الفصل الثاني: الدويهي وتعدّد الأنماط في الأدب والفكر

جميل الدويهي الإعلامي

نادراً ما يسمّي د. جميل الدويهي نفسه بالإعلامي، مع أنّه من أكثر المهاجرين اللبنانيين خبرة في هذا المجال، فقد عمل في جريدة "صوت المغترب" ثم في الإذاعة العربية۲۰۰۰  إف إم مع الراحل نبيل طنوس، وكان مديراً للبرامج في الإذاعة، وعمل في الإذاعة لفترتين متقطعتين، قبل سفره إلى الولايات المتحدة عام ۱۹۹٥، وبعد عودته من لبنان في عام ۱۹۹۸.

كما عمل لفترة قصيرة في جريدة الديار اللبنانية عام۱۹۹٧، وعمل أيضاً في التلفزيون العربي القنال۳۱ مع الأستاذ إدمون طوق، وكان معداً ومذيعاً للأخبار ومسؤولاً عن البرامج السياسية في التلفزيون، قبل أن يقفل التلفزيون أبوابه ويغادر الدويهي أستراليا إلى لبنان عام ۲۰۰٤ ، وبعد عودته إلى أستراليا في عام ۲۰۱۳ عمل الدويهي لبضعة أشهر رئيساً لتحرير مجلة "النجوم"، قبل أن ينتقل إلى جريدة المستقبل ليعمل مديراً لتحريرها. وقد كتب الدويهي العشرات من البرامج الإذاعية وقدمها بصوته الإذاعي المميز، كما كتب حوالي۱۰۰۰ إفتتاحية سياسية، وأجرى مقابلات مع العديد من الشخصيات، وأعدّ۹۰ حلقة إذاعية لإذاعة قطر، هي كناية عن تمثيليات قصيرة من التاريخ العربي، من إخراج توفيق نمّور.

ولا يعتبر الدويهي أن العمل الإعلامي له علاقة بالأدب، وهو يفصل بين ما يقول عنه إنه "كتابة" وبين العمل الأدبيّ، فالأدب عملية خلق وإبداع، والكتابة عملية نقل جامدة، والإبداع في الكتابة غير الأدبية محدود جداً وضعيف.

ولا ينشر الدويهي كتاباته الإعلامية في كتب كما يفعل الكثيرون، فمقالاته السياسية ضاعت في أغلبها، وهو لا يهتم بتجميعها، باعتبار أن هدفه الأدبي والفكري يتخطى الصحافة والتحرير.

أما البرامج التي قدمها الدويهي فكثيرة، وهو لا يحتفظ بها أيضاً، وقد ضاعت برمتها في أسفاره، وأتلف الباقي تخفيفاً لأعباء التنقل. ولا يزال في جعبة الدويهي قليل من كثير المقالات السياسية وغير السياسية التي كتبها في الصحف، يحتفظ بها كأرشيف.

والذي يستمع إلى الدويهي متحدثاً في المجتمع، أو في الطريق العام، أو إلى مأدبة، يسترعي انتباهه صوته الإذاعي، وأخبرني أن بعض الناس يسألونه إذا كان مذيعاً أوعمل في هذا المجال. والصوت الإذاعي نعمة من الله، ويصفه الدويهي بأنه أهم سلاح للمذيع، فلو حصل المرء على شهادة دكتوراه في الإعلام ولم يكن يملك صوتاً إذاعياً، فلا يمكنه أن ينجح وراء الميكروفون.

وصوت الدويهي الفذ كان سلاحاً له، خصوصاً في تقديمه لنشرات الأخبار، وتقديمه للحفلات والمهرجانات، وقراءته لنصوصه وقصائده في الإذاعات، وكان له برنامج خاص بعنوان "سهرة الجمعة" في الإذاعة العربية ۲۰۰۰ إف إم، في أوائل التسعينات، وكان يلقي في البرنامج باقة من القصائد والنصوص النثرية التي كان يتابعها الجمهور بشغف.

والدويهي منذ عام ۲۰۱٦، ينشر قصائد له على الفايسبوك، وعلى موقعه، وفي وسائل الإعلام، ويسجل بعض هذه الأعمال الأدبية على شرائط فيديو مع صورته، وتحظى بإعجاب الناس.

وعلى الرغم من هذه الرحلة الإعلامية الغنية، يفضل الدويهي صفة أديب أكثر من صفة إعلامي، وأكثر من صفة شاعر. ويقول: هناك الكثيرون من الشعراء، ولكن الأدباء قلائل خصوصاً في المهاجر، وقد أردت لنفسي أن أسير في اتجاهات متعددة، فالشعر رافد واحد من روافد كثيرة أعمل عليها، كالرواية والقصة القصيرة، والبحث العلمي، والتأريخ، والفكر... وباللغتيتن العربية والانكليزية، في تنوّع فريد وقلّ نظيره.

الدويهي والكتابة بالإنكليزية

جاء الدويهي إلى أستراليا في عام ۱۹۸۸، وكان مدرّساً للغة العربية قبل ذلك في مدرستي السان تيريز - أميون (۱۹۸۳ - ۱۹۸٤)، ومعهد مار يوسف للآباء الكبوشيين في البترون من عام ۱۹۸۳، حتى عام۱۹۸۸، وقد أنجز الدويهي قبل أن ينخرط في مجال التعليم شهادة الليسانس في اللغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية - فرع الشمال، وقبل مغادرته لبنان للمرة الأولى في عام ۱۹۸۸، أنجز رسالته في الماجستير بعنوان "الأسطورة في النثر اللبناني من خلال نماذج صلاح لبكي وميشال سليمان"، وحاز على درجة جيد جيداً على رسالته. ولم ينتظر الدويهي حصوله على شهادة الماجستير، فجاء إلى أستراليا بعد يومين من المناقشة، وأرسلت الجامعة شهادته إليه في سيدني عن طريق والده - رحمه الله.

ولم يكن الدويهي مجتهداً في اللغة الفرنسية، ولم يكن يحبها، ولكنه في اللغة العربية كان من الأوائل في سنين الدراسة الأولى وفي الجامعة أيضاً، وقد يكون من النوادر أن حصل أحد الطلاب في الجامعة على علامة ۹٥ من مئة في مادة "الأدب الحديث" قبل الدويهيأو بعده. أما الإنكليزية فلم يكن يعرف منها سوى بضع كلمات متنافرة، ولم يكن يزيد في معرفته بالإنكليزية عن أي إنسان عادي لم يدخل إلى مدرسة.

وما إن حل الدويهي في أستراليا، حتى توجه إلى مدرسة للغة الإنكليزية، فلم يمكث فيها سوى بضعة أيام، وعاد إلى منـزله وقرر أن يدرس على يده، وهكذا كان، ففي مدة قصيرة أصبح يترجم الأخبار من اللغة الإنكليزية إلى العربية، ثم بدأ يترجم من العربية إلى الإنكليزية، لكن بخطى بطيئة، حتى استطاع بجهد شخصي وإصرار أن يتقن الإنكليزية بدرجة تمكنه من الكتابة، وقد نشر الدويهي في عام ۲۰۰٦ أوّلاً مع ابنته ربى كتاباً عن حياة البطريرك إسطفان الدويهي بعنوان

Patriarch Estephan Douaihi from the Heights of Ehden to the Heights of Sanctity.

ثم تبعه بكتاب عن أشهر المعارك الإهدنية في التاريخ بدأ بإعداده في جامعة اللويزة، وأنهاه في أستراليا، ثم طبعه ونشره في مهرجان الأدب المهجري الراقي الأول عام ۲۰۱٥  وأعاد الدويهي الكرّة مرة ثالثة عندما أخذ على عاتقه ترجمة كتابه الفكري الرائع "في معبد الروح"، ثم كتابه التالي من الفئة الفكرية نفسها "تأمّلات من صفاء الروح". والذين قرأوا الكتابين باللغة العربية يعرفون مدى صعوبة اللغة فيهما، وما يحتويان من التراكيب والرموز والأبعاد العميقة، وقد استطاع الدويهي أن يخرج الكتابين باللغة الإنكليزية بصيغة يعجز عنها كبار المترجمين. وقد قيل للدويهي إن هذين الكتابين عصيّان على الترجمة، لكنه لم يأبه بالصعوبة بل خاض غمارها ونجح أيّما نجاح.

وأثناء عمله في جامعة سيدة اللويزة، حاضر الدويهي باللغة الإنكليزية، ونشر دراستين علميتين باللغة نفسها هما:

Infiltration of English into Arabic in Lebanon- Nessecity and Conflict

نُشرت في المجلة العالمية للفنون والتجارة، العدد ۲، أول كانون الثاني ۲۰۱۳

International Journal of Arts and Commerce Vol. 2 No. 1 January 2013

و

Women’s Issues in Rihani’s Literature

محاضرة ألقيت في مؤتمر دولي عن أمين الريحاني عقد في جامعة سيدة اللويزة عام ۲۰۱۲

An academic paper presented to an international conference held

at Notre Dame University - Louaize in 2012 and published in a book

ِtitled: Ameen Rihani's Arab-American Legacy: From Romanticism to Postmodernism. NDU Press, Zouk Mosbeh, 2012.

ويمكن أن نعتبر أن الدويهي، في الوقت الحالي، واحد من الأدباء المهجريين القلائل الذين كتبوا باللغتين العربية والإنكليزية، وعلى الرغم من ثقافته العربية الواسعة وتخصصه في ميدان الأدب العربي، وحصوله على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها، فإنه أثبت نفسه كأديب باللغة الإنكليزية أيضاً.

جميل الدويهي الأكاديمي

لا بد لنا من أن نقف قليلاً عند شخصية الدويهي الأكاديمي، فمنذ كان في المدرسة الابتدائية كان يجاهر بما يعرفه بشجاعة، ويروي أنّه كان في الصف الخامس الابتدائي عندما ارتكب أستاذه خطأ فكتب على اللوح "فكأ الله أعينكم"، فقال له الدويهي إن الصحيح "فقأ" وليس "فكأ"، وتشبث الأستاذ برأيه وتشبث جميل أيضاً، فطلب منه الأستاذ أن يذهب إلى غرفة الإدارة ويحضر قاموس اللغة العربية، وهكذا حدث، وعندما فتح الأستاذ القاموس واكتشف أن الصحيح هو "فقأ" أثنى على جميل وهنأه. وحدثت مثل تلك الحالات عدة مرات في حياة الدويهي المدرسية، وكذلك في الجامعة اللبنانية حيث أصبح طالباً، وكان لديه ميل للبحث العلمي.

ويذكر زملاؤه العديد من المواقف التي برز فيها الدويهي كباحث جامعي، فذات مرة طلبت الدكتورة هند أديب (دورليان) من الطلاب أن يكتبوا أبحاثاً عن المتنبي، واختارت للدويهي عنواناً "الفيض الشعري عند المتنبي في بلاط سيف الدولة". وبعد فترة قصيرة دفع الطالب الدويهي، وكان عمره آنذاك۲۰ عاماً فقط، ببحثه إلى الدكتورة دورليان، فدهشت من المستوى الأكاديمي الذي يقوم عليه البحث، وطلبت أن يُطبع في كراس صغير ويوزع على الطلاب.

في مقالة له، بعنوان "أين نحن من هؤلاء؟" نشرها في ۱۲ حزيران ۲۰۱۸، يقول: "كنت على مقاعد الجامعة، وكان يدرسني مادة "البلاغة والبيان" الدكتور مصطفى الرافعي، وكان يدأب على القول إن هذا البيت:

"هل إلى أن تنام عيني سبيلُ؟     إنّ عهدي بالنوم عهدٌ طويلُ" هو من أجمل الأبيات التي قيلت في تاريخ العرب. ولم أكن مقتنعاً بجمالية هذا البيت، على الرغم من اطلاعي المحدود على الشعر آنذاك، لكنني كنت أعتقد أن شعراء قالوا أفضل منه.

وذات مرة رفعت يدي وطلبت الكلام، فطرحتُ على الدكتور الرافعي، وحوالي ۲۰۰ طالب في الصالة الكبيرة مجموعة من الأبيات التي أعرفها، وهي بيت لعنترة: 

"فوددتُ تقبيل السيوف لأنها   

لمعت كبارق ثغرك المتبسّم"،

وبيت ليزيد بن معاوية:

"وأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت 

ورداً، وعضّت على العناب بالبرَدِ"،

وبيت لبشار بن برد:

"لو كنت أعرف أن الحبّ يقتلني 

أعددتُ لي قبل أن القاكِ أكفانا"...

وصرّحت أمام أستاذي الكبير بأن هذه الأبيات أفضل وأكثر جمالية، في رأيي، من البيت الذي ذكره، فأجابني بكلمة واحدة: عفارم".

ويذكر الطلاب في الجامعة أيضاً حادثة أخرى، عندما جلس ثلاثة من الأساتذة الكبار هم: الدكتور خليل الدويهي، الدكتور الراحل عبد الحميد جيدة، والدكتور ياسين الأيوبي لمناقشة رسالة الماجستير لجميل الدويهي، وكيف دافع صاحب الرسالة عن نفسه أمام ملاحظات وأسئلة محرجة طرحها الدكتور عبد الحميد جيدة، ما أظهر أن الدويهي عالم بما يفعله، ومقتنع بفكرته التي أثبتها مراراً وتكراراً، ما أدهش الأساتذة المشرفين والحاضرين.

ولا يتورع الدويهي عن تقديم آرائه العلمية أو النقدية بكل جرأة، فهو يقول: "شخصيّاً لا أرى أنّ رأي سعيد عقل في طبيعة الشعر صائب مئة في المئة. هو يرى أنّ الشعر لغة، على طريقة بول فاليري والرمزيّين المتطرّفين، والأصحّ أنّ الشعر لغة وعاطفة معاً على طريقة العرب. هو يؤمن باللفظة الصعبة والمولّدة والتقعير في اللغة، وفي رأيي أنّ لغة الشعر تحديداً يجب أن تكون سهلة ومفهومة من الناس على نهج إيليّا أبي ماضي ونزار قبّاني. وإنّني أسمع من الناس أنّ الذين صعّبوا الشعر أبعدوا الجماهير عنه، والذين سهّلوا لغته أعادوا الجماهير إليه. ويبقى الاختلاف في الرأي سمة من سمات الحياة، ولا يفسد للودّ قضيّة في مجتمع ديمقراطيّ يتيح للجميع أن يقولوا ما يؤمنون به" (مقالة بعنوان "معرفتي بسعيد عقل، منشورة على موقع "فرح نيوز" بتاريخ  ۲٧- ۳ -۲۰۱٧).

وفي أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة سيدني، أجمع الأساتذة القارئون للأطروحة على أنها اختراق"Breakthrough" وقد فتحت المجال واسعاً أمام مزيد من الدراسات في الأدب اليمني، وكان عنوان الأطروحة "محمد الشرفي ومسرحه الاجتماعي والسياسي".

ولا يعتبر الدويهي أن الدكتوراه هي شهادة فقط، ويعجب كيف أن البعض يتهافتون عليها، ويزورونها، ويشترونها، وكيف تقدمها جمعيات صغيرة، فالدكتوراه إما حقيقيّة، وإما فخرية تقدمها جامعة مرموقة، والمؤسسات والجمعيات لا تستطيع تقديم دكتوراه فخرية لأن هذه الدكتوراه تحتاج إلى تقييم لجان أكاديمية متخصصة.

وفي ۲٦ أيار ۲۰۱۸ ، نشر الدويهي على الفايسبوك مادة تحت عنوان "توضيح وتبرئة ذمة"، جاء فيها:

"يتداول البعض إشاعات تستهدف بعض الحاصلين على شهادات دكتوراه في أستراليا بطرق غير قانونية، وقد اختلط الحابل بالنابل في هذا الموضوع، وذهب الأصيل ضحية للبديل، وتبرئة لذمتي أعرض شهادتي الأصلية من جامعة سيدني (۱۹۹۸)، وأطروحتي المطبوعة من قبل مؤسسة العفيف الثقافية - صنعاء (۲۰۰۲)، وبطاقة تدريس جامعية، وأرجو من كل الذين يحملون شهادة دكتوراه أصلية وغير مزورة أن يعرضوها مع الأطروحة منعاً للالتباس".

وأثناء عمله في جامعة سيدة اللويزة منذ عام ۲۰۰٦ حتى عام ۲۰۱۳ دأب الدويهي على كتابة مجموعة من الأبحاث تضاف إلى رصيده الأكاديمي التعليمي، كما ألقى محاضرات في المادة التي يعلمها، مادة الأدب، ونشرت أعماله في كتب ومجلات ومتخصصة، كما تسلم لجاناً أكاديمية في الجامعة، وأشرف على إعداد مناسبات ثقافية وإبداعية.

أهم أبحاث الدويهي:

دور الحكومة والمدارس اللبنانيّة المارونيّة في تدريس اللغة العربيّة في أستراليا، نشرت في مجلّة بالما، العدد۱، ۲۰۱۱، جامعة سيّدة اللويزة

و

Infiltration of English into Arabic in Lebanon- Nessecity and Conflict

نشرت في المجلة العالمية للفنون والتجارة، العدد۲، أول كانون الثاني  ۲۰۱۳

International Journal of Arts and Commerce Vol. 2 No. 1 January 2013

و

Women’s Issues in Rihani’s Literature

محاضرة ألقيت في مؤتمر دولي عن أمين الريحاني عقد في جامعة سيدة اللويزة عام ۲۰۱۲

presented in an international conference held at Notre Dame

 University - Louaize in 2012 and published in a book titled: Ameen Rihani's Arab-American Legacy: From Romanticism to Postmodernism. NDU Press, Zouk Mosbeh, 2012

و

دراسة أكاديمية مهمة من ۳٤ صفحة من الحجم الكبير عن المقارنة بين فكرة "الشيطان" عند المفكر اللبناني أمين الريحاني والمفكر الألماني غوته، بعنوان: دراسة مقارنة بين "فاوست" و"رسالة الشيطان" للريحاني- العناصر المتشابهة في "فاوست غوته" و"رسالة الشيطان" لأمين الريحاني، نشرت على موقع أفكار اغترابية في ۱۳ أيلول ۲۰۱٦ ، وفي كتاب منارات ثقافية - طرابلس كانون الأول ۲۰۱٦.

و

مريم العذراء في التقليد والتراث الشعبي اللبناني، نشرت في مجلة NDU Spirit عدد ٥٤ - آذار ۲۰۱۲.

و

الأسطورة في أدب سعيد عقل - بحث أكاديمي ألقي في حلقة دراسية بعنوان "سعيد عقل الإرث والمبتكر "- ۲۰۱۲، نشر في كتاب "سعيد عقل الإرث والمبتكر" منشورات جامعة سيدة اللويزة - بيروت - ۲۰۱۲ ص ۱٧- ٤۲.

وللدويهي عشرات المقالات النقدية والعلمية المنشورة في صحف ومجلات وعلى المواقع: منها:

-هل كلمة "الله" ملك لأحد؟ المنشأ والأصول في عصور قبل الاسلام.

-مصادر جبران الفكرية مصادفات أم اقتباسات؟

-المدينة والقرية في أدب فؤاد سليمان...

وسأتوقف، على سبيل المثال لا الحصر عند مقالتين مهمتين للدويهي: الأولى"الأسطورة

في أدب سعيد عقل"، والثانية "دراسة مقارنة بين "فاوست" غوته و"رسالة الشيطان" للريحاني".

الأسطورة في أدب سعيد عقل:

في هذه المقالة - الدراسة، يفند الدويهي مصادر الأساطير عند سعيد عقل، ودلالاتها، لكنه يذهب إلى أبعد من ذلك لينتقد ويناقض، فقد عارض الباحث جوزيف لبس الذي صنف مطولة "المجدلية" لسعيد عقل على أنها أسطورة. وأثبت الدويهي بالدليل القاطع أن المجدليَّة هي امرأة من الواقع، وقد قابلت المسيح ورأته، ورافقته في رحلة الصلوالقيامة (ينظر متَّى ۲٧: ٥٥ -٦۱).

كما يشير الدويهي إلى مخالفة سعيد عقل نفسه للقصص الأسطورية في أكثر من مكان، وعلى سبيل المثال في أقصوصة "قلب الله" - كتاب لبنان إن حكى، حيث يعود سعيد عقل إلى سفر حزقيال: ۱٧، وقد ورد فيه:

"... نسر عظيم كبير الجناحين طويل القوادم واسع المناكب ذو تهاويل جاء إلى لبنان وأخذ فرع الأرز. قصف رأس خراعيبه وجاء به إلى أرض كنعان وجعله في مدينة التجَّار. وأخذ من زرع الأرض وألقاه في حقل الزرع وجعله على مياه كثيرة أقامه كالصفصاف. فنبت وصار كرمة منتشرة قصيرة الساق انعطفت عليه زراجينها وكانت أصولها تحته فصارت كرمة وأنبتت فروعاً وأفرخت أغصانا. وكان نسر آخر عظيم كبير الجناحين واسع المنكب، فاذا بهذه الكرمة عطفت عليه أصولها وأنبتت نحوه زراجينها ليسقيها في خمائل غرسها. في حقل جيِّد على مياه كثيرة هي مغروسة لتنبت أغصاناً وتحمل ثمراً فتكون كرمة واسعة..." (حزقيال ۱٧: ۱-۸ ).

وفي نصّ توراتيّ آخر: "هكذا قال السيِّد الربُّ وآخذ أنا من فرع الأرز العالي وأغرسه وأقطف من رأس خراعيبه غصناً وأغرسه على جبل عال وشامخ. في جبل إسرائيل العالي أغرسه فينبت أغصاناً ويحمل ثمراً ويكون أرزاً واسعاً فيسكن تحته كلُّ طائر كل ذي جناح يسكن في ظلِّ أغصانه. فتعلم جميع أشجار الحقل أنِّي أنا الربّ وضعت الشجرة الرفيعة ورفعت الشجرة الوضيعة ويبَّست الشجرة الخضراء وأفرخت الشجرة اليابسة..." (حزقيال ۱٧: ۲ ۲ -۲٤)

ويخالف سعيد عقل النصَّ التوراتيَّ بشكل واضح، كما يقول الدويهي، فالنسر الأوَّل العظيم، كبير الجناحين، لا يُقصَد به في التوراة الطائر الذي نعرفه، بل المقصود به ملك بابل، والأرز يُقصَد به ملوك آل داود الذين قُتل آخرهم، صدقيا، على يد الملك  نبوخذ نصَّر. والنسر العظيم الآخر في التوراة هو فرعون مصر.

أمَّا الأرز العالي الذي سيأخذ منه الربُّ غصناً ويغرسه على جبل شامخ فهو من غير شكٍّ يسوع المسيح، الإله الفادي الذي سيسكن تحته كلُّ طائر أي كلُّ إنسان، بصفته الله المتجسِّد.

ويضيف الدويهي: "نكتشف هنا إذن أنَّ سعيد عقل أخذ الكلام من التوراة بشكله اللفظيِّ، وليس بمعناه الرمزيِّ العميق، كما أنَّه جعل ددتَّا، التي لا يعرف أحد مَن هي، سابقة للرجل في الولادة. ففي التوراة أنَّ آدم هو أبو الخلق، وحوَّاء من ضلعه، أمَّا ددتَّا، فقد أوحشها أنَّ لا أنس في أرجاء غابة الأرز، فتطير النسور إلى بعض النجوم لتجيئها بالأمير الفتَّان، فيبنيان معاً أجمل ممالك الإنسان (عقل، ۱۹۸٤، ص ۱۲٤)"

الريحاني وغوته

وفي "دراسة مقارنة بين "فاوست" غوته و"رسالة الشيطان" للريحاني"، يعتبر الأديب د. جميل الدويهي أن دراسته هذه المقارِنة بين غوته والريحاني هي أهم ما كتبه من الأوراق العلمية النقدية، فهو يرى أن مهمة الباحث هي الكشف عن الحقائق، ولا قيمة لعمل الناقد إذا كان يكرر ما كتبه غيره، والبحث عن الجديد هو ما يشغل الدويهي الناقد والباحث العلمي.

وبالصدفة عثر الدويهي على نص لأمين الريحاني في كتاب "الريحانيات" بعنوان "رسالة الشيطان"، وكان قد فرغ قبل ذلك من قراءة متأنية لمسرحة "فاوست" لغوته، فانتبه إلى أن هناك عناصر مشتركة بين العملين، على الرغم من أن مسرحية غوته ضخمة جدّاً ونص الريحاني قصير وغير مكتمل، وقد لفت الريحاني صراحة إلى أنه بدأ كتابة النص ولم ينته منه.

وهذه هي المرة الأولى التي يشير فيها باحث إلى العناصر المتشابهة بين "فاوست" غوته و"رسالة الشيطان"، مع العلم أن مئات المقالات والدراسات والكتب نشرت عن أمين الريحاني، وأنشئت مراكز علمية باسمه، ورفعت تماثيله في الجامعات. وقد دفع الدويهي ببحثه إلى العديد من الأساتذة الكبار والباحثين الأكاديميين في لبنان، فأبدوا اهتماماً بهذه الدراسة، وأعجبوا بها.

وتبقى تلك الدراسة في جعبة الدويهي، ولا يتمكن من إصدارها في أي مجلة علمية أو كتاب علمي، أو قراءتها في مؤتمر، حتى عودته إلى أستراليا في أواخر عام ۲۰۱۳، وظلت الدراسة أشهراً في الحقائب الثقيلة، حتى وصلت رسالة من أسرة تحرير كتاب "منارات ثقافية" - طرابلس في أوائل عام ۲۰۱٦، تبلغه بأنه قد تم اختياره كاستشاري في هيئة التحرير، وكانت تلك فرصة مناسبة لكي يرسل الدويهي دراسته إلى الدكتور جان توما من هيئة التحرير، وضُمت إلى الكتاب القيم الذي صدر في كانون الأول من العام نفسه.

نص غير أكاديمي:

اخترت من جملة النصوص غير الأكاديمة، نصاً كتبه د. جميل الدويهي، ونشره على موقعه "أفكار اغتربية" بعنوان: "هل كلمة الله ملك لأحد؟" بيّن فيه أن كلمة الله كانت

معروفة في عصر ما قبل الإسلام (العصر الجاهلي)، وبالأدلة الثابتة أظهر الدويهي حقيقة أن لا أحد يمكنه مصادرة كلمة الله، ولا ديانة تستطيع أن تنسبها لنفسها، ولأهمية المقال أثبته كاملاً:

وصل الجدال حول ملكيَّة كلمة الله (عزّ وجلّ) إلى حدود لا تُصدِّق، بل هي أقرب إلى الخيال والكوميديا، حيث دخلت الكلمة إلى قوس المحاكم، وتبارى في الدفاع عنها المحامون وجهابذة القانون، بل سقط قتلى وجرحى، ودُمِّرت ممتلكات بسببها، فهل كلمة الله موضوع قانونيّ؟

وهل يمكن لفئة من الناس أن تدَّعي أنَّ استخدام لفظ الجلالة منوط بها دون سواها؟

إنَّ مصادرة كلمة الله ولو بالطرق القانونيَّة، إنَّما تخالف أبسط قواعد المنطق والتاريخ، أمَّا الأحكام الصادرة بخصوصها فمن شأنها أن تعرِّض الحقيقة للخطر، وتعيدنا إلى عصور الظلام والاستبداد وحصريّة الحقوق العامّة، كأن يقال مثلاً إنّ اسم العلم "موسى" ملك لطائفة معينة، فليس للطوائف الأخرى الحقّ في استخدامه، أو يقال إنَّ الإنجيل المقدّس ملك حصريّ للطوائف المسيحيّة، ولا يحقّ لغيرهم اقتناؤه أو قراءته، أو أن يقال إنَّ الوصايا العشر إنَّما هي فقط من مقتنيات إسرائيل ولا يمكن لغير الإسرائيليِّين التقيّد بها.

لقد كانت كلمة الله معروفة في الديانات القديمة، ولكنَّها كانت تُلفظ بشكل آخر، تبعاً للغة المتداولة في العصور الغابرة، فكلمة "إيل" عند الفينيقيِّين كانت تعني الإله الأكبر، وكذلك عند جيرانهم العبرانيّين. وكانت لفظة "إيل" في المدن الفينيقيّة كصور وصيدا وأوغاريت تشير إلى عظيم الآلهة في مجتمع متعدّد الآلهة، فالفرق بيننا وبين الفينيقيّين أنّ إيل هو إله متسلّط وقادر بين مجموعة من الآلهة، بينما الله عندنا فواحد أحد لا شريك له في الألوهة.

المعنى إذن تغيَّر لكنّ اللفظة لم تتغيّر، وقد جاء في قاموس "لسان العرب" أنّ إيل اسم الله تعالى بالعبرانيّة أو السريانيّة، كما جاء في "القاموس المحيط" أنّ إيل بالكسر اسم الله تعالى.

ومن الأسماء المرتبطة بكلمة "إيل" جبرائيل (في القرآن الكريم جبريل)، ومعناها رجل الله أو قوَّة الله وجبروته، وميخائيل (في القرآن الكريم ميكائيل) ومعناها مَن مثل الله؟ وإسرائيل ومعناها عبد الله، ويُقصد بها يعقوب بن اسحق بن ابراهيم عليهم السلام، وإيلات، واللات (صنم عند عرب الجاهليّة). وكانت المعابد في فينيقيا تُدعى "بيت إيل" أي منـزل الإله. وجاء في قصيدة فينيقيّة عُثر عليها في أوغاريت: "إذّاك نزل الإله

 اللطيف الرحيم إيل/ عن سدّة عرشه/ وجلس على الأرض"...

فكما يبدو من النصّ المقتضب أنّ الإله إيل كان إلهاً لطيفاً، ورحيماً، وله عرش.

وهذه الصفات الثلاث (اللطف، والرحمة، والجلوس على العرش) هي من الصفات التي ما نزال نعرفها إلى يومنا هذا.

ومن الصفات الأخرى التي كان الفينيقيّون يؤمنون بأنّ الإله إيل يتميّز بها: أبو البشر، إله الدهر، ربّ الزمن، إله الآلهة أو كبير الآلهة أو خالق الآلهة، خالق الأرض، الحكيم، العاقل، المحبّ... إلخ.

ولا ريب في أنّ لفظة "إيل" هي ذاتها لفظة "إنليل" في الديانة السومريّة القديمة،

ومعنى "إنليل" السماوي الذي يسكن في أعالي الكون.

وكان الفينيقيّون والسومريّون يتشاركون في العديد من السمات التي يختصّ بها كبير الآلهة سواء أكان إيل أو إنليل.

ولكي لا يُقال إنَّنا نعتمد فقط على اثنتين من أقدم الديانات المعروفة لكي نبرهن أنَّ أصل كلمة الله هو "إيل"، لا بدّ لنا من أن نعتمد على الديانة اليهوديَّة التي وردت فيها ألفاظ كثيرة تشير إلى إيل تحديداً ومن غير تردّد، فـ"إيل إيلواه" في اللغة العبريّة تُرجمت إلى العربيّة: الله القدير والقويّ، و"إيلوهيم" تُرجمت: الله الخالق القدير، و"إيل شدّاي" تُرجمت الله القدير، و"يهوه إيلوهيم" تُرجمت: الربّ الإله، و"إيل إيليون" تُرجمت: الله العالي، و"إيل روي" تُرجمت: إله الرؤية، و"إيل عولام" تُرجمت: الله الأزليّ، و"إيل جبهور" تُرجمت: الله القدير.

وإذا ذهبنا إلى الجزيرة العربيّة وعصر ما قبل الإسلام (يُسمّى اصطلاحاً بالعصر الجاهليّ)، نجد أنَّ لفظة "الله" كانت منتشرة بكثرة في أسماء الأعلام، وفي الشعر، وفي أحاديث العامّة بطبيعة الحال.

وليس جديداً أن يُقال إنّ اللفظة ذاتها المحرّفة من "إيل" كانت معروفة في أوساط المسيحيِّين، واليهود، والصابئة والحنفيّة والوثنيّين على حدّ سواء. ولم يكن الإسلام معروفاً في تلك المرحلة. وقد عثرنا في أسماء الشعراء الذين عاشوا قبل الإسلام على نِسب وردت فيها كلمة "الله"، فأميّة بن أبي الصلت، وهو شاعر معروف ينتسب إلى جدّه عبد الله بن أبي ربيعة، والنابغة الجعدي هو قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة، وأعشى باهلة هو عامر بن الحارث بن رياح بن عبد الله بن زيد بن عمرو بن سلامة... ومن الشعراء الآخرين الذين وردت كلمة الله في أسمائهم: الأصمّ الكلبي، جذيمة الأبرش، ذو الكفّ الأشلّ، زهير بن جناب بن عبدالله بن كنانة، ويزيد بن عبد الله بن سفيان، وحاتم الطائيّ المشهور بكرمه وشعره هو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج، وأخو حاتم الطائيّ من الرضاعة هو عبد الله الثقفي، وزوجة حاتم هي ماوية بنت عبد الله.

جميع الأسماء التي ذكرنا تدلّ على أنّ لفظة "الله" كانت معروفة بل شائعة في عصر ما قبل الإسلام. وليس غريباً أن يكون اسم والد النبي محمد (صلعم) عبد الله بن عبد المطلب.

كما وردت لفظة الله في كثير من الشعر الذي قيل قبل الإسلام، فها هو زهير بن أبي سلمى يقول في معلّقته الشهيرة:

ولا تكتمنّ الله ما في نفوسكم        ليخفى، ومهما يكتم الله يعلمِ

يؤخَّر فيوضَع في كتاب، فيّدّخر      ليوم الحساب، أو يعجّل فينقمِ.

ويصف زهير رجلاً كريماً يُدعى هرم بن سنان فيقول:

فلو لم يكن في كفِّه غير نفسه        لجادَ بها، فليتّقِ الله سائله...

إنَّ شاعر الحوليّات يستخدم كلمة "الله" بدلالتها المعروفة في عصره، كما يشير إلى حقائق دينيّة مفادها أنّ الإنسان لا يستطيع أن يخفي شيئاً عن الله، لأنّ الله يعلم الخفايا، والله يسجِّل في كتاب ما يفعله الإنسان، فيحاسبه في يوم الحساب، أو ينتقم منه في الحال. وهذه المفاهيم الدينيّة التي يذكرها زهير ما زالت معرفة لدى الناس إلى يومنا هذا.

والملك الضلّيل امرؤ القيس يذكر كلمة الله في شعره فيقول:

أرى إبَلي والحمد لله أصبحت      ثقالاً إذا ما استقبلتْها صعودُها

ويقول النابغة الذبياني:

حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبة       وليس وراء الله للمرء مذهب

ويقول حاتم الطائيّ:

لحى الله صعلوكاً مُناه وهمُّه          من العيش أن يلقى لبوساً ومَطعما

ويقول أيضاً:

أأفضح جارتي وأخون جاري؟      معاذ الله أفعل ما حييتُ.

من الواضح إذن أنّ كلمة الله كانت كثيرة التداول في أزمنة سبقت الإسلام، وقد تكون تسرّبت إلى المجتمع آنذاك من الديانتين اليهوديّة والمسيحيّة، أو أنَّها كانت متوارَثة من عصور سبقت الديانتين، وبقي الناس يستخدمونها إلى جانب عبادتهم للأصنام. ونحن نعرف أنَّ الشاعر زهير بن أبي سلمى كان وثنيّاً (البعض يعتقد أنَّه حنفيّ من أتباع ابراهيم عليه السلام)، وقصّة إسلام ابنه كعب مشهورة في التاريخ، فقد فضَّل كعب أن يظلّ طويلاً على دين أبيه (الوثنيّة)، قبل أن يعلن إسلامه. فكيف يكون زهير قد جمع إلى جانب وثنيّته اعتقاده بأنَّ الله يعلم كلّ شيء وأنّ لديه كتاباً يسجّل فيه ما يفعله الناس لكي يحاسبهم آجلاً أم عاجلاً؟

بعد هذا العرض التاريخيّ لاستخدام كلمة الله، بدءاً بالديانات القديمة، وانتهاء بعصر ما قبل الإسلام، يبدو لنا أنَّ لفظة "الله" هي لفظة عالميَّة Universal، غير محدّدة في إطار تاريخيّ أو جغرافيّ، وليست مسجّلة حصريّاً كمُلك لأيّ طائفة أو اتّجاه. وقد تتغيّر اللفظة: God أوDieu، لكنّ الأساس هو أن يظلّ استخدامها حقّاً مشروعاً لجميع الناس، وإلاّ فنحن على حافّة عصر استبداديّ قد تُصادَر فيه الشمس أو يُحجَب الهواء.

***

آراء جميل الدويهي في الأدب

كتب الأديب جميل الدويهي عشرات المقالات في الأدب، وهو الذي يبارك جميع من يكتبون ويساعدهم، وقد أنشأ موقع "أفكار اغترابية" للأدب المهجريّ الراقي منذ عام ۲۰۱٥ ، لكي يساهم في الحركة الأدبية في أستراليا والعالم، وليساعد الأقلام الجديدة التي يكتشفها تباعاً، ويوفر لها فرصة للظهور على مسرح الأدب. وهذا لا يعني أن مباركة الأعمال هي موافقة على كل شيء، فلقد تعرضت شخصياً للعديد من الملاحظات المتعلقة بأعمالي، كما تعرّض غيري، ولكن بطريقة مهذّبة ولائقة، فالدويهي كأب، يساعد الأقلام الواعدة وينصحها ويوجهها لما هو أفضل، وقلما اعترض أحد - ما عدا المعاندين- على ملاحظات الدويهي، لأنها تصدر عن عالم وأديب له تجربة طويلة وعميقة.

وللدويهي آراء في الأدب بات يعرفها الجميع، فهو يسمي الشعر المنثور "نثر أو شعر" كما سماه "النثر الفني الجديد"، فهذا النوع -كما يقول- إذا كُتب على السطر يكون نثراً، وإذا كتب على طريقة شعر التفعيلة يشبه الشعر.

ويتعجب الدويهي لماذا لا يسمّى هذا النوع نثراً؟ وماذا ينقص من قيمة صاحبه لو سمّي نثراً؟ وهل الشعر أهم من النثر؟

ويزيد الدويهي قائلاً: إن جبران خليل جبران وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة عُرفوا بنثرهم أكثر من شعرهم، وجبران في المواكب أقل قيمة فنية منه في كتب نثرية، مثل النبي، والسابق، والتائه، والعواصف، والمجنون... وبعض الأدباء لم يكتبوا شعراً، فماذا نقص من فضلهم؟

ومن هذا التصور النقدي يقول الدويهي: أنا أفضّل تسمية أديب أكثر بكثير من تسمية شاعر. ولكن العرب بدأوا ثقافتهم بالشعر، ففي عصر قبل الإسلام (الجاهلية) لم يكن هناك نثر، ما عدا حكايات خرافية كانت تروى ويتداولها الناس وجرت كتابتها في العصر العباسي. وبعض الناس يسكرون بتسمية شاعر، فهي تمثل لهم عالماً افتراضياً يعج بالمعجبين والمعجبات، ولذك يهيمون في هذا العالم ويفضلون صفة الشاعر على صفة الأديب، وهذا خطأ فادح في تاريخنا وثقافتنا، "وليس مهماً أن يكون المرء شاعراً، لكن العرب يحبون هذ الصفة، ويسعى الآلاف من الناس في الشرق إلى تقمص المتنبي ومحمود درويش ونزار قباني، فمهلاً... لا تهرولوا إلى الشعر... فالنثر لا يشكو من شيء. كان جبران أديباً أكثر منه شاعراً، وكان أمين الريحاني كذلك، وميخائيل نعيمة، وغوته وطه حسين. ونجيب محفوظ لم يكتب شعراً... فلماذا هذه الاستماته إلى عالم الشعر، حتى وصل عدد الشعراء في موريتانيا وحدها إلى مليون شاعر"؟ (مقالة منشورة على فايسبوك بعنوان: "أين نحن من هؤلاء؟" في۱۲حزيران ۲۰۱۸).

ويقول أيضاً: "فالعرب يطربون لكلمة شاعر، ويكبرون الشاعر أكثر من الأديب، مع أن الأديب يكتب نثراً وشعراً، والشاعر قد لا يكتب نثراً. وهذا يفسر الشغف بالحصول على لقب شاعر، وما أجمل أن يسير المرء في قريته أو في حيّه يتغاوى برداء النابغة الذبياني، ويعلق أعماله على أستار الكعبة مثل امرئ القيس، وتغني له فيروز أو عبد الحليم أو نجاة أو أم كلثوم!... وبات على الناقد أن يتأقلم مع فكرة أن الغالبية العظمى من الناس شعراء، ولو قال الحقيقة كعالِم، فإن الاتهامات الجاهزة ستهبط عليه، مثل: مغرور، متشاوف، لا يرى أحداً غير نفسه... إلخ... والحقيقة التي لا يقولونها هي أنه ناقد ويتحدث ويحكم عن علم ودراية، ومن العيب أن يخاف الناقد على نفسه ويختبئ من قولة الحق خوفاً من اللوم والتنكيل". (المقالة نفسها).

ويعطي الدويهي أمثلة عن نفسه، فإن لديه من كتب النثر ضعف ما لديه من كتب الشعر وربما أكثر بقليل، والناس يعرّفون عنه بأنه شاعر.

وعن الشعر يقول إنه عملية خلق كوني: "هكذا هو الشعر، لعبة أمم. لعبة إبداع راق ومتميز" (المقالة نفسها)، والشعر صعب في نظر الدويهي الذي يقول إن الشعراء الكبار صعّبوا الأمر علينا، وأصبحنا ندخل إلى عالم الشعر كما يدخل الجمل في ثقب إبرة.

ويقول: "بدأت كتابة "الشعر" في سن مبكرة، ولا يزال عندي كتيب صغير كتبت عليه بخط اليد نصوصاً عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري. ولكن تلك النصوص لا ترقى إلى مستوى الشعر. ونشرت قبل "وقلت: أحبك" دواوين في سيدني، وأقول دائماً إن تلك الدواوين هي البدايات ولا تمثلني كشاعر، فقد وجدت نفسي وهويتي في "وقلت : أحبّك". وليس سهلاً أن يكون المرء شاعرا". (المقالة نفسها)

الدويهي هنا ينتقد نفسه، فهو شاعر وناقد في الوقت ذاته، إذ يعتبر أن أعماله قبل عام ۲۰۰۰ كانت تجارب، لكنه لا ينكر وجود قصائد في تلك الأعمال ذات قيمة.

والصحيح أن الدويهي نشر قبل "وقلت: أحبك"، مجموعة من الدواوين في سيدني، هي "عودة الطائر الأزرق"، "وجهان لمدينة واحدة"، "تقاسيم شرقية لرقصة الفجر"، وهو يعتبر أن تلك الدواوين هي البدايات، وقد تكون احتوت على قصائد جميلة، ولكن الطريقة اختلفت منذ عام ۲۰۰۱ ، مع ديوان "وقلت: أحبّك"، الذي يعتبره البداية الحقيقية لتجلياته الشعرية.

ويتذكر الدويهي بشيء من الفخر أن قصيدته "وقلت: أحبّك" تحولت إلى نص مسرحي قُدم في جامعة سيدة اللويزة بحضور المئات من الرسميين والأكاديميين ورؤساء الجامعات والأساتذة والسفراء: "في عام ۲۰۰۸ ، طلبت منّي إدارة جامعة سيّدة اللويزة أن أحوّل قصيدتي "وقلت أحبُّكِ" إلى مسرحيّة قصيرة لتمثيلها في عيد تأسيس الجامعة. والقصيدة هي واحدة من القصائد الأحبّ إلى قلبي. وكنت ألقيتها في إحدى أمسياتي الشعريّة في لبنان. مَسْرحتُ القصيدة، وأوكل المخرج سام لحّود إلى ثلاثة من الطلاّب: جورج عيد، برندا يارا يونس، وسليم الهبر تمثيلها. وعُرضت المسرحيّة القصيرة على شكل حوار بين الأرض (برندا يارا يونس) وابنها الراغب في السفر (جورج عيد)، وكتب الموسيقى الخاصّة بالمسرحيّة أحمد قرقناوي. سعيد عقل وصلت إليه أخبار المسرحيّة أو لعلّه كان حاضراً في المناسبة، فجاءني منه أنّه يرغب في تقديم "جائزة سعيد عقل" إلى الطلاّب الثلاثة. وهكذا كان. وجاء سعيد عقل بنفسه إلى الجامعة وفي يده الجوائز الماليّة، فقدّمها إلى الطلاّب، وتحدّثتُ إليه فسألني: هل أنت من آل الدويهي؟ قلت: نعم. قال بصوت عال: "أنت من عائلة أكبر بطرك في تاريخ لبنان". قالها مرّات ثلاثاً في تلك المناسبة، وكنت مغتبطاً، ثمّ وضع يده في يدي ونظر إلى الكاميرا" (مقالة بعنوان "معرفتي بسعيد عقل - أنتَ من عيلة أكبر بَطرك بتاريخ لبنان")، منشورة على موقع فرح نيوز، في۲٧ آذار ۲۰۱٤.

ويريد الدويهي من الناس أن يعرفوا أن الشعر ليس نظماً، ولا هو صفّ كلمات على البحور والتفاعيل، ويروي أن مبتدئاً جاءه في التسعينات من القرن الماضي إلى جريدة "صوت المغترب"، "وكان يكتب أبياتاً بيد مرتجفة على ورقة، وفوق الأبيات رموز التفاعيل العروضية، فيبدو أنه كان ينظم نظماً، ويسألني أن أصحّح له، فكنت أصحح على مضض، لأنني كنت أشعر أنه يفتقر إلى اللمسة الشعرية الساحرة، وقد بدأ بالشعر في سن متأخرة. ولا يزال إلى الآن ينظم، وما سمعته مرة إلا سمعت مقداراً هائلاً من التصنع والتكلف والجمود. والناس يصفقون له لأنه "شاعر". وجاءني آخر يحمل ورقة  صغيرة عليها أبيات زجلية، هي أكواخ متداعية في الحقيقة، وسألني رأيي، فخجلت وكان صعباً أن اقول له إنها لا تشبه الشعر في شيء، وبعد مدة، اهتدى إلى طريقة ملتويةShort Cut، وهي أن يكتب نثراً، ثم "يفرفط" الجمل على أسطر متتالية، فيصبح نثره شعراً، ويصل إلى رتبة شاعر من غير عناء، ويتساوى بغمضة عين مع الذين صرفوا أعواماً طويلة يتقلبون في نار الشعر ويغالبون الليالي لكتابة قصائد... وشاعر ثالث في سيدني تحديداً، يكتب منذ خمسين سنة بالطريقة نفسها، ولا يطور، ولو قرأت له قديمَه لوجدت أنه أفضل من جديده، والناس يصفقون له لأنه يدغدغ مشاعرهم بجرن الكبه والدملجانه والشمشار والفرن والتنور والسنديانه... وهي أشياء تعني لهم الحنين، ولو قلتها نثراً لدغدغت مشاعرهم أيضاً. وهذا الشاعر دخل مرة إلى مجتمع فقال: سعيده (أي مساء الخير)، فصفق له الحضور وأبدوا إعجابهم وكأنه غزا الفضاء".

وبعد أن ينتهي من رواياته، يطلب الدويهي من الشعراء والأدباء معاً أن يتسلحوا بالمنطق، بادئاً بنفسه: "كلما كتبت نصاً أو قصيدة، فجبران، وطاغور، وغوته، وألبير كامو، وإبسن، ودوستويفسكي، وبوشكين... هم "بعبع" بالنسبة إليّ، وهم التحدي، ودائماً أقارن أعمالي بأعمالهم فأخاف، لكنني أسعى ولا أيئس".

ويعجب الدويهي كيف أنه صرف أعواماً طويلة في خضم التفاعيل والأوزان، ثم يأتي ناثر من فراغ ولا يعرف العروض ولا التفاعيل، ويعلن عن نفسه شاعراً في غمضة عين، "فأقل ما ينبغي أن يعرفه الشاعر هو السلّم الموسيقي، من باب الثقافة على الأقل، أو الفضول والحشرية، أو من باب المعرفة الحقيقية، فكيف يتصرف الشاعر لو جاءه طالب في الصفوف الثانوية وطلب منه أن يساعده في دراسة وزن أو قصيدة عروضية؟ وهل يرضى بأن يكون هذا الطالب أكثر علماً منه في مهنته؟"

مقالة نقديّة انتقاديّة لجميل الدويهي

سألتني سيّدة عن الفرق بين الأدب والكتابة، فقلت لها: "في مكتبات العالم ملايين الكتب، فمَن تذكرين من الأسماء"؟ فقالت: "جبران، طاغور، غوته، راسين، لامارتين، شكسبير وفيكتور هيجو". ولعلّها ذكرت اسمين آخرين لم أعد أتذكّرهما. في المحصّلة لم تذكر المرأة أكثر من عشرة أسماء، فأين الآخرون؟ وما السرّ وراء ظهور أسماء كمجرّات في السماء، بينما يختفي آخرون وتبقى الكتب معروضة من غير أسماء؟

إنّها الثقافة العميقة والمعمّقة التي تصنع الأدب، فلا الحبر يصنع أديباً، ولا القلم وحده يرفع من قيمة صاحبه. وهذه الثقافة هي ما أؤمن به وأجاهد في سبيله. أقرأ وأتعلم وأبدع وأبتكر، ولو كنت كاتباً فقط لتوقفت عن الكتابة واشتغلت في شيء آخر، فالبحث عن التميّز هو بعض هويّتي، وعلى الرغم من أنني أبارك كل عمل، فإنّني لا أتوقف عند حدود مرسومة، ولولا هذه الثقافة التي أسهر عليها لما تمكنت من هذا التنوّع في الأشكال والأنواع، والدليل هو لغتي التي تختلف بين نوع وآخر... ففي الشعر العمودي أستخدم لغة تختلف عن لغتي في الشعر المدوّر، وفي الشعر العاميّ أختلف عني في الشعر المنثور، وفي القصّة لا أتكلم كما في كتبي الفكرية.

وأسمع بعض الناس يتحدّثون عن "أدب" فأقرأ ولكن لا أجد سوى كتابة، وكلّ إنسان يكتب، والطالب في الصفوف الثانوية يبث أفكاره وتأمّلاته ومشاعره تجاه فتاة يحبّها... ولكن ينقصه العمق... ولا يستطيع إنسان أن يدّعي الأدب رغماً عن الناس، أو يتلطّى وراء جمعية أو حزب أو قرية أو عشيرة لكي يجعل من نفسه أديباً. أما التنوّع في الأشكال فهو العقدة الكبرى التي تأتي بعد ذلك، ولا يعرف جمالها ومرارتها إلا الذين خاضوا غمارها.

قلت في إحدى المناسبات: لا يعجبني من الشعراء العرب إلا خمسة أو ستة شعراء. فتفاجأ الحضور، ولامني قليل منهم، وكأنّ المطلوب أن أحبّ أحداً بالقوة. ففي الشعر العربي القديم كله لا أحب إلا امرأ القيس وأبا نواس في بعض أشعارهما وليس كلها... وأقرأ لآخرين كالمتنبي وابن الرومي وبشار بن برد وأبي فراس، لكي لا أكون جاهلاً، لكن لا تعجبني سوى قصيدة هنا وقصيدة هناك. والمؤكد أن الحداثة في بدايات القرن الماضي قد أنتجت أسماء جميلة، مثل سعيد عقل، ونزار قباني، وصلاح لبكي، ومحمود درويش وبدر شاكر السياب... ونحن استفدنا من الحداثة التي كانت نعمة، فخرجنا من الشعر العمودي إلى أنواع أخرى لو كتبناها في عصر ما قبل الإسلام لكنا أحدثنا ثورة وانقلاباً على المفاهيم. وبالنسبة لي، هذا التنوع الفريد الذي طبع أعمالي أصبح نقمة عليّ، فالبعض ينظر إليّ بوجه عابس، والبعض الآخر يريد أن يقلّل من قيمتي ليرفع من قيمته، وبعض ثالث يريد تحقيق المساواة بأيّ ثمن... وبعض آخر يعترف بالجميل ويثني على أعمالي، ولولا ذلك لما أصبح مشروعي على كلّ شفة ولسان من أستراليا إلى أميركا وكندا، وإلى لبنان وفلسطين والعراق وسوريا...

رايت أناساً يتحدّثون عن "الأدب"، ولو سألتهم ماذا يعرفون عن السوريالية أو الدادائية لما عرفوا شيئاً. وقد يقول قائل: ماذا يهمّني من هذه المدارس؟ فلأكتب على الفطرة وكل ما يخطر في بالي. وهذه هي المشكلة التي كان الأدباء الكبار يتجنبون الوقوع فيها، فجبران مثلاً أخذ من كل الثقافات التي كانت موجودة في عصره، وطرق باب الواقعية والرومنطيقية والرمزية... وغوته كتب الرومنطيقية في "آلام فرتر"، ثم استخدم الرمزية – الواقعية في "فاوست"، وهذا ما أغنى أدبه ورفعه إلى مرتبة الخلود... ولا تستطيع أي مؤسسة في العالم أو أي جمعية أو أي دولة أن تنـزع عن جبران صفة الخلود التي صنعها بنفسه وكان لا يحتاج إلى أوسمة أو حفلات تكريم، فالمرء يكرم نفسه بنفسه.

وعندما أتحدث عن المدارس الأدبية، فلا أنقص من قدر من التزموا بمدرسة واحدة مثل بيار كورناي، وفيكتور هيجو، وشارل بودلير، وهنريك إبسن وصمويل بيكيت ... ففي مدرسة واحدة يمكن أن يصنع المرء معجزات، ولكنني أتحدث عن ثقافة الأديب اليوم ومعرفته، فأبواب الثقافة مفتوحة على مصراعيها ولا عذر لنا في عدم الدخول منها إلى عالم يُغني ويفيد.

عندما أعطي هويّتي الأدبية لقاضٍ في محكمة الإبداع، فسوف يسألني: هل كتبت شعرا؟ فأجيبه بأعمدة الشعر السبعة، ويسألني: هل كتبت قصة؟ فأجيبه بطائر الهامة، وهل كتبت فكراً؟ فأجيبه بمعبد الروح، ورجل يرتدي عشب الأرض، وهل كتبت تأريخاً؟ فأجيبه بأشهر المعارك الإهدنية في التاريخ، وهل كتبت مقالة أكاديمية؟ فأجيبه بمقالاتي عن الريحاني وغوته وسعيد عقل... وهذا التنوع يريدني أناس أن أخجل منه أو أن أخفيه عن العيون وإلا اتهموني بالغرور، ومتى كان الدويهي يرضخ للابتزاز أو يفعل إلا ما يمليه عليه ضميره وما يقتنع به؟

إن القفز في الهواء، والاستعجال، والهرولة نحو الشهرة، واصطياد الألقاب والأوسمة والتكريم... هي فولكلور يدغدغ الأحلام، ويجافي الواقع. وكل الزبد سيذهب جفاء، ولا يبقى في الضمائر، وفي مخيلة الشعوب إلا الأدب الرفيع الذي يأتي من المبدعين لا من الطامحين إلى الإبداع.

هويتي الأدبية التي اخترتها وارتضيتها بنفسي هي التنوّع مع المحافظة على مستوى من النوعية. ومن يقرأ ديواني "أعمدة الشعر السبعة" وأعمالي الفكرية، وقصصي القصيرة، يلمس هذا التنوع الفريد لمس اليد، ولا حاجة به إلى تكذيبي أو الاستعانة بصديق. وأنا أبارك من يكتبون نوعاً واحداً أو نوعين، وأطلب في المقابل أن يباركوا لي، لا أن يعبسوا في وجهي كلما التقيت بهم لإظهار تفوّقهم، والإيحاء بأنهم يقفون أمامي وأنا وراءهم، وأقول جملة واحدة لمن يحقرونني ليرتفعوا: "أنا كتبت أنواعكم كلّها، فاكتبوا أنواعي، وعندها فقط أقف وراءكم من تلقاء نفسي. أمّا الذين يعترفون بالجميل، فما أجملهم... ومكانهم في القلب والروح!

جميل الدويهي والقصة

بدأ الدويهي مسيرته القصصية في سيدني، حيث نشر عدة قصص قصيرة في التسعينات، في صحف محلية، ثم أصدر مجموعتين من القصص القصيرة" أهل الكهف"، و"من أجل الوردة"، وفي عام ٢۰٠٦ نشرت دار أبعاد - بيروت المجموعتين ونشرتهما على نطاق واسع، وقد غير الدويهي عنوان كتابه الأول "أهل الكهف" إلى "أهل الظلام"، باعتبار أن الأديب المصري توفيق الحكيم له كتاب بهذا العنوان، وحكاية أهل الكهف من التراث، ويمكن لأيّ إنسان أن يستخدمها.

وفي عام ٢٠۱۸ ، نشر الدويهي مجموعة قصص قصيرة بعنوان "الحافلة والولد ممكن"، وفي ما يأتي نموذج منها: ماذا تفعل ذرّة محبّة؟

عندي مشكلة مع زوجتي، فهي تعيش في التمنّيات، وأنا أعاني من انفصام في شخصيّتي، لكثرة ما لاقيتُ من الاضطهاد.

هربتُ مرّة إلى الغابات، ومكثتُ هناك زمناً طويلاً، فخافت زوجتي على مصيري، واستنجدتْ بأهلها وأقربائها ليعيدوني إلى الحضارة، فحملوا الفوانيس وطاردوني بين الأشجار فوجودوني شبه عارٍ، أشعث الشعر، في ثيابي عشب الأرض... وأتكلّم من

غير وعي.

قال أحدهم: يبدو أنّه نسي اللغة لكثرة ما عاش مع الوحوش البرّية.

دفعوني بأيديهم الملوّثة إلى المدينة.

صرختُ بهم: خذوني إلى أيّ مكان. إلى مصحّة عقلية، إلى جزيرة ليس فيها بشر، إلى مكان تحت الأرض. لكن لا تأخذوني إلى تلك المدينة التي تبغضني. هناك أناس يكرهونني حتّى الموت، يقطعون الطريق على أفكاري، يريدون قتلي بأيّ ثمن.

لكنّ أهل زوجتي وأقرباءها لم يسمعوا صُراخي، ووجدت نفسي بعد ساعات في مستشفى، ومن حولي أطبّاء يقلبون شفاههم، ولا يعرفون ماذا يفعلون.

سمعت منهم أنّني مصاب بعدّة أمراض، لكنّها قابلة للشفاء، ما عدا مرضًا واحداً لا يمكن الشفاء منه، هو الانفصام.

قال أحدهم: لا رجاء منك في هذه الحالة. سنعطيك دواء ينفعك لبعض الوقت... ثم تعود إلى ضياعك المعتاد.

خاطبتُهم قائلاً: يا أطبّاء بلا حدود...لماذا تحزنون؟ إنّ الله خصّني بنعمة الانفصام لحكمة منه. فأفضل لي ألف مرّة أن أكون ضائعاً مع نفسي، ولا أجد طريقي بين الضائعين.

***

عدتُ إلى بيتي، إلى زوجتي التي تعيش مع التمنّيات.

كانت تقول: أنظر إلى هذا القصر الذي على التلّة. ليته يكون لنا! سئمتُ العيش في الأكواخ. فأقول من غير أن أفكّر: كيف أشتري لك بيتاً كهذا، والأشرار يطاردونني ويمنعون عنّي الهواء والشمس؟ كّلما مشيت خطوة تعثّرتُ ووقعتُ عشرات المرّات. عيونُهم ثقبتْ حياتي... أنظري إلى صورتي كيف علّقوها على الجدران، ومكتوب عليها: "مطلوب"... إنّهم يكمنون لي في الطرقات، وتحت الجسور، وفي الأزقّة، ويتربّصون بي على أبواب الحانات، وكلما أردت أن أتكلّم وضعوا أيديهم على فمي ليمنعوني من الكلام... لولا عناية الله لرأيتِني معلّقاً على خشبة، وإكليل من الشوك على هامتي.

***

على الرغم من كلّ تلك المعاناة، كان هناك أناس يحبّونني، ولكنْ ماذا تفعل ذرّة من المحبّة أمام قناطير مقنْطرة من الضغائن؟ والذين يحبّونني هم الذين أخذوا بيدي في مجاهل الحياة، فما أعظمهم، وما أكبرهم! ومن أجلِهم لم أتوقّف عن الكتابة، فعندي شغف كبير بالفكر والفلسفة والشعر والرواية والحكمة.

وكنت بعدَ أن أبتلع الدواء، أشعر براحة نفسيّة عميقة، وتأتيني أفكار غريبة، فأسارع إلى التقاطها قبل أن ينتهي مفعول الدواء، فتتشتّت أفكاري، وأتبعثر على الطاولة.

***

أفقتُ من قيلولتي في ظهيرة أحد الأيّام، على صُداح موسيقى أمام بيتي. موسيقى شرقيّة من طبل وزمر، فأسرعتُ إلى الباب لأعرف ماذا يجري، وعندما رآني المطبّلون  والمزمّرون قالوا: أهلاً بك بيننا. لقد أفرحتَنا وأسعدتَنا... نحن نحبّ المبدعين ونقدّرهم، ونصبْنا للموسيقيّين والحكماء والعظماء تماثيل من رخام... لقد وصلتْ إلينا أعمالك، وقرأنا من كتبك، فأعجِبنا بك إعجاباً كبيراً، وكم نحن فخورون بأنّك حللتَ بيننا.

قلت لهم وأنا عابس ومضطرب: لا أصدّق ما تقولون، فإنّ بينكم رجلاً قصير القامة يضمر لي كُرهاً أين منه كراهية عبس لذبيان؟ وهناك آخر يتبختر كالطاووس، ويعتبر أنّ الناس أدنى منه مقاماً، وكم يغيظه أنّني برهنت للملإ ضآلة شأنه، وضعف أفكاره! وهناك المرأة الجاحدة، والحمّال، والأجير في الديوان، والساحر والبهلوان... وجوههم مثل بوابير الكاز. يريدون أن يجعلوا الشمس في مقام الفحمة المنطفئة، والوردة في مستوى العشبة اليابسة، ويدوسون تحت أقدامهم الكلمة التي تنقل الجبال، ويزغردون لنقيق الضفادع.

تعجّب الناس من جرأتي، ونظروا بعضهم إلى بعض، وقال كبيرهم: نحن لا نصدّق ما نسمع... لقد جئنا إلى هنا لكي نكرّمك وأنت تهيننا، وهذا لا يليق.

قلت لهم: لم أكن لأخاطبكم كما أفعل الآن لولا أنّكم لم تخطئوا في حقّي. فلقد علّقت لكم كواكب في ظلام أيّامكم فحطّتموها انتقاماً منّي، وفضّلتم أن تعيشوا في ظلام لكي لا تعترفوا بفضلي... وتجاهلتم ما أفعله في سبيل الخير والإنسانيّة، وجادلتموني في كرَمي وعطائي وكأنّني أعطي من جيوبكم... إنّ الكاذب لا يصدّق أنّ هناك أناساً صادقين، والبخيل لا يستطيع أن يرى إنساناً كريماً يغدق من محبّة الله وعطائه.   

التفتَ الرجل الكبير إلى صحبِه وهو حانقٌ، وأمرَهم بالقول: عودوا إلى بيوتكم، فهذا الرجل قد كفَر بنعمتنا، وعلينا أن نتجاهلَه بعد اليوم.

وفي تلك اللحظة، عادت زوجتي من السوق، فرأتْ الحشد أمام المنـزل، وكان المطبّلون لا يطبّلون والزمّارون لا يزمّرون، والناس غير راضين عنّي، وأنا واقف كالصنم أواجههم بتعنّت ونفور. ولمّا سألتْ امرأتي عمّا حدثَ، خاطبها الرجل، فقال: نعتذر أيّتها السيدة، لقد جئنا بالطبول والزمُور والراقصين إلى هذا المنـزل، لكي نُظهر تقديرنا واحترامنا لإنسان لا يليق به التقدير والاحترام. فقد أهاننا بكلام قاسٍ، وأسمعنا من الهجاء المقذع ما لا يُقال في الُعتاة والمجرمين.

أجهشتْ زوجتي بالبكاء في اللحظة، وقالت للجمع والدموع تفيض من عينيها الكبيرتين: رجاءً... سامحونا... زوجي يعاني من انفصام في شخصيّته... لقد نام إلى الظهيرة ولم يأخذ الدواء، ولعلّه نسيَ أنّنا انتقلنا منذ مُدّة إلى مدينة جديدة.

وإلى جانب القصّة القصيرة نشر الدويهي روايته الأولى "الذئب والبحيرة" على نطاق ضيّق في سيدني (منشورة في موقع أفكار اغترابيّة)، وهي قصة تتحدث عن مهندس عربي تعرض لحادث في مصنع للأسلحة الكيميائية، وظن الجميع أنه مات، لكنه تشوه ولم يعد يظهر على الناس فلجأ إلى الغابة، وبعدما تزوجت امرأته من رجل آخر، عاد ليظهر عليها، لكن خيبته كانت كبيرة من كل ما حدث في حياته، فانكفأ إلى الغابة وأصبح يبكي، ويتصاعد بكاؤه كعواء ذئب. قصة رائعة تستحق أن تتحول إلى فيلم سينمائي درامي.

وفي مجموعته القصصية الثانية "طائر الهامة" -  منشورات دار أبعاد الجديد بيروت عام ٢٠۱۲ ، يتحدث الدويهي عن امرأة قتل زوجها، فأرادت الانتقام من رجل يصدِّق أنه هو القاتل، ولكن القاتل الحقيقي يظهر في النهاية، وتسير مع الأحداث قصة حب جميلة بين ابن المرأة الراغبة بالثأر وابنة الرجل الذي يعتقد الجميع وهو نفسه أنه القاتل. قصة رائعة تستحق أيضاً أن تكون عملاً سينمائياً، أو مسرحية، وقد كان المسرحي فضل عبد الحي يعدّ لتحويلها إلى مسرحية، ولكن وافاه الأجل فلم يتمكن من إنجاز العمل. وتتضمن "طائر الهامة" كثيراً من الشعر، وهي دعوة للسلام بين الشعوب، ورفض الثأر والحقد. وتمكن الدويهي من قتل طائر الهامة الذي يدعو إلى الثأر، لأن المحبة تنتصر. وقد كتب عن "طائر الهامة" الكثير، وجمعت المقالات المكتوبة عنها في كتيب صغير نشره الدويهي عام ٢٠۱٥ بعنوان "كتبوا في طائر الهامة".

مطالعة د. عصام الحوراني في قصة "طائر الهامة": جميل الدويهي يحكي "طائر الهامَة"

هي حكاية الإنسان في كلّ عصر وزمان، حكاية الصراع الذي كان وما زال يلفّ الكون والإنسان، في جدليّة لا تعرف السكينة أبداً ولا الراحة، فهي ليست مِلحاً جامداً على شفتي السرنوك، ولا هي ملح في الهواء يوم قتِل الدروبي، إنّ الحكاية حياة لا تغيب أبداً عن فلك هذه العناصر الحيّة والجامدة على السواء، ولا تنتهي، ولو انتهت، لا سمح الله، لتلاشى الإنسان في عالم العدم.

مسكين، هو السرنوك، هذا المجنون الذي ما برح يلوك الزمن وحده كئيباً تائهاً، ولا يمضغه، لكنّ الزمن يعصره عصراً، وبين الجنون والعبقريّة خيط واهٍ، "المجانين لا يقرأون ولا يكتبون، ولكنّهم يُجيدون قتل الحروف وهي في مهدها". إذن فهو أُمِّيٌّ، كما يدّعي، والأنبياء أمِّيّون، "وفي ساعات مليئة بالسخرية، يتحوّل السرنوك إلى مُعجزة". ولعلّ المجانين من أمثال السرنوك يحلمون هم أيضاً بالخلود، كما آلهة الشرق القديمة، وكما حلم بالخلود جلجامش، وسعى إليه، لكنّ خلوده ضاع في جوف أفعى، كانت  في فجاج الأرض تسعى.

جميلٌ! هو هذا السرنوك، وهو البراءة المتدثِّرة بالليل، وفي قلب اللاوعي البشريّ، وهي بعيدة في أعماق الإنسان.

جميل الدويهي المخرج البارع، الذي يتحرّك  بخفة وليونة وحيويّة بين أبطاله، يُحرِّكهم برشاقة ويُوزِّع الأدوار بمنتهى البساطة والعفويّة، فيضيع القارئ مسمَّراً بين الحقيقة والمجاز، بين الرمزيّة التي تنسج أكثر من رداء في القصّة، وبين واقعنا المعيوش الرّاهن. وتبقى أبطاله تلاحقنا، نحن القرّاء، فنمشي خلفهم صاغرين تغمرنا الدهشة، ويشدّنا الشغف، ونحن نسمع وقع أقدام الدويهي بين "غابة الخرّوب" و"الدّهيبة"، نسمعها في لهاث السرنوك، وفي تأمّلاته وشعره، كما في سكوته: "لأنّ زمن الكلمات قد انتهى، وعليه أن يُخبِّئ وجهه..." قال السرنوك: "إنّ المَحْو أفضل من الكتابة، فرجل مثلي يجب أن يُنسى... عليه أن يكون عشبة في حقل بعيد... أن يُصلِّي باكِياً، وتذوب ركبتاه من الركوع...لقد فرّت الحقيقة من الحقيقة... وأصبحتُ أنا روحاً باردة في عالم الأرواح..."  

قصّة جديدة للدكتور جميل الدويهي، صدرت عن منشورات "دار أبعاد الجديد" في بيروت. تقع هذه القصّة/ الرواية في ۱۱۲ صفحة من الحجم الوسط. مساحتها محدودة ومحتواها لا تحدّه "أبعاد"، فيها الحياة بكلّ جدليّتها وصراعاتها، من حقد ومحبّة، وثأْر وتسامح، وعصبيّة وانفتاح، وكذب وصدق، وشرٍّ وخير، ومجاز مرمَّز، وحقيقة خرساء تحت غبار النسيان...  وتستوقفنا على دروب "طائر الهامة" تساؤلات كثيرة: لماذا كتم السرنوك الحقيقة؟ لماذا جعله الدويهي يُخبِّئ الحقيقة في قلبه؟ ولماذا جعل السرنوك يتبعثر ضياعاً وشروداً، ويتشظّى قلقاً وأوهاماً وذهولا وكآبة وسِرّا؟ وكَم في الأرض من أبرياء كثيرين يضيعون في عالم السجون الأسود، حيث يتساوى البريء والمجرم،ويتّحدان ليصبح المجرم بريئاً والبريء مجرماً، ويختلط عليهما الأمر في عالم النسيان، وفي مجتمع أعمى لا يرحم. ولعلّ السرنوك وقد تلبّس الجريمة صدّقها، فصار ما يُشبه الانفصام في ذاته التائهة في عالم الغيب والنسيان، هذا العالم الذي لا يُدرك كنهه سوى المفكِّرين والعباقرة. وقد تبدّت تلك الأسرار المتشابكة في لاوعيه بذاك الصراع النفسيّ الذي أبرزه لنا الكاتب بأسلوب أخّاذ يُحاكي الواقع ويُماشيه. إنّه الصراع النفسيّ الذي تحدّث عنه علماء النفس بإسهاب وأشاروا إلى مداه في عمليّة التبديل والتحويل في سلوك بعض الناس، وفي تصرّفاتهم، وأعمالهم. إنّها معاناة الضمير التي ما بعدها معاناة، حيث التمزّق النفسي، والكآبة الدكناء، والصمت الأسود المخيف: "جريمة في الذاكرة، مقتلة الحروف، أحمل نعش الذاكرة وأسير تحت المطر، مَن يتبعني إلى سكوتي؟ مَن يحمل معي صناديق العتمة؟

هذه المعاناة التي تعتمل في الأعماق، تملأ حنايا القصّة، وتتبعثر فيها، وتتلوّن بأشكال متنوِّعة بدءًا من السرنوك الذي صار "المارد المقيَّد في كيس... صار العدم، والخطيئة... صار الشاعر الفيلسوف الذي يكتب السكوت بصمته القاتل"."وعندما عاد السرنوك إلى ضميره، كانت الحقيقة مدفونة في مقبرة واحدة مع القتيل". وكذلك، فسلوى التي تحمل في أعماقها طائر الهامة، ما برح الحقد يصرخ في أعماقها بلسان الهامة: اسقوني فإنّي صديَّة! وشفيق نفسه يُعاني من خلف ستائر الحقيقة السوداء، فهو القاتل والعاشق والكاذب تتلوى كلّ هذه الصفات فيه كما الأفعى :"أنتِ يا سلوى... جمرة في قلبي، وجرح عميق في ضميري". وأيضاً فإنّ زوجته وردة كانت تحيا هي تحت ظلّ هذا الصراع الماثل بين الحقّ والباطل. لقد تبدّى الصراع أيضاً بين جيلين: جيل الهامة الذي تمثِّله سلوى، وجيل الحداثة الممثَّل بسعاد ورياض، وهذا الصراع يتماهى في ذلك القتال الذي نشب بين طائرين في الغابة، طائر الهامة الذي يتأبّط بين جناحيه الحقد والتشاؤم والدم والموت، وطائر الفينيق رمز الانبعاث، والشمس، ونور الصباح، والتجدّد والقيامة، والتسامح والسلام، وهو الذي ينتصر في نهاية معركة الحياة: "إنّها معركة الحياة والموت، بين كلّ ما في الكون من متناقضات: بين الجبّار والهزيل، والظالم والمظلوم، والغنيّ والفقير، والكبير والصّغير".

وفي القصَّة صراعات كثيرة، بعضها ظاهر، وبعضها الآخر خفيٌّ، فحين يقول الدويهيُّ: "خذوني إلى السائق لأتشاجر معه، لأزلزل الأرض تحت قدميه، ولأنشب أظافري في ابتسامته الصفراء... رجل مريض... يرافقني من مكان إلى مكان، ولا أعرف كيف يرتِّب الأمكنة والعناوين..." يكون المقصود بالسائق القدر الذي يحرِّك مصائر الناس الضعفاء-الأقوياء. أمَّا طيَّارة الورق التي تطلُّ دائماً في فضاء الحياة، فهي رمز لطموح الإنسان أن يغادر التراب إلى كواكب أخرى، بل هي الروح التي تنتصر على الآلة، وبها يرتفع الإنسان: "في الأحلام يمكنني أن أصل إلى أيِّ كوكب في لمح البصر، ولذلك أحبُّ طيَّارتي أكثر من أيِّ اختراع آخر." 

"طائر الهامة"، حكاية وطن يُلازمه الحقد، والطمع، والحسد، والكراهية، منذ أزمنة غابرة، تعبث به من حين إلى آخر، وتتركه في كلّ مرّة أشلاء، ليعود طائر الفينيق الذي يأوي في أرزه فيتغلّب في النهاية على طائر الهامة، ولو بعد حين. إنّها أزمة وطن ولعنة تُواكبه في كلّ جيل. ولقد نسج الدويهيّ ببراعة ثوباً بمقياس وطنه الذي يتمحور بين "غابة الخروب" و"الدّهيبة"، وهما قصّة الصراع المفتعل في كلّ جيل بين كلّ ضيعة في

 لبنان وأخرى، بين كلّ منطقة وثانية، مجاورة أو متداخلة، بين شرقيّة وغربيّة، جنوبيّة وشماليّة، ساحليّة وجبليّة... ويبقى شباب أرضنا وقودها، والهامة صوتها الصارخ أبداً: اِسقوني... اِسقوني، وقد أشار الكاتب إلى هذا الأمر بصراحة وشفافيّة: "وإنّ ما حدث للسرنوك حالة طبيعيّة أصابت كثيرين من الذين شاركوا في أعراس الدم... فبعد أن ينتهيَ الاحتفال، لا بدّ من العودة إلى الذات، فتتكاثر الأسئلة، وتعجز العقول عن تقديم أجوبة لها... فتتردّى الأرواح في جحيم العقاب...ماذا جنت يداي؟ وكيف تحوّلتُ إلى وحش كاسر لا يرحم؟ وما هي المكافأة التي حصلتُ عليها غير البؤس والعذاب"؟  وكما قالت وردة: "وفي أزمنة الحرب يخلط الناس بين الخير والشرّ بين الحقّ والباطل".

والجواب على تساؤلاتنا السابقة بخصوص السرنوك، جاء على لسان وردة التي كتمت الحقيقة طول هذه السنين:"كان شفيق سيقتلني لو تفوّهتُ بحرف واحد".

بين السرنوك وشفيق حكاية الإنسان في كلّ عصر وزمان، فكم في الأرض من مساجين أبرياء، يرتعون في أقبية الزنزانات مرذولين مهانين معذبين، والحكومات والقضاة والناس عنهم لاهون وغير مبالين... وكم في الأرض من مجرمين ولصوص صاروا حكّاماً أو من كبار القوم يختالون في صالونات الناس ومنتدياتهم بكبرياء وتعال، والناس حولهم يُصفِّقون ويُزوِّدونهم بالدَّعوات والشكر والامتنان. إنّه التكاذب والرياء في جلد حرباء، هي الدنيا بمتناقضاتها تبدو ماثلة للعيان في قصّة الدويهيّ، فالأدوار تنقلب بين السطوح والأعماق، ولكنّ الكاتب يميط اللثام عن تكاذب البشر مع  وردة الصباح الفوّاحة  التي نطقت بالحقيقة.

إنّ اللغة التي استخدمها المؤلِّف، وبخاصّة في "أفكار السرنوك" هي من الطراز النخبويّ من ناحية البلاغة، وجودة السبك، فهي بيّنة في معناها ورموزها، ومفهومة عذبة سلسة، يسكن إليها السمع، فلا تنافر في الكلمات، ولا تعقيد في المبنى، أو المعنى، بل ثمّة ملاءمة للكلام مع الذي يُقال فيه، فتترك عباراته في النفس أثراً خلاّباً. وهو يستعين بمجازات ليّنة طيّعة فيها جرس الشاعريّة الرقيقة. ومن أمثال ذلك وهو كثير في "أفكار السرنوك الدويهيّ": "لأنّ لها صوتاً كنحيب الأشجار، فأجمع شتات عمري على صفحة من غبار.... في يديّ ارتعاشة، وفي شفتي ملح، فمن أين تأتي الأفكار؟" ويقول: "لكنّ الذكرى تبقى سكّيناً على عنق الحاضر... ينبغي أن نتمهّل، لكي لا يمحونا الفراغ" ويقول أيضاً: "فالكلمات سكاكين على سطور... أنا قتلتُ حقدكم، وحطّمتُ أصابع الليل..."

القصّة ولا شكّ، مشروع عمل مسرحيّ دراميّ، فهي تحكي الإنسان في كلّ زمان وفي أيّ مكان، وبخاصّة في عصرنا، إذ إنّها تروي حكاية لبنان وغيره من الأوطان، في وقت نحن نعيش أزماته  باستمرار، وما زلنا نعاني من مشكلاته كما من أحقاد أناسه الأقدمين. القصّة صدى لما يعتمل في أعماق الإنسان من صراعات تتبدّى بأشكال خفيّة متنوِّعة، ويُصبح الناس لها أسرى يأتمرون بما تُمليه عليهم من أفكار وعصبيّات وأوهام، تشتّتهم وتبعثر أرواحهم في عالم الكآبة والتشاؤم والتلاشي. القصّة صوت الدويهي الصارخ في برّية المعمدان، ينشد من خلاله حريّة الإنسان القائمة على أساس الحقّ والحقيقة والسلام، وهو يمضي مع السرنوك على عربة تأخذهما إلى جسر الضياء.

قصة "الإبحار إلى حافّة الزمن": هذه الرواية التي طبعت في سيدني عام ٢٠۱۸ ، ونشرت على موقع "أفكار اغترابيّة"، هي۱۰٦ صفحات من القطع الوسط، تروي قصة تشرّد الدويهي (ريتشارد فنسنت) واضطراره للقيام برحلة إلى تاسمانيا مع صديق أميركي. ولشدة إعجابي بهذه القصّة اقترحت على الدويهي أن يصدرها باللغة الإنكليزية، وكتبت عنها مقالة، هذا نصها:

الدويهي الجميل في الإبحار إلى حافّة الزمن"- فرادة المبدع والمحلّق في غير سربه
في روايته الثالثة "الإبحار إلى حافة الزمن"، يذهب الأديب المهجري د. جميل الدويهي بنا في رحلة متعددة الاتجاهات: الأول اتجاه مكاني (من سيدني إلى هوبارت عاصمة تاسمانيا)، والثاني إنساني، والثالث وصفي، والرابع تأريخي، والخامس وليس الأخير قصصي جاذب يحبس الأنفاس.
لقد حصلتُ على نسخة من الرواية، منشورة على موقع "أفكار اغترابية" للأدب المهجري الراقي، فالدويهي لا ينشر أعماله إلا في مهرجاناته التي أصبحت موعداً تنتظره الجالية بكل أطيافها، لما للأديب من مكانة إبداعية لا تخفى على عين بصير. وهو المتعدد شعراً ونثراً وفكراً وتأريخاً، وباللغتين.

وإذا كان هناك من يستحق لقب "العبقري اللبق"، و"عميد الأدب المهجري" بامتياز، فهو الدويهي، والأعمال تحسب على الميزان وبالمقارنة، وليس بغير ذلك. وأجد من واجبي، وللأمانة، أن أضيء على واحد من أعمال الأديب المتميز الذي يقول عنه أحد كبار الأدباء العرب إن أعماله واجهت كثيراً من التجاهل الذي يثير الدهشة والاستغراب.
باختصار، تبدأ الرواية بمقتل جون أندرو على يد سامنتا، وهي امرأة تملك حانة في قلب مدينة سيدني، والبطل ريتشارد فنسنت، الذي هو صورة عن الدويهي نفسه، إنسان متشرد يتسكع من شارع إلى شارع، يكون مشبوهاً في قضية مقتل أندرو، ليظهر أن سامنتا هي القاتلة، بسبب اعتداء جون أندرو عليها. ولأن ريتشارد يرتعب من الدم، يتخلى عن سامنتا ويرفض العودة إليها، حتى بعد ثبات براءتها... ويعود إلى حياة التشرد، فيلتقي بروبرت، وهو مغامر أميركي يرغب في استكشاف تاسمانيا، فيذهب معه ريتشارد، حيث يلتقيان بستيف (صديق قديم)، وبامرأة تدعى ماريان، هي التي تقود المركب إلى المجاهل التاسمانية. وفي الغابات الكثيفة تتحول القصة إلى سلسلة من الوقائع الدرامية، حيث يَقتل ستيف روبرت طمعاً بخارطة يحملها وفيها إشارات إلى كنـز مزعوم، ويحاول ستيف الاعتداء على سامنتا، فيقتله ريتشارد، في استعادة مطابقة لشريط مقتل جون أندرو على يد سامنتا... وأخيراً يعود بطل القصة وسامنتا إلى هوبارت وقد اكتشفا النمر التاسماني، وهو حيوان يعتقد الناس أنه انقرض منذ الثلاثينات من القرن الماضي.
وتحتوي القصة على كثير من الوصف لطبيعة أستراليا وغاباتها، وعلى وقائع تاريخية وتسجيل لحوادث جرت في الماضي، يسوقها الأديب من خلال القصة من غير أن ينفصل المنحى التاريخي عن المنحى السردي، فيمتزج الأدب القصصي بأدب الرحلة، وبالأدب الوثائقي... ولا يشعر القارئ بأي ملل، بل تدهشه تلك الروايات التاريخية التي لم يسمع بها من قبل، فينمي ثقافته ومعارفه.
وليس جديداً أن أقول إن الرواية مليئة بالجمالية، من أي الجهات أتيتها، وتمنيت على الأديب الدويهي أن ينشرها بالانكليزية لأن الحقائق التي تحتويها قد لا يكون الآلاف من الأستراليين يعرفونها، وفي اعتقادي أن قليلاً من اللبنانيين مثلاً، يعرفون خرافة البانييب (الغول الأسترالي)، وأنا شخصياً لم أعلم شيئاً عنه قبل قراءة القصة، ولم أسمع في حياتي قصة المغامر دوغلاس ماوسن، ولا قرأت عن تروغانيني... ولا قصة السجن الرهيب بورت أرثر... وغير ذلك من القصص الصغيرة التي يحشرها الدويهي في السرد، فيغني القصة ويجملها. يقول الدويهي عن البانييب:
"سمعت عن "البانييب" من قبل. فعندما كنت صغيراً كانت أمِّي تخبرني عنه. كانت تصدِّق أنَّه موجود، كالأستراليِّين الآخرين الذين ليس عندهم غول، فوجدوا في "البانييب" حيواناً يعوِّض عن خسارتهم، وكأنّ وجود الغول أو ما يشبهه ضرورة لا بدّ منها. كان وجود "البانييب" في نظر هؤلاء شيئاً مقدَّساً، ولا يخضع للمناقشة. ومنهم كتَّاب وشعراء وفلاسفة ومتعلِّمون يقولون إنَّهم شاهدوه: حيوان كبير، له رأس صغير، وأذنان ضئيلتان. أسنانه بارزة إلى الخارج، وظهره واسع يشبه الطاولة، وليس له ذنب.

وسمعوا صوته: مثل صوت مدفع أو انفجار أو هدير الرعد... وزعم بعضهم أنَّه حيوان برأسين يعيش في البحيرات والأنهار، يزأر كالأسد، أو ينبح كالكلب أو يغنِّي كالطائر. وادَّعى آخرون أنَّ "البانييب" يختبئ في الأماكن المظلمة ويختار ضحاياه بعناية. إنَّه يفضِّل النساء على الرجال... ربَّما أكون أنا واحداً من "البانييب"!
ولست أنا من يكشف لأول مرة عن أسلوب الدويهي الجمالي بامتياز، فهو شاعر متعدد الأنواع، وله خبرة طويلة في حقل الصور والرموز، وهذا انعكس على القصة، فالدويهي ليس متزمتاً في السرد، بل هو منفتح على الصورة الشعرية الجمالية التي تظهر هنا وهناك، في وصف الليل، والبحر، والغابة، والمطر... وأمور أخرى كثيرة، فلنراقب كيف وصف الدويهي الغرق في البحر، بأسلوب جمالي لا يخطر في بال: "من الصعب أن أتخيَّل كيف يغرق إنسان. لعلَّ قلبه يتخلَّع، وهو يشاهد الموت ينقضُّ عليه بسرعة، ويضغط بجسده إلى أسفل. يقاوم بضعف ويأس، وربَّما يبكي بكاء لا يسمعه أحد. يفكِّر بالله، في لحظة، ويراه. ليس هناك وقت للصلاة، ولا للتفكير بشيء، ما عدا الخلاص. البحر يدخل إلى رئتيه... يصدمه في فمه. في أنفه. في أذنيه فترتجَّان. وتصبح عيناه مثل كهفين في قعر المحيط. يريد أن يعاتب، يشتم، يصرخ، يعاند، يمزِّق، ويصارع... يرى سواداً يحيط به، ويطبق على قلبه. وفي أقلَّ من لحظة يتلاشى، ويدخل إلى الموت والملح في فمه"... لقد شعرت وأنا أقرأ هذا المقطع بفظاعة الغرق، فأي كاميرا خفية تستطيع أن تسجل مشاعر الإنسان الذي يواجه الغرق ويموت في قاع البحر، أدق من كاميرا الدويهي الخيالية؟
ويكمل هذه الجمالية عنصر المفاجأة الذي يشد القارئ ويدفعه إلى قراءة القصة دفعة واحدة من غير تأجيل، وكم من الناس قرأوا من قبل "طائر الهامة" القصة الرائعة للدويهي، ولم يتمكنوا من مغادرتها لحظة واحدة قبل الانتهاء من قراءتها؟
هذه هي فرادة الدويهي، المحلّق في غير سربه، المبدع الذي لا يترك نوعاً من الأدب إلا ويسير إليه واثق الخطوة، ملكاً... وكأن الابداع مرمي على الطريق هو يلتقطه بأطراف أصابه أو بأذيال ثوبه. من هنا فإن الدويهي لا يتفاخر بأنه شاعر، بل يقول إنه أديب، وقد أثبت ذلك في أعماله الفكرية، وفي رواياته وقصصه القصيرة، فالشعر جزء بسيط من تألّقه وتفرّده... ومكانه في الحركة الأدبية... حيث لا يجرؤ الكثيرون.
ولأن الدويهي مفكر، فإنه لا يترك فرصة للإضاءة على القيم والأفكار الإنسانية، ونحن نعرف أن قصته السابقة "طائر الهامة" مفعمة بهذه القيم التي تظهر أمامنا ونحن نقرأ ونستمتع. وفي "الإبحار إلى حافة الزمن" تعود القيم إلى البروز، فالدويهي لا يقطع الصلة

مع الفكر، منذ "طائر الهامة" حتى "الابحار إلى حافة الزمن"، مروراً بـ"معبد الروح" و"تأملات من صفاء الروح" و"حاولت أن أتبع النهر... النهر لا يذهب إلى مكان"، و"رجل يرتدي عشب الأرض"... وله فلسفته التي تقوم على التوازن الدقيق بين الجسد والروح... ويؤمن بقيم إنسانية كثيرة، وكلما لاحت له فرصة يبثها في مقاطع من قصته: "تركنا الغابة وراءنا، فالغابة لأهل الغابة، ونحن أهل المدينة التي لا تغيب عنها الشمس. قلوبنا أضواء، وأحلامنا كواكب في السماء. وستمضي عصور كثيرة قبل أن نكتشف أنّ الروح التي في داخلنا هي أهمّ ما لدينا، فلا ذهب، ولا أطماع، ولا حروب تغيّر الإنسانيّة التي نملكها، وهي صندوق الذهب الذي فينا. وهذا البحر هو الطموح المتمادي، هو الحياة التي لا تنتهي، وكلّ قطرة هي نبض قلب، وكلّ موجة هي حكاية تشهد وتتحدّث بما رأته من قديم العصور. لقد عبرَ على صفحة الماء بحّارة أشدّاء، وأبطال عتاة، غرقوا جميعاً، وطوى الموت مآثرهم، وبقي الجمال الذي في عيني ماريان. الجمال سيعيد خلقنا مرّة أخرى… وكم أتمنّى لو أنّ ماريان تعرف أنّ الذهب لا يزيد ولا ينقص! وكم أرجو أن أخبرها ذات يوم قصّة حياتي! وكيف أنّني رأيت الغنى والفقر لا يختلفان، فالغنيّ والفقير، والقويّ والضعيف، والمارد والهزيل، يمتلكون معاً هذه الدنيا بما فيها".
وكما في قصة "الذئب والبحيرة"، وقصة "طائر الهامة"، عملَيه الروائيين السابقين، يقدم الدويهي تحليلاً نفسياً وافياً لشخصيات قصته، فلا يمر مرور الكرام على أي منها، بل يمعن في تشريحها ليعرضها لنا بكل مواصفاتها، ففي بداية القصة مثلاً، يظهر المحقق لبضع دقائق فقط، ورغم ذلك فالدويهي يصفه وصفاً دقيقاً، ويقدم صورة حية عن نفسيته... وكل شخصية في القصة تمثل دورها بإتقان يشرف عليه الأديب - المخرج ذاته، فلا تفلت الأدوار من عقالها، بل تبقى تحت مراقبة العين البصيرة، وتمثل كل منها نماذج اجتماعية واقعية، فسامنتا هي المرأة الجميلة اللعوب التي تقتل رجلاً لا تحبه يحاول الاعتداء عليها، وروبرت هو الرجل الكريم الذي يحب المغامرة ويغدق على أسفاره من غير حساب، وستيف هو المحتال الذي يراوغ للحصول على ما يريد، فالخيانة لا تعني له شيئاً، لأن المال يعميه... وماريان هي المرأة الهادئة المحافظة التي تنتصر بالحب مع حبيبها... وتعيش معه.
قصة "الإبحار إلى حافة الزمن" فيها الكثير من النواحي التي يمكن أن أتحدث عنها، لكن المجال لا يتسع... فهي عمل روائيّ رائع ويستحق التقدير، وأرجو أن يأخذ نصيبه من النقد، خصوصاً أنه من أدب الرواية العربية الذي يقل في المهجر الأسترالي، وهي لا تقل أهمية عن أعمال أخرى حُكي عنها الكثير.

الدويهي والفكر

بدأ الدويهي رحلته مع الفكر من قصة "طائر الهامة" نفسها، ويخبر أنه كان أستاذاً متفرغاً في جامعة سيدة اللويزة، وذات يوم جاءه أحد طلابه وقال له: لقد جمعت على هاتفي المحمول مجموعة من الأفكار الخالدة التي وردت في "طائر الهامة"، وخطرت فكرة لجميل وهي أن يكتب عملاً يحتوي على القيم فقط، خارج إطار السرد أو الشعر، وكانت رائعته الأولى "في معبد الروح" التي بدأ بكتابتها في الجامعة، حوالي عام٢٠۱۰، ونشرها في سيدني عام٢٠۱٤، ثمّ نشرها بالانكليزيّة بعد سنة. وعندما أتحدث عن رائعة "في معبد الروح"، أتحدث عن أيقونة في الأدب المهجري، عن أدب رفيع وراق، وأفكار محلقة تدعو إلى المحبة والحكمة والسلام. وجميع من قرأوا الكتاب في أستراليا وخارجها يؤكدون هذه الشهادة، وقد نشر الدويهي كتاباً فيما بعد بعنوان "كتبوا في معبد الروح"، تضمن المقالات التي كُتبت عن الكتاب، ووقائع جلسة حوارية عن "في معبد الروح" أقيمت في مكتبة كامبسي العامة يوم۲٤ تشرين الثاني٢٠۱٧.

مقالة مريم رعيدي الدويهي عن "في معبد الروح": "في معبد الروح" للمفكر المهجريّ د. جميل الدويهي قيمة إنسانية وفكرية ومشروع لحياة

ها هو كتاب رائد في الفكر المهجري الأسترالي "في معبد الروح" للأديب والشاعر اللبناني المهجري الدكتور جميل الدويهي، الذي بعد أن طفحت أكواب شعره المتعدد الأنواع والاتجاهات، أخرج كتاباً شكل مفاجأة للواقع الثقافي، وربما يكون مرحلة أولى من مراحل إصدارات فكرية متالية.

وبعد أن كان الدويهي "خمسة شعراء في شاعر واحد"، وقصّاصاً ومؤرّخاً، وباحثاً أكاديمياً نشرت أعماله في مجلات وكتب ومواقع متخصصة، بالإنكليزية والعربية، ها هو يطل بنفحة جديدة، وكأن دأبه أن يقتحم كل المجاهل من غير رهبة، وهو المثقف الأكاديمي المشهود له، والذي لمع نجمه في لبنان والمهاجر والشرق.

"في معبد الروح" لا يخاف الدويهي من مناقشة الفلاسفة، ومن الغوص في الدين، بفكر ينطلق من المسيحية أصلاً، لكنه لا ينحصر فيها، بل يطمح إلى الإنسانية الواسعة، وهو المُلم بالديانات والفكر الإنساني، واتجاهات العمالقة الكبار في الأدب العالمي.

لقد شملت ثقافة الدويهي آداب الشرق، ومدارس الغرب، واطلع على الحضارات، والتاريخ والأساطير والحكايات، وغرف من المسيحية والإسلام والتوراة والبوذية والهندوسية، ودرس أعمال جبران والريحاني ونعيمه وطاغور وغوته والكلاسيكيين والرومنطيقيين والرمزيين والسورياليين، وكثيرين غيرهم ممّن يضيق المدى بأسمائهم، أما الأدب العربي بقديمه وحديثه ففي ذاكرته الكثير منه. وهذا ما كوّن لديه مساحة فكرية واسعة استغلّها في إطلاق أوّل عمل فكريّ من هذا النوع في المهجر، حتى أن البعض تذكر من خلاله "نبي" جبران، على الرغم من أن للدويهي لغته الخاصة التي توازن بين الرمزية والواقعية، وأدبه أسهل من أدب جبران، أمّا أفكاره فتختلف.

الدويهي والفكر الفلسفي:

الآباء والأبناء:

يعارض الدويهي في الكتاب آراء جبران عدّة مرّات، ففي "الرجل وأبناؤه"، يقول الدويهي: "لا تنشغلوا بالتعاليم الضالّة التي تسعى إلى التخريب، إن الله أوجدكم وأحبكم ويريدكم أن تحبّوا الغرباء عنكم فكيف بأقربائكم يا قليلي الإيمان؟" ولا ريب في أنّ الدويهي ينطلق من فكرة مسيحية في الأصل، لكنّ الهدف ليس نقل الفكرة بل الانطلاق منها إلى مقارعة جبران في قوله: "أبناؤكم ليسوا لكم، ابناؤكم أبناء الحياة". وللتأكيد على صحة ما نذهب إليه، يقول الدويهي: "إن الأرض التي أطلعت الشجرة لا تغادرها ولا تبتعد عنها، بل تظلّ ملتصقة بها". لكنّ الدويهي لا يطلب من الأبناء أن يأخذوا كلّ شيء من أهلهم: "إذا كان الآباء يفرضون عليكم شرائعهم فلا تغضبوا، بل خذوا منها ما يفيدكم، وإذا سألوكم: لماذا لم تأخذوا كل شيء؟ فقولوا لهم: إنّ من يعطي كثيراً لا يسأل عن القليل الذي لم يؤخذ." وبهذا لا يريد الدويهي أن يفترق الأب عن ابنه، كما لا يريد أن يفرض الأهل على أبنائهم كلّ شيء يتمنُّونه.

الشيطان:

وفي موضوع الشيطان يخالف الدويهي جبران أيضاً، والدويهي درس تأثُّر أدباء المهجر، وخصوصاً جبران والريحاني بمسرحية "فاوست" الشهيرة للشاعر الألماني الكبير غوته، ففي قصّة الشيطان (كتاب العواصف) يتعاون الخوري والشيطان على أن يحمل كلّ منهما الآخر على الطريق. وفي معبد الروح نسمع رجلاً يسأل الكاهن: "هل صحيح أيّها الكاهن الجليل أنّ الشيطان اتفق ذات مرّة مع كاهن لكي يحمل أحدهما الآخر إلى مسافة، فتعاونا ولم يتعبا؟" ويجيب الكاهن في معبد الروح: "مساكين هؤلاء الشعراء كم يعملون خيالهم في أقاصيص لا تمتّ إلى الواقع بصلة. لقد أراد جبران أن يصوّر الشرّ الذي في نفس كاهن، فصوّر بدلاً من ذلك الخير في نفس الشيطان، والشيطان لا يحمل أحداً في طريق ولا يساعد رجلاً متعباً". إذن يختلف الدويهي عن جبران، فالأوّل يعتبر أنّ الشيطان شرّير تماماً وليست له صفة من  صفات الخير، بينما جبران يعتبر أنّ

الشيطان يفعل خيراً عندما يحمل الخوري، وإن كانت نواياه شريرة بالمطلق.

ولم يكن جبران وحده من اعتقد أنّ الشيطان فيه خير، فقد كان هناك في الأدب المهجريّ صوت أميركي آخر هو أمين الريحاني الذي أسند إلى الشيطان أعمال الخير والرقيّ. وللدويهي دراسة أكاديميّة غير منشورة عن هذا الموضوع، كم أتمنّى عليه أن يسارع في نشرها (دراسة عن فكرة الشيطان عند غوته وأمين الريحاني نشرت فيما بعد).

وعندما يقول الدويهي: "إنّ بعض الشعراء صوّروا الشيطان كأحد دعاة التطور الإنساني والاختراع وشكروه على جهوده لإصلاح العالم"، فهو يشير إلى المسألة التي ذكرتها سابقاً. فالدويهي يرى عكس هؤلاء أنّ الله وضع في الإنسان العقل والروح معاً، وأوجد له الفكر ليطوّر البشريّة ولا يد للشيطان في ذلك. ولكنّ بعض رجال الدين الذين جعلوا الدين منافياً للعلم واعتبروا أنّ تطوّر الإنسان يخالف الشرائع هم الذين جعلوا بعض المفكرين يعتقدون أنّ الشيطان هو صاحب الأعمال الجليلة والتقدّم.

الخير والشرّ:

ويتابع الدويهي رحلته في فكر جبران، فيقع على نص "الخير والشرّ" في كتاب النبي، وفيه يقول جبران: "أنا لا أحدّثكم عن الشرّ الذي فيكم إنّما عن الخير الذي فيكم، لأنه أليس الشرّ بعينه هو الخير المتألّم آلاماً مبرحة من تعطّشه ومجاعته؟ فإنّي الحقّ أقول لكم: إن الخير إذا جاع سعى إلى الطعام ولو في الكهوف المظلمة وإذا عطش فإنّه يشرب من المياه المنتنة الراكدة."

فالشرّ عند جبران غير موجود، وهو الخير المتألّم، بمعنى أنّ الشرير إنّما يرتكب الشرّ لحاجته إلى الطعام والشراب، فأصل الشرير خيّر. ولكن جبران يناقض نفسه في النصّ ذاته، عندما يقول: "ليت الظباء السريعة تستطيع أن تتعلّم السلاحف البطيئة السرعة والحركة." ونستنتج من هذا الكلام أنّ الله هو الذي خلق الظباء سريعة (إلى عمل الخير)، وخلق السلاحف بطيئة (إلى عمل الخير)، فكيف يكون إذن أنّ الإنسان هو الذي يتحوّل إلى الشرّ لأنّه يجوع ويعطش؟ وهذه الإشكالية يلتفت إليها الدويهي مرتين:

-العظة ۲٦ : "وسمعتم أيضاً من بعض المفكرين أنّ الإنسان قد ولد وفيه الخير ويموت معه ولكنّه إذا شعر بالحاجة فقد يقتل أويسرق ليعيش. وإنّي لأسألكم وأنتم تغفرون لصاحب الحاجة خطيئته: ما الفرق بين هذا الخاطئ الشرّير وبين الذي تعضّه الحاجة

ويعطش ويجوع، فيفضّل الموت على أن يفعل شرّاً؟"

وينطلق الدويهي في رده على جبران من فكرة دينية وإنسانية، إذ لا تجوز المساواة بين القاتل والضحيّة وبين السارق والمسروق، وبين الجاني والمجني عليه. وكم من ضعفاء في هذا العالم ستضيع حقوقهم إذا طلبنا منهم أن يسلّموا تلك الحقوق لمن يفوقونهم قوّة وثراء.

-العظة ۲٦ أيضاً: "وقد سمعتم عن الأنانيّ الذي يأخذ ولا يعطي لأنّ عطاءه يعذّبه. وصدقاً أقول لكم إنّ الأنانيّ يعيش معذّباً على هذه الأرض لأنّه لا يُسعد مَن يحتاجون إليه، ولا يسرُّ بالعطاء الجميل، وإن أعطى من غير أن يدري فعطاؤه لا قيمة له لأنّه غير مقصود ولا تعلم به نفسه".

ويلفت الدويهي في هذا المقطع إلى ما جاء في مقالة "الخير والشرّ" لجبران: "إن الثمرة لا تستطيع أن تقول للجذر: كن مثلي ناضجاً، جميلاً، جوّاداً، لأنّ العطاء من طبيعة الثمرة والأخذ من طبيعة الجذر ولا يحيا إلاّ به".

فالجذر أنانيّ يغوص في التراب باحثاً عن الغذاء والماء، ولكنّه يعطي للثمرة أن تكون من غير أن يدري. والدويهي يعتبر الجذر غير سعيد لأنّه ولو أعطى غيره من غير أن يدري فإنّ عطاءه غير مقصود ولا تعلم به نفسه.

الحلوليّة:

ويعارض الدويهي جبران أيضاً في فكرة الحلوليّة أي أن يكون الإنسان إلهاً، ويتّهم الدويهي من آمنوا بالحلولّية بأنّهم جعلوا من غرور أنفسهم ورغبتهم في التعالي مرآة لخالقهم.

الله الموجود:

ويمضي الدويهي في نقض صريح وجريء لآراء المفكرين، فيلتفت إلى موضوع خطير عند نيتشه: "إلغاء الله"، فيقول: "لقد تاه بعض الفلاسفة الذين اختصروا الطريق، وأرادوا أن يكون الله محواً وزوالاً فما أزالوه من الضمائر والقلوب ولا محوه من الكتب". ويعارض نيتشه قائلاً: "نيتشه لا يعرف الحقيقة. لقد رأى نفسه عملاقاً في مرآة كاذبة، فاعتقد أنّ الإنسان إله. أنا أدرك أن الإنسان ليس إلهاً ولن يكون، ولكن فيه قطرة من عبير الإله، فلماذا يفرّط بهذه القطرة التي تعطيه المجد والفضيلة؟"

الدويهي والدين:

يبحث الدكتور جميل الدويهي عن دين عالميّ، يتجاوز الأديان جميعاً وحرفيّاتها التي

تفصل بين الناس، فكما يظهر في الكتاب أنّ الدين واحد كما أنّ الله واحد: "كونوا

إخوة في معبد الروح، ولا تسألوا أحدكم: من أين أتيت؟ ومن هما أبوك وأمّك؟

فالمؤمن لا يسأل أحداً عن أصله ودينه، فالأصل واحد، والدين واحد كما أنّ الله واحد في جميع الأمكنة."

ويطلب الدويهي من الناس أن يُصلُّوا على الأموات جميعاً من غير تمييز: "إذا مررتم بالقرب من مقبرة، فصلّوا على الأموات وأنتم مغمضو العيون، ولا تقولوا: هؤلاء ليسوا من أمواتنا، فالأموات لا يعرفون أسماءهم وقد تركوا معابدهم على الأرض وذهبوا إلى مكان ليس فيه معابد وأيقونات."

وانطلاقاً من هذه الحقيقة يجعل الدويهي معبده لجميع الشعوب: "فتحت أبواب المعبد لجميع الشعوب، فالله جمعكم لا ليفرّقكم، وفرّقكم لأنّ اختلافكم حكمة. وقد ولدتم على دين ليس لأنكم اخترتم دينكم بل لأنّ آباءكم وأجدادكم كانوا على هذا الدين، وبعد أن ولدتم لم يسألكم أحد عن الدين الذي تفضلونه فيكون لكم، فالأديان ليست منازل من حجر مقفلة الأبواب. وإنكم عندما تعبدون الله تكون عبادتكم ديناً، وليس مهمّاً كيف تصلّون. أمّا الذين قالوا لكم إنّ دين الآخرين ليس صحيحاً، فهم تجّار الهيكل الذين أصابهم الغنى، وما زالوا يجمعون المال ولا يشبعون ولبسوا التكبر درعاً."

وفي هذا المقطع القصير يطرح المفكّر الدويهي مجموعة من الحقائق المتّصلة بالديانات أختصرها في ما يأتي:

-الله جمع الناس لا ليفرّقهم.

-الله فرّق بين الناس شعوباً وقبائل لأنّ الاختلاف حكمة من الله وليس مدعاة للاقتتال.

-الإنسان يولد على دين آبائه وأجداده ولا يختار دينه، ولو وُلد أهله على دين آخر لكان اتّخذه.

-الإنسان لا يُسأل عندما يكبر عن الدين الذي يختاره، لأنّ الاختيار قد تمّ عن طريق التقليد والتبعية.

-الأديان ليست مقفلة، بل هي منفتحة على بعضها، وقد جاء واحدها ليكمل الآخر.

-عبادة الله هي الدين، والاختلاف في الصلاة لا يعني أنّ الله مختلف.

-تفضيل دين على دين آخر غير صحيح.

-الذين يصفون الدين الآخر بأنّه غير صحيح هم تجّار الهياكل.

وعندما يتحدث الدويهي عن آلهة متعدّدة لكل من الفلاّح والبحّار والفنّان والنحّات

والراقص والعامل، فهو لا يقصد أنّ الله غير واحد، ولكنّ  كلاًّ منهم يراه على طريقته ويصلّي له على طريقته، فالفلاّح مثلاً يطلب من الله أن يغني زرعه، والبحّار يطلب أن يهدأ البحر ويكثر الرزق وهكذا.

وممّا لا شكّ فيه أنّ الدويهي ينطلق من عقائد دينيّة معروفة، خصوصاً المسيحيّة، لكي لا يظنّ الناس أنّه يريد إلغاء الديانات، فالعناوين الكثيرة التي يزخر بها الكتاب تدلّ على روح مسيحيّة: قيمة الحبّ، المسامحة، العظة الأخيرة (دعوة إلى السلام)، ففي المسامحة يقول: "لقد غفرت ذنوب الكثيرين من البشر وعليّ أن أغفر المزيد منها في الأيام والأعوام الآتية"... "والله أوجد فينا نزوات لا تقاوَم عند الضعفاء، ولكنّها تقاوم بصعوبة عند الأقوياء فيتقدّسون بالإرادة التي ولدتهم وطهّرتهم بنارها." إذاً يعتبر الدويهي أنّ الخطايا وُجدت في الإنسان ولا سبيل للفرار منها إلاّ بإرادة قويّة، أمّا الضعفاء فيسقطون في النـزوات. ولكن هل يسامح الله الإنسان الخاطئ؟ هذا ما يوضحه الدويهي في قوله: "نحن عندما نقع في الخطيئة نكون قد نسينا أن نضع زيتاً في المصباح"، "الخطيئة ليست ضدّ النور، بل هي أزمة في قلب النور"، "عقاب الخطيئة لا ينبغي أن يكون موتاً أبديّاً، بل مسامحة وشفقة على الروح التي غفت ولم تنتبه إلى أنّ الظلام قد أتى على حين غرّة"، "النور أعطانا الحياة، والظلام لا يمنع عنّا الحياة."  وسيمضي وقت طويل قبل أن يوافق الناس على فلسفة الدويهي، وها هو يريد إقناعهم بصدق نظرته، مستفيداً من قول القديس يوحنّا: "الله محبّة"، فيقول: "لا تقعوا في تجربة، أمّا إذا فشلتم فلا تيئسوا لأنّ الله يحبّ الإنسان".

ولا تكون المسامحة من الله إلى الإنسان فقط، بل من الإنسان إلى الإنسان أيضاً: "عندما تسامحون، فأنتم ترتفعون إلى الله بأجساد من نور، وتدوسون على الكواكب. وعندما تحقدون، فإنّ أرواحكم تكون محبوسة في أوكار الظلام، وقلوبكم أضيق من نعوش. إذا سامحتم، ترفرفون بأجنحة الملائكة، وإذا ثأرتم للدم البالي، فأنتم تصبغون حياتكم بالسواد، ولا تغادرون المآتم." ويبدو هذا المنحى التسامحي تكملة لما جاء في كتاب "طائر الهامة"، وهو قصّة يتحدّى فيها الدويهي الثأر ويعلن سقوطه.

ويمضي الدويهي بعيداً في موضوع المسامحة، ليتّخذ هذه المرة بعداً فلسفيّاً خاصّاً به، ففي "النـزوات"، يعتبر الدويهي أنّ الجسد ليس مسؤولاً وحده عن الخطيئة، بل تشاركه الروح: "يقولون لكم إن استجابتكم للنـزوات إنما هي من فعل الجسد، فصدقاً أقول: إنّ الجسد والروح توأمان لا ينفصلان، تماماً كما لا ينفصل نُور الشمس عن حرارتها... فلا تتّهموا الجسد بما تذهب إليه أرواحكم صاغرة، ولا تبرئوا الروح من ميول الجسد." ومن يقرأ الكتاب يلاحظ التوازن العميق الذي ينشئه الدويهي بين الروح والجسد، حتّى يصل به الأمر إلى انتقاد التخويف الذي يمارسه الفكر الدينيّ على الناس، ويميّز بين نوعين من الناس: من تنتصر عليهم شهواتهم، ومن ينتصرون على  شهواتهم، وفي نظره أنّ الذي يعبد شهواته يصير خشبة في محيط هادر ويفقد طبيعته الإلهيّة، أمّا من يتبعون شهواتهم، فلن يكونوا مجرمين يستحقّون العقاب، والدويهي لا يقصد هنا النـزوات التي تدعو إلى الجريمة، بل النـزوات البسيطة التي لا تؤذي الغير ولا تدمِّر المجتمعات. ولكي أثبت أنّ الدويهي يريد للمجرم أن يعاقَب، أتلو عليكم ما كتبه في "طبيعة الخير"، إذ يقول: "إنّي لأسألكم وأنتم تغفرون لصاحب الحاجة خطيئته: ما الفرق بين هذا الخاطئ الشرّير وبين الذي تعضّه الحاجة ويعطش ويجوع، فيفضّل الموت على أن يفعل شرّاً؟" إذن الدويهي يفصل بشدّة بين النـزوات والخطايا.

ومن منطلق ديني أيضاً يعتبر الدويهي أنّ الموت ليس نهاية، بل هو عودة: "انتظري زوجك عائداً من الحقول مع رفيف الأغصان، وسقسقة الجداول، وغناء الرعاة، وأعدِّي له مائدة العشاء لكي يأكل مع أولاده، ويشرب من كأسه التي احتفظت بها. وانظري إليه وهو ينفض الموت عن ثيابه كما تنفض الرياح الغبار عن الطريق. وتحدّثي إليه ليخبرك عن أسرار المجهول، وما وراء العتمة، وعن النور الذي يراه المغمورون بمحبّة الله."

الموتى إذن يعرفون الحقيقة وما وراء الموت، والحقيقة بالنسبة إلى الأحياء غير موجودة. وهذا ما يثبته الدويهي في عظة بعنوان "الحقيقة": "كم من الناس أرادوا أن تظهر لهم الصورة كاملة فعجزوا ويئسوا وأصابهم الجنون، ولو كانوا عقلاء لكانوا وفّروا على أنفسهم جهداً وتعباً مضنيين، واقتنعوا بأنّ ما هو موجود هو جزء ضئيل من الموجود، وأنّ أفكارهم عاجزة عن إدراك المعالم الخفيّة التي حجبها الله."

في هذا المقطع القصير يمكن لنا أن تحدّد مجموعة من الأسس التي تقوم عليها فلسفة الدويهي في رؤيته للحقيقة:

-البحث عن الحقيقة الكاملة يعرّض الناس للعجز واليأس والجنون.

-العاقل هو مَن لا يبحث عن الحقائق التي أخفاها الله لأنّها محجوبة ولا سبيل للوصول إليها.

-الفكر البشريّ ضئيل ولا يستطيع رؤية المعالم الخفيّة المحجوبة.

هذه الأسس الثلاثة لا تنفصل عن الفكر الديني، لأنّ الكثير من الحقائق محجوبة، ألم يخفِِ الله نفسه عن موسى عندما خاطبه؟ أولم يطمح آدم وحواء إلى شجرة المعرفة ليصيرا هما الله؟ ومَن يعرف ماذا وراء الحُجب غير الله تعالى؟

غير أنّ الدويهي الذي يتقمّص صورة كاهن في معبد الروح لا يصمت عمّا يفرزه الدين من مظاهر التكبّر، والقيادة، والعنجهيّة وتصدّر المآدب، والتمييز بين الناس، وصولاً إلى الدعوة للقتل، وتخريب الحضارة والعودة إلى أزمنة الكهوف. فهو ينتقد رجال الدين الذين"يغضّون الطرف عن أناس ضعفاء ليظهروا اهتمامهم بالأغنياء الذين يغمرونهم بالهدايا، ويروّضون عقولهم ليصيروا معهم في دائرة واحدة يمتنع على البائسين دخولها. وما هؤلاء إلا البائسون الحقيقيون الذين يجهلون أنّ الإنسان قيمة وليس سلعة تباع وتشترى، فما أقبحني عندما أكون في ضيافة أناس أثرياء في ليلة العيد، وأخجل من زيارة امرأة فقيرة ليس عندها سوى كرسيّ حقير تجلسني عليه."

وفي مكان آخر يقول: "إنّ رجل الدين الذي يهمل فقيراً لفقره، أو أرملة لحاجتها، أو يغضّ طرفه عن آلام المتألّمين ليمضي إلى حفلة عرس إنّما هو رجل يقتل الحبّ فيه، ويخلق البغضاء في نفوس البائسين."

إنّ الدويهي يتناول المظاهر النافرة من الديانات، فما من دين في العالم إلاّ ويحضّ على التواضع والخدمة والمساواة والرحمة والعدل...

وعن علاقة الدِّين مع المال، يكتب الدويهي قصّة قصيرة مبتكَرة من وحي خياله بعنوان "المال"، يتحدّث فيها عن مجاعة حدثت، فجاءه إلى المعبد جمع من الناس يطلبون منه أن يساعدهم، فخاطبهم قائلاً: "إنّ الله لن يحزن إذا أعاد إليكم أموالكم، ولن يبقى عارياً إذا أعطاكم لباساً لتستروا عريكم، ولن يجوع إذا فتح لكم أبوابه لتأكلوا وتشربوا من خيراته." وطلب الكاهن من الناس الفقراء أن يتوجّهوا إلى الصندوق الذي في زاوية المعبد ليفتحوه ويأخذوا ما فيه من مال، فيؤمِّنوا الطعام لهم ولأطفالهم.

ويظهر دفاع الدويهي عن المسيحية في عظة لا تخطر على بال أحد، وقد لا يتوقّف عندها أحد، لما فيها من الغرابة، وتحدّي المفهوم من العلم، خصوصاً عند فيثاغورس والمعلّمين الأوائل الذين أخذوا بالمحسوسات، وأعني بتلك العظة "الأعداد"، إذ يبيّن الدويهي أنّ الأعداد اصطلاحات وضعها العقل المجرّد وانطبعت في أذهان الناس: "وقد تظنّون أنّ الفصول أربعة، وهي فصل واحد يرتدي ثياباً مختلفة." وبعد أن يقدِّم المفكر مجموعة من الأمثلة يصل إلى طبيعة الله، فيقول: "هكذا هو الله، لا يحدُّه عقل ولا تحدّده أرقام، فلا تنظروا إليه بأفكاركم فقط بل بأرواحكم أيضاً لتكتشفوا أنّه واحد. وإذا سمعتم من يقولون إنه غير واحد، فاسألوهم عن ذلك وانتظروا منهم أن يجيبوا، فلعلّه واحد وغير واحد في وقت واحد."

إن الدويهي يشفق على أفكار الناس المجرّدة عن الروح، ولذلك يقول لهم: "تعلّمتم أنّ المادّة التي يتكوّن منها الكون أربعة: ماء ونار وتراب وهواء، فما أدراكم ماذا يوجد في المكان الذي لا تصل إليه عقولكم وأفئدتكم؟ وهل تعلمون أنّ الفراغ هو مادّة؟"

فالناس كما يبدو للمفكر الدويهي يعتمدون على الأفكار فقط فيخطئون، وهكذا نظرته إلى الثالوث في المسيحيّة، المساوي لله في الجوهر، فالله واحد، وإذا قال أناس إنه غير واحد، أي ثلاثة، فليس ذلك خطأ إذا كان الثلاثة هم واحد في الحقيقة. وهو يشير بذلك إلى اعتقاد المسيحيين أنّ الله هو آب وابن وروح قدس، وفي الوقت نفسه يؤمنون بإله واحد.

ومثل هذه العظات تعبّر عن فكر الدويهي المستقلّ الذي كوّنه بنفسه، فمن الغبن أن يجتهد الغيارى في تشبيهه بأحد، فها هو يناقض جان جاك روسو في ميله إلى الغابة، عندما يلقي عظة بعنوان "ساكن الغابة" حيث يلتقي برجل يعيش في البراري، وتدور بينهما محادثة طويلة يظهر فيها أنّ الدويهي مؤمن بالعلم والتقدّم وتطوير البشرية، بينما ساكن الغابة مقتنع بالجمود. ويعتبر الدويهي أنّ الرجل أفضل من روسو بكثير، "ولو كان روسو مقتنعاً بأن الغابة هي مكان صالح للسكن، لكان توجه إليها ولم يعش في مدينة." وفي آخر المحاورة يترك المفكّر إنسان الغابة ويسير إلى المدينة "حيث الصخب وضجيج الآلات التي تعلك الزمان، وكنت أمجد العقل والروح، وأغنّي للعلم الذي أخرج الإنسان من ظلام الأودية إلى شمس المعرفة."

ويستغل الدويهي حديثه مع ساكن الغابة ليؤكّد على أن الشرّ غير محصور في زمان، فالذهاب إلى الغابة لا يوفر البراءة والسلام، والعيش في المدينة ليس مدعاة للشرور: "قد يكون المرء طاهراً في مدينة، وشرّيراً في صحراء. وقديماً كان الناس يقتتلون بالحجارة والنبال، واليوم يقتتلون بالبنادق والمدافع. لقد تغيّرت الوسائل أما الطبائع فهي ذاتها. وكم من الحروب دارت رحاها في الأزمنة القديمة عندما كان الناس يعيشون في البراري والكهوف وينامون تحت أغصان الشجر."

هذه النظرة الفلسفيّة إلى واقع الخير والشرّ، لا تتشابه في أيّ شكل من الأشكال مع رؤية أي مفكّر آخر، بل إنها تدلّ على النضوج الفكري عند الدويهي الذي يناقض الفلاسفة والمفكّرين بجرأة وصدق. بل إنّ مقاطع كتابه لا تشبه عمل أيّ مفكر أو فيلسوف آخر، فمن السذاجة أن يُشَبَّه بأحد جاء قبله. أمّا أن يكون واعظاً، فليس على

طريقة جبران، بل على طريقة رجال الدين الذين بلغوا من الحكمة ما بلغوا، فقد جاء كثيرون قبل جبران واستخدموا الأسلوب نفسه، مثل لاوتسو وكونفوشيوس وطاغور ومار بولس الرسول...

وغير بعيد عن الغابة وساكنها، ينتقد الدويهي مَن يطلبون من الناس أن يرتدوا الخشن من الثياب، ويعيشوا في الصحاري، فيقول: "إنّك ترى في هذا العصر أناساً يبشّرونك بالسعادة، ويقنعونك بأن تسكن في الكهوف العميقة، وترتدي الخشن من اللباس، وقد يطلبون منك أن تقتل من أجل الغبطة، فاحذر من هؤلاء." وعندما يأتي إليه قوم يريدون قتل رجل لأنّه من غير دينهم، يقف الدويهي بينهم وبينه، قائلاً: "لو جاءني أحد إلى هذا المعبد وأنكر وجود الله أمامي، لما غضبت منه، ولما أسأت إليه، بل لأخذته باللين، وحاولت أن أقنعه بخطإ رأيه، فإذا اقتنع يكون اقتناعه ولادة ثانية له، وإذا لم يقتنع لا ينبغي أن يكون عناده موتاً. أمّا الحكم على الإنسان فلا يصدر عن أناس يصيبون ويخطئون، بل يصدر عن الإله العادل الذي يصيب ولا يخطئ."

إن الدويهي يستفيد من خبرته في كتابة القصة، ليمزج بين الرواية والحوار والقيمة الإنسانية للعمل الفكري، وخصوصاً في مجال الدِّين، حيث لا معنى للحكم المبرم من قبل أناس على أناس، و"قد أرسل الله إلينا أنبياء كثيرين لحكمة منه، وكان يمكنه أن يرسل إلينا نبيّاً واحداً ويقول: اتبعوه، فنكون على دِين واحد ولا نختلف."

ويتحدّث الدويهي عن القاتلين بالسيف، وما هم سوى العصابات المتطرفة التي تهدر دم الإنسان وتعيث في الأرض فساداً: "هؤلاء هم أعداء البشرية، وأعداء الفكر والتقدم."  ومصيرهم البكاء والظلمة، "فحياتهم مملوءة بالبؤس وموتهم هزيمة، ومقرهم حفرة أبدية ليس فيها إلا الصمت والوحدة."

وهكذا يبدو أنّ المفكّر اللبناني المهجري الدكتور جميل الدويهي، يقدّم في معبد روحه دستوراً إنسانيّاً فريداً من نوعه، يصلح لأن يكون مشروعاً لحياة، في عصر سادت فيه الفوضى، وتحطّمت المفاهيم. ولعلّ كلمة "سلام" التي مرّت كثيراً في النصوص، تصلح لأن تكون عنواناً أشمل للكتاب، الذي أشدّد مرّة أخرى على أنه مشروع مبتكر، وفيه مواضيع وأقاصيص وحوارات لم تخطر على بال أيّ مفكّر أو أديب من قبل، وهي تأتي من فكر الدويهي وثقافته ومن ضمن مشروع لنشر العدل والحقّ والخير في أرجاء البشرية، ومن صميم خطّة وضعها الدويهي لإبراز الأدب المهجري الراقي، بعيداً عن الاستعراضات الفولكلوريّة، وإنّ أي محاولة لتشبيه "في معبد الروح" بكتب أخرى، ما هي إلا سعي يائس وغير صحيح لتجريد المبدع من إبداعه، فيما الحقيقة ساطعة في كبد

السماء مثل نور الشمس.

مقالة كلود ناصيف حرب في كتاب "في معبد الروح"- الحكمة الإلهية كالزهرة التي تنشقها الروح
سبع وثلاثون عظة بشوق تابعتها. قصص قصيرة تتناول قضايا الحياة الإنسانية، في لغة تمزج بين الواقعية النثرية والرمزية الشعرية... كنت خلالها حقاً "في معبد الروح".

يا لها من مواضيع إنسانية مهمة! "كونوا إخوة في معبد الروح"، عالجها الكاهن بحكمة وإدراك. إنه الأديب والشاعر اللبناني القدير الدكتور جميل الدويهي.

من جديد نسافر معك إلى رحلة الكلمة اللبقة والعبرة المهمة والرسالة الأخوية وهذه المرة "في معبد الروح". ومعك أيها الكاهن، الحكمة الإلهية كانت كالزهرة التي تنشقها الروح وتحيا بعبيرها، كالرحيق الذي تستقي منه الروح وتدوم فيه، كالشمس التي تستشف الروح ضياءها وتحيا بدفئه... وكسحابة الصفاء التي تمطر رذاذ الحنان والعطاء... وكقوس قزح الأمل بعد أمطار المعرفة... وكأنشودة السناء التي تتصاعد أنغامها محبة وفهماً...

وفي كل قضية كانت الحكمة المستوحاة من عمق النفس هي وعي الله في الانسان... تلك الساكنة أبداً في جوهر الانسان كأنها الزاد يحملها معه أينما كان...

الحكمة في معبد الروح كانت معلم الروح الأكبر. فيها تكمن أسرار المعرفة الآلهية، وبها تكتمل تعاليم الروح. إنها نور الروح بعد بلوغ المعرفة الإنسانية. كانت هالة نور مقدسة تكلل هامة الانسان. لها يصغي العقل، ومنها يرتوي القلب...

وأنا أقدم هذا الكتاب الجديد هدية لكل من يرنم للسلام ، لأني خلال متابعتي حروفك الصادقة ذات الحكمة والوعي والمعرفة عشت سلاماً دافئاً... سلاماً كان الصفاء الداخلي والراحة النفسية... سكوناً وهناء.

سلام الروح وسلام العقل وسلام القلب، سلام العقل من الجهل، وسلام القلب من البغض، حيث حروفك دفعتني للتخلى عن القلق والبغض... الحقد والغيرة.

في معبد الذات يبتهل الإنسان إلى خالقه وفي محراب الروح يتأمل في إنسانه... هكذا سافرنا معك أيها الكاهن القدير دكتور جميل الدويهي في كتابك الراقي "في معبد الروح"...

فلتكن الروح جديرة باحتواء قدسية هذهِ التأملات...

وألف مبروك مع محبتي.

رائعة "تأمّلات من صفاء الروح" (صدر بالعربيّة والانكليزيّة): أيقونة أخرى من روائع الفكر الدويهي، العبقري اللبق الذي لا يهاب نوعاً ولا رافداً أدبياً، ولا يوقفه أحد عند حدود. طامح أبداً، ومتألق في معبد روحه، وفي تأملات طاهرة ونقيه.

ولا ريب في أن "التأمّلات" هو التوأم لمعبد الروح"، وكما أخوه الأكبر، فإنه حاز على إعجاب الناس وأثنوا عليه وعلى لغته الدافئة وطريقته المبتكرة في مقاربة المواضيع الإنسانية، فنصوصه أعمق من النثر وأصفى من الشعر، هي حلة سماوية بأجنحة ملائكية إلى عالم السمو والمحبة وكرامة الإنسان.

وقد أقام الدويهي جلسة حوارية حول الكتاب في سيدني، يوم ۱۸ آذار٢٠۱٧ شارك فيها عدد من المبدعين والشعراء.

كلمتي في الجلسة:

تراودني تلك النغمات تلك الهمسات... تلك الحروف... تلك التأمّلات... تلك الكتابات، لأسافر معك في عالم كله أمان وسلام، عالم نفتقده في الواقع... أسافر من عالم يسوده الحسد والبغض والنميمة وقلة الأدب... عالم كله بشاعة وازدواجية، وأعود إليك... إلى عالمك إن كان عبر الإنترنت، أو عبر موقع "أفكار اغترابية" أو عبر الجريدة، أو في كتبك، لأجد موطناً جميلاً يدعوني للاطمئنان، والاستمرار في مسيرة هذه الحياة المليئة بالمطبات والأهوال.
دكتور جميل ميلاد الدويهي خُلق من أجل الرسالة الراقية... هنيئاً لنا بك، وألف مبروك في مسيرتك، وكل لقاء ونحن في معبد الروح نرتوي من كتاباتك الخالدة.  شكراً على كل شيء  ونعمة الرب معك دائماً.
هذه هي حروفي لأمسيتك الدافئة، ويسعدني الحضور والمشاركة. شكراً لك، مع محبتي الصادقة.
الكتاب الفكري الثالث: "رجل يرتدي عشب الأرض":

هو الشقيق الثالث للمعبد والتأملات، لكنه يختلف عنهما لأن الدويهي يعتمد مقاربة أخرى، فلم يعد هو الكاهن في المعبد الذي يلقي عظاته البليغة والشفافة التي تسحر، بل اعتمد على الأقصوصة القصيرة جداً، والكثيفة في معانيها وأبعادها. إنه كتاب من نوع آخر، صمتَ كثيرون عندما رأوه وتحدث كثيرون عن روعته وتفرده.

وأقام الدويهي جلسة حوارية حول الكتاب في صالة جمعية كفرحلدا الخيرية مساء ۲۹ حزيران ٢٠۱۸ ونشر وقائعها في كتاب بعنوان "كتبوا في رجل يرتدي عشب الأرض".

كلمتي في الجلسة الحوارية حول نصّ "المرأة المجهولة"

النصّ:

كنتُ أجلس عند باب بيتي، وعلى مقربة منّي ثلاثة أكياس منتفخة من القماش، بدا عليها الإرهاق وكادت أن تتمزّق لكثرة ما حملتُها على ظهري ومشيتُ بها في المدن.
شعرتُ بالجوع ولم يكن معي ما أقتات به، فأخذتُ أحد الأكياس إلى السوق، وقلت: مَن يشتري منّي سعادتي؟
استغرب الناس من منطقي وبيْعي الغريب، فاقترب أحدهم منّي، وكان غنيّاً كما يبدو من هيئته ولباسه، وسألني:
هل حقّاً أنت تبيع سعادتك؟
قلت: نعم، أيّها الرجل الذي لم أعرفه من قبل. هذه سعادتي في الكيس، فهل تشتريها؟
أخرج الرجل الغنيّ من جيبه بعضاً من ذهبه وفضّته، ووضعه في يدي، فأعطيته الكيس، وعدت إلى بيتي.
ومضت أيّام كثيرة، وكان الرجل نفسه يسأل عنّي كلّ يوم، ليعرف إذا كانت لديّ سعادة أخرى أبيعها له، حتّى ضجرتُ منه.
وبعد أيّام، عاد إليّ الجوع، فحملت الكيس الثاني إلى السوق وصرخت في الناس: مَن يشتري منّي لامبالاتي؟
تجمهر الناس مندهشين ممّا أعرضه عليهم، وقال واحد منهم:
هل أنت حقّاً تبيع اللامبالاة؟
قلت، نعم... وهي من أغلى ما عندي، فهل تشتريها؟
فقال: لم أعرف اللامبالاة في حياتي، فلا بأس أن أجرّبها.
دفع الرجل ثمن لامبالاتي ومضى في سبيله. لكنّه أصبح يسأل عنّي دائماً ليعرف إذا كان عندي لامبالاة أخرى فأبيعها له، حتى انزعجتُ من سؤاله.
وما هي إلاّ مدّة حتّى داهمني جوع شديد، فحملتُ الكيس الثالث إلى السوق وطفقت أنادي: مَن منكم أيّها الناس يشتري أحزاني؟
فاحتشد أهل السوق جميعاً حولي، وهم يقلّبون شفاههم، فلم يسبق أن باع أحد من التجّار أحزانه. ولم يجرؤ أحد منهم على سؤالي عن تجارتي، بل تشاءموا منّي، وتراجعوا

مستنكرين وغاضبين.
وبقيت وحيداً في السوق حتّى كادت الشمس تغيب، فمرّت من أمامي امرأة جميلة، سوداء العينين، رقيقة الشفتين، ذات شعر أسود ينسدل إلى ظهرها. وعندما رأتني وحيداً ومعي الكيس، اقتربت منّي وقالت بصوت أرقّ من هديل الحمام: ماذا تبيع أيّها الرجل الذي يرتدي عشب الأرض؟
أجبتها وأنا أراقب كلّ حركة من حركات وجهها: أبيع أحزاني.
قالت المرأة: لن يشتري أحد أيّ حزنٍ من أحزانك... إلاّ إذا كان يحبّك.

قلت لها: لا أريد من أحد أن يحبّني، فأنا أحبّ وحدتي وهي تحبّني، وأكتفي بها.
قالت: يبدو عليك أنّك إنسان فقير وطيّب، وأنا ابنة وزير غنّي. سأشتري منك أحزانك... هل أنت راضٍ؟

كاد قلبي يطير فرحاً عندما أخذتْ المرأة نقوداً ووضعتْها في يدي، ودفعتُ إليها بالكيس على عجل، فودّعتني وغابت في العشيّة.
مرّت أيّام طويلة، وأنا ما أزال أنتظر في المكان نفسه، لعلّ تلك المرأة تعود، وتسألني إن كانت عندي أحزان أخرى أحبّ أن أبيعها. لكنّني لم أعد أرى لها وجهاً، ولا أعرف إلى أين أخذتها العتمة.
تعليق كلود ناصيف حرب:

ماذا يريد جميل الدويهي أن يقول في نصّ "المرة المجهولة"؟ إنّه ينطلق من حالة جوع، في المرات الثلاث التي حمل فيها أكياسَه وذهب إلى السوق ليبيعها واحداً بعد الآخر. الجوع إلى ماذا؟ هل هو إلى الخبز، وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان؟ أم إلى عصر جديد يبحث عنه الدويهي في جميع أعماله الأدبية والفكرية؟ الكيس الأول فيه سعادته، فقد أسرع إلى السوق ليبيع هذه السعادة، لأنه يعرف أن بيع السعادة أمر سهل ولا يحتاج إلى كثير من المساومة. وبعد أن باع سعادته للرجل الغني، عاد الأخير إلى السوق ليسأل إذا كان لديه مزيد من السعادة ليشتريه منه. إنها سعادة الأقوياء على حساب البسطاء، وسعادة الأغنياء على حساب الفقراء. وفي المرة الثانية يحمل الدويهي كيس لا مبالاته ويذهب إلى السوق ليبيعها، وهو يعرف أن اللامبالاة سلعة جيدة ولن يكون صعباً أن يشتريها أحد، فكم من الناس بحبون اللامبالاة لكي يرتاحوا من هموم الأرض والزمان. ومرة ثانية يعود الرجل الذي اشترى اللامبالاة لكي يسأل عن الدويهي، رغبة في المزيد من اللامبالاة. هنا تكون اللامبالاة مصدر لذة للرجل الآخر الذي وجد فيها راحة وطمأنينة. وفي المرة الثالثة يحمل الدويهي كيسه الأخير الذي يحتوي على أحزانه،

ويذهب إلى السوق ليبيعه. لماذا الأحزان في المرة الثالثة وليس في المرة الاولى؟ لأنّ من الصعب أن يجد أحداً يشتريها؟ ومن منا في هذه الصالة يريد أن يشتري أحزان الدويهي التي هي أكبر من الجبال ويغطيها بابتسامة، ويقول: "أصبحت من حزني رغيفاً يابساً... لا يشتهي العصفورُ طعم فُتاتِه"... وبالفعل لم يشترِ أحد من أحزان الدويهي، وتفرق الناس متشائمين منه، حتى جاءت تلك المرأة، ابنة الوزير، فأشفقت عليه... هنا الخلاص بامرأة اختارها من بين كل الناس لتحمل عنه كيسه وعذابه، وتشتري منه،. لكنها تختلف عن الآخرين، فهي لم تعد تأتي إلى السوق، وانتظرها طويلاً، وعرف في النهاية أن كل القصص محكومة بالنسيان، ونقطة أخيرة على السطر. مرة واحدة التقى بتلك المرأة، فأحبها لكي تعود، وأحبته لكي تمضي عنه وتأخذ منه ذكرى، كلّ أحزانِه... قصة رائعة على صغرها، ولست أعرف كيف يصنع الدويهي هذا السحر، وكيف يتخيل، وفي أي مجاهل بعيدة يعيش، ويأخذنا إليها حتى ولو كنا لا نريد أن نسافر معه في خياله الغريب.

قلائد من فكر جميل الدويهي لمريم الدويهي: نشرت عقيلة الدويهي الأستاذة مريم رعيدي الدويهي كتاباً بعنوان "قلائد من فكر جميل الدويهي"، ضمنته قيماً فكرية وفلسفية إنسانية نشرها الدويهي في قصّة "طائر الهامة"، و"في معبد الروح"، و"تأمّلات من صفاء الروح". وصدر الكتاب عن مشروع أفكار اغترابية في عام ٢٠۱٧، ولم يكن الكتاب الفكريّ "رجل يرتدي عشب الأرض" قد صدر للدويهي بعد.

وعلمت مؤخّراً من السيّدة الدويهي أنّها تعدّ كتاباً بعنوان "إضاءات على فكر جميل الدويهي"، يحتوي جميع ما كتبته عن أعماله الفكريّة الرائعة.

جميل الدويهي والتأريخ: نشر الأديب جميل الدويهي كتاباً بالانكليزية عن البطريرك العلامة المكرم اسطفانوس الدويهي، بعنوان: "البطريرك اسطفانوس الدويهي من قمم إهدن إلى قمم القداسة" (٢٠٠٧)، وأعدّت الكتاب معه كريمته ربى الدويهي. نُشر الكتاب برعاية جمعية بطل لبنان يوسف بك كرم الزغرتاوية في أستراليا، وجرت له أمسيات في أستراليا وفي جامعة سيدة اللويزة - لبنان، وحضر من ملبورن خصيصاً لحضور الأمسية في جامعة سيّدة اللويزة صديق الأديب الدويهي الأستاذ أنطوان الحربية.

وكتب الدويهي بالانكليزيّة أيضاً كتاباً عن أشهر المعارك الإهدنيّة في التاريخ عنونه: نظرة في تاريخ إهدن- أعظم المعارك الإهدنيّة في التاريخ (٢٠۱٥)

الفصل الثالث: مشروع "أفكار اغترابية" ومهرجانات الدويهي

أطلق الأديب د. جميل الدويهي مشروعه "أفكار اغترابية" للأدب المهجري الراقي في عام ٢٠۱٤، وذلك بالإعلان عن موقع يحمل الاسم ذاته، وإعداد خطة عمل لنشر مجموعة من الكتب المتنوعة، واحتضان الأعمال الأدبية الراقية في أستراليا والعالم. وعلى الرغم من أن العديد من الشعراء والأدباء في أستراليا لم ينشروا أعمالهم في الموقع، فإن العديد الآخر التزم بقيم الدويهي وأدبياته، وطريقته، وأفكاره، وسمو إبداعه، وكنت أنا من بين هؤلاء، حيث اكتشف الدويهي أعمالي عن طريق الصدفة ودعاني إلى مأدبة الأدب، فلبّيت، وطورت لغتي وأسلوبي يوماً بعد يوم. وقد نشر الدويهي من خلال مشروعه كما ذكرت سابقاً أكثر من٢٠كتاباً له، وثلاثة كتب لي، وكتاباً للفنان أليكس حدشيتي، وكتاباً للزميلة كلادس القزي. وقد يكون الدويهي أثناء كتابة هذه السطور في طريقه إلى المطبعة ليدفع بواحدة من مفاجآته الحلوة إلى النور. وهكذا هو، ماكينة بشرية تعمل على مدار الساعة، وتفكر ليلاً ونهاراً بدون كلل ولا تأفف. وهو يعتقد أن على الأديب أن يظهر أعماله، لأن ادعاء الأدب شيء والنتيجة على الأرض شيء آخر، كما يعتقد أن المؤسسات الأدبية ينبغي أن تدار من قبل أدباء أو مفكرين يعرفون على الأقل ماذا يفعلون، وإلا تحولت المؤسسات إلى منصات للترويج الذاتي وارتكاب الأخطاء والمفارقات الغريبة عن عالم الأدب... فمن لا يعرف الأدب لا يستطيع التفريق بين عمل وعمل، والموازنة بين نص وآخر، وهو يستطيع ادعاء كل شيء إلا المعرفة. ولهذا يقول الدويهي، سادت الفوضى، وأصبح للنص الهزيل مطبلون ومزمرون، وأصبح الأديب المبدع منبوذاً ولا يجد معه إلا نفسه وقلة من الأوفياء، وقوّته وإرادته ليمضي في طريقه.

وقد نظم الدويهي عدة مهرجانات حاشدة لأدبه الراقي والمتنوع. وسألقي نظرة

على تلك المهرجانات التي قلما نرى مثيلاً لها في عالمنا العربي، سواء من حيث التنظيم أو النوعية أو الحشود الكبيرة التي تحضرها. ويقدم الدويهي جميع أعماله مجاناً للحضور. 

وعدد مهرجانات الدويهي في سيدني ثلاثة مهرجانات (٢٠۱٥ ، ٢٠۱٦ ، ٢٠۱۸) تضاف إليها أمسيتان في ملبورن، ومهرجان "ملبورن تكرم الأديب د. جميل الدويهي" في ملبورن أيضاً.

مهرجان الأدب المهجريّ الراقي۱ (نشرت التغطية على موقع أفكار اغترابية في ۳۰  تشرين الأول ٢٠۱٥)

غصّت صالة كاتدرائية سيدة لبنان بمحبي الشعر والأدب الذين تقاطروا من كل حدب وصوب للمشاركة في مهرجان الأدب المهجري الراقي الذي نظمه الشاعر والأديب اللبناني المهجري الدكتور جميل الدويهي بمناسبة إطلاق مجموعته الشعرية "لا تفكري صار الهوى ذكرى" بالإضافة إلى مجموعات من أعماله التي صدرت مؤخراً.
تميز المهرجان بالحضور الكثيف، والتنظيم، والرقيّ في كل تفاصيله، وحضره عدد كبير من الوجود الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية والإعلامية. وقدمت فعاليات الحفل بلباقة رائعة الإعلامية الأستاذة كلود ناصيف حرب. وألقى كلمات كل من الأستاذ جوزيف خوري رئيس تحرير جريدة "المستقبل" راعي الحفل، المهندس جوزيف مكاري رئيس جمعية بطل لبنان يوسف بك كرم الزغرتاوية، الأستاذ أنطوان الحربية الذي قدِم من ملبورن خصيصاً لحضور الحفل، الشاعر الأستاذ حاتم جوعية الذي بعث برسالة من الجليل الأعلى قرأتها زوجة الشاعر الدويهي الأستاذة مريم الدويهي، والأستاذ الأديب محمد حسين العمري الذي ألقى كلمة ارتجالية ضمنها قصيدة هي واحدة من مجموعة قصائد حفظها من أعمال الدويهي.
فنياً، قاد الموسيقي اللامع الأستاذ ألِيكس حدشيتي سيمفونية الحدث، مرافقاً مطربة مهرجانات إهدن السيدة أنطوانيت الدويهي، المطرب طوني يونس، والمطرب جان خليل الذين أنشدوا قصائد من أعمال الدويهي، ثم ألقى الشاعر الدويهي قصائد من خمسة أنواع مختلفة هي: الزجل، الشعر العمودي الفصيح، شعر التفعيلة الفصيح، الشعر المدوّر العامي، وشعر التفعيلة العامي. واختتم الحفل بضيافة وتوقيع مجموعة من كتب الدويهي هي: "لا تفكري صار الهوى ذكرى" شعر لبناني، "طائر الهامة" رواية، "في معبد الروح" كتاب فلسفي فكري، و"نظرة في تاريخ إهدن- أشهر المعارك الإهدنية في التاريخ" باللغة الإنكليزية.
مهرجان الأدب المهجري الراقي ۲
تزامناً مع عيد استقلال لبنان الثالث والسبعين، ووسط حضور كبير للنخبة الأدبية المهجرية في أستراليا، أحيا الأديب والشاعر المهجري د.جميل ميلاد الدويهي مساء الجمعة في۲٥ تشرين الأول٢٠۱٦ أمسيته الشعرية السنوية في صالة سيدة لبنان - هاريس بارك. وقد حضر الأمسية سيادة المطران أنطوان شربل طربيه وعدد من رجال الدين والراهبات، ولفيف من أدباء وشعراء الفصحى والعامية والزجل، وأحزاب وجمعيات وإعلام، وأصدقاء الأديب والشاعر جميل د.ميلاد الدويهي الذي غاص داخل أعماقهم بروائع إنتاجه من "أعمدة الشعر السبعة"، إضافة إلى الشعر المدور الذي طوره في غربته بأستراليا.
قدمت المهرجان الإعلامية الأستاذة كلود ناصيف حرب بلباقتها المعهودة.
وقدمت أولاً كلمة الدكتور كلوفيس كرم - جامعة سكرمنتو (كاليفورنيا) ألقتها مديرة العلاقات العامة في لجنة "ميراث في البال" الأستاذة فيرا أشقر الدويهي، وقال د. كرم في كلمته إن نتاج الدويهي هو نتاج إهدن جنة الله على الأرض، فالأحاسيس والهمسات الشعرية التي تراودك عندما تقرأ للدكتور جميل هي ذاتها تلك الهمسات التي تراودك في جنة سفر التكوين. الله الشاعر الخلاق يحاكي آدم جبلته وحواء جميلته مع هبوب النسيم. وقلم الدكتور جميل ينهل من جنة إهدن بنبعها مار سركيس. فإنك عندما تقرأ من جميل وكأنك تغرف بيديك وتغسل وجنتيك بماء عليل تسرب من أعالي القمم ليستقر في حنايا القلب والفكر".
وأضاف د. كرم: "في شعر وكتب الدكتور جميل ستسمع صهيل الخيل وقرقعة السيوف وزغردة النساء عند عودة الأبطال من معارك الكرامة.
قلمك أخي جميل قلم وفاء وعطاء دون حدود وصرخة ضمير لرفع الذل عن حاضر أخرس لا يعرف شرق ماضيه. قلمك أخي جميل عصا غليظة على كل من تطاول على قدسية لبنان، ووردة جورية إهدنية لمن أحبنا من ديار العرب و الاغتراب".
ثم كانت كلمة للدكتور عصام الحوراني - بيروت ألقتها زوجة الشاعر الأديب الدويهي الأستاذة مريم رعيدي الدويهي، واعتبر د. الحوراني أن المهرجان هو "مهرجان لبنان المقيم ومهرجان العرب ومهرجان الثقافة العربيّة". وشبّه الدويهي بالفارس الذي"صال وجال بأبّهة وعنفوان على ظهر حصانه الأبجر في كلّ فيافي الفنون الأدبيّة، فحلّق وأبدع في كلٍّ منها، ولا يمكننا أبدًا المقارنة في قوّة الإبداع لديه بين فنّ وآخر... كتب الشعر بالفصحى العالية الرّاقية التي تتميّز ببلاغة وخصائص دويهيّة لا يُجاريه فيها أحد. كتب بكلّ الأساليب القديمة والحديثة والمستحدثة والخاصّة به ومنها الشعر المدوّر... ويتألّق شاعرنا في أشعاره كلّها وهذا ما نعاينه في "أعمدة الشعر السبعة"، وفي غيرها. كما أنّه يُدهش في نثره الشعريّ الحديث: "حاولتُ أن أتبعَ النهر... النهرُ لا يذهبُ إلى مكان". ولا ننسى الشعر باللغة اللبنانيّة التي ارتقى بها إلى مصاف العذوبة اللامحدودة والرقّة والجزالة والأسلوب الطريّ الدويهيّ الرّائق الخاصّ، من مثال: "لا تفكْري صار الهوى ذكرى". وأذكر ههنا قصيدة "جدّي القديم" التي أحبّ حتّى

الثمالة..."

وعرج د. الحوراني مع المفكِّر الفيلسوف "إلى مطارح النور والسلام، إلى الحكمة التي هي فيض إلهيّ وقبس من نورانيّة قدسيّة تتلألأ في فضاءات الأرواح، وكأنّي بالمفكّر الدويهيّ وهو الكاهن المقتدر في "معبد الرّوح"... وأشار إلى كتابة التاريخ بالإنكليزية عند الدويهي في أشهر المعارك الإهدنية في التاريخ"، وحياة البطريرك أسطفانوس الدويهي، والرواية في "طائر الهامة"، وهي صوت الدويهي الصارخ في برّية المعمدان ينشد من خلاله حريّة الإنسان القائمة على أساس الحقّ والحقيقة والسلام، وهو يمضي مع السرنوك على عربة تأخذهما إلى جسر الضياء. والرواية هي مشروع عمل مسرحيّ دراميّ بامتياز".
كلمة الشاعر الفلسطيني الكبير الأستاذ نمر سعدي قرأتها الإعلامية الأستاذة نادين شعار صاحبة إذاعة "صوت الفرح"، وقال فيها:
"انفتحتُ على تجربةِ الشاعر البناني الكبير جميل الدويهي المغترب في أستراليا ورائد القصيدة العاميَّة المدوَّرة بنكهتها اللبنانية الرقيقة والتي تذكِّرني دائماً بقصائد غزل كتبها شعراء مثل الأخطل الصغير وإلياس أبي شبكة لحبيباتهم، فأدخلُ في حالةٍ وجدانيَّةٍ كمن يرنو إلى قمرٍ شفيفٍ في ليلةٍ حزيرانيَّةٍ أو يقرأُ رسائلَ عشقٍ سريَّة لنفسهِ، ويشبِّهُ القصيدةَ براقصةٍ تتأهَّبُ للرقص".
وقال: "تجربة الصديق الشاعر جميل الدويهي بالرغم من زخمها وعمقها وأهميَّتها إلى أنها بقيت بعيدةً عن حلقات ودوائر النقد العربي الرسمي، ربما يرجعُ سببُ ذلكَ إلى كون صاحبها يعيشُ في مهجرهِ في القارة الأسترالية بعيداً عن مركزية الخطاب الإبداعي العربي، ومقرُّها الشرق... وهذا برأيي ظلمٌ كبير لأدب المنافي والمهاجر... ظلمٌ يؤدِّي حتماً إلى الإهمالِ والنسيان".
وأضاف: "في قصيدةِ الدكتور الشاعر جميل الدويهي تجدُ كلَّ عناصر الطبيعة اللبنانية الناعمة ومعاني حبِّ الحياة والمرأة والجمال، بدءاً من عطر التفَّاحِ وخصرِ الحبيبة وفستان الأرجوان والحبِ الأكبر من البحرِ إلى جدائلِ الحبيبةِ التي تشبهُ الموسيقى وكحلِ عينيها الشبيهِ بخيلِ العرب و"مرجوحة عصافير بالحَور العتيق" وغيرها من الموتيفات الشعريَّة التي يجيد الشاعر توظيفها واستعمالها بكلِّ مهارة وحذق شعري وفنِّي".
وأوضح أن الدويهي" يسير على نهجِ سعيد عقل في كتابةِ القصيدتين، العاميَّة والفصحى، بسحرٍ نازفٍ وعاطفةٍ رقراقة تغرفُ من ماضي الأيَّام وهجَها السرياليَّ وطاقتَها المبدعة المفتوحة على التجلِّياتِ والأناشيد المؤرَّقة. من جهةٍ ثانيةٍ لمستُ نغمةً شجيَّةً في قصائدهِ النثريَّة التي لا تقلُّ جمالاً وقيمةً عن قصائده العاميَّة، فغناؤهُ الأعزل يذكِّرني دائماً بسونيتات عشَّاقِ القرون الوسطى وهم يجوبون الأرضَ بحثاً عن لحظةِ وصلٍ قصيرةٍ أو ينتظرون عاشقاتٍ لا يأتين تحتَ شجَرِ الحنين".
وختم: "هكذا كانَ الشعرُ عند الأستاذ الشاعر جميل الدويهي حاسَّةً خارقةً تحسنُ اقتناصَ اللحظةِ الشعوريَّة الهاربة وحالةً موزَّعةً على حقولِ الرؤى والجمال الصرف."
الدكتور عزت الصباغ – باريس قرأت كلمة له الإعلامية الأستاذة إلهام حافظ من إذاعة "تو إم إي"، واعتبر د. الصباغ "أن كتاب "في معبد الروح" يرتفع بناء عالياً، علو كليّة الخير" التي انطلق اليها، لينهل منها بمخزون فلسفي وبوعي تربوي على الساحة الثقافية."
وقال: "يمتلك مؤلفنا حساً مرهفاً وقياساً دقيقاً للإمعان، عندما يشخص في مهمة كل من القلب والعقل: فالأول يدق شعور صاحبه بسلبه وايجابه، والثاني - العقل - يتلقفها ليتحكم في بناء الفكرة، بنسبية تتماشى ودرجات الوعي كما وظروف صاحب هذا العقل والقلب، ها نحن حيال الحركة، لتنفيذ ما أبان عنه قلب الانسان من شعور والفكرة التي رسمها عقله على خارطته، ليصار الى شق مسار حياتي جديد يحث الانسان عليه خطواته لتحسين الواقع والاعلاء من شأنه بالأخلاق".
وختم: "الدكتور جميل الدويهي و "في معبد الروح" "جبران" لبناني جديد يعود، فتألقت به "صومعة جبران" وقد بنى أمامها شرفة، لم تكفه بالاطلالة الصادقة على الانسان، ممسكاً بيده وقد أنار طرقاً راسماً بها سياسة شمولية جديدة لإنسانية الإنسان في أصقاع هذا العالم... دكتور جميل الدويهي، أكن لك تقديراً شديداً، "فمعبد الروح" بحث كتاب في "فلسفة معنى وجود هذا الانسان بكرامة على الأرض".
وألقى الشاعران المهجريان د. مروان كساب وجوزيف عقيقي قصيدتين من وحي المناسبة.

وتحدّث الفنّان ألكس حدشيتي عن روحية الدكتور جميل الدويهي، وخصوصاً في كتابه "في معبد الروح"، ووصف أعمال الدويهي بالمؤتمنات عند جميل المحيا ونفسه المعطاءة الأبية وكأنه يعزز أشواقنا الشعاعية بكنوز تتلألأ معه من ذلك النور المشترك بنا".
وقال إن الدويهي "كشف عن جمال الروح لأنه المكتشف الجميل فوظفها لتكون هداياه من الله المتجلي". وهنأ الفنان حدشيتي صاحب المناسبة على ما عنده من "هدايا الهدى".
كما تحدث الأستاذ محمد العمري عن "الرابطة القلمية" والنهضة الأدبية في الغرب، و"النهضة الاغترابية الثانية" التي يقوم بها الأديب د. جميل الدويهي في أستراليا.
وألقى العمري أبياتاً حفظها من مطوّلة الدويهي في مئوية سعيد عقل.
وكانت وصلات غنائية في المناسبة من شعر الدويهي قدمها المطربان المحبوبان طوني يونس وجان خليل والآنسة الراقية كلوي زعيتر.
الدويهي من جانبه رحب بجميع الحاضرين واصفاً إياههم بـ "شهود على العصر بكلمة حق وإنصاف وعدالة". وقال: "لو أخذت كل القواميس من رفوف المكتبات وجمعت ما فيها من كلام، فهو يختصر بكلمة واحدة: المحبة... وأنتم ترون محبتنا وتواضعنا وإيماننا وتقولون الحقيقة، وأنا أكبر بحقيقتكم".
وأكد الدويهي "أن الله هو الشاعر فلا أعطيكم شيئاً من عندي، وإذا كان البعض منكم يعرض عليّ المساعدة بجميع الوسائل، فلي طلب واحد عندكم: أن تساعدوني على رد القليل من الجميل لخالقي، فهو الذي أعطى من كبَره وأنا أصغر من أن أرد الجميل" .
وقال إن الله أعطاه سبعة أنواع من الشعر، وقصصاً قصيرة، والرواية، وكتابين فكريين،  وكتابين للتاريخ ودراسات أكاديمية، وافتتاحيات ونقداً، وباللغتين العربية والإنكليزية، "والله لا يطلب شيئاً في المقابل، فهو الكريم الذي يغدق من غير حساب، وعطاؤه الحب والعظمة والخلود".
ورحب الدويهي بجميع الأحزاب والروابط والجمعيات وأبناء الجاليات العربية والشعراء والإعلاميين. وألقى قصائد مختلفة من الشعر العمودي، وشعر التفعيلة، التفعيلة العامية، والزجل اللبناني والمدور العامي. وقوطِعت قصائد الدويهي بالتصفيق مراراً وتكراراً.
وبعد انتهاء الحفل كانت ضيافة وتوقيع الكتب عند مدخل الصالة، وكان مقرراً أن يقدم الدويهي ٧ كتب هدايا مجانية (كتاب لكل عائلة) هي "تأملات من صفاء الروح"، "في معبد الروح" بالإنكليزية، "طائر الهامة"، "لا تفكري صار الهوى ذكرى"، "حاولت أن أتبع النهر... النهر لا يذهب إلى مكان"، "أعمدة الشعر السبعة"، و"أشهر المعارك الإهدنية في التاريخ" باللغة الإنكليزية، لكنه فاجأ الحاضرين بالطبعة الثانية من "في معبد الروح" باللغة العربية، ليصبع عدد الكتب التي قدّمت في المهرجان ۸ كتب. ووعد الدويهي بنشر ٤ كتب جديدة في عام ٢٠۱٧ ، من ضمن مشروعه "أفكار اغترابية" للأدب المهجري الراقي من أستراليا.

مهرجان الأدب المهجري الراقي ۳ (۲۸ شباط ٢٠۱۸)

مهرجان الأدب المهجري الراقي ۳ حدث غير مسبوق، وتقليد سنوي يضيء على إنجازات أحد أبناء الجالية اللبنانية في أستراليا. رجل يعمل على مدار الساعة من أجل تحقيق حلم وهدف: أدب مهجري راق في أستراليا، في ما أصبح يسمى: نهضة اغترابية ثانية ... من جهة الشرق هذه المرة.

المناسبة غنية عن التعريف، والمفاجأة كانت لصاحب المهرجان الذي لم يتوقع هذا الحشد الكبير، رغم كل الظروف الصعبة التي مر بها مؤخراً، وكل العقبات والسدود والعراقيل التي أصبحت تقليداً معروفاً أيضاً. مشروع "أفكار اغترابية" لم يكن وحيداً، بل كان معه المئات من المحبين الذين فرحوا معه وتحلقوا حول مائدته الغنية بالعطاء، والكرام كثيرون، أما القلة فلا تكسر عزيمة الفارس الشجاع الذي يحب المغامرة... والتحدي جزء من طفولته الكبيرة.

حضر المهرجان حشد كبير من أبناء الجالية، يتقدمهم سيادة المطران أنطوان شربل طربيه راعي الأبرشية المارونية في أستراليا، فضيلة الشيخ ميكائيل غانم ممثل المجلس الإسلامي العلوي، النائب جهاد ديب، الأب الياس البابا، الأخت الراهبة إلهام جعجع، الأخت لينا نجيم، وراهبات العائلة المقدسة المارونيات، والأحزاب: التيار الوطني الحر، تيار المستقبل، الكتائب اللبنانية، القوات اللبنانية، الوطنيون الأحرار، حركة الاستقلال، اليسار الديمقراطي، تيار المردة، حزب البعث العربي الاشتراكي، الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، الرابطة المارونية، المجلس الماروني، المجلس الأسترالي اللبناني (راعي المهرجان مع جريدة المستقبل الأسترالية)، نادي الشرق لحوار الحضارات - أستراليا، جمعية بطل لبنان يوسف بك كرم الزغرتاوية، والعديد من الروابط والجمعيات والمؤسسات وأعضاء البلديات وأهل القلم والإعلام.

قدم الحفل الأديب جميل الدويهي الذي تحدث عن مشروعه أفكار اغترابية الذي بدأ من فكرة وأصبح حالة ثقافية إبداعية، في تنوعه وفرادته، وقال إن كتابه "أعمدة الشعر السبعة" وابتكاره للشعر المدور العامي، وكثافة إبداعاته تدل على أهمية المشروع وحيويته انطلاقاً من أستراليا الأرض البعيدة. وقال إن "أعمدة الشعر السبعة" هو أول ديوان شعر في تاريخ العرب يحتوي على٧ أنواع شعر مختلفة، وهذا في أستراليا. وأشار إلى أن كتابين صدرا بدعم من "أفكار اغتربية" في السنة الماضية هما "كلمات من أعماق الحب" للأديبة الإعلامية كلود ناصيف حرب، و"النطق بالمنطق - من بلاغة الكلمة حتّى بلوغ النعمة" للأستاذ الفنّان أليكس حدشيتي.

ثم قدم الدويهي الملكات السبع: مريم رعيدي الدويهي، فيرا أشقر الدويهي، أنطوانيت حوشب، ريما بالش، فرح عصافيري، ندى فريد وكلود ناصيف حرب. وقد ألقين من أنواع الشعر عند الدويهي فأطربن وأمتعن ورافقهن في العزف الجميل الفنان أليكس حدشيتي. ثم قُدمت جائزة الأديب الدكتور جميل الدويهي بعد قراءة بيان لجنة اختيار الجائزة، فتسلم أليكس حدشيتي جائزته من مريم الدويهي وكلود ناصيف حرب، وتسلمت الشاعرة مريم شاهين رزق الله جائزتها من جميل الدويهي، وسلمت مريم وكلود جائزتين للأستاذ حسين مصطفى نيابة عن الأديبة رنده رفعت شرارة - كندا، والإعلامي بادرو الحجة نيابة عن الأديب سليمان يوسف ابراهيم - عنايا لبنان. وفاجأ المجلس الأسترالي اللبناني، بشخص الأمين العام الأستاذ حسين علوش ونائبة الرئيس الإعلامية إلهام حافظ والسيدة جمانة منـزلجي الأديب الدويهي بدرع تقديرية، وأعرب أمين عام المجلس الأستاذ حسين علوش عن دعم المجلس لكل مشاريع الدويهي الأدبية سواء في أستراليا وفي لبنان أو أي مكان آخر.

وألقى الشاعر الدويهي مجموعة من قصائده التي اتسمت بالعمق والتأثير والخيالات البعيدة، وكذلك الطرافة، في تنويع فريد في الأشكال. ثم كان توقيع الكتب هدايا مجانية وعددها عشرة كتب هي:

"أعمدة الشعر السبعة"، "رجل يرتدي عشب الأرض- نصوص فكرية إبداعية"، "تأمّلات من صفاء الروح" بالانكليزية، "أشهر المعارك الإهدنية في التاريخ" بالانكليزية، "حاولت أن أتبع النهر... النهر لا يذهب إلى مكان" شعر أو نثر، "الحافلة والولد ممكن" قصص قصيرة، "في معبد الروح" بالانكليزية، "قلائد من فكر جميل الدويهي" أعدته مريم رعيدي الدويهي، "من قلب جرحي بقول حبّيتك" شعر لبناني، "رجل يرتدي عشب الأرض" نصوص فكرية إبداعية.

وكانت بعد ذلك ضيافة.

وبعد أمسية الدويهي كتبتُ على صفحتي عا فايسبوك ما يأتي:

جينا تا نكرمك كرّمتنا... حروفك من الفرح رقصت، وطارت للسما... لمعت النجمات، ومحيِت من ليالينا العتمات، وحد القمر كملت النغمات وصارت تحكي حكايات عن جميل من بلادي، عمّر بيت عا جبل هادي، لا مع الموج بيغرق ولا من الزمان بيعتق... خلّد اسم بلدو بالغربه... والوطن رح بيخلدو من الغربه...
تكريم ما صار متلو وما رح بيصير. لبنان الحلو جمعنا مع الجميل بكل الوجوه اللي ما قدِر الوطن يجمعهم... كلما اسمو انذكر ببيت القصيد.
الناس بتركض تا تجمع كتب ودَواوين صارت بتزين مكتبتنا وبتحكي قصة حضارتنا. هون لون وهون حكايات، وهون كلمات من الروح والقلب والعين والفكر الجميل... جمع كل أنواع الشعر،  بـ ٧ أنواع وسألو الناس: كيف وليش؟ ويا ريت بيعرفو قديش سهر الليالي مع القمر العالي، وقديش عمّد الكلمه بالتعب تا نسمع ونمجد الله، بموهبة راقيه ومميزه خلتنا نقول عنو: عبقري لبق من أرض لبنان.
عبير الزهور وعطر الليل... سحر الشمس وتغريدة عصفور... سما وصفا وسمر وليل... كلها سكنت بحروفك يا جميل... وقالت الريح العاصفة: صعبه عليي هالمره زيح هالقلم الحلو من هون... يا هالعاصفه روحي ويا فكر جميل خليك عالسطور عم تسكب حبر جديد، والكتب من نعَم الرب رح بتضل تزيد وتزيد... والجميل قال: ولولا محبة وصدق الناس، لا قدرت عمرت هياكل حلوه ولا قدرت كتبت قصايدي الغاليه، ولا قدرت سافرت معكم ببحر القصيد.
أمسيات ملبورن: توجه الأديب الدكتور جميل الدويهي ۳ مرّات إلى ملبورن، المدينة الثانية في أستراليا...

وفي ما يأتي وقائع الأمسية الأولى (نشرت في ۲٧ أيار٢٠۱٥ على موقع "أفكار اغترابية"):

جمعت أمسية الدويهي أهل ملبورن حول وليمة الشوق والقصيدة الراقية، جاؤوا من كل صوب وحدب، يتقدمهم سعادة قنصل لبنان العام الأستاذ غسان الخطيب... جاؤوا من جميع الأحزاب والتيارات والمؤسسات والجمعيات ومن المجتمع المدني، من غير استثناء، واستمعوا إلى أنواع ثلاثة من الشعر، هي الشعر العامي، والقصيدة العمودية، والشعر المدوّر. وقوطعت القصائد بتصفيق شديد، وكانت مناسبة من مناسبات الشوق والحنين، حنين إلى الوطن، وشوق إلى الحبيبة، وإلى الأرض التي لا تنفصل عن الإنسان. الأمسية كانت في مناسبة إطلاق كتاب تاريخ للدكتور الدويهي عن أشهر المعارك الإهدنية في التاريخ (باللغة الإنكليزية)، وقدم فعالياتها الزميل الأستاذ زاهي الزيبق الذي أجاد وامتع وتميّز. خاض في المواضيع بعمق ورويّة، فأغنى اللقاء بحضوره وكلامه العذب والرصين. وبعد النشيدين الوطنيين الأسترالي واللبناني كانت الكلمة الأولى للأستاذ أنطوان حربيه الذي استهل كلمته بالقول: "هُو البحرُ من أيِّ الجهاتِ أتيتَه، تنتظرُه شاعراً بلغةِ العَرب، فيأتيكَ بالعامّيّةِ من جهةٍ، ثم يأتي وفي يدِه "طائرُ الهامة" يصيحُ بها في وجهِ الثأر، ثمّ يُطلُّ من نافذةِ الفكرِ في معبدِ الروح، الذي هو فلسفةٌ من الطرازِ الرفيع. وتدعوهُ إلى قهوةِ الصُّبح، فيتأبّطُ كتابينِ بالإنكليزيّة، واحداً عن البطريرك إسطفان الدويهي، والآخرَ عن أشهرِ المعاركِ الإهدنيّةِ في التاريخ. وهل بعدُ نُصدِّقُ أنّ الدويهيَّ شاعرٌ، أم هو أديبٌ، أم مُفكّر، أم ماذا؟"

وأضاف: "في لبنان يُدرّسونَ له كتابَينِ في الجامعة، وكُتُباً في المدارس، وتُدرّسُ قصائدُه في الثانويّات، ويَكتبُ عنه نُقّادٌ ودارسون، وهو الباحثُ الذي له باقةٌ من الدراساتِ الأكاديميّةِ المُحَكّمة... هذا هو الدكتور جميلُ الدويهيّ، الذي لا تعرفُ ماذا تُسمّيه، ولكنَّ له اسماً واحداً: إهدنيٌّ ابنُ إهدن، ولبنانيٌ يطيرُ بلبنان، وشرقيٌّ يعيشُ في الشرقِ ويعيشُ فيه. قِيل عنه بالأمسِ القريبِ إنّه فيلسوفُ العصر، وقيل: خليفةٌ لسعيد عقل، وهو يضحكُ ويقول: اللهُ هو الشاعر، وأنا مُنْتَحلٌ صِفة. حتّى أصبحتْ هذه الجملةُ شِعاراً له، كما شِعارُه: أنا حُرٌّ لأنّ اللهَ حُرّيّة".

ولفت الحربية إلى أن الدويهي يكتب خمسة أنواع من الشعر (كان الدويهي في عام ٢٠۱٥ يكتب خمسة أنواع فقط) ويبدع فيها جميعاً "حتى لكأنّه خمسة شعراء في شاعر واحد".

بعد كلمة حربيه كانت مطالعة نقدية من الأستاذ سامي مظلوم الذي قال: "الجميل والمهم في جميلنا، كلما عدت إليه، إلى كتاباته تشعر أنك تقرأه من جديد. كاتب كما يقال حقاً، صاحب أسلوب خاص لا يشبه أسلوب أي كاتب ممن سبقوه أو عاصروه".

واستشهد الأستاذ مظلوم بالعديد من قصائد الدويهي وأعماله القصصية ليربط بينها وبين "أدب الحياة" واصفاً كتاب "في معبد الروح" بأنه جواهر، ومخاطباً الدويهي بالقول: "أنت تبني الإنسان، فأنت رسولي في إبداعك... ونحن نقول: نعم إن لم يكن الأدب نبضاً حياً يعشق الوطن والحبيب والإنسان، فما هو بأدب".

وألقى الكاتب الأستاذ سركيس كرم كلمة بالانكليزية تناول فيها بلغة نقدية معمقة مواضيع الكتاب، معتبراً أن كتابة التاريخ باللغة الإنكليزية عمل صعب لأن أغلب المراجع تكون باللغة العربية أو الفرنسية، ما يضيف مشقات على العمل. وقال: "إن الكتاب نجح في أخذنا إلى رحلة مشوقة، إلى رحاب التاريخ الذي يشعرنا بالفخر بأجدادنا الذين عاشوا وناضلوا ليبقوا في التضاريس الوعرة، التي زادتها وعورة هجمات الفاتحين والغزاة".

وبعد أن فنّد الأستاذ كرم مواضيع ومحاور من الكتاب، قدم التهنئة إلى الدكتور الدويهي "الذي تساهم نجاحاته في نجاح عام للأدب العالمي، وإنّ إبداعه هو مصدر اعتزاز لجميع المدافعين عن حقوق الإنسان، وإن كتاباته ستتواصل لكي توحي للعديدين حول العالم ولتعكس الروح الحقيقية للأفكار العبقرية".

وكانت في الحفل أيضاً مقاطع شعرية ارتجلها الشاعر الزائر من لبنان الأستاذ شربل زغيب. وبعد إلقاء الكلمات قدّم الدويهي باقة من قصائده، وكان الجمهور يتفاعل مع الشعر الأنيق، ويثبت مرة أخرى أن شرقنا الكبير هو شرق النور والإشراق، وسيلفظ الظلم والظلام مهما طال الزمن... لقد أثبت أهل جميل الدويهي في ملبورن أنّ المحبة هي أقوى من كل شيء. هي التي تغمر العالم، وتروي الأرض وتطلع الغلال.

وفي الختام، قدّم الدويهي هدايا رمزية إلى المتكلّمين، وتبقى جميع الهدايا أصغر مما قدموه من جمال وعطر ملآ الدنيا.

انتهت الأمسية في ملبورن، ووقّع الدويهي كتابه، ثم قطع قالب الكايك، ودُعي الحضور إلى حفل كوكتيل... وغادر الدويهي ملبورن وكثير من قلبه ما زال هناك، وقد وعد بأنه سيعود إلى أحبائه في المدينة الجميلة، فلا بد من ملبورن مرات أخرى، ولو طال الزمن.

وقائع الأمسية الثانية، نشرت على موقع "ليبانون دوت أورغ":

أقام الشاعر والأديب اللبناني المهجري جميل الدويهي، أمسية شعرية (۳۰ تشرين الأول٢٠۱٦) في مدينة ملبورن بدعوة من أصدقاء الشاعر، حضرها حشد من أبناء الجالية، يتقدمهم قنصل لبنان العام الأستاذ غسان الخطيب، والأب ألن فارس، وراهبات، ورؤساء وممثلون عن الأحزاب والمؤسسات والجمعيات ووسائل الإعلام ومثقفون وشعراء.

استهل البرنامج بكلمة ترحيب من الأستاذ سامي مظلوم، فقال: "جميل الدويهي، الذي غاب عنا حوالي سنة وشهرين ورجع إلينا يحمل رسالة إبداعية، من جبالنا العالية، من أرضنا الطيبة المباركة الكريمة، من إهدن، من زغرتا، من شمال لبنان، من لبناننا، من كل بلادنا الحلوة المقدسة".

وقدم مظلوم الإعلامية كلود ناصيف حرب "باسم المحبة الني هي محبة الله فينا، وباسم الكلمة التي هي كلمة الله فينا".

وتحدثت حرب عن  مشروع "أفكار اغترابية" الذي أطلقه الأديب الدويهي، وأصدر من خلاله مجموعة كتب في عام ٢٠۱٥  ومجموعة أخرى في العام الحالي، تمهيدا لمهرجان الأدب المهجري الراقي - ۲ في سيدني في ۲٥ تشرين الثاني الجاري".

وحيا الدويهي الحاضرين، وقال: "ليست ملبورن في القلب فقط، بل من غيركم أنتم لا وجود لقلبي، وحبي لكم لا يوصف بالكلام"، وألقى قصيدة لملبورن وأهلها، ثم قدم مجموعة من قصائده على أنغام الموسيقي إيلي حداد، كما ألقت الإعلامية حرب مجموعة من قصائد الدويهي.

وختاما، ألقى الأستاذ أنطوان حربيه، باسم أصدقاء الدويهي في ملبورن، كلمة شكر قال فيها:"لقد أغنانا الشاعر والأديب الدويهي، مرة بقدومه إلينا، وهو يقول: ملبورن في القلب، ولا أغيب عنها وعن أهلها، ومرة بشعره المتدفق مثل ينابيعِ إهدن، والرقيق

مثل همسات من صنين. ومرة بأن يقدم كتبه كهدايا إلينا، وفي هذا كرم وفضيلة".

وقدم حربيه دروعا تذكارية، من بينها "درع ملبورن في القلب" للدويهي، كما قدّم الدويهي مجموعة هدايا، ثم انتقل الجميع لتناول الضيافة، ووقع الدويهي٤ مجموعات من كتبه (كتاب لكل أسرة) هدايا إلى الحاضرين، وهي: "لا تفكري صار الهوى ذكرى"- شعر لبناني، "طائر الهامة"- رواية، "في معبد الروح" الطبعة الثانية - كتاب فكري، وحياة البطريرك إسطفان الدويهي باللغة الإنكليزية الذي كتبه الدويهي مع ابنته ربى عام٢٠۰٦.

ملبورن تكرّم الأديب جميل الدويهي:

دعت حركة شباب زغرتا الزاوية، وأصدقاء الفكر والأدب إلى حفل عشاء كبير، في صالة مارون التابعة لكنيسة سيدة لبنان في ملبورن، مساء ۳۰  أيلول ٢٠۱۸ ، إلى حفل أدبي راق بامتياز، تنظيماً وحضوراً وأناقة. فالصالة تزينت بأبهى حلة لتستقبل الأديب الدويهي الذي وصل إلى المدينة من سيدني حاملاً مجموعته الشعرية "عندي حنين البحر للشط البعيد"، التي صدرت مؤخراً، ومجموعة كبيرة من أعماله الأدبية المختلفة الأنواع والأنماط، ليقدمها هدايا عربون شكر وتقدير ومحبة.

القاعة غصت بأبناء الجالية، يتقدمهم سعادة قنصل لبنان العام في فيكتوريا الدكتور زياد عيتاني، ورجال الدين والراهبات، ورؤساء وممثلو الأحزاب والمؤسسات والجمعيات والروابط وأهل الفكر والأدب والإعلام، وحضر المناسبة أيضاً وفد كبير من مدينة سيدني.

بداية  النشيدان الوطنيان الأسترالي واللبناني، ثم كلمة مقدم الحفل الأستاذ أنطوان الحربية التي قال فيها: "مرةً جديدةً نلتقي مع قامةٍ أدبيةٍ وفكريةٍ وإنسانيةٍ من الطرازِ الرفيع. حمَلَ رسالةَ الكلمةِ منذُ حلَّ بينـَنا، طائراً أزرقَ ينزِلُ على شاطئِ الغُربة ويُغنّي لموعدِ الرجوع، ويَعزِفُ تقاسيمَ شرقية، فَيَرقُصُ الفجرُ ويتمايل. عاشقٌ من ذلك الشرقِ البعيد، جبلٌ من جبال إهدن، يسافرُ ويغامرُ، لكنّهُ جبلٌ من عطرٍ، وسحْر، يَهمِسُ أحبُّكِ لحبيبةٍ هي الكُلُّ عندَهُ، وعيناها فِرقَةُ موسيقى. وقد أهداها من حبْرِهِ وردة، ومن أجلِ الوردةِ كتب، ولأهلِ الظلامِ لكي يَفيقوا من ليلِ العصور، ويعودوا إلى عصرِه هو، عصرِ المحبَّةِ والسلام، حيثُ للروحِ معبد، ولتأمُّلات من صفاءِ الروح مَرفأٌ وشِراع. إنّه الكاهنُ الذي ارتدى عُشبَ الغاباتِ والحقول، ولعِبَ مع الهواء، لا يَهُمُّه شيءٌ من خزائنِ الذهب، فأغنيةُ الشجَرِ تكفيه، ورِحلةٌ مع النهرِ الذي لا يذهبُ إلى مكان شغفه الأزلي. كتبَ لتاريخِِ إهدن، وأنشدَ للبنانَ، ولبيروتَ، وللحرّيّةِ، وللحبِّ، والمرأة، وللوطن، والإنسانيّة... ودعا في قصّتِه "طائرُ الهامة" إلى خلْع الثيابِ القديمة، ثيابِ الحقدِ والضغينة، وارتداءِ المحبةِ درعاً ولباساً. وفي رائعتِه "في معبدِ الروح" حمَلَنا إلى عالمٍ مِثالي، وأعادَنا إلى صفاءِ الروح، إلى القيمِ الفاضلة التي تصنعُ الإنسانَ وتمجّدُه. وكم نوعاًَ من الشعرِ كتبَ الدويهي؟ إنه الشاعرُ الأولُ في تاريخِ العرب الذي كتبَ سبعةَ أنواعٍ من الشعر، جمَعَها في كتاب "أعمدةُ الشعر السبعة"، ثم أضافَ نوعاً ثامناً في أواسطِ هذا العام، أطلَق عليه اسم: النصُّ العاميُّ الشعري. ويضيفُ الدويهيُّ الجميلُ هذه الأنواعَ إلى القصةِ القصيرة، والروايةِ، والفكرِ، والتاريخ، والدراساتِ الأكاديمية، وباللغتينِ العربيّةِ والانكليزية، والمقالاتِ السياسيةِ والاجتماعية التي تتماهى وعمله الإعلاميّ. هذا الدويهيُّ الأنيقُ والرقيقُ هو كالبحرِ من أيِّ الجهاتِ أتيتَه، حتى بلغَ ما نشره في أستراليا منذُ عامِ الفينِ وخمسةَ عشرَ أكثرَ من اثنينِ وعشرينَ كِتاباً مختلفةَ الأنواع، هي أشبهُ بالأسطورةِ. وتُضافُ هذه الأعمالُ الجليلةُ إلى اكثرَ من عشرينَ كتاباً نشرَها قبلَ عامِ الفينِ وخمسةَ عشر، وحصيلةُ هذا الإبداعِ تكادُ لا تُصَدَّق.

لقد أصبحَ الدويهي مدرسةً، وخصوصاً في الشعر، حيث احتضنَ على موقعهِ "أفكار اغترابية" للأدبِ المهجريّ الراقي، باقةً من الأدباءِ والشعراء، وبعضُهم يسيرونَ على نهجِه في كتابةِ القصيدة، ويُصرّحون بذلك في العلَن، كما أنّ الدويهي يرعى إطلاقَ الكتب، والمناسباتِ الثقافيّة، ولا يبخلُ في سبيلِ إعلاءِ شأنِ الكلمة، فالجَمالُ في نظرِه سينتصرُ على البشاعة، طالَ الزمانُ أم قَصُر، والجمالُ يستحقُّ أن نُضحِّيَ من أجله لكي ينتصر.

سأكتفي بهذا القـَدْرِ من الإضاءةِ على الدويهي وأعمالِه، ومَن يدخُلُ إلى موقعِه "أفكار اغترابية" سيقعُ على الحقيقةِ الكاملة، وتُدهشُه قدرةُ هذا الرجلِ على أن يكونَ في أمكنةٍ كثيرةٍ في وقتٍ واحد، لأنّه مجموعةُ رجالٍ ملهَمينَ... في وقتٍ واحد. اسمحوا لي أيّها السيّداتُ والسادة، أن أرحّبَ بكم جميعاً أجملَ ترحيب، وأشكرَ حضورَكم ومشاركتَكم. وأخصُّ بالشكرِ الجزيل سعادةَ القنصل الدكتور زياد عيتاني الذي شرّفنا برعايتِه لهذا الحفلِ "ملبورن تكرّمُ الأديب الدكتور جميل الدويهي"".

وقال الحربية مخاطباً الدويهي: "تأتي إلينا من تلك المدينةِ التي لا تنـزِلُ عن جَبل، لأنّها مَجبولةٌ بالعزِّ والخلود. جَبلٌ هو مَنـزلٌ لأبطالٍ لا يَموتون. وتلكَ مدينةٌ تهجّرتَ إليها ولم تُهاجر، تسكُنُ في بيوتِها كما النَغمٌ في أوتار عُود. من شعرِك تَسْقي وتروي، وأدبُكَ المُعجِزةُ التي أدهشت. عبقريُ النهضةِ الاغترابيةِ الثانية، الثائرُ على الجمود في فكرِك، ونثرِك، وشِعرِك، وأعمالِك الأكاديميّة... كم نوعاً كتبت؟ وكم لقباً حمَلت؟ وكم وردةً ألقيتَ إلى عروسِ الشعر؟ وكم مجرّةً دخلتَ إليها فاتحاً وأميراً؟

لك أيّها الدويهيُّ الآفاقُ والحدودُ التي لا تُحدّ، أهلاً بك في ملبورن مكرّماً، يا مَن كرَّمَ الكلمة وبعثَها حيّةً راقيةً، تُضيءُ في الأمم. د. جميل. نَسمعُك بالعيونِ قبل الآذان، وتُصغي إليك القلوب المشتاقةُ".

سعادة قنصل لبنان العام في فيكتوريا د. زياد عيتاني، راعي الحفل، قال في كلمته:  "نجتمع اليوم لنكرم أديباً وشاعراً لبنانياً لمع في وطنه كما لمع في الأغتراب، شاعر ساهم في نشر لغتنا العربية، لغتنا الأم".

وأضاف: "كلمات الدويهي اختصرت المسافات بين لبنان المغترب ولبنان المقيم".

ولفت القنصل اللبناني العام إلى عاطفة الدويهي في أدبه، فقال "إن مشاعره تنساق بلا توقف لتعبر عن هنيهات الهوى التي نشتاق إليها وإلى خلجاتها."

ووصف الدكتور عيتاني شعر الدويهي بالحلم الذي نشتاق إليه، وأضاف:  "د. جميل الدويهي، لقد حملتم في شعركم وكتاباتكم مسؤولية كبيرة في حفظ الحنين إلى لبنان، فكما جبران خليل جبران وإيليا أبي ماضي، وميخائيل نعيمة حافظوا على لغتنا وهويتنا من خلال كتاباتهم، كذلك تسعون اليوم إلى الحفاظ على الهوية واللغة."

وتقدم القنصل العام عيتاني بالشكر باسمه واسم القنصلية العامة في ملبورن وبالتهنئة على هذا الإصدار الجديد، متمنياً للدويهي المزيد من العطاء والتوفيق.

 وألقى الأستاذ سامي مظلوم كلمة حيا فيها حركة شباب زغرتا الزاوية، والأستاذ أنطوان الحربية الذي وصفه بعاشق الكلمة، وصاحب النفس التي ترتسم بالكرم والوفاء. وقرأ مظلوم مقاطع من شعر الدويهي الوطني من مجموعته "وقلت: أحبّك"، وقال "إن شاعرنا لا يحتاج إلى مقدمات لأن عنقوده نضج وطاب، ينده بك: أقطف، ولا بد لك من قطافه". وقال: "الشعر هو كبير الأرض، الشعر فعل حضور في النفس، وانعكاس للأشياء المرئية ليجعلها صوراً لامرئية لكنها سامية. إذن هو فعل تحول وتحويل، لذلك كانت صعوبة المهمة لأنها عملية خلق وإبداع".

وقال أيضاً "إن الشاعر مجبر على النـزول إلى الجحيم، جحيم التجرية الشعرية ولا يمكنه غير ذلك لأن الشعر مقلق، يتحرش بهدوء الشاعر وراحته، فأحياناً هو هادئ كما النسيم فوق مرتفع وأحياناً أخرى هو صاخب كما الموج بين يدي العاصفة".

وركز مظلوم على الشعر الوطني عند الدويهي، لافتاً إلى عمله الجامعي كأستاذ محاضر، ومساهم في تطوير الإنسان والمجتمع. "ومهمة الدويهي إخراج الإنسان من جحيم الجهل إلى نعيم المعرفة". وأشار إلى إيمان الشاعر بناسه مقيمين ومنتشرين في هذا الكون الفسيح، وقال: "إن أدب وشعر الدويهي سفر في لهيب الكلمة حيناً وفي بُعد الصورة

 حيناً آخر، يترنح كما النسيم الربيعي في هبات باردة تجعلك ترتاح وتضعك في الطمأنينة. شعرك دكتور جميل من وجع ذاته، من ألمه هو... إنه صدق التجربة والأصالة الأدبية في لغة عفوية تغلفها العفوية النباضة".

وختم: "كما الحنين للشط البعيد كان الحنين لزيارتكم ملبورن، إلى دياركم وبين أهلكم... الكل يحبك في ملبورن وجاء ليسمعك... باسم هذا الحضور الراقي من أبناء جاليتنا، أهلاً بك وبالسيدة زوجتك، والأصدقاء الكرام الذين شرفونا من سيدني. أهلاً وسهلاً بكم في قلوبنا".

ثم ألقى المكرم د. جميل الدويهي كلمة قال فيها: "قديش ساحر هاللقاء، قديش نطرت تا إلتقي بعيون مشتاقه، وقلوب ما بتنسى الأحبّه. من سنتين ويمكن أكتر التقيت بأهلي في ملبورن، واليوم برعاية سعادة القنصل العام الدكتور زياد عيتاني، وبوحي من أصدقائي الأوفياء في حركة شباب زغرتا الزاوية، وأهل الفكر والأدب في مدينة الفكر والأدب، رجعت تا إغمر صدى الأشواق، تا إفرش عا بواب البيوت عبير الشعر والكلمه اللي بتصير غابه وسما وأحلام. بشكرك سعادة القنصل العام على رعايتك ومحبتك وإهتمامك، لبنان الثقافة والفكر البعيد اللي بيروح ورا البحر، لوّن الصورة بحبر الإبداع وكانت الصورة إطلالتك وكلمتك وحضورك العالي. ومن قلبي أجمل تحيّه لحركة شباب زغرتا الزاوية، أبناء بلدي الأوفياء، اللي زرعوا كلمة لبنان عا كل شط، وكل جزيره بالمحيط الكبير، أخي الغالي الأستاذ أنطوان حربيه، اللي قدمني عملاً بقول السيد: فليكن كبيرُكم خادماً لصغيركم. أنا الزغير بس كون وحدي، وكبير متل الجبل بس كون معكن. وأخي الكبير الأستاذ سامي مظلوم، بأي كلمة بعبر عن امتناني إلك... وتحيتي لقلبك الكبير اللي متل الشرق بيساع الدني وأكبر من دني. قال عنك خيي أنطوان إنك سيد الكلمة اللي بتجمع، ونحنا بدنا رُسل بالعالم يجمعو كل الطوائف والأعراق والحضارات بمعبد روح، ويصلّو من أجل السلام لإله واحد هوي إله الخير والسلام".

ووجه الدويهي "كلمة شكر من قلبي لكل الأحزاب والجمعيات والمؤسسات والروابط وأبناء الجالية، واسمحوا لي أن لا أدخل في الأسماء لأن هناك وجوهاً لم ألتق بها من قبل، والخطأ غير مسموح في هذه الحال، وأنا أحترم أصول الضيافة. لكن لا بد من شكر - بعد طلب السماح من حضرتكم - للوفد اللي حضر من سيدني، وتحمّلوا مشقات السفر، والسفر صعب اليوم والإقامة أصعب ورغم هيك أصرو على الحضور، بعضهم قطعو المسافة بالسيارة تا يواكبو هالحدث".

وكانت وقفة مع شعر الدويهي استغرقت أكثر من نصف ساعة، وتضمنت نماذج راقية من أنواع الشعر المختلفة عند الدويهي، وقوطعت بالتصفيق مراراً. ثم قرأت زوجة الشاعر السيدة مريم الدويهي بيان لجنة اختيار جائزة الأديب د. جميل الدويهي - أفكار اغترابية للعام ٢٠۱۸ ، وقدم الدويهي الجائزة والميداليات المذهبة إلى نخبة من الأدباء والشعراء والأكاديميين: الشاعرة آمال معوض فرنجيه (تسلم جائزتها السيد صائب معوض)، الشاعر جويل عماد (تسلمت جائزته الشاعرة مريم شاهين رزق الله)، الشاعر علي وهبي (تسلّمت جائزته الأديبة والإعلاميّة كلود ناصيف حرب)، الأديب د. عماد يونس فغالي (تسلّمت جائزته الأستاذة سعدى فرح)، الأديب د. فوزي عساكر (تسلّم جائزته الإعلامي بادرو الحجّة)، الشاعر قيصر مخايل (تسلّم جائزته المهندس جوزيف سكر)، الشاعر وسام زيدان (تسلّم جائزته الشيخ بشارة طوق).

وجرى بعد ذلك تبادل الهدايا، ودروع تذكارية، وقطع قالب الكايك بحضورالقنصل العام ورئيس حركة شباب زغرتا الزاوية السيد جوزيف الشدراوي والمتكلّمين وأعضاء الحركة، وشخصيات.

وبعدها وقع الدويهي للحضور مجموعته الشعرية الجديدة "عندي حنين البحر للشط البعيد"، ومجموعة كبيرة من كتبه، حيث حصل كل الضيوف على كتابين لكل منهم.

هذا وتم الإعلان في الحفل عن زيارة وفد"مشروع أفكار اغترابية" إلى لبنان الصيف القادم تحت مظلة التوأمة بين مشروع "أفكار اغترابية" و"نادي الشرق لحوار الحضارات".

***

 

قصيدة مختارة من أعمال الأديب د. جميل الدويهي: ما يعود يجرحنا الغضب (غير منشورة)
العصْفور خايف ليش؟ بَدّي إسألُو. غايب عن الشبّاك هالصوت الحلو. ومرجوحة اللي معلّقة بعبّ الشجر لطْيور عشقانين عم يتدلّلو. شو صار فيها؟ كنت إقعد تحت خيمه ياسْمين، إسمع أغاني كتير من جوقة حَنين، ما تعلّمو بالمدرسه، وبيعْزفو من دون آله هالزغار العاشقين... يا هالشجر من أيمتين تفرّقو، وما عاد بدهن يعشقو؟ واللي بِقي

من فرقة عصافير بالغابه صَدى، والذكريات الغاليين تْخزّقو.

 

هلّق أنا صفّيت وحْدي بالزمان، كانت يمامه تقول: يا شاعر صباح الخير، وتْصير الحديقه مهرجان... ودّيتها تا تغطّ فوق الجسر إنتي ومارقه، وتخبّرك قدّيش حبّيتِك أنا، وقدّيش ببعتلك حرير وأرجوان. وكنتي الوحيده بعد ما راحو البشر... راحو البشر، ما شفتْ غيري... صرت بالشارع وحيد. حبّيت مَرّه خربط الإيّام... إخلق من جْديد... هلق أنا والغيم هلّلي متل لون الحِبر فوق البحر، والأفكار صارو عالحجر يتكسّرو. وعيونِك الحلوين ما عادو عا بابي يسْهرو.

ضبّيت عمْري بشنطة المجهول، ما بعْرف طريقي لوين؟ كانوا ناس متلي عالرصيف مشرّدين. وسألتْ عن عنوان بيتي، وما حَدا بيعْرف حَدا... ولوين نحنا من زَمان مسافرين؟ قولك أنا رح صير طير البحر؟ يمكن تقشَعيني وتضْحكي من بْعيد، يمكن هالغضَب... ما يعود يجْرحْنا الغضب. معقول باقة ورد عالفستان إشلحها متل ما كنت... يمكن سامْحك وتسامْحي. مش هَيك بيكون العتَب... مش هيك كنتي تكتْبيلي، ومن حْروفي تلْبْسي بالعيد إسوارة دهب؟

يا ريت بتساع الدفاتر والكتب كلمِه وحيده: "بْخاطرِك"... وبْقولها من بَعد ما الطبشور عالحِيطان بالكاد انْعرف... هوّي حَكي أو مش حَكي... تاري الشِّتي محّى عا غفله اللي انكتبْ بالصيف عالباب العتيق... كلمة "حَبيبي" متل غَبرا انمحيتْ، وما ضلّ غير سكوت... حارس للطَّريق.

 

خاتمة

 

حاولت قدر الإمكان أن أغطي كثيراً من الوقائع في هذا الكتاب الذي أهديه إلى العبقري اللبق د. جميل الدويهي الجميل، وهو احتضن مسيرتي الأدبية، وأحاطني -كما أحاط الكثيرين غيري- بقدر كبير من الاهتمام والنصح والإرشاد، وبفضله انتقلت من مرحلة إلى مرحلة، من إعلامية ومذيعة إلى أديبة، ومن فرح إلى فرح في كل مناسباتي، وهو يبدي كل تضحية ممكنة تجاه أعمالي، وليت الناس يعرفون كم يتعب ويشقى ويسهر، وكم يهتم بمجموعة من الأدباء والشعراء في أستراليا والعالم، وكيف يوفق بما يشبه الأعجوبة بين عمله كإعلامي في جريدة المستقبل الأسترالية، وأدبه ومنشوراته المتتالية، حيث لا يقل ما ينشره في سنة واحدة عن أربعة كتب، مختلفة الأنواع والمواضيع، ما يدهش الناس، بالإضافة إلى اهتماماته العائلية، وكم يواجه أيضاً في معركة البقاء المفروضة (للأسف) على كلّ مبدع ومتميّز من أهل الشرق. وهو يقول: "الآلاف يحبونني والمئات يحجون إلى مهرجاناتي، وهناك أيضاً من يبغضون الإبداع ويكرهون صاحبه، سواء كانوا مبدعين أم غير مبدعين، وبعضهم لا أعرفهم ولم ألتق بهم... وهناك من يظنون أنّ محاولاتهم اليائسة والمضحكة في آن معاً ستوقفني. وأيام العطاء والنشر والأعراس ستحكم بيني وبينهم". 

وبعد، أرجو من الدويهي ومن القراء أن يعذروني إذا كانت هناك وقائع لم أتمكن من ذكرها، لأن الكتابة عن الدويهي ومشروعه الأدبي تحتاج إلى مجلّدات، فكيف يمكن الإحاطة بالمحيط؟ والدويهي يستحق أن تكتب عنه دكتوراه أو ماجستير، لغنى أعماله وتعدد إبداعاته ومواهبه، وفلا أحد بشبهه وإن يكن الله يخلق من الشبه أربعين.

وقد أكون فتحت الباب أمام باحثين آخرين أكثر مني خبرة في النقد وفي البحث الأكاديمي ليكتبوا عن الدويهي الجميل، ويكشفوا عن المزيد من الحقائق عن أعماله، وخصوصاً أن العديد من كتبه تستحق كتابة بحث أكاديمي عن كل منها، مثل "طائر الهامة"، "في معبد الروح"، "تأمّلات من صفاء الروح"، و"رجل يرتدي عشب الأرض".

 

عبقري (1).jpg

أفكار اغترابيّة، سيدني، 2019

لقراءة الكتاب أضغط على زر PDF