراء حجاب الأسرار." ( ص 37)

"نحن نحبُّ الحرِّيَّة، وحيث تكون يكون لنا وطن، ونكره العبوديَّة، وحيث تكون العبوديَّة تنتهي أوطاننا." و"احذروا أيُّها الأبناء أن يأخذكم الغرور إذا أصابكم الغِنى، فقد كنتم جميعاً فقراء وجائعين، ولم يتغيَّر شيء لأنَّ مَن ينكر الماضي ويتنكَّر له لا يستطيع أن يعيش في المستقبل." (ص 50). هذا الكلام جعلنا ننسى العاصفة والرياح كوننا وجدنا في وسط المعبد خريطة الاوطان التي لا تحدها سوى كرامة الانسان وحقوقه وحريته. كما ترسخت في بالنا أكثر من قبل مقولة انه ينبغي علينا إحياء ماضينا المجيد في وجداننا من أجل بناء مستقبل أفضل لا أن نرتكب غلطة العيش في الماضي التي تقضي على فرص التقدم والتطور على الرغم من أنه لا وجود للحاضر لولا الماضي، ولا للمستقبل لولا الحاضر. وفي حديثه عن الأوطان، لقد تمكن الكاهن من أن يطبع جوازات سفرنا بتأشيرة كونية عنوانها الحرية: "كلّما ابتعدت أوطانكم عنكم اقتربت منكم أكثر، ولكنّ أوطانكم هي في قلوبكم، وأوطانكم هي حرّيّتكم." ( ص 86).

بعد أن سحرنا الكاهن الجليل ببلاغته وعمق أفكاره وثقافته اللامحدودة جلسنا نصغي إليه ونستمتع بحكمه بصمت تكلله سعادة نفسية تنعش الروح: "فما أروع الذين يمجِّدون إلهاً يكون فيهم ويكونون فيه، وما أبشع الذين يمجِّدون إلهاً من صنع أيديهم المدنَّسة، روحه من تراب ووجهه من حديد وصدأ." ( ص 57). وكم هنالك من عبيد للذات وللأنانية وللمظاهر في عالمنا هذا وكم يحتاج هؤلاء إلى من يوقظهم من غيهم وغرورهم وخطاياهم. كم يحتاجون إلى معرفة الرب وإكتشافه من جديد "في معبد الروح". وما أصدق القول عن عطاء الله وكرمه: "وأنتم عندما تضعون قرشاً في يد فقير لا تأخذونها من جيوبكم بل من يد الله." ( ص 77).

لا يدع الكاهن الحكيم مسألة تهم أنسانيتنا إلا ويستعرضها ويعرض الحلول الصالحة لها: "إنَّ السعادة التي يطلبها البشر إنَّما هي قريبة منهم. وهناك مَن يحاضرون عن الله وهم أبعد الناس عنه، ومَن يتحدَّثون باسمه وكأنَّه لا يعرف كيف يفكِّر أو يتكلَّم، وهناك مَن يتظاهرون بحبِّهم له وهم يجلدون إنسانه ويذيقونه من المرِّ ألواناً." (ص 82) فالسعادة التي لا تنبع من إرادة التحرر لا تقدر أن ترتقي بالمرء الى حقيقة الله ومحبته وسلامه وحنانه ورحمته. إن الله محبة لن يدركها قطعاً من سقطوا في مستنقعات الكراهية عندما ضلُّوا الطريق إليه ومصيرهم هو بالطبع كمصير "أولئك الذين طفحت أكوابهم بالحقد فالبكاء والظلمة، فحياتهم مملوءة بالبؤس وموتهم هزيمة، ومقرُّهم حفرة أبديّة ليس فيها إلاّ الصمت والوحدة." ( ص 85)

"كونوا إخوة في معبد الروح، ولا تسألوا أحدكم: من أين أنت؟ ومن هما أبوك وأمُّك؟ فالمؤمن لا يسأل أحداً عن أصله ودينه، فالأصل واحد والدِّين واحد كما أنَّ الله واحد في كلِّ الأمكنة." (ص 92) أجل، علينا أن نكون أخوة لأنّ المناصب تأتي وترحل. الأموال تأتي وتصرف. الإستفادة تأتي وتنتهي. والإستغلال يأتي وينكشف... وحدها بساطة الطيبة المتحصنة بشفافية الذات الانسانية تأتي لتبقى لأنها مباركة من الرب ومتجذرة في أعماق الروح وليست مصطنعة وظرفية.

"فاصنعوا سلاماً يا إخوتي، وليكن سلاماً يدوم لأبنائكم وأحفادكم، وازرعوا في كلِّ حقل شجرة سلام، وأضيئوا في كلِّ بيت شمعة للسلام، وصلُّوا ولا تملُّوا لإله السلام. وإذا سمعتم ذات يوم إله الحرب يصرخ إليكم، فاخرجوا إليه عُراة حفاة واطردوه من بينكم، وإذا رفض الرحيل، فاطرحوه أرضـاً وعفِّروا وجهه بالتراب، واقطعوا لسانه لكي لا يبقى له صوت." (ص 99) بهذه الوصية الصارمة ودعّنا الكاهن تاركاً في أعماق أنفسنا ما لن ننساه بسهولة... فقد جعلنا نتسلح بحكم روحية تمزج بين المحبة والحزم وبين الليونة والصلابة بغية ان ينتصر السلام بقهر الشر وأربابه. وصية تمنحنا قوة معنوية نستطيع من خلالها تحطّيم رغبات الماديات وعواصفها العاتية والتغلب على ظلامية الظلم والاستعباد.

خرجنا من المعبد وإذا بالعاصفة تستكين فجأة وكأنها ترمي سلاحها مستلمة في معركة خاضتها ضد ارادة الحياة ومشيئة الرب التي لا تقهر... خرجنا من المعبد في زمن الجفاف المادي وقد أنعشتنا الصلاة "في معبد الروح" وشحذت هممنا... وما من صلاة تحيي الروح وتشّد من العزيمة مثل تلك النابعة من عظات كاهن يؤمن حقاً بتعاليم الرب ويعيش من ضمن سياق روحيتها وروحانيتها.

 

يتناول الأديب الدكتور جميل الدويهي "في معبد الروح" سبعاً وثلاثين قضية انسانية بأسلوب يمتاز به الدويهي بآفاقه وتمرده وأحلامه... فهو يظل المناضل في سبيل التغلب على العبودية على أنواعها عبر السعي الى تحطيم أصنام الماديات. وهو الملتزم دوماً برسالة أدبية حضارية ثوروية ترمي إلى الأطاحة بتقاليد بالية ومفاهيم خاطئة. في كتابه الجديد ينقل الدويهي القارئ إلى عالم آخر تظلله قيم المحبة والعدل والسلام، وتسمو في أرجائه أنسانية الانسان. عالم تنعم به البشرية بحرية بوركت بتعاليم الرب وتكرست بمشيئته.

مبروك للأديب د جميل الدويهي إبداعه الجديد، وهنيئاً له ولنا بهذا الكتاب النابض بانتفاضة المبادئ، والعابق ببخورالصلاة، والمضيء بنور الحكم.

كتاب د. جميل الدويهي "في معبد الروح"

الفنّانة الأستاذة مارسيل منصور

 

"إن الفكر الذي يبدع هو الفكر الذي يقربكم من السماء…"

وعظة من (في معبد الروح) للدويهي.

صدر حديثاً كتاب "في معبد الروح" بالعربية للأديب والشاعر الأسترالي اللبناني الدكتور جميل الدويهي، وهو مجموعة من العظات تتخللها تأملات أدبية وحكم وبعض القصص والحوارات المستمدة من أحوال أفراد المجتمع، أما موضوعاتها فهي متعددة ومعظمها يضم قيماً أخلاقية اجتماعية وأحيانا فلسفية، تبدو أنها مستوحاة من المسيحية.

لقد جرى العرف على أن تكون هناك تفرقة بين من يطلق عليهم اسم "الأدباء" و"الشعراء" و"الفنانين" من جهه، "والمفكرين" و"العلماء"، من جهة أخرى، ولعل ما يميز الطائفة الأولى هو أنهم جماعة من أهل الخلق والإبداع في الشعر أو الفن، أديباً كان الفرد أم شاعراً أم فناناً في الرسم أو النحت وما شابه ذلك، ففي هذه الحاله يستطيع المبدع أن يسرح في خياله، فيعبّر عما يجول في خلده من فكرة يخرجها إلى حيّز الوجود، وفي معظم الأحيان نرى أن هذه الجماعة هي من المبدعين الذين استناروا وأرادوا أن ينيروا، من أجل تنوير أفراد المجتمع من خلال المعرفه التي تكمن في خلجات نفوسهم وفكرهم، على أن تجيء للمتلقّي في صورة إبداعية، في معظم الأحيان يكون سر سحرها ما يكمن في غموض طياتها الغير مباشرة.

ولكن الأديب الدويهي جاءنا في كتابه هذا (في معبد الروح) بطابع مغاير، إذ اعتمد في الغالب أسلوب الواعظ المباشر، فنراه يكتب بروحه السمحة وقلمه الهادئ ليشيع فينا نفحة التعبير الذي يقيم بنيانه على أسس الثقافة الروحية والمجتمعية الأصيلة. على أن المؤلف قد استقى مواده من مناهل عدة بما فيها تعاليم المسيحية، وصهر جميعها في نتاجه الأدبي، وإن كان قد استعمل طابع الوعظ ، فذلك لأنه استخدم الصيغة اللغوية لأسلوب الكاهن الذي تقمص شخصيته.

فالمؤلف هو الكاهن ذاته الذي يبدأ كتابه بالتعريف عن نفسه، نراه قد استهل أول مواضيعه بعنوان (صورتي في المعبد) فيقول: "كنت أجلس في معبد الروح" (ص 4) ، فيسرد للقارئ كيف كان يأتيه العاملون والمحاربون … وكيف "نجا المعبد من الحروب"(ص5) … لأنه كان يعطيهم خبز الحياة... ثم يتحدث عن الخير والغفران والتسامح، وهو الرجل التائب الذي يقول : "ليسامحني ربي على ما فعلت."(ص6) كما ويتحدث عن "مأدبة السلام الجميل" في الموضوع نفسه. ثم يسترسل في الحديث عن القيم في عناوين أخر، فينتقل من موضوع إلى آخر وكلها تمس الإنسان في صميم واقعه. وفي وسط الكتاب عن موضوع (الضغينة) يكرر:"وتكلموا لغة السلام ، فهي لغة المجد الأبدي"(ص53). ويستمر في عرض نصوصه المختلفة إلى أن ينهي كتابه بوعظة أسماها (العظة الأخيرة وصيتي) ، فعندما سألوه أهل الناحيه عن وصيته الأخيرة أجابهم : "ليست عندي كلمة يا إخوتي أقولها الآن إلا أن تدعوا السلام يعيش ويكبر في بيوتكم وشوارعكم." (ص98) . هكذا نرى المؤلف الكاهن الواعظ يبدأ، ويتوسط، وينتهي في كتابه (في معبد الروح) بالحديث عن موضوع بالغ الأهمية ألا وهو موضوع "السلام"، وما أحوجنا إليه في هذه الأيام.

ففي كتابه هذا نجد باقات متعددة ومختلفة من المواقف والمفاهيم والقيم التي تتخللها بعض الحكايا الواقعية لأمثال أؤلئك الأفراد والعائلات، والتي أوجد حلولاً لها، قد بناها على الحلول الوارده في الأديان السماوية. هذه النصوص معظمها مفعمة بروح الإنسانيه والمحبة التي نلمسها في الوعظات الدينية، فضلا ًعن النظرة المثالية التي يود أن يراها في الناس أو يوصلها إليهم. فهو لا يعتمد خلوة المتصوف الذي يبتغي المثالية اللامتناهية ذات العالم اللامحدود، ويترفع عن واقع العالم المادي في عزلة، وإنما نراه غير ذلك، فهو الكاهن المتصوف في معبده تارة حيث يزوره عامة الناس، ورجل الدين المتجول بين شعبه تارة أخرى من أجل أن يغامر في تحسين أوضاع حياتهم وأن يصعد بهم نحو يقظة تصحو بها كوامن النفوس. فتراه تارة يكتفي بأن يلاحظ من بعيد على ألا يكون انعزاله سلبياً، وأحياناً يتصل بالشعب اتصالاً مباشراً – داخل المعبد أو خارجه – حتى يستطيع إصلاح مجتمعه.

ففي موضوع (النور والظلام) يقول: "إنهما توأمان لا ينفصلان… فنور الفضيلة لا ترونه بالعيون المجردة" (ص30) … "اسكبوا من النور في أرواحكم لتصير معابد مقدسة ، وطهّروا قلوبكم بفعل الخير، فالخير يزيد النور نوراً." (ص32) وعن موضوع (قيمة الحب): "أما أجمل أنواع الحب أيها الناس هو الحب الذي يعطي ولا يأخذ" (ص18). أما في حديثه عن (المرأة ورجلها) فهو يرفع من شأن المرأة ويعطيها حريتها ويرفض إهانتها أو إذلالها فيقول: "لا ترجموا إمرأة إذا …"(ص16) "ومن أسوأ الحب أن يتظاهر رجل بحب امرأة لكي تعطيه جسدها" (ص17) ثم يصلح بين امرأة ورجلها في مواقف أخرى فيقول: "إني أعجب كيف يهين الرجل زوجته ولا يشعر بالإهانة"، كما يرفع من معنويتها ويشجعها على الاهتمام بنفسها ومظهرها، ويشير إلى أن التوازن مطلوب بين الروح والمادة ويحث على السير قدماً نحو التطور. (ص 47 ).

فالهدف الواضح من هذا الكتاب هو خلق روح عصرية جديدة، تتسم بطابع مميز، يتطلع إلى أفق أوسع، لا يقتصر على أصحاب الحياة النقية وحدهم – أعني عليّة الروحانيين والمتدينين والمثقفين – بل يتعداهم إلى كونه كاهناً ومصلحاً اجتماعياً ليشمل عامة الشعب كله، وذلك لأنه يجمع بين ثنائية الثقافة الدينية والاجتماعية .

لقد جاء كتاب "في معبد الروح" في موضعه الزمني من عصرنا الحديث، شاهداً قوياً على رغبة المؤلف الدويهي – إذ يرى نفسه في دوامة التيارات المعاصرة وتدهور القيم – في أن يثبت ذاته إثباتاً يجعله روحياً دينياً، فجعل من نفسه كاهناً متعبداً ومصلحاً اجتماعياً خالصاً، من أجل إفادة أفراد المجتمع والعمل على التئام جروحهم وإعادتهم إلى الحياة، حتى تدب فيهم الروح من جديد. ولذلك نراه في (في معبد الروح) قد انتقد بعض الآفات الأخلاقية والاجتماعية، وحثّ على التحلي بفضائل المسامحة والحب والغفران.

(في معبد الروح) يقدم لنا د. جميل الدويهي نسيج كتاب مميز، جاءت خيوطه كلها تتجمع لتلتقي في عزيمة واحدة، تبحث عن الجذوة التي تشملها فتحركها إلى فكر إنساني جديد يقلب التربة قلباً، ليبذر بذوراً جديدة، تنبت لنا نباتاً جديداً. وإن هذه الجذوة هي التأمل في الروحانيات والتعمق في الاتجاهات الحياتية الجديدة والعلاقات الاجتماعية، والمشكلات الإنسانية، والفلسفية، وأمور الحياة الجارية التي تصادف الانسان منا في كل العصور من حيث اختلاف الرأي وتعدد الأحوال، فنرى المؤلف طريقته في إيجاد الحلول فورية وعميقة الجذور. فما من شيء حوله صعب وهو الكاهن المتعبد والضليع في كل الأمور والذي يستطيع أن يعمل على اختراق حواجز الزمان والمكان.

وقبل أن أترك الكتابه هنا، لا يسعني إلا أن أهنئ الأديب د. الدويهي على إصدار هذا الكتاب القيم الذي يقدم صورة نضرة لكيفية التعايش في الحياة الإنسانية الواقعية على أسس روحية وعقلانية، فمزيداً من غزارة الإنتاج الخيّر والنجاح.

 

من وحي كتاب الأديب الدكتور جميل الدويهي

"في معبد الروح" حكمة الكتاب

الفنّان الأستاذ فضل عبد الحيّ

 

اختار الأستاذ فضل عبد الحي بعض القيَم والحِكم من كتاب "في معبد الروح" واستوحى منها حكماً أخرى، فكانت هذه المجموعة من الأفكار:

- عندما تكتشفون الخير في أنفسكم، فستكرهون أرواحكم الماضية.

- طهروا قلوبكم بفعل الخير.

- التسامح قنديل المعرفة، والذين لا يغفرون اختاروا الظلمه الأبدية.

- الشرائع من صنع الانسان، والانسان يخطئ.

- إن ما يراه البعض حقاً، ربما يكون باطلاً، والعكس صحيح.

- الانسان قيمه، وليس سلعة تباع وتشترى.

- ما أروع الحقيقه العاريه، التي تشرق عليها الشمس، ويغسلها المطر بدموعه.

- المعابد التي تقوم على المال، هي معابد فارغه من الصلاة.

- لنعرف الحب، يجب أن نُولد من جديد، والولاده الجديده تحتاج إلى مخاض وألم.

- إنكم تأخذون بفرح، ولا تتعبون من الأخذ، واذا حان وقت العطاء تشحب وجوهكم.

- الحب، هو الذي يعطي ولا يأخذ، ولا يكون للبغض مكان في قلوبكم ولا للشرّ طريق إليكم...

- يجب أن تحبّوا الحر والزمهرير، الزهور والأشواك، المطر والجفاف.

- علموا أبناءكم أن التعب واجب مقدس، وافتحوا كتاب العلم واقرأوه لهم قبل أن يناموا بدلاً من أن تخبروهم قصص الجن والساحرات.

إن التعب سنّة الحياة، فقد وُلد معنا، ومعنا سيموت وبه ستُخلد أرواحنا.

- إن الشيطان لا يعرف الخير، بينما آدم يعرف الخير والشر، وهما توأمان في نفسه.

من وحي الحكمة السابقة: فالإنسان هو أفضل من الشيطان والملاك، والملاك لا يعلم إلا الخير.

- الذي لا يحب الجمال، يكون عبدًا للقباحه.

- الشاعر لا يموت. إنه ينتقل إلى الحياة في ضمائر الناس، وكأنه ما زال معه، ويعيدون على ألسنتهم ما قاله وكأنه ما زال بينهم.

- أحبوا النساء، فليس عيباً أن نحب، بل العيب في أن نكره.

- المرأة هي الربيع، تملأ السماء عطراً وغناء.

من وحي الحكمة السابقة: والرجل هو العطر، ويعطي للمرأة الغناء الجميل بمعاملته الجميلة لها.

المرأة معطاءة كالحقل، والرجل هو الماء الذي ينعش تلك الأرض.

- إني لأعجب كيف يهين الرجل المرأة ولا يشعر بالإهانة.

- إذا هاجرتم وتركتم بيوتكم وأهلكم، لا تحزنوا، فبكل مكان تنزلون فيه سيكون لكم أهل وإخوة.

- اخلعوا رداء الكراهيه، والبسوا لغة السلام.

- السلام الذي تعطونه للناس، هو الذي يشعركم بالغبطه.

- ما أجمل الانسان الذي يعترف بأخطائه، فاعترافه ينقيه.

من وحي الحكمة السابقة: وكلما أصلح خطأ بنفسه، يجد خطأ آخر ليصلحه، وهكذا دواليك، فيلتهي بأخطاء نفسه عن أخطاء الآخرين (كونفوشيوس)

- انظروا إلى الأمام أيها الناس... الانسان يأخذ ما يفيده من الماضي وهو يخطو إلى المستقبل.

- الناس يختلفون لأن الضعف يمتلك نفوسهم.

انظروا ما أجمل هذا التعبير:

سامحكم الله أيها الأحبة الجاهلون.

فسامحوني إذا أخطأت بما اخترته لكم من الكتاب، وشكراً للشاعر الدكتور جميل الدويهي الذي أتحفنا بحكمته في كتاب "في معبد الروح".

- وهل هناك أجمل من المعبد لترتاح الروح؟

- وهل غير روح الإنسان هي المعبد؟

 

حلقة إذاعية عن "في معبد الروح" مع الإعلاميّة كلود ناصيف حرب

استضافت فيها الأخت الراهبة إلهام جعجع وصاحب الكتاب

 

قبل أيام على أمسيته المقررة في 23 تشرين الأول 2015، شارك الأديب والشاعر اللبناني المهجري د. جميل الدويهي في حلقة إذاعية استضافتها إذاعة "صوت المحبة" مع المذيعة المتألقة الأستاذة كلود ناصيف حرب، وكان الضيف الكبير الأخت الراهبة إلهام جعجع من راهبات العائلة المقدسة المارونيات، ومديرة المركز الإنساني الذي يعنى بالمسنين في دالويتشهيل وماركفيل. وعلى الرغم من أنّ الدويهي سيقدم 4 أعمال نثرية وشعرية هدايا، كتاب لكل أسرة، لكن التركيز كان في برنامج "يا هلا بالضيف" على كتاب "في معبد الروح" الذي يعتبره الدويهي قمّة أعماله. واستهلت الأخت جعجع البرنامج بالصلاة ودعوة أبناء الجالية للحضور بكثافة في أمسية الدويهي "لأنني بعد أن قرأت في معبد الروح وجدت فيه كلاماً رائعاً. إذا كان في معبد الروح هكذا، فكيف ستكون الكتب الباقية؟ أرجو حضور الجميع ليأخذوا قيَماً فكرية واجتماعية وإنسانية وروحية، ويحصلوا على هذا الكنز الذي سيُقدّم في الأمسية"... وقالت: "لفتني في هذا الكتاب عنوانه، إذ هناك معبد وهناك حضور إلهي هو الروح. وبعد قراءتي للكتاب المؤلف من 37 عظة، تذكرت آية للقديس يوحنا: "أتيت لتكون الحياة للناس". وخاطبتْ الدويهي قائلة: "أنت كتبت للناس لتهديهم إلى حياة أفضل وتبين القيم الروحية التي نحن في حاجة إليها".

وتوضيحاً قال الدويهي "إن الكتاب يقوم على مجموعة من القيَم وأهمّها التسامح، ففي بداية الكتاب أصف التسامح بقنديل المعرفة"، وهنا أردفت الراهبة جعجع: "التسامح هو أعظم فضيلة وفكرة التسامح مهمة وأنت شددت عليها لكي نصل إلى السلام". وأضافت: "لقد أنشأتَ توازناً بين الحق والباطل، الخير والشر، الوطن والغربة، النور والظلام ، كما توازناً بين القلب والروح". وأوضح الدويهي التوازن بين المادة والروح في المسيحية فقال إن خشبة الصليب مثلاً عند المسيحيين هي خشبة (مادة) في الأصل ولكنها عندما أصبحت رمزاً للقيامة والخلاص والحياة الجديدة والانتصار على الموت أصبحت روحاً. كما أوضح أن التسامح الذي يسعى إليه لا يجب أن يكون تسامحاً بالمطلق، "فالشرير يجب أن يُحاسب على أعماله لأنه جعل الشر ينتصر على الخير في نفسه فإذا بالآخرين ضحايا في معبد حقده". وأضاف الدويهي: "سمعنا كثيراً من الفلاسفة يقولون إن الإنسان ولد وفيه الخير ويموت معه، وهو يفعل الشرّ لأنه يجوع ويعطش، كأننا يجب أن نبرئ الإنسان إذا سرق أو قتل لأنّه اضطر إلى الجريمة بسبب حاجته، "فما الفرق بين هذا الخاطئ الشرير وبين الذي تعضه الحاجة ويعطش ويجوع فيفضل الموت على أن يفعل شراً؟"

وقرأت الراهبة جعجع العديد من مقاطع الكتاب التي تتناول التواضع والمحبة والعدل ووجود الله، وأبدى الدويهي عجبه من أناس يقولون إن عقولهم لا تستطيع تحمل فكرة أن الله موجود، فقال: إن العقل يجب أن يعجز عن تصوّر أن الله غير موجود، وأعطى مثلاً الكون ونظام المجرات والهندسة الإبداعية التي تحتّم وجود خالق مبدع.

من جانبها أشادت الأستاذة كلود ناصيف بالكتاب، وقالت إنه مزج بين الواقع الشعري والنثري والرمزي، فكان الدويهي الكاهن في معبد الروح وعالج المواضيع المهمة بحكمة وإدراك. وطلبت الأستاذة ناصيف الاستزادة في موضوع وجود الله فقال الدويهي: "كنت في جامعة سيدة اللويزة التي وضعتها في قلبي أسأل طلابي دائماً: "إذا صنعتم مركبة فضائية لا تصطدم بشيء وأرسلتموها صعوداً في الفضاء فإلى أين ستصل؟ كانوا يجيبون: لا نعرف، فكنت أقول لهم: لا تعرفون لأن الله تعالى يُخفي كثيراً من التفاصيل التي تحتاجون إليها وتبحثون عنها من غير فائدة، فعقولكم تصطدم بحائط مسدود. الله لا يمكن اكتشافه بالعقل فقط، وكثير من الفلاسفة لم يستخدموا أرواحهم مع أفكارهم فاعتمدوا على العقل فقط واصطدموا بالهباء". وأضاف أنّ بعض الناس يتصورون أن الله هو إنسان عادي لا يستطيع نقل شجرة من مكانها أو حمل سيارة على ظهره، والله ليس كذلك... هو مهندس عظيم ينظم الوجود برمته.

وقالت الأخت إلهام إن الله يُعرف بالمحبة، والذي لا يحبّ لا يستطيع أن يلتقي بالله. ولفتت إلى الاستمرارية في الكتاب، عند تسليم الكاهن الأكبر الرسالة إلى الكاهن الأصغر، فأوضح الدويهي أن الكتاب نفسه سيصدر بالانكليزية، وهناك كتاب "في معبد الروح 2" لكن بعنوان آخر وسيناريو آخر، ترجمة لهذه الاستمرارية.

وتابعت الأخت إلهام جعجع قراءتها لمقاطع من الكتاب سجلتها على ورقة من 13 موضوعاً اختارتها، وقالت: "أنت رفعت الحب إلى مصاف عظيم حيث ينبغي أن يكون من غير مقابل". وقالت أيضاً: "في خضم الواقع كثيراً ما ينظر الإنسان بسلبية إلى الحياة، ولكنك في الكتاب تنقل الناس من أفكارهم السلبية إلى المنحى الإيجابي، فالحياة فيها نور وظلمة وفيها شمس وفيها قمر".

وقدّمت الأستاذة كلود ناصيف وصفاً دقيقاً لموقع الدويهي للأدب المهجري الراقي "أفكار اغترابية" فقالت: "لقد قرأت قصيدتك إلى الكبير سعيد عقل عدة مرات"، وأبدت إعجابها بالنوع السابع من الشعر الذي أطلقه الدويهي (المدوّر العاميّ) للمرة الأولى في أستراليا.

وتطرقت الراهبة جعجع إلى فكرة الموت حيث يعتبر الدويهي أن "الموت هو المرفأ الذي نسعى إليه بخطى متسارعة ونحن نواكب مرور السنوات"، كما تطرقت كلود إلى فكرة البخل في الكتاب، فقال الدويهي إن البخل من أسوإ الصفات لأن البخيل بخيل في صلاته أيضاً، مضيفاً: "نحن لا نعطي شيئاً لأن الله هو الذي يعطي من خلالنا، وليس لنا فضل في العطاء، وإن القرش الذي نضعه في يد الفقير ليس من جيوبنا بل هو من فضل الخالق علينا، ولذلك أعطي كتبي مجاناً: مجاناً أخذت ومجاناً أعطي".

وقالت الأخت جعجع: "كنت في الأسبوعين الماضيين أقرأ في الكتاب، فلفتتني مواضيع كثيرة، منها موضوع "الضغينة"، إذ يقول الدويهي: "إخلعوا رداء الكراهية وتكلموا لغة السلام فهي لغة المجد الأبدي"... ليتنا نعيش هذه المحبة، وهذه الأفكار التي وضعها الدويهي في الكتاب لا بد من أن تثمر، وقد أثمرت عندي. الذي تكتبه يا جميل نحتاج إليه وإلى تطبيقه". وأعطى الدويهي هنا مثلاً عن "الرجل الكافر" الذي يعامله بمحبه وينقذه من أيدي "القاتلين بالسيف"، فيركع الرجل على أدراج المعبد ويقول له: قل لي من هو الرّبّ إلهك لأنني أريد أن أعبده مدى الحياة. وأضاف الدويهي: "هكذا أعدت الكافر إلى نور الله عن طريق المحبة وليس عن طريق القتل. فالذين أضرموا الحروب لم يجنوا منها غير القتل والتدمير ونحن عندنا رسالة في الحياة تختلف عن رسالتهم". وعلقت الراهبة جعجع على قول الدويهي: "الله لا يريد أديانكم بل يريد إيمانكم"، فقالت: "إن الحروب تحدث في الشرق لأننا نتمسك بالدين وليس بالمحبة. نريد إيماناً لكي نعيش معاً بسلام".

وأشارت الأخت جعجع إلى مزيد من المواضيع التي عالجها الكتاب، فقالت: "أدعو المستمعين إلى قراءة هذا الكتاب، وأنا اليوم كنت أتشارك مع كهنة في قراءة هذا الكتاب، ورأينا ما فيه من قيَم روحية وإنسانية أيضا". وهنا سأل الدويهي: "هل كان الكهنة راضين عن الكتاب؟" فقالت الأخت جعجع: "تشاركت مع الأب فادي تابت والأب أندريه غاوي، وكانا فرحين بالأفكار والمواضيع السامية والراقية التي تحتوي على قيم كثيرة، وهما شعرا بأننا نحتاج إليها في عصرنا". وقال الدويهي معلقاً: "هذا يدفعني إلى نشر الكتاب باللغة الإنكليزية، فأنا لا أيأس من أن الكلمة يجب أن تفعل فعلها".

وسألت الأستاذة كلود عن فكرة الكتاب وكيف خطرت في باله، فأجاب الدويهي بأنه انطلق من روايته الإنسانية "طائر الهامة" التي احتوت على كثير من القيَم، "فتساءلتُ: لماذا مثل هذه الأفكار والقيَم لا أتوسَع بها وأجعلها في كتاب؟"

وسألت كلود أيضاً عن العظة التي يفضّلها، فقال: "عظة الأعداد" وقالت الأخت جعجع إنها أحبّت جميع العظات ولكنها تفضل "الحق والباطل" التي فيها كثير من الحكمة التي نحتاج إليها. وشرح الدويهي أنه في الأعداد يناقض فيثاغورس وجمودية العدد.

ودعا الدويهي أبناء زغرتا - إهدن، مدينته التي تعيش في قلبه وروحه، إلى المشاركة في الأمسية والحصول هدية على كتاب "نظرة في تاريخ إهدن - أشهر المعارك الإهدنية في التاريخ"، وهو الكتاب الثاني بالإنكليزية للدويهي، والكتاب عن معارك إهدن لن يكون متوافراً بعد الأمسية مطلقاً، والذين يحبون إهداء هذا الكتاب إلى أبنائهم وأحفادهم، فهذه أجمل هدية يمكن أن يحصلوا عليها في كتاب متقن وأكاديمي.

وألقى الدويهي خلال اللقاء قصيدتين: واحدة بعنوان "الله خلقني" والثانية عن البطل الإهدني يوسف بك كرم، وكشف عن أربعة كتب جديدة من أجل أدب مهجري راق ستصدر تباعاً بعد الأمسية: "في معبد الروح 2"، "في معبد الروح" بالإنكليزية، "حاولت أن أتبع النهر، النهر لا يذهب إلى مكان"، و"كتبوا في معبد الروح". وقال الدويهي: "هذه المقابلة ستكون جزءاً من الكتاب الأخير"... وناقض الدويهي في المقابلة بعض أفكار الفلاسفة والمفكرين أمثال نيتشه، غوته، أمين الريحاني، جبران خليل جبران... وقال "إنهم عظماء ولكن ليس كل ما قالوه صحيحاً، ويمكن أن يأتي أحد ويقول إن كتابي "في معبد الروح"يحتوي على أفكار لا يوافق عليها وليست عندي مشكلة في ذلك. لا يجب أن يكون الناس جميعاً على فكر واحد".

وجدد الدويهي شكره لإذاعة "صوت المحبة" والأب الرئيس مارون موسى مدير الإذاعة والأخت إلهام جعجع والإذاعية كلود ناصيف حرب التي قال عنها إنها تكرمه وتشرّفه كمقدّمة لبرنامج الأمسية، وقال إن هذا الفضل لا ينساه أبداً. وختمت الأخت جعجع بصلاة على نية الدويهي، فقالت: "يا رب، إحمِ جميل الذي يعطينا أفكاراً جميلة جداً من روحانية وقيم وأخلاق، وأطلب منك أن تقويه وتعطيه أكثر فأكثر لكي يعطينا هو من كنـزه الجميل."

 

جميل الدويهي في لقاء مع إذاعة "2000 إف إم" عن "في معبد الروح"

وكتبه الأخرى التي قدمها في مهرجانه للأدب المهجري الراقي

(23 تشرين الأول 2015):

الله أعطانا الحرية لنفكّر ولا ننغلق...

كل عام سأقدّم كمّية من الكتب على مستوى عال من النوعيّة

 

أجرت إذاعة 2000 إف إم- سيدني لقاء إذاعياً مع صاحب كتاب "في معبد الروح" الأديب اللبناني المهجري الدكتور جميل الدويهي. أجرى اللقاء الأستاذ بادرو الحجة بإدارة الدكتور علاء العوادي مدير الإذاعة ومشاركة الزميلة جمانة والأستاذة مريم الدويهي زوجة الأديب اللبناني.

استهل اللقاء الدكتور علاء العوادي بالقول: شهادتي مجروحة بالأديب جميل الدويهي الذي يسمونه على نطاق واسع بشاعر التأمل والحرّيّة، وهذه القامة الأدبية غنيّة عن التعريف، وقد شرّفنا بحضوره في استوديوهات 2000 إف إم. والدكتور الدويهي هو من القُدامى في هذه الإذاعة، منذ أيام الأستاذ نبيل طنوس - رحمه الله. واليوم سنلقي الضوء على كتاب الدويهي الجميل "في معبد الروح".

وأعطى الدكتور العوادي الميكروفون إلى الزميل بادرو الحجه الذي قال في مقدمته:

"عيديّة كبيرة، مع أديب، شاعر، صحافي و إعلامي كبير من أبناء الجالية.

من عائلة لبنانية- زغرتاوية عريقة أعطت لبنان والعالم رجال دين، فكر وأدب حيث تركت بصمة بيضاء في عالمنا هذا.

إنه الدكتور جميل الدويهي الذي نحاوره اليوم حول موسوعته الأدبية الرائعة، وندخل معه في هذه الأعياد المجيدة معبده الخاص ونجول معه في ٣٧ محطة من دستوره وشريعته التي تقمّص من خلالها شخصية الكاهن ومرشد للسلام والمحبة.

أستاذ جامعي عاصر الكبار وانتقد البعض منهم، ذاق طعم الاغتراب والحرمان وابتعد عن وطن الأرز ونبع مار سركيس ومعبد يوسف بك كرم - أهدن، لكنّ سيدة زغرتا رافقته في كل خطواته الناجحة في الاغتراب.

مؤخراً أحدث تظاهرة فنّية وأدبية في الجالية حيث وقّع وأهدى لأبناء الجالية أربعة كتب شعرية وأدبية وتاريخية بينها رائعته "في معبد الروح".

الإذاعة العربية 2000 إف إم تستقبل اليوم من ترك بصمته الأدبية والاعلامية في أرجائها.

نرحب بمدير تحرير جريدة "المستقبل" الأسترالية وصاحب موقع "أفكار اغترابية" للأدب المهجري الدكتور جميل الدويهي."

جميل: أهلاً وسهلاً ومرحباً بك، شكراً على هذه المقدمة الجميلة، شكراً دكتور علاء العوادي والأستاذة جمانة، أشكر هذه الإذاعة وأتمنى لها دوام التوفيق، وإن شاء الله تبقون في هذا النجاخ دائماً. وهذه الإذاعة تشعرنا بالحنين والشجن لأنّنا نحن من المؤسّسين الأوائل لها مع الراحل الكبير الأستاذ نبيل طنوس. إن شاء الله تكون نفسه في السماء ونتذكره دائماً بالخير. أستاذ بدرو أنا ممتنّ لك على هذه المبادرة اللطيفة، وأهنئك بإطلالاتك الإعلامية المميزة، وأهنئ الجالية بالأعياد المباركة، وأتمنى أن تعود على الجميع بالخير والسعادة دائماً.

بادرو: أرحب أيضاً بالسيدة مريم الدويهي. وراء كل رجل عظيم امرأة. وهي مثقفة وأديبة. وأعيّد عائلتكم الصغيرة والكبيرة من أبناء الجالية.

جميل: نحن العظمة ليست لنا. نحن أناس التواضع والمحبّة والفكر. وكلّ شيء نفعله هو من فضل الله تعالى الذي أعطانا. في كل إبداعاتنا نحن منتحلو صفة، لأنّ الصفات الجميلة والعظمة هي ملك لله تعالى.

بادرو: أريد أن أدخل معك إلى معبدك الخاص "في معبد الروح"، في فترة الأعياد بالذات، وقد تعمّقت في قراءة هذا المعبد، وكم نحن في حاجة في هذا العصر إلى أن نأخذ العبَر من الكتاب. 37 محطّة تقمّصتَ فيها دور الكاهن. بشّرت بالخير في هذه الظروف الصعبة التي نمرّ بها. 37 محطّة أعتبرُها دستوراً لو سار الجميع بحسب دعوته نصل إلى الكمال.

جميل: يا ليتنا نستلهم من الكتاب وممّا جاء به المفكرون والكتاب العظام الذين مروا في العالم. من أول التاريخ دعا الفلاسفة والمفكرون إلى الخير والمحبة والسلام، لكن للأسف العالم اليوم يتخبط في دمار ومشكلات كبرى. وقد حاولت أن أضع من خلال الكتاب حجراً صغيرًا في بناء المجتمع، فليتنا نقرأ ونصغي إلى ما ورد في الكتاب، فلو طبّقنا فعلاً الأفكار الواردة فيه لكنّا ابتعدنا عن كثير من المشكلات.

بادرو: 37 محطة في 100 صفحة. إذا بدأت بقراءة الصفحة الأولى لا تستطيع أن تتوقف عن القراءة حتى آخر الكتاب. وكلّما قرأتَ نفذتَ أكثر إلى الأعماق والأبعاد. سؤالي: بعد هذه الموسوعة الأدبية الرئعة أليست عندك مسؤولية كبيرة في نشر كتاب آخر؟

جميل: طبعاً. كنت أقول دائماً إنّ "في معبد الروح" يخيفني، لأنني أعتبره من أهمّ أعمالي، وقد سميته على موقعي للأدب الراقي "أفكار اغترابية": "رائعة جميل الدويهي"، وهناك من يقولون: لماذا يسمّي كتابه رائعة؟ لي الحقّ في أن أقول إنه رائعة لأنّه أهمّ عمل عندي. هو رائعة أعمالي، ولم أقصد بكلمة "رائعة" أنه أفضل من كتب الآخرين.

بادرو: أنت تتعرّض لكثير من الحملات الإعلامية. الشجرة المثمرة تتعرض دائماً للرشق بالحجارة.

جميل: للأسف، للأسف، للأسف، للأسف... هذا هو الواقع المرير الذي نعيشه كل يوم، ونتعذّب من أجله. بدلاً من أن يبارك بعض الناس الأعمال الجيّدة، ويقدّرون الكاتب الذي سهر وتعب وأبدع، تظهر بين الفينة والأخرى فقاقيع صابون في المجتمع. أحد الأشخاص يروّج أنّ "في معبد الروح" فيه اقتباس. "أضحك من هَيك ما بقا يصير". الكتاب كتبته بطريقة الاسترسال الشعري، ولم يكن لديّ مصادر ومراجع. وليست هناك جملة يمكن أن يقول أحد إنني أخذتها عن أحد، إلاّ إذا كانت في معرض الردّ على الفلاسفة والمفكرين. مثلاً إذا كنت أرد على جبران أو غوته أو نيتشه، فمن الطبيعي أن أذكر ماذا قالوا لكي أمهّد لما أريد أن أقوله. وهذا ليس اقتباساً. وفي كتابي ناقشت العديد من الفلاسفة والمفكرين. وأحب هنا أن أوضح قضية مهمّة جداً وهي أن جبران خليل جبران اقتبس. وفي كتابه "النبي" كثير من الاقتباسات عن كتاب الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه "هكذا تكلّم زرادشت"، وعندي بحث أكاديمي منشور على موقعي للأدب المهجري الراقي "أفكار اغترابية" عن اقتباسات جبران الفكرية. كما أحبّ أن أذكر لك معلومة قد تكون تُنشر لأول مرة، وهي أن جبران خليل جبران كتب أقصوصة "الملك الحكيم" عن مدينة فيها بئر، وتأتي ساحرة في الليل فتلقي قطرات من سائل غريب في تلك البئر، وعندما يشرب أهل المدينة من البئر يصبحون مجانين، أما الملك والوزير فلم يشربا من البئر فظلاّ عاقلين، فتظاهر الناس معتبرين أن الملك ووزيره مجنونان، فاضطر الاثنان أن يشربا من البئر، فرضي الناس وقالوا: عاد ملكنا ووزيره إلى الصواب. هذه القصة مأخوذة عن أسطورة قديمة قد تكون من التيبت على الأرجح، وقد كتبها أيضاً توفيق الحكيم في مسرحيته الشهيرة "نهر الجنون" كما كتبها الأديب العالمي باولو كويلو في روايته "فيرونيكا تقرّر أن تموت"... ثمّ نحن نتذكر المذهب الكلاسيكي حيث كان الاقتباس من أسس المذهب وكانت الأكاديمية الفرنسية تراقب أعمال الكتّاب، وتفرض عليهم أن يأخذوا نصوصاً من الميثولوجيا اليونانية أو الرومانية أو الفينيقية ويعيدوا صياغتها، وقد خالف بيار كورناي بعض الأسس الكلاسيكية وأدخل على مسرحيته "السيد" إبداعات جديدة، فتعرض لانتقادات شديدة. وصلاح لبكي اقتبس في كتابه "من أعماق الجبل" أقصوصة كاملة من غير أن يغيّر حرفاً واحداً فيها، عن راباندرانات طاغور، هي قصة "طليق وسجين"، نقلها لبكي بالترجمة إلى العربية... فلماذا يا أهل الخير تتضايقون من "اقتباسي" وأنا لم أقتبس أصلاً؟ والغريب أنّ بعض الناس يصوّبون على الكتاب وهم لم يقرأوه، ولم يعرفوا ماذا في داخله.

جمانة: الكتاب "في معبد الروح" جميل فعلاً.

جميل: ثم يأتيك واحد ويقول: أنت مخطئ. حسناً، ناقشني في هذا الخطأ. أساتذة جامعات قرأوا كتاب "في معبد الروح" وهو منشور على موقع الأدب المهجري الراقي "أفكار اغترابية"، لم يقل أحد لي أنت مخطئ في أي مكان، لأنّ ما أطرحه هو أفكار وآراء أؤمن بها.

جمانة: طبيعي أن يكون هناك واحد أو اثنان ينتقدان، وتكون أنت واثقاً مئة في المئة من أنّ ما كتبته صحيح.

جميل: طبعاً، ذا قال أحدهم أنت مخطئ في القواعد واللغة أو قلت إن الشمس تشرق من الغرب أو جعلت الصحراء العربية في المحيط المتجمد الجنوبي، فأنا لا أعتب، بل أعتذر، ولكن لا يستطيع أحد أن يعترض على كلام مثل هذا يُقال لأول مرة في التاريخ: "قد تظنون أن الفصول أربعة ولكنها في الحقيقة فصل واحد يرتدي ثياباً مختلفة". هذا رأيي.

بادرو: المشكلة الكبيرة التي نعاني منها هي أنّ الإنسان الناجح يُحارب دائماً. أريد أن أخوض معك في موضوع حسّاس جداً. الوصية عن السلام التي أوصيت بها في العظة الأخيرة. نحن على أبواب سنة جديدة، ونأمل أن يعمّ السلام وطننا الذي تهجرنا منه، فالسلام له شأن كبير عندنا.

جميل: بالطبع. لقد بدأت الكتاب بالسلام وأنهيته بالسلام، وهنا أريد أن أشير إلى أن 10 آلاف مفكر قبلي تحدثوا عن السلام، فهل ممنوع أن أتحدث أنا عنه؟ وإذا كان 10 آلاف فيلسوف تحدثوا عن المحبّة والخير والأخلاق ، فهل يحظر عليّ الخوض في هذه المواضيع بلغتي الخاصة ومقاربتي الشخصية؟ وهل علينا أن نضع المواضيع في ثلاجة ونقفل عليها ونمنع الناس من أن يخوضوا فيها؟

جمانة: بالطبع لا. كل إنسان له رأيه ورؤيته الخاصة.

جميل: أنا لا أوافق كثيرين من المفكرين على آرائهم، ومن بينهم جبران خليل جبران في مواضيع التقمص 7 مرات، والحلولية، والخير والشرّ، ولكني أحترم آراءه، فهو عنده وجهة نظر وأنا لديّ وجهة نظر. ثمّ هناك في كتابي مواضيع كثيرة جديدة يمكن التركيز عليها بدلاً من اختراع سلبيات، فعن الزمن أقول: "لا تنتظروا من الزمن أن يسير معكم إلى الأمام، بل الأجدى أن تسيروا معه راضين، ولا تنظروا وراءكم، لأنكم منذ الولادة تسيرون إلى الوراء"، وعندما يأتي إليّ الناس ويشتكون من غضب البحر والعناصر أقول لهم: أحبّوا الزهرة وأحبوا الأشواك... أمّا عن مناقضة العِلم فإنّ الناس جميعاً يعتقدون أنّ الكون ناشئ من تراب وهواء ونار وماء، وفي كتابي أقول: "ما أدراكم ماذا يوجد في المكان الذي لا تصل إليه عقولكم وأفئدتكم؟". في رأيي قد تكون في الكون موادّ لا نعرفها، فنحن نعرف ماذا يوجد على الأرض وفي الكواكب التي اكتشفناها، ولا نعرف ماذا يوجد في الفضاء الخارجي وماذا وراء الكون ووراء الأبعاد. وفي كتابي قسّمت الخير إلى 3 مراتب، في تجديد لرؤية الخير: "إذا أطعمتُم من طعامكم إنساناً جائعاً تكونون خيّرين في عيون الله، أمّا إذا أعطيتم الآخرين قبل أن تأكلوا فتكونون أفضل من الخيّرين، وإذا كنتم جائعين وطرق على بابكم جائع فأطعمتموه ولم تأكلوا أنتم، فإنّكم إذّاك أفضل من أفضل الخيّرين".

بادرو: هل تقرأ لنا وصيّتك عن السلام؟

جميل: "فاصنعوا سلاماً يا إخوتي، وليكن سلاماً يدوم لأبنائكم وأحفادكم، وازرعوا في كل حقل شجرة سلام، وأضيئوا في كل بيت شمعة للسلام، وصلّوا صلاة المجد لإله السلام، وإذا سمعتم ذات يوم إله الحرب يصرخ إليكم، فاخرجوا إليه حفاةً عُراة، واطردوه من بينكم، وإذا رفض الرحيل، فاطرحوه أرضاً وعفّروا وجهه بالتراب، واقطعوا لسانه لكي لا يبقى له صوت، ولن تكون لي في ما تبقى من حياة غبطة أكبر من غبطتي بإله السلام الذي يعيش معكم ولن يخرج من بينكم بعد الآن".

بادرو:هاجرتَ كثيراً، لكنّ الوطن يبقى معك وفي كتاباتك، ولم تغب عنه ولا لحظة. أنت تتقمّص الكاهن القروي، وتخيّلتك في زغرتا أو إهدن، وكنت تقدّم هذه العظات من هناك.

جميل: طبعاً الهجرة صارت جزءاً من حياتنا، وأنا أكتب عن الهجرة، ولكن بأفكار أعمق من معنى الرحيل والانتقال من مكان إلى آخر. قلتُ في عظة الهجرة ما معناه أنّكم إذا ذهبتم إلى بلد فاحترموا أهله وقوانينه ونظامه، ولا تنشئوا أنظمة خاصة بكم، وإذا مررتم بالقرب من مقبرة فصلّوا على الأموات وإن كنتم لا تعرفونهم، ولا تسألوا: مَن هم؟ وما هي دياناتهم؟... إذن تحدثت عن الهجرة في معنى أعمق من معناها العادي.

بادرو: تحدثت كثيراً عن المسامحة، ونحن في عصر نحتاج فيه إلى هذه القيمة.

جميل: المسامحة قيمة مهمّة. سمّيتها قنديل المعرفة.

بادرو: لنتحدّث قليلاً في الماورائيات. هل غاص الدكتور جميل الدويهي في الماورائيات كما غاص فيها جبران خليل جبران، واكتشف جزءاً يسيراً من خفايا الكون؟ وماذا وراء الرحيل؟ وهل يحقّ لنا أن نبحث في الماورائيات؟

جميل: بالتأكيد يحقّ لنا، ولا شيء يمنعنا عن ذلك. لكن لكلّ إنسان أسلوبه, الفكر مفتوح والله أعطانا الحرية لكي نفكر ولا ننغلق. بالعكس، إذا انغلق الإنسان ولم يفكّر يضيع ويتوه. وإذا فكّر بطريقة عقلانية يهتدي. أعطيك مثلاً: إذا قلت لي إن عقلي لا يحتمل وجود الله، أستغرب منك، لأنّ العقل لا يحتمل فكرة عدم وجود الله. لا يمكن في نظري أن يكون هناك شيء غير مولود. فولتير نظر إلى الساعة المعلّقة في صدره وقال: "لا أعتقد أنّ هذه الساعة قد وُجدت من غير صانع صنعها"، فكيف لهذا الكون الغريب والعجيب والمركّب والمعقّد أكثر من الساعة ببلايين المرّات أن يكون قد صُنع من غير صانع؟ هذه طريقتي واعتقادي، وقد يأتي إليّ إنسان ملحد ويقول لي: أنت مخطئ، فأصحّح له وأقول: لك رأيك ولي رأيي.

بادرو: بعد الغوص في الماورائيات، إلى ماذا توصّلت؟

جميل: توصّلت إلى أنّ الله موجود. كتبت في كتابي "في معبد الروح" أنّك تجده في كلّ ما حولك. أنظر إلى نفسك، إلى ما يحيط بك. إلى فكرك وروحك، إلى السماء والكواكب، إلى الوردة والبحر... وكلّ ما تراه أمامك.

بادرو: هل تؤمن بالتقمّص مثل جبران خليل جبران؟

جميل: جبران آمن بالتقمص 7 مرات. هو حدّد العدد. وفي أوّل نص من كتاب "المجنون" بعنوان "كيف صرت مجنوناً"، يأتي السارق (ملاك الموت) ويأخذ عن الحائط الأقنعة السبعة التي تقنّع بها جبران في حيواته السبع، فيركض في الشوارع صائحاً: اللصوص الملاعين سرقوا أقنعتي. فيهرب الناس منه في كلّ اتجاه. وكان هناك فتى على سطح منزله يقول: أنظروا أيها الناس، هذا (جبران) مجنون، فنظر جبرن إلى الفتى ورأى الشمس، فلم يعد في حاجة إلى أقنعته. الشمس هي رمز الإله، وجبران رأى الإله فلم يعد يحتاج إلى الأقنعة. هذه هي الحلوليّة التي لا أؤمن بها أيضاً. أرفض أن يكون الإنسان هو الله والله هو الإنسان. فلو عاش الإنسان 10 ملايين مرة لا يستطيع أن يكون هو الله، فالخطيئة تبقى في الإنسان والله لا يخطئ.

بادرو: هل تشعر بأنّك تتعب في إيصال أفكارك؟ وهل الجميع يفهمونك؟

جميل: هناك الكثيرون فهموا "في معبد الروح". وهناك أناس قالوا إنني فيلسوف وأنا لست فيلسوفاً، ولكنهم فعلوا هذا من حبتهم وعاطفتهم، الكتاب فيه فلسفة، وفيه أفكار فلسفية، وأناقش فيه بعض الفلاسفة، وأتفلسف أيضاً، ولكن لا أسمّي نفسي فيلسوفاً. الدكتور ناجي نصر وضع كتاباً بعنوان "سعيد عقل فيلسوفاً"، وجبران سمّي بالفيلسوف، وأمين الريحاني كان يُلقب بفيلسوف الفريكة، ولكنّ هؤلاء مفكرون.

بادرو: أبرأيك ليس هناك فلاسفة؟

جميل: الحكم على الفلسفة يأتي فيما بعد. نحن لا نحكم على أنفسنا. لكن اسمح لي أن أقول إنه لأمر معيب أن يغضب البعض إذا سمعوا أحدهم يطلق عليّ لقب فيلسوف. أو كما سمّتني الأستاذة ليندا اللقيس غصن "نابغة العصر"، وأن تقوم القيامة من جراء ذلك. يعني إذا قال لي أحدهم: صباح الخير، أو كيف حالك؟ أو أنت شاب وسيم، أو أنت فعلت شيئاً جيداً، أو إذا حصلت على كأس فضية، أو فزت في الرياضة... فماذا يغيظ بعض الناس؟ ولماذا يتدخلون في موضوع فتنة؟ ولماذا يتصلون هاتفياً بأصحاب الرأي ليمنعوهم، ويسألونهم: لماذا قلتكم ذلك "يللي ما بْتعرفو وما بتفهمو الفلسفة؟"... يا أخي المتصل أنتَ من أساء إليك؟ ومن تعاطى في شؤونك؟!

بادرو: هذه هي الغيرة.

جمانة: طبعاً هذه الغيرة بعينها.

جميل: اسمحوا لي فقط أن أستغرب.

بادرو: هناك كثيرون من الناس عندما علموا بأننا سنستضيفك في هذه الحلقة المميزة، أظهروا أنهم يحبونك في لبنان وأستراليا، ووقفوا معك في وجه تلك الحملة التي تعرّضت لها مؤخراً، وهم شبهوا "في معبد الروح" بكتب عظيمة مثل كتاب "النبي"، وكتب أخرى هي دساتير للعالم. أنا أعتبر "في معبد الروح" كتاباً كبيراً ومميزاً شاء من شاء وأبى من أبى.

جميل: لقد برهنَ الناس عن محبتهم لي وبرهنتُ أنّني لا أيأس في أمسيتي، مهرجان الأدب المهجري الراقي. كانت الأمسية حاشدة بشكل كبير وجديد.

بادرو: كنّا موجودين نحن فيها.

جميل: الشهود موجودون ولا أحد يوقف الإبداع. ألقيت في المهرجان 5 أنواع من الشعر من أصل سبعة أنواع أكتبها، وكنت أشرح للجمهور طريقة كل نوع. وكان البرنامج الفني والأدبي مميّزاً إلى أبعد الحدود. ويهمني أن أذكر هنا أن الكثيرين كتبوا عن "في معبد الروح" وسيصدر كتاب بعنوان "كتبوا عن في معبد الروح" وستكون هذه المقابلة جزءاً من الكتاب. وقبل أن أنسى اسمحوا لي أن أشكر جميع الناس وجميع المحبين. هؤلاء نحيا بهم ومعهم. لو كنت أديباً أو مسرحياً أو مغنياً وليس عندي جمهور فلا أعني شيئاً. الناس هم الذين يخلقون الأديب والمفكر والفنان خلقاً ثانياً، وإلا فسنضطر إلى أن نجلس في الغرفة ونقفل الباب علينا ونتحدث إلى أنفسنا. أما الذين يثيرون فقاقيع الصابون، فهؤلاء ينضحون بما فيهم، وسيذكرهم التاريخ ذات يوم.

د. علاء: طبعاً هي ضريبة النجاج دكتور. هذه قضية معروفة.

جميل: صدقني، لن أترك شاردة وواردة إلا وسأسجّلها ليكون الناس على علم. فالعدل يجب أن يسود، وإذا لم نسعَ نحن لإحلال العدل فالباطل سينتصر، ولن ندع الباطل ينتصر علينا.

بادرو: حققت ظاهرة أدبية وفكرية في "سيدة لبنان" عندما وقعت 4 كتب وأهديتها مجاناً إلى الناس. كان هناك عرس أدبي وشعري. وكانت الصالة مليئة بشكل كامل. ونحن شهود أنا والدكتور علاء العوادي.

جميل: أشكر حضوركم وكنتم نوراً على نور. وإن شاء الله في الأمسية المقبلة سنأخذ معنا كل هذه الإذاعة إلى الحفل... كانت أمسية مميزة جداً وكان قلبي مليئاً بالفرح. وأحب أن أوجه تحية أيضاً إلى جميع من ساعدوني أو عرضوا علي المساعدة، وبالأخص الأستاذ جوزيف خوري رئيس تحرير جريدة "المستقبل" الذي كان راعياً للحفل ووضع كل إمكاناته لإنجاح المهرجان. وأشكر جمعية بطل لبنان يوسف بك كرم الزغرتاوية الذين وضعوا إمكاناتهم بتصرفي وجميع الأحزاب والروابط والجمعيات والمطربين: السيدة أنطوانيت الدويهي، الأستاذ طوني يونس، الأستاذ جان خليل، الأستاذ ألكس حدشيتي والمتكلمين جميعاً ومقدّمة الحفل الأستاذة كلود ناصيف حرب...

د. علاء: نريد أن تعدنا دكتور جميل بلقاء آخر مطوّل وشرف لنا أن تحضر إلى إذاعتنا.

جميل: شكراً لكم. وإن شاء الله ستكون لنا لقاءات أخرى.

 

 في مكتبة كامبسي عن كتاب "في معبد الروح"

 

استقبلت مكتبة كامبسي العامة مجموعة من أصدقاء الفكر والإبداع المهجري لمناقشة كتاب الأديب والشاعر والمفكر المهجري د. جميل ميلاد الدويهي "في معبد الروح" الذي أحدث قفزة نوعية في الفكر المهجري وثورة في المفاهيم الفكرية والإنسانية.

اللقاء جرى بالتعاون مع مؤسسة "ميراث في البال" المرموقة و"نادي الكتاب" وعدد من الأدباء والشعراء والمثقفين وأصدقاء الدويهي، وتجلت فيه قيم الثقافة والمحبة والتواضع في أبهى مظاهرها.

قدّمت الأمسية بلباقة وإبداع الأستاذة فيرا الأشقر الدويهي مديرة العلاقات العامة في "ميراث في البال" فهنأت الأمهات في عيدهن وقالت: كم هو جميلٌ أن ندخُلَ مع الدويهي المفكّر إلى معبدِ روحِه. إلى عالمٍ من الخيالِ والسحر. عالمٌ فيه المحبّةُ والتسامُحُ والرقيّ الإنسانيّ. وقد جعلَه الدويهيُّ المغرِّدُ من خيالِه العميق واحةً نستقرُّ عندَها، بعدَ معاناةٍ مريرةٍ نعيشُها في عالمنا المتردّي. قرأتُ "في معبدِ الروح" فرأيتُ فيهِ قيمةً أدبيّةً وفكريّةً ستمضي أعوامٌ طويلةٌ قبل أن نكتشِفَ أبعادَها كاملة، فوراءَ كلِّ فكرةٍ عالَمٌ كبير، وتحتَ كلِّ كلمةٍ كنوزٌ من المعرفةِ الحكمةِ الإلهيّة، وكأنّي بالدويهي يُريدُ أخْذَنا من وجودِنا المليءِ بالألمِ إلى وجودِه الغنيِّ بالاطمئنانِ والسلام. إزرعوا في كلِّ حقلٍ شجرةً للسلام، واجعلوا التسامُحَ قنديلاً يقودُكم إلى المعرفة... أنا أريدُكم أن تحبّوا المحبّة حتّى لا يبقى للضغينةِ كلامٌ على ألسِنتِكم... هذه بعضُ أنوارٍ من الكتاب، وكم أعجبتني تلك التي يتحدّثُ بها إلى مَن يفقِرون إلى المعرفة وقد جاؤوا ليقتلوا رجلاً كافرًا، فيخاطبُهم: أيُها الأحبّةُ الجاهلون. نعم جاهلون لأنّهم يحاكمون إنساناً ورِث الدينَ عن آبائه وأجداده وليس له فيه ناقةٌ ولا جمل، وفي ذلك يقول جميل إنّ اللهَ لم يُّوكِّلْ أحداً ليدافعَ عنه، وإنَّ اللهَ لا يُفرّقُ ولذلك فعلى الإنسانِ ألاّ يُفرّقَ أيضاً... معبدُ الروح هو معبدٌ لجميع الشعوب. هو نبوءةٌ جديدةٌ نعيشَ فيها بفرح. هو دعوةٌ إليكم لكي تكونوا فيه أبناءَ الله الخالدين. فأهلاً بكم في رحابه.

وبعد كلمة شكر وترحيب من كاهن المعبد الدكتور جميل ميلاد الدويهي، ألقى الشاعر الدكتور مروان كساب قصيدة عن "في معبد الروح" وصاحبه، هذا نصها:

دكتور جميل الشعر بينادي منشان منَّك ياخد شهادي

بمعبد الروح خلودك تأكّد يا شلح مجد بأرزة بلادي

من الشعر شعرك أشعر وأجود الابداع منك جاب زوّادي

وولدتْ شاعر قبل ما تولَد وعا غصن شعرك غرّد الشادي

بدمع الأزل إحساسك تعمّد قبل العمادي وجرن العمادي

وبمعبدك رب الوحي تجسّد وحلِّت عا قلبك نعمة الفادي

حقّك يا مارد شعر تتمرّد عا هالدني الفيها الأسى زيادي

وعا موطنك لبنان تتنهّد الصفّا فريسة جوع صيّادي

وعا رِئاسه مضيّعه المقعد وعا الموطن الضايع بلا سيادي

لكن كتابك للنصر موعَد بفيّة حروفو كنز مش عادي

معجون بالالماس والعسجد وثورة قيم عالعزّ معتادي

ومنشان ما بْكتر الشرح إبعَد لمعبد الروح ندرت إنشادي

وجيت من قلبي إلك اشهد شهادة وفا من شاعر حيادي

من بعد ما شعرك لنا شيّد معبد الروح بروح جوّادي

لازم عا طول نزور هالمعبد ونعبد الروح الطيّبه عبادي.

 

الشعر أبعد من مدى المحسوس الشعر للوجدان غنّيي

الشعر ترتيل بسما القدوس مدوزن عا أورتار الألوهيي

والدويهي بالقيم مغروس وعا جبهتو الشمخه الإهدنيي

وتنين ما بيساعن القاموس بقولها بفخر وصدق نيي

إسطفان البطرك الناموس وجميل بطرك للأدب والشعر

بيلبق إلو مجد البطركيّي.

مريم الدويهي زوجة الأديب الدويهي التي كتبت مقالاً عن الكتاب بعنوان "قيمة إنسانية وفكرية ومشروع لحياة" قالت في كلمتها: إن الكتاب ينطوي على فكر فلسفي عميق ويعالج مواضيع تتعلق بالخلق والخير والشر والله الموجود والحلولية... كما يتخذ مواقف من الدين باحثاً عن دين عالمي، وأضافت: "سيمضي وقت طويل قبل أن أتمكن من الإحاطة بكل جوانب الكتاب، فكل جملة تستحق الوقوف عندها ودراستها"، مشيرة إلى أن الكتاب يقوم على الفكر أوّلاً وليس على الأدب فقط.

ثمّ تحدثت الاستاذة ليندا اللقيس غصن، فوصفت الدويهي بالنابغة والفيلسوف، مشيدة بزغرتا مقلع الأبطال والعظماء والقديسين، وقالت: "لقد تمجد النابغة الدكتور جميل الدويهي فكان الكاهن الصالح في معبد الروح الذي يتكلم بلغة السلام، لغة المجد الابدي". أضافت أن الله قد أحب الفيلسوف الدويهي وخصّه بالرؤية البعيدة التي لا تُعطى إلا لقلة من البشر. وختمت واصفة الدويهي بفيلسوف العصر الجديد.

الشاعر جوزيف عقيقي، ألقى قصيدة عن الكتاب وصاحبه، فقال:

بلكي بتسالوني ليش جايي جايي إشهد لأهل الكفايي

بمعبد روح دكتور الدويهي ثقافه عطيت العالم هدايي.

جميل بمقدرة لوقا البشيري لوقا حرّر أمور العسيري

وجميل الكوكب، الشمس المنيرِي كلما في حدا بيقول كلمي

إلو عا حدودها طابع أميري.

لمّا الربّ قرر بالبدايي تا يخلق كون ما في لو نهايي

بْشرود الفكر قرّرلك وصالك الأزل تا يضلّ يحكيلك حكايي

وحتى يكرمك وسّع مجالك وعطاك الإذن منو والحمايي

حتى البدر لو وقّف قبالك بيبيّن سراج قبال منّك

وعبده واقفه قبال المرايي.

أديب وعبقري وحكمي وإرادي من الحضّار ما بدّك شهادي

كتابك عطّر زهور الحديقه وبلاك العِلم ما عندو قيادي

إنت عم تبرم عليك الحقيقه لأنك ابنها وابن المبادي

متل مغارة الفادي الغميقه وإنت من هيك يا دكتور حتى

كل الناس بتحبك زيادي.

 

إهدن مدينه بإسمها تغنّو وسبعَين خلُّو خصومها يجنّو

إهدن ضافير رجالها سواطير ويوسف كرم بيقوّتو تغنّو

وابن الدويهي اللي عطاها كتير عملاق شعرو فيه يتهنّو

شاعر حكايي كلها مشاوير متل الله قدرتو بفنُّو

والشعر جرح بقلب الله كبير والأرض عم تنزف بشَر منّو.

 

شاعر مثالي عالدني غادي رفّة عَلَم وجبينك بلادي

متل البطوله مبدع وخلاّق ومتل الصوامع رايق وهادي

طبعك أصالِه وقيمتَك أخلاق وصيتك حريقه وبلبلك شادي

عامل متل ما بيعملو العشاق لابس حريق قلوبنا رمادي

وكيف بدنا بلهفة المشتاق نمشي معك ونبيِّن زياده؟

ما زال الله خالقك عملاق راسك مجرّه ودعستك وادي.

تلا الشاعر جوزيف عقيقي الأستاذ فضل عبد الحي فوصف الحكمة في معبد الروح بالحكمة الذهبية، وقال إن كاهنه كان يسامح المحاربين ولا يميّز بينهم، ولفت إلى قول الدويهي: "التسامح قنديل المعرفة"، فالأقوياء يسامحون والضعفاء هم الذين يحقدون.

واستوحى عبد الحي مقاطع عن المحبة التي في الكتاب.

وقال: "الطيبة والمحبة عامودان يرتكز عليهما في معبد الروح، فهو لا يكره بل يحب الجميع ويقول: سامحكم الله أيها الأحبة الجاهلون".

الشاعر جميل الحايك ألقى قصيدة قال فيها:

ياموطني اللي ترابَك بينباس وأرزاتَك من الريح ما انهزّو

جينا عا هل الغُربي جناس جناس وكل الإجو لماضيك بيّلزو

واليوم جينا تا ندِق الكاس بكاس اللي رَجَّع للأدب عزّو

شعِر ونثِر مجبول بالإحساس ومن كلمتو حروف الهِجا تغزّو

يا ابن قلعَه للوطَن متراس زغرتا الحبيبه الكاسها بمزّو

بعيالها في سور تحتو أساس مُش رَح بيخلَق فارس يفزّو

شعر الدويهي بالدهَب منقاس وبالضهِر سيف الغدِر ما غزّو

للي انعوج، شعرك بيقلّو: جْلاس وكل اللي سمعو نثرَك التزّو

يا ابن بَيت المِن كبار الناس حدُّو اللي سكنوا العمُر ما تأزّو

ما بيقبل الفكَّر عا طرفو داس ودكتورنا بعزّو لأنو هيك

وبجرَح ضميري ان قلِت ما بعزّو.

يا أرِض أجدادي الشعِر ميراثنا وعايش بلجِّة قلبنا واحساسنا

مُش رَح نوافق حضرِة الجايب تَنَك وجايي تا حتى يبادلو بإلماسنا.

الأستاذ محمد حسين العمري ألقى كلمة ضمّنها قصيدتين حفظهما من شعر د. الدويهي هما "حبّي لكِ" التي اعتبرَها "من عيون الشعر العربي" و "لا تغمضي عينيك" التي يختمها الدويهي بالقول:

من بعد ما انطفأتْ قناديل الهوى وشعورنا مثل الهواء تبدّدا

لا تغمضي عينيكِ كي لا تبصري عمري الذي قد صار لوحاً أسودا...

واعترف العمري بأنه من المغرمين بشعر الدويهي.

وأشار إلى أن الدكتور الدويهي في كتاب "في معبد الروح" كان ناقداً وساخراً وموجهاً. ولفت إلى السخرية من الظالمين والمتاجرين بالدين والطغاة. ووصف الكتاب بالمتميز والفتح الجديد في عالم الفلسفة. وعرض العمري الذي قال إنه قرأ الكتاب "مثنى وثلاث ورباع" بعضاً من المقاطع التي حفظها من الكتاب عن مواضيع مختلفة، عن الذنوب والشيطان والعِلم والنور والفضيلة والموت والحياة، وحقيقة الله التي تُعرف بالتواضع والنظر في المخلوق وصولاً إلى المعرفة، لأن الله ليس مجسماً فهو الكل في الكل والنور في النور.

الشاعر جورج منصور ألقى ابيات معايدة للأم في عيدها، ثم قال عن المفكّر الدويهي وكتابه:

لو يسألوني الناس مجد الشعر وين؟ بدلّن حسب رأيي عا شعّار الكبار

هلّي لهن عا كل منبر حمل دَين عالعلّقو بعنق الشعر إكليل غار

بدلّن على شاعر مرجّح كلّ عين وعن صفحة الماضي إذا انزاح الستار

بيطلّ من آل الدويهي بطركين: بطرك عطى للدِّين عظمِه وإحترام

وبطرك عطى للشعر قيمِه وإعتبار.

بعرف جميل عن جدّ حقّ المعرِفي شاعر رفيع الشان شعرو بينعبَد

ما في وفا ان كان الدويهي مش وفي يشحّ الزبَد منشيل من شعرو زبَد

شو هالصديق الشعلتو ما بتنطفي مْضوّي ليالي العتم مطرح ما انوجَد

وعندك صداقَه زايلي ومزيّفي لكن صداقة جورج منصور وجميل

انبنيِت مداميك عا صخر الأبد.

لو ما قمر إهدن تكبّر عالخسوف ما كان بعدا منوّره هاك الجبال

ولو ما القوافي صبّها ونقّى الحروف ما شاف حالو الشعر عا زنود الدلال

وقلبك إذا ما كان عالكلمه عطوف بأرض الشعر ما بتقدر تحطّ الرحال

وبدّك "جميل" تكون تا تقدر تشوف هيدي الدني كلاّ سوا لوحة جمال.

الأستاذ كامل المر دُعي أيضاً لإلقاء كلمة فقال إن كتاب "في معبد الروح" يصلح لأن يكون مع كتب النبوءات في أميركا أي كتب جبران والريحاني ونعيمه. وكانت مطارحات شعرية ألقاها الشاعر أحمد الحسيني الذي أشاد بعلاقته الطيبة وصداقته مع صاحب "في معبد الروح"، كما تحدثت الدكتورة روز ماري سليمان عن المعبد فقالت إنه يصلح كتاب هداية للشعوب التي لا تعرف الديانات.

وأخيراً كانت كلمة شكر من الأديب الدويهي الذي أعلن عن 4 كتب جديدة لهذه السنة (2016) من ضمن مشروعه لأدب مهجري راق، هي "في معبد الروح" بالانكليزية، "في معبد الروح 2"، "أعمدة الشعر السبعة"، و"حاولت أن أتبع النهر... النهر لا يذهب إلى مكان"، ووجّه دعوة إلى الحاضرين لحجز أماكنهم من الآن في مهرجان الأدب الراقي 2 حيث سيوزِّع كتبه مرة أخرى هدايا إلى أبناء الجالية، قائلاً: "هذا سيكون دأبي من الآن وصاعداً من أجل أدب مهجري راق من أستراليا".

وبعد انتهاء الكلمات كان هناك نقاش عن الروح والمادة، فبيّن الدويهي أن الفلاسفة انقسموا إلى مَن يؤيد الروح ومن يؤيد المادة، ومَن يجمع بينهما، وقد أخذ هو المنحى الثالث فأنشأ توازناً دقيقاً في جميع مفاصل الكتاب، وعدّد نقاط اختلافه عن مجموعة من الفلاسفة والمفكّرين ومنهم جان جاك روسو، غوته، وجبران خليل جبران، وقال إن الكتاب يحتوي على عدّة نقاط لا يتوافق فيها مع بعض أفكار جبران الذي يحترمه ويجلّه وينحني لأدبه وفكره، وهذا ليس عيباً، بل هو غنى للنقاش والثقافة.

وفي نهاية اللقاء الممتع كانت هناك ضيافة والتقطت الصور التذكارية.

جميع الحقوق محفوظة لأصحاب المقالات والناشر د. جميل الدويهي - مشروع "أفكار اغترابية " لأدب مهجري راقٍ.