إطلاق "منارات ثقافية" - لبنان وفيه مقالة أكاديمية للدويهي

أطلق "جروس برس ناشرون" بالتعاون مع "مركز الصفدي الثقافي" مجلة "منارات ثقافية" من إعداد كلّ من المدير السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية الدكتور جان جبور، والأستاذ في الجامعة اللبنانية الدكتور جان توما والدكتور مصطفى الحلوة في حفل شارك فيه وحضره السفير السابق الدكتور خالد زيادة، ونائب رئيس المجلس الدستوري القاضي طارق زيادة، والأمينة العامة للجنة الوطنية لليونسكو الدكتورة زهيدة درويش، وممثلة عن الإتحاد الدولي بشرى بغدادي عدرة، ومدير المركز الدولي لعلوم الإنسان الدكتور أدونيس العكرة، ورئيس الحركة الإستقلالية الحرّة الأستاذ بسام خضر آغا، وعميد معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية الدكتور عبد الغني عماد، والمدير السابق لمعهد العلوم الإجتماعية في الجامعة اللبنانية في الشمال الدكتور عاطف عطية، والمدير العام لدار جروس برس ناصر جروس، ومدير مؤسسة الشاعرسابا زريق الثقافية الدكتور سابا زريق، ورئيس بلدية طرابلس السابق نادر الغزال، ومديرة مؤسسة الصفدي الثقافية سميرة بغدادي في مقرّ المركز في طرابلس.
في البداية كانت كلمة ترحيبية للدكتور حلوة رأى فيها أنّ "إصدارمجلّة ثقافية أكاديمية تهتم بالشأن البحثي ليس بالخيار السهل في هذا الزمن الذي يشهد كساداً فكرياً وتراجعاً مطرّداً للكتاب" لافتاً إلى أنّ المجموعة التي شكلّت هذه المجلة "آثرت اتخاذ هذا القرار غير آبهة بالمعوقات التي قد تعترض طريقها".
من جهته أشار د.جبور إلى أنّ المجلّة هي "سلسلة من الأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والإجتماعية التي تصدر دورياً على شكل كتاب يتضمنّ أبحاثاً باللغات الثلاث العربية والفرنسية والإنكليزية" مؤكداً "إننا لسنا إضافة كمية تراكمية في عالم النشر إنما إضافة نوعية".
أما الدكتور زيادة فرأى في هذا الكتاب المجلة "تحديّاً كبيراً نظراً لتراجع نشر المجلات وإقفال بعضها" مشدداً على ضرورة "تقديم الدعم والمؤازرة لهذا المولود الثقافي في ملء الشغور في نشر المجلات الأدبية والثقافية وتراجع عدد القرّاء".
بدوره أشاد الدكتور عطية بإنجازات دار النشر جروس في دعم نشر الكتب لافتاً إلى أنّ "في نشر كتاب دوري يتضمن أبحاثاً متعددة يكون قد شجّع الباحثين على الكتابة من جهة وأفسح لهم المجال في توزيع هذه الأعمال على طلابهم من جهة ثانية".
والختام كانت مع كلمة لجروس لفت فيها إلى أنّ "الأزمة الكيانية التي يعيشها العالم العربي لا تعالج إلا في التعليم الجيد المبني على الإنفتاح والتواصل مع الآخرين" معتبراً أنّ "تشجيع الكتّاب على نشر أعمالهم وأبحاثهم يعطيهم الحافز القوي للإستمرار في عطاءاتهم".
وتلت الكلمات حفل كوكتيل أقيم للمناسبة تخللّه توزيع العدد الأول من المجلّة على الحضور.  
وكان كتاب "منارات ثقافية" قد صدر في لبنان قبل حوالي شهرين ويتضمن أعمالاً أكاديمية لنخبة من كبار الأكاديميين والمفكرين. وكان للأدب المهجري الراقي مكانة مرموقة في الكتاب، إذ تم اختيار الأكاديمي المهجري في أستراليا الدكتور جميل الدويهي ليكون في الهيئة الاستشارية للكتاب، كما نشرت له دراسة أكاديمية مهمة من 34 صفحة من الحجم الكبير عن المقارنة بين فكرة "الشيطان" عند المفكر اللبناني أمين الريحاني والمفكر الألماني غوته. 
الجدير بالذكر أن آلاف المقالات والكتب نشرت عن أمين الريحاني وغوته، ولم يتطرق أحد من قبل إلى المقارنة بينهما في أي موضوع، كما أنّ أمين الريحاني نفسه الذي عاش بعد غوته، لم يشر بأي عبارة إلى تأثّره بالمفكر الالماني لا من قريب ولا من بعيد.
 وهذه ليست المرة الأولى، منذ أطلق الأديب والشاعر والمفكر اللبناني د. جميل الدويهي مشروعه أفكار اغترابية، التي يحظى فيها الفكر المهجري بتكريم كهذا، فقد سبق أن اختارت جامعة سيدة اللويزة قصيدته عن رحيل الشاعر الكبير سعيد عقل لتضمها في كتاب "أجراس الرحيل والياسمين"، وهي القصيدة الوحيدة - حسب علمنا - من المهجر التي ضمّها الكتاب. 

وللدويهي العديد من المقالات - الدراسات الأكاديمية المنشورة في كتب ومجلات متخصصة وعلى مواقع الانترنت، منها : قضايا المرأة عند أمين الريحاني (باللغة الانكليزية)، تدريس اللغة العربية في أستراليا (باللغة الإنكليزية)، الأسطورة في أدب سعيد عقل (باللغة العربية)، البطريرك صفير في رحلاته الخارحية (باللغة العربية)...
 

مقالة - دراسة الدويهي كاملة:

كتبت هذه المقالة الأكاديمية عنما كتت أستاذاً في جامعة سيدة اللويزة (على الأرجح عام 2012)، واحتفظت بها في أرشيفي وكنت أتمنى لو نُشرت كورقة محكَّمة، لكنّ الظروف فرضت غير ذلك، حتى قيض لي الله أن أنشرها في كتابصدر في مدينة طرابلس اللبنانية عن دار جرّوس - كما علمت - وأصبح من الممكن الكشف عنها،  والمقالة تزيح الستار ، لأول مرة، عن مقارنة بين مسرحية "فاوست" الرائعة للمفكر الألماني غوته، وقصّة غير مكتملة للمفكر اللبناني أمين الريحاني بعنوان "رسالة الشيطان"، ولم يتطرق أي باحث من قبل إلى هذه العلاقة، على الرغم من كتابة آلاف المقالات عن غوته وأمين الريحاني، فأرجو أن أكون وفقت في هذه المحاولة الأكاديمية (37 صفحة A4)، والله هو الموفق دائماً.

 

***

 

مقدِّمة: المفاهيم الإنسانيَّة المشتركة بين غوته والريحاني:

يُعتبر أمين الريحاني واحداً من كبار الأدباء اللبنانيِّين الأميركيِّين الذين تأثَّروا بالثقافات المختلفة، واطَّلعوا على أعمال مهمَّة لكبار الأدباء والفلاسفة والمفكِّرين الإنسانيِّين. ولا يخفي أمين الريحاني بين الحين والآخر إعجابه بالعديد من هؤلاء العباقرة، وخصوصاً جوهان فولفانغ غوته، فهو يخاطبه في كتاب خالد، طالباً النور، المزيد من من النور:

"أردِّد معك يا غوته، تلك العبارة: الضوء، مزيداً من الضوء." (الريحاني، 2011، ص 256)

وفي مقالة له بعنوان "مناهج الحياة" كتبها عام 1910، يستشهد فيلسوف الفريكة بغوته الذي يقول: "إنَّ واجبنا الرئيسيَّ في حياتنا هو أن ننظر إلى كلِّ شيء بتعقُّل وإمعان، دون تحزُّب أدبيٍّ." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الأوَّل، ص 206). ومقالة "مناهج الحياة" نفسها تعبِّر عن معارضة الريحاني لأشكال التحزُّب السياسيِّ والدينيِّ والاجتماعيِّ، من أجل بناء الإنسان القدوة، حيث أنَّ الناس في رؤية الريحاني، هم جميعاً من فصيل واحد.

ولسنا نرى هنا أنَّ ما يقصده فيلسوف الفريكة بعيد عمَّا كان يؤمن به غوته من أنَّ الإنسانيَّة واحدة، ولا تمييز بين إنسان وآخر. فإنَّ غوته في الديوان الشرقيّ للشاعر الغربيِّ يعلن أنَّه الإنسان العالميُّ حيث لا شرق ولا غرب، ولا ديانات تميِّز بين الناس، فها هو يقول في أوَّل قصيدة من الديوان المذكور:

"الشمال والغرب والجنوب تتناثر،

العروش تتصدَّع، والممالك ترتجف..." (Goethe, 1914, p. 1)

ويقول في مكان آخر:

"لله المشرق،

لله المغرب.

الأرض شمالاً، والأرض جنوباً

ترقد آمنة ما بين يديه."  (Goethe, 1914, p. 5)

فغوته يتوجَّه إلى الإنسان أيّاً كان مكانه وزمانه، وهو يتجوَّل في ديوانه "بأزياء مختلفة، كشاعر ألمانيٍّ وتاجر شرقيٍّ، كمسيحيٍّ ومسلم، كتلميذ تعلَّم في مدارس الإغريق، وفي معابد النار المقدَّسة للبارسيِّين من قدماء المجوس." (مكَّاوي، 2006، ص 44)

وقد تبنَّى الريحاني أيضاً فكرة الإنسان غير المحدود، المتحرِّر من إطار الثقافة الواحدة، أو الدين الواحد، أو الانتماء الضيِّق. وينطلق فيلسوف الفريكة، عند طرحه لهذه الفكرة، من ثقافته الخاصَّة ومبادئه الفكريَّة والإنسانيَّة.

ولعلّنا نعثر على بعض التشابه اللفظيِّ بين الريحاني وغوته في موضوع الشرق والغرب. يقول الريحاني في مقالة بعنوان "من على جسر بروكلين":

"الإنسان ليس شرقاً فقط ولا غرباً فقط. هو مزيج منهما." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الأوَّل، ص 115)

وعندما نسمع الريحاني في Chant of Mystics  يقول:

"نحن لسنا من الشرق ولا من الغرب،

ليس من حدود في صدورنا، فنحن أحرار..." (Rihani, 1970, p. 106) يتراءى لنا أنَّنا نسمع صوت غوته. ولسنا نستبعد أن يكون كلٌّ من غوته والريحاني قد استوحى فكرة الوحدة الإنسانيَّة من الصوفيِّين الشرقيِّين القدامى، مـن أمثال جلال الدين الرومي الذي يقول:

"أيُّها المسلمون، ليت شعري، ما التدبير؟ أنا لا أدري مَن أنا، فلا أنا مسيحيٌّ، ولا يهوديٌّ، ولا زرادشتيٌّ، لا مسلم، ولا شرقيٌّ ولا غربيٌّ، ولا أنا جسم ولا روح، فنفسي روح الأرواح." (Rumi, 2008, p. 144)

وكما أنَّ غوته حضَّ على التسامح بين البشر، فإنَّ الريحاني يفعل ذلك في العديد من مقالاته، خصوصاً في الريحانيَّات، وكتاب خالد. فها هو يوجِّه كلامه إلى إنسان القرن العشرين، فيرفع صوته بقسوة على "التعصُّب الخبيث الذميم، التعصُّب الفظيع الأثيم. بل على التعصُّبات كلِّها جمعاء، على التعصُّب الدينيِّ الكافر، والتعصُّب المذهبيِّ الفاجر، والتعصُّب العنصريِّ الخؤون. وإنَّ سيفاً على هذه المآثم كلِّها لهو آية الحقِّ والعدل والإخاء." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الأوَّل، ص 66)

ويعتبر الريحاني أنَّ الخلاص من التعصُّب الأعمى هو في يد الإنسان، "في التساهل الدينيِّ... المجرَّد عن كلِّ صبغة مذهبيَّة أو طائفيَّة." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الأوَّل، ص 66).

وفي موضوع التسامح عند أمين الريحاني يقول الباحث فانك Funk: "كان الريحاني رائداً في التسامح، فإنَّه قدَّم لنا من خلال حياته نمطاً من المصالحة بين الثقافات. فإذا اخترنا أن نتبع هذا المثال... فقد نجد أنَّ العديد من مظاهر التعارض التي تقلقنا اليوم، كما بين الإسلام والغرب، أو بين الولايات المتَّحدة الأميركيَّة والعالــــم العربيِّ، ستبدو قابلة للترميم. وقـــد نكتشف وجـــود التكامل فــــي خضمِّ الاختلاف."  (Funk, 2011, p. 228)

ومن المهمِّ أن نذكر هنا أيضاً التشابه الكبير بين الريحاني وغوته في موضوع الدين، فكلاهما متحرِّر دينيّاً، أو يفهم الدين على طريقته الخاصَّة، وخارج الأطر والقوانين الموضوعة من قبل السلطات الدينيَّة، سواء في أوروبَّا أو في الشرق. وقد كان غوته يرى أنَّ الأفكار الدينيَّة الشائعة لدى عامَّة الناس لا يمكنها أن تكون هي ذاتها عند الإنسان المثقَّف، على الرغم من أنَّ العواطف الدينيَّة لدى الناس المؤمنين بالله قد تكون متشابهة. وقد بدأ غـوته اختباراته الدينيَّة في مرحلة مبكرة من عمره. وبدأت الشكوك مع بدايـة هـذه الاختبارات . (Lowes, 2003, p. 523)

والحقيقة أنَّ غوته قد آمن بالله، ولكنَّه مارس حقَّه في التحرُّر الجوهريِّ من جميع المعتقدات الـمـوضـوعــة مسبَـقاً، وكذلك احـتـفـظ بحـقِّـه فـي تطوير نـفسه تطـويـراً دينيّاً مستـقلاًّ ( (Lowes, 2003, p. 524.

وكان الريحاني متحرِّراً أيضاً، ومتمرِّداً على الأفكار الموروثة، وعلى المفاهيم التقليديَّة لرجال الدين وللمجتمع، وهذا لا يعني أنَّه كان ملحداً، فها هو يصرِّح بانَّ "الدين لازم للإنسان واجب عليه." (الريحانيَّات، 1982، الجـــزء الـثـانـي، ص 19). كــمــا يقرُّ بـأنَّ "الأديان صقلت أنفس الشعــوب فلطفت، الهمجيَّة منها والخشنة." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الأوَّل، ص 248)

غير أنَّ الريحاني يخالف الطقوس الموروثة في الديانات. ففي المحالفة الثلاثيَّة يجاهر برفضه للثالوث الأقدس، وعذريَّة مريم العذراء، وعبادة الصور والتماثيل التي قال عنها: "العبادة مختصَّة بالله فقط، فإذا عبدنا الأوراق والجفصين نحطُّ من مقام الخالق وننتقص من مجده، فضلاً عن أنَّني لا أعرف أحداً صلَّى إلى هذه الأوراق الملوَّنة المصونة بالزجاج وطلب منها شيئاً فناله." (المحالفة الثلاثيَّة، 1972، ص 106). وترى الباحثة أمينة غصن أنَّ الريحاني يشنُّ حرباً على رجال الدين وكتبهم وطوائفهم، لا على جوهر الدين (غصن، 2011، ص 64).

ولسنا هنا في وارد استحضار جميع ما كتبه الريحاني في موضوع الدين، لكنَّنا نكتفي بذكر قليل من الأمثلة التي نلاحظ أنَّه من خلالها يتبنَّى طريقة خاصَّة في العبادة، وفي ترجمة المفاهيم الدينيَّة الأصيلة: "مَن يضْرع إلى القدِّيسين لينصروه على أعدائه، ويأخذوا بيده، وينقذوه من نار الجحيم، يحتقر النفس، ويكفر بالخالق. الصلاة طريق يعرف بها المخلوق خالقه، وليست نقوداً يرشو بها الإنسان ربَّه." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الأوَّل، ص 102) و"لكنَّ أصحابنا ذوي القلانس والعمائم المتبطِّنة أثوابهم بشيء من أثوابنا، وسواهم من رجال الدين، يؤْثرون تمتمة الصلوات على الصالحات، ويفضِّلون التظاهر بالدين على الصدق والإخلاص، ذلك لأنَّهم اتَّخذوا الدين باباً للارتزاق وسلَّماً للسيادة..." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 15)

هكذا إذن، نجد أنَّ في كتابات الريحاني وغوته كثيراً من نقاط التشابه العامَّة، خصوصاً في محاور وحدة الإنسانيَّة، والتسامح، والنظرة المتحرِّرة إلى الدين. وسنحاول في ما يأتي،  إظهار العناصر المشتركة بين مسرحيَّة فاوست لغوته و"رسالة الشيطان" لأمين الريحاني، وفي كلتيهما تركيز على العلاقة بين الإنسان والشيطان، وهي علاقة قديمــــة متجدِّدة، ومـن خلالها تبرز مجموعة مـن القيَم والمفاهيم الإنسانيَّة الشاملة، التي أراد الكاتبان الإضاءة عليها، أو الترويج لها.

لمحة موجزة عن فاوست(*) و"رسالة الشيطان":

قبل أن نبدأ في المقارنة بين "رسالة الشيطان" لأمين الريحاني وفاوست غوته، قد يكون من المفيد أن نعطي لمحة موجزة عن كلٍّ منهما، فمسرحيَّة غوته (كتبت ما بين 1806-1836) تصوِّر في جزئها الأوَّل العلاقة بين الشيطان والإنسان، حيث أنَّ الله يطلب من الشيطان (مفيستوفيلس) أن يغري عبده فاوست، فينحدر الشيطان إلى الأرض ويعرض على فاوست أن يكون خادمه، فيمنحه قوى خارقة، ويمتِّعه بالحياة، بشرط أن تكون روح فاوست في يد الشيطان عند الموت. ويساعد الشيطان فاوست على معاشرة امرأة تدعى مرجريت جرتشن، وعندما يثور شقيقها، فالنتين، يبارزه فاوست فيقتله بمساعدة الشيطان أيضاً. وتتحوَّل حياة مرجريت إلى جحيم لا يطاق، فتحمل سِفَاحاً من فاوست، وتقتل وليدها لكي تطمس الفضيحة، فينتهي أمرها إلى السجن، وهناك تندم أشدَّ الندم وتتوب عن خطيئتها.

أمَّا في الجزء الثاني من المسرحيَّة، فتستمرُّ علاقة فاوست بالشيطان مفيستوفيلس، ويترافقان في رحلة عبر التاريخ إلى عهد الإغريق، حيث يعاصران هيلانة، التي من أجلها نشبت حرب طروادة. وتكثر في هذا الجزء الشخصيَّات الأسطوريَّة، والطقوس السحريَّة، وأجواء الميثولوجيا. ويتحقَّق الكثير من أحلام فاوست وأمجاده، لكنَّ الشيخوخة تداهمه، فيموت وهو يتمنَّى أن تستمرَّ اللحظة (لحظة الحياة والمتعة) فلا تنتهي. ويعتقد الشيطان أنَّ روح فاوست ستكون ملكاً له، غير أنَّ الملائكة تنزل من السماء وتحمل روح الرجل الميت إلى العُلى، حيث يرى القدِّيسة مريم والأرواح الخالدة، ويغفر الله جميع خطاياه.   

______________________________________________________________________

(*) اعتمدنا على الترجمة العربيَّة لمسرحيَّة "فاوست" الصادرة عن المجلس الوطنيِّ للثقافة والفنون والآداب في الكويت- طبعة ثانية - 2008. وقد وضِعت هذه الترجمة في ثلاثة أجزاء: الجزء الأوَّل كناية عن تعريف بالمسرحيَّة وجذورها التاريخيَّة، والجزء الثاني يوازي الجزء الأوَّل في المسرحيَّة الأصليَّة، أمَّا الجزء الثالث فيتوازى مع الجزء الثاني.

 

وقد استوحى غوتـه موضوع التلاقي بين الشيطان والإنسان مــن الأسطورة الألمانيَّة عــن رجل كان يُدعــى فاوست، باع نفسه للشيطان مقابل الحصول على السعادة. وأصبحت هذه الأسطورة موضوعاً لكتب كثيرة صدرت في أوروبَّا قبل غوته بزمن طويل: "هناك كتب عديدة تؤكِّد أنَّ رجلاً اسمه جورج فاوست قد عاش فعلاً من عام 1480 إلى عام 1540 أو 1541 في جنوب ألمانيا. ويقال إنَّ فاوست هذا كان قد وعد الشيطان بروحه مقابل منحه قدرات خارقة... أسرار أسطوريَّة جاءت في أوَّل كتاب حول سيرة حياته، كان قد نُشر عام 1587." (شامي وغوتشان، 2005، ص 118)

أمَّا "رسالة الشيطان" لأمين الريحاني (كتبت عام 1935)، فهي قصَّة غير مكتملة، وموجزها أنَّ الشيطان يظهر على الريحاني نفسه في مدينة لندن، ويعرض عليه أن يكون خادمه. ثمَّ يترافق الاثنان ويتبادلان الأحاديث في مواضيع سياسيَّة واجتماعيَّة ودينيَّة، ويأخذ الشيطان الريحاني في رحلة إلى عالم الأرواح، حيث يشاهدان مجموعات مختلفة من الأرواح السعيدة أو الحزينة. وفي نهاية القصَّة ينادي الله الشيطان لكي يصعد إليه، فيكلِّفه بمهمَّة أخرى.

وخلال هذه الرحلة يتحدَّث الشيطان كثيراً عن نفسه، وعن وظيفته، وطبيعته، وعلاقته بالله والإنسان، ويتبيَّن لنا من خلال الحديث نفسه أنَّه كائن صالح لا يسعى إلى الشرِّ كما يفهمه الناس، بل إنَّه يعمل لمصلحة الإنسان، وإحلال السلام في العالم.

ولا يمكن المقارنة في الحجم، ومجموعة القيَم المختلفة، والحوادث الدراميَّة المتتالية بين مسرحيَّة فاوست و"رسالة الشيطان"، فالأولى عمل مسرحيٌّ ضخم، والثانية قليل من صفحات لم تكتمل. ويبدو أنَّ الريحاني كان يريد أن يجعل من هـذه "الرسالة" محوراً لكتاب مستقلٍّ، فلم يتمكَّن من إنجازه.  (ينظر : الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، حاشية ص 145)

المقارنة بين فاوست و"رسالة الشيطان":

تتماثل فاوست غوته و"رسالة الشيطان" لأمين الريحاني في مجموعة من العناصر، سواء من حيث رؤية الإنسان لدور الشيطان في حياته، أم من حيث الحوادث المتتالية التي تجري في العملين الأدبيَّين. وأهمُّ هذه العناصر:

أ- ظهور الشيطان:

يبدو ظهور الشيطان في كلٍّ مـن فاوست و"رسالة الشيطان" متشابهاً إلى حدٍّ كبير، فغوته يجعل الشيطان (مفيستوفيلس) يظهر على فاوست في هيئة كلب أوَّلاً، بينما يكون فاوست مع مرافق له خارج بوَّابة المدينة. ثمَّ يظهر الشيطان مرَّة أخرى في هيئة إنسان يرتدي ثياباً أنيقة:

"فمن أجل طرد الهموم عنك، جئت إليك كرجل نبيل، متدثِّراً بثوب أحمر مطرَّز بالذهب، وعليَّ عباءة من الحرير المشدود، وعلى رأسي قلنسوة مزوَّدة بريش الديكة، ومعي خنجر طويل مدبَّب." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 44)

وبعد أن يطمئنَّ فاوست إلى الشيطان، يعرض عليه هذا الأخير أن يكون خادماً مطيعاً له:

"مفيستوفيلس: أريد أن أرتبط بخدمتك ها هنا، وبإشارة منك لن أهدأ ولن أستريح." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 46).

وفي مكان آخر يقول مفيستوفيلس لفاوست:

"أكون في خدمتك على الفور. أنا رفيقك وسأحسن الصحبة. أنا خادمك. أنا عبدك." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 46)

ومثلما يظهر الشيطان على فاوست متخفِّياً في ثياب أنيقة، هكذا يظهر الشيطان على أمين الريحاني:

"رأيت أمامي رجلاً في ثوب لندنيٍّ أنيق، يجلس في ذلك الكرسيِّ جلسة الكريم الزائر." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 146)

وعلى الرغم من اختلاف نمطَي اللباس بين زمنين مختلفين، زمن غوته وزمن الريحاني، فإنَّ الشيطان في كلِّ مرَّة ظهر في ثياب أنيقة، لكي يخفي بشاعته عن أعين الناس. وترتبط صفة "التلبُّس" أو "الالتباس" بشخصيَّة الشيطان الذي يحاول دائماً أن يُخفي شخصيَّته الحقيقيَّة، لكي يستطيع إيهام الناس وخداعهم.  

وعند الريحاني، يعرض الشيطان أيضاً أن يكون خادماً لمحدِّثه:

"أنا الشيطان خادمك المطيع المخلِص... سمعتُك تناديني وتدعوني إليك." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 146)  

إنَّ تركيز الكاتبين على خدمة الشيطان للإنسان يؤشِّر على العلاقة الدائمة بين البشريَّة المادِّيَّة المنغمسة في الخطأ، والتي تجد في الشرور انتصاراً لها، وبين الشيطان المستعدِّ في كلِّ مكان وزمان، لتوفير الأدوات اللازمة لهذا الإنسان الضعيف أمام الطبيعة والكون، لكي يغرِق روحه وجسده في مزيد من المآسي. فالإنسان هنا هو السيِّد الذي يطلب، والشيطان هو الخادم الأمين الذي يقدِّم له ما يريد.

ومثلما كان الشيطان رفيقاً لغوته، ويعكس بعض أفكاره، كذلك كان الشيطان عند الريحاني. وكما دعا الشيطان فاوست إلى الوثوق به، والسير على خطاه، يدعو شيطان الريحاني الناس إلى اتِّباعه، لكي يحصلوا على النجاح، ولكي يحلَّ السلم والعدل على العالم (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 154). لكنَّ الاختلاف صارخ هنا بين الأديبين، فشيطان غوته شرِّير حقّاً، كما هو معروف لدى جميع الناس، إذ يقود البطل إلى المهالك والآثام، بينما شيطان الريحاني له وجه خيِّر، غير أنَّ الناس فهموه بصورة خاطئة، ولو أنَّهم فهموه كما يجب، لكانوا استفادوا من قدرته على عمل الخير، (بحسب الريحاني). وكأنِّي بفيلسوف الفريكة يوظِّف طبيعة الشيطان بطريقة أعمق من طريقة غوته التقليديَّة، فالريحانيُّ يريد أن يُظهر أنَّ شيطانه هو أفضل وأكثر جنوحاً إلى الخير من شياطين كثيرين في مجتمعاتنا المعاصرة، يتخفَّون عن الناس في وجوه غير وجوههم، ويعيثون فساداً وقبحاً وحروباً، وانحطاطاً أخلاقيّاً.

وتبلغ الصداقة بين الشيطان وكلٍّ من فاوست والريحاني حدّاً بعيداً، فيتبادل الإنسان مع الشيطان الأسرار، ويتعامل معه كصديق ورفيق، ويشرب معه الخمر دليلاً على المودَّة الفائقة، فها هو فاوست يتوجَّه مع مفيستوفيلس إلى الحانات مراراً وتكراراً، حيث يتبادلان الكؤوس في جوٍّ من الصفاء:

"مفيستوفيلس: كان بودِّي أن أشرب كأساً على شرف الحرِّيَّة، لو كانت خموركم أحسن قليلاً." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 63)

وعند الريحاني أيضاً، يشرب الشيطان الويسكي:

"قلت: هل لك قبل أن نخرج من البيت بكأس من الويسكي؟ فقال: لا بأس." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 153)

وفي مكان آخر يقول الشيطان للريحاني:

"أقول لك، وأنا أشرب هذه الكأس على صحَّتك أن تذكر كلامي." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 154)

ب- الشيطان جزء من الإرادة الإلهيَّة:

أظهر غوته في بداية مسرحيَّته أنَّ الله قلق بشأن الإنسان، ولذلك يتعاون مع الشيطان لتغيير حياة فاوست، فالشيطان هنا جزء من الإرادة الإلهيَّة، وهو ينتمي إلى عالم الخير، بدليل وجوده في الجنَّة مع الله. وقد طلب الله نفسه من مفيستوفيلس أن يذهب إلى الأرض لكي يجرَّ روح الإنسان من ينبوعها الأصيل وينحدر بها في طريقه. فالله والشيطان يتعاونان، ويتحاوران، ويضعان الخطط المتكاملة. بل إنَّ الله يفوِّض إلى الشيطان أمر تنفيذ ما تقتضيه الإرادة الألهيَّة في الإنسان:

"الربُّ: حسناً، ليكن ما تريد جرَّ هذه الروح من ينبوعها الأصيل واقتدها، وفي وسعك أن تمسك بتلابيبها، وأن تنحدر بها في طريقك...

مفيستوفيلس: ...إذا بلغت غرضي، فاأْذنْ لي بأن أملأ صدري بنشوة النصر. لا بدَّ أن أطعمه التراب وبشهيَّة، مثل عمَّتي: الحيَّة المشهورة.

الربُّ: لك الحرِّيَّة في هذا أيضاً. وأنا لم أبغض أبداً مَن هو على شاكلتِك." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 9)

يبدو من الحديث بين الإله والشيطان أنَّهما منسجمان في الرأي، وكذلك في الهدف، وهو الأخذ بالإنسان إلى أقداره المحتومة التي لا يستطيع التخلُّص منها. ولعلَّ في هذا الانسجام تعبيراً عن وحدة الوجود، ووحدة الخير والشرِّ، التي سيكمِّلها الإنسان فيما بعد، عندما يلتقيه الشيطان، ويرافقه، ويهيِّئ له سبل الخطيئة.

إنَّ في التحالف بين الله والشيطان ما يدلُّ على ثنائيَّة متكاملة، يعتبرها غوته من مصدر واحد. وفي ذلك يقول مفيستوفيلس:

"أنا جزء من تلك القوَّة التي تريد الشرَّ دائماً، وتفعل الخير دائماً." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 38). ويقول أيضاً: " أنا جزء من الظلام  الذي أعطى الولادة للنور." (غوته،  2008، الجزء الثاني، ص 38)

نستنتج ممَّا سبق أنَّ الله والشيطان، في نظر غوته، يتَّفقان على تسيير حياة الإنسان، ويشكِّلان معه وحدة عضويَّة لا تنفصم إلاَّ شكليّاً فقط، فالله والشيطان هما الإرادة العليا التي تتحكَّم بالمرء، وعلى هذا الأخير أن يخضع لتلك الإرادة التي لا مفرَّ له منها.

وفي "رسالة الشيطان"، يُظـَهـَِّر أمين الريحاني الانسجام بين الله والشيطان بطريقة مشابهة، إذ أنَّ العلاقة بينهما محكومة بمشاعر الودِّ والصداقة والتعاون. يقول الشيطان للريحاني:

"قديماً كان الله يستشيرني قبل أن يقدِم على عمل خطير، فكنَّا نتعاون على البرِّوالتقوى. كنَّا الزميلين الجليلين، بل الأخوين الصفيَّين (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 162).

ويعلن الشيطان صراحة في نصِّ الريحاني أنَّ الله والشيطان والإنسان شركاء:

"إنَّنا شركاء في العمل نحن الثلاثة: الله والإنسان والشيطان... نحن أركان الحياة والكائنات منذ البدء وإلى الأبد. إنَّنا شركاء في العمل وفي المُثل العليا." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 174)

وكما رأينا أنَّ الله عند غوته كان شديد القلق بشأن عبده فاوست، وأرسل الشيطان لكي يتحكَّم بمصيره، فإنَّ الله عند الريحاني قلق

أيضاً بشأن مصير الإنسان وهمومه، لذلك يرسل الشيطان إليه: "إنَّ الله نفسه مضطرب البال من أجل الإنسان." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 147).

ويبلغ التكامل بين الله والشيطان في نصِّ الريحاني مبلغاً متقدِّماً، حيث يدعو الله الشيطان في النهاية النصِّ  لكي يذهب إليه، قائلاً:

"إنِّي مسرور أيُّها الشيطان بمشاهدتك... يا أيُّها الشيطان، سنعمل منذ اليوم متعاونين أنا وإيَّاك والإنسان على تجديد شباب العالم." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 178)

من الواضح أنَّ الريحاني يشبه غوته في رؤيته لوظيفة الشيطان، خصوصاً من حيث علاقته مع كلٍّ من الله والإنسان، بحيث يشكِّل الثلاثة معاً وحدة الوجود.

وفي رأينا أنَّ الوحدة بين الله والإنسان والشيطان هي دليل على اعتقاد كلٍّ من الكاتبين بالحلوليَّة (Pantheism) . وقد دعا سترونغ غوته بأنَّه شاعر الحلوليَّة: "اقترح أن أتحدَّث عنه باعتباره شاعر الحلوليَّة." ((Strong, 1897, p. 282

أمَّـا الريحاني فيقول في كتاب خالد (وخالد هو الريحاني نفسه): الإنسان هو الأسمى، فقط متى كان الأسَّ الصحيح للطبيعة والروح والله: تلك الينابيع الإلهيَّة الثلاثة التي يصدر عنها (كتاب خالد، 2011، ص 251).

وفي قصيدة غير منشورة باللغة الإنكليزيَّة عنوانها: "الهديَّة السامية" "The Gift Supreme"، يقول الريحاني:

"أهمُّ من الظلمات والنجوم(...)

أهمُّ من القمر وخمر بابل والفردوس(...)

أن نتَّحد بك جميعاً اتِّحاداً إلهيّاً" (عن الريحاني، أمين ألبرت، 1987، ص 219)

ولعلَّ كلاًّ من الريحاني وغوته تتبَّعا أثر الصوفيَّة الشرقيَّة في اعتقاد الحلوليَّة ووحدة الخالق والمخلوق. فمن المعروف أنَّ غوته تأثَّر كثيراً بحافظ الشيرازيِّ وجلال الدين الرومي، فقد وضع في الديوان الشرقيِّ للشاعـر الغربيِّ كتاباً خاصّاً بحافظ. كما كتب قصيدة بعنوان: "جلال الدين الرومي يقول"(Goethe, 1914, p. 61) .

ويَعتبر الباحث جبر أنَّ الريحاني أيضاً كانت له نظرة مؤيِّدة للحلوليَّة، تأثَّرت إلى حدٍّ كبير بالصوفيَّة الشرقيَّة (جبر، 1988، ص 218).

ونحن نعتقد أنَّ الريحاني كان على معرفة بنهج المتصوِّف الكبير جلال الدين الروميِّ، وقد تكرَّرت لفظة "درويش" أو "دراويش" ستَّ عشرة مرَّة في كتاب خالد. والدرويش في الغالب هو جلال الدين الروميُّ أو أحد أتباعه (**). كما أنَّ بطل الريحاني خالد، عندما توجَّه إلى الفلسفة والروحانيَّة، أعلن نفسه واحداً من الدراويش.(Schumann, 2011, p. 295)  ولأمين الريحاني العديد من القصائد ذات المنحى الصوفيِّ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر  قـصـيـدة بعنوان: أغنية صوفـيَّة  (A Sufi Song)

(Rihani, 1970, p. 80).

______________________________________

(**) يشتهر أتباع جلال الدين الرومي برقصة دائريَّة تسمَّى : الدراويش الدائريُّون. Whirling Dervishes  

ج- الطبيعة القبيحة للشيطان:

ظهرت صورة الشيطان القبيحة في مسرحيَّة فاوست، فهو "الشرِّير الذي يتبدَّى في شكل المحسن، كأنَّه الذئب الكاسر في فروة شاة (غوته، 2008، الجزء الثالث، ص 120). وتجلَّى الشيطان فـي فاوست أوَّل الأمر على صورة كلب لعين، ينتفخ بشعره المشعث (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 37). وعندما حوَّل الشيطان نفسه من كلب إلى هيئة إنسان، كان يعرج برجـْل واحدة (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 61).

وهذا الوصف للشيطان - أي ظهوره مصاباً بعاهة العرج -  يعود إلى اعتقاد شعبيٍّ بأنَّ الشيطان أصبح يعرج برجله اليسرى لأنَّها رِجـْل فـرس(***)، بعد أن غضب منه الله وألقى به إلى خـارج الفردوس (Becker, 2000, p. 127)، فالشيطان يُصوَّر على نطاق واسع بأنَّه يعرج، وبأنَّ إحدى قدميه ملتوية (Rudwin, 1970, p. 93)، وقـد دأب الفنَّانون على تـصـويـر الشيطـان باللـون الأسود وبأبشع صــورة ممكنـة (Defoe, 1728, p. 128).

وبسبب هذه المبالغة الخياليَّة في تصوير الشيطان، يسجِّل غوته اعتراض مفيستوفيلس على عدم فهم الناس له: "لم تؤثِّر فيكم كلماتي. وأنا أدعكم وشأنكم أيُّها الأولاد الطيِّبون. لكن تذكَّروا أنَّ الشيطان عجوز، فصيروا عجائز كيما تفهموه." (غوته، 2008، الجزء الثالث، ص 64)

والشيطان نفسه يقرُّ عند الريحاني بأنَّ الناس لا يفهمونه على حقيقته، ولا يعرفون عنه إلاَّ ما شاع في الكتب، وما هو متوارث خلال

__________________________________________________________________

(***) ارتبطت صفة العرَج عند الشيطان بقصَّته مع القدِّيس دانستان(Dunstan  (909-988، فقد استطاع هذا القدِّيس تركيب نضوة حصان في قدم الشيطان من غير علم هذا الأخير بذلك .(Flight, 1871, pp. 34-35)

العصور. فالشيطان ممتعض من أنَّ البشر يجهلون طبيعته، بل ينظرون إليهنظرة ازدراء واحتقار: "يقولون فيَّ كلَّ قول قبيح ويسمُّونني بالأسماء المنكرة... الشيطان الرجيم! الخنَّاس، الذي يوسوس في صدور الناس." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص161)

واللافت في "رسالة الشيطان" للريحاني أنَّ الشيطان يتمتَّع بشخصيَّة جاذبة، عالِمة، تجيد النقاش، وذات طبائع إيجابيَّة، على عكس ما صوَّره غوته في فاوست، فغوته ينطلق من رؤية دينيَّة تظهِّر الشيطان ببشاعة وخبث، بينما الريحاني لا ينطلق من رؤيته الرفضيَّة الخاصَّة. بل لعلَّه يعتمد على المنطق الذي يقول إنَّ الشيطان ذو طبيعة قريبة من الناس. فهو لا يمكنه إغواؤهم  وجعلهم يسيرون في السبل الملتوية إن لم يظهر عليهم بمظهر فاتن. وقد سبق ميلتون الريحاني في تصوير الشيطان على أنَّه ذو طبيعة راقية، وذلك في القسمين الأوَّل والثاني من الفردوس المفقود، فقد كان شيطان ميلتون في البداية ملاكاً من الشاروبيم، ثمَّ انحدر بعد ذلك في صفاته ليصير حيواناً ذا جناحين. وعندما نصل إلى الجزء الخامس من الفردوس المفقود، نجد أنَّ الشيطان تحوَّل بشكل كامل إلى حيوانيَّة بشعة. وقد يكون الريحاني نظر إلى الشيطان في طبيعته الأصليَّة (ملاك)، ولم يقتنع بأنَّ التحوُّل إلى البشاعة قد حدث فعلاً. ولهذا نرى الشيطان يشكو ويتبرَّم من غلاظة الناس الذين يرون فيه القبح والشرور الفظيعة.

ويتَّضح في "رسالة" الريحاني أنَّ طبيعة الشيطان عصيَّة ومبهمة بالنسبة لطالب المعرفـة (الريحاني نفسه)، ولذلك يطالبه الشيطان بأن ينظر إليه نظرة عميقة متفهِّمة: "فقد حان للناس، وخصوصاً منهم المفكِّرين، أن ينظروا إليَّ وإلى أعماقي نظرة عقليَّة صادقة حرَّة." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 146). ويتَّضح من هذا الكلام أنَّ الشيطان ذو شخصيَّة عميقة تحتاج إلى مزيد من التحليل والدراسة. وقد جعل الريحاني الشيطان على كثير من العلم والدراية، ومتحدِّثاً من الطراز الرفيع، وهذا لا يخالف بعض المعتقدات السائدة، فالشيطان عالِم، وقابل لتعزيز معلوماته، وهو قادر على الإغراء والإقناع بطريقة مدهشة (Gilpin, 1867, pp.21-26).

د- الشيطان يحفِّز الإنسان إلى الأعلى:

في مسرحيَّة فاوست يعمل الشيطان على تحفيز البطل للسير في اتِّجاه معيَّن، أي نحو الطموح الذي تحدُّ منه التقاليد والقيَم السائدة. فإنَّ دور مفيستوفيلس هو أن يبقي الإنسان متحفِِّزاً للطموح (Michell, 1808, p.1).

والتوجُّه إلى الأعلى هو الهدف الذي يسعى فاوست للحصول عليه، فإنَّ فيه روحين متلازمتين: "إحداهما تتشبَّث - في شهوة قويَّة - بالعالم بواسطة أعضاء متماسكة، والأخرى تسمو على التراب بقوَّة صاعدة إلى ساحات الأجداد السامين." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 32).

إنَّ القلق الذي يمزِّق روح فاوست، والذي نتج عن عدم قدرته على اللحاق بما هو فوق معرفة البشر، قد دفع به ذات مرَّة إلى محاولة الانتحار، ولكنَّه عدل عن ذلك واقتنع بالحياة. فاسمعه يقول: "أريد بكلِّ روحي أن أبلغ الأعلى والأعمق... وهكذا تتوسَّع ذاتي إلى ذات الإنسانيَّة." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 49). وعندما يتحالف فاوست مع الشيطان، يضع في حسابه أنَّ مفيستوفيلس إنَّما سيوصله إلى عوالم خفيَّة لم يتمكَّن وحده من الوصول إليها.

وفي "رسالة الشيطان" يقوم الشيطان بدور مشابه، فيقود الإنسان إلى الطموح، بل إلى السبيل الأعلى:

"عليَّ أن أشعل في صدر الإنسان نور الطموح كلَّما انطفأ ذلك النور... عليَّ أن أنبِّهه، وأستفزَّه، وأحرِّضه، وأستغويه... يجب عليَّ

أن أساعده ليفهم ذلك، وأن أستحثَّه على العمل على التصعيد في السبيل الأعلى." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 147)

ولا بدَّ لنا هنا من الوقوف عند لفظة "استغويه"، وهي لفظة تؤشِّر على التوازي العميق بين الريحاني وغوته. أفلم يقم مفيستوفلس برحلة طويلة بين الفردوس والأرض من أجل إغواء فاوست؟ أوليس هو مَن أستغواه من أجل أن يُغرم بمرجريت جرتشن ويعتدي عليها جنسيّاً؟ أليس هو مَن جعل من حياة فاوست نزهة في أرجاء اللذَّة والخطيئة؟

ولكنَّ الاستغواء عند الريحاني لا ينطوي على ملذَّات جسديَّة، بل هو طاقة ملتهبة تنتج عنها المعرفة العقليَّة. فالتوجُّه نحو الأعلى عند غوته هو توجُّه جسديٌّ شهوانيٌّ من جهة، وتوجُّه إلى الذات العليا من جهة ثانية، أمَّا الريحاني فإنَّ إغواء الشيطان للإنسان عنده يهدف إلى إغنائه بالمعرفة المطلقة أي معرفة الحقيقة الكاملة، معرفة الله.

هـ- الرحلة إلى عالم الروح:

في مسرحيَّة غوته، يطلب الشيطان من فاوست أن يتمسَّك بذيل ردائه، لكي يأخذه في رحلة إلى ما وراء العوالم المنظورة، إلى جبال الهارتس، حيث يلتقيان بالأرواح:

"أقول لكنَّ في وجوهكنَّ أيَّتها الأرواح إنِّي الآن أحمل استبداد الأرواح." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 131).

ويقصد غوته بالأرواح هنا جميع آلهة الوثنيَّة التي تحوَّلت في نظر العامَّة إلى جنٍّ وعفاريت وشياطين، بعد انتصار المسيحيَّة على الوثنيَّة في ألمانيا. وقد أصبحت جبال الهارتس Harz موضعاً لاحتفالات وثنيَّة سمِّيت "بسبت الساحرات". والساحرات في الأصل هنَّ كاهنات الآلهة الوثنيَّة المنقرضة (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 161)

ويجسِّد هذا الارتقاء من الأرض إلى عالم الأرواح رغبة غوته نفسه في اكتشاف ما وراء الطبيعة. وقد كان غوته يتمنَّى أن يصعد إلى السماء على عربة من نار، كما إيليَّا النبيُّ لمعرفة الحقيقة الكاملة:

"عربة ناريَّة تحلِّق مترنِّحة بخفَّة وهي قادمة إليَّ! أشعر أنَّني مستعدٌّ لاختراق الأثير سائراً في طريق جديد إلى أفلاك جديدة للنشاط المحض. هذه الحياة السامية، هذه الغبطة الإلهيَّة (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 19-20). ويعتبر مكَّاوي أنَّ مسرحيَّة فاوست تجسِّد "التعطُّش الذي لا يرتوي أبداً إلى الأبديِّ أو المطلق أو الله، أو هو السعي الذي لا ينتهي إلى الوجود الكلِّيِّ." (مكَّاوي، 1999 ، ص 43)

وفي "رسالة الشيطان" يطلب الشيطان من أمين الريحاني أيضاً أن يأخذه إلى عالم الأرواح:

"إنَّنا ندنو الآن من عالم الأرواح. وهاك طائفة منهم." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 156)

وكما طلب الشيطان من فاوست أن يتمسَّك بردائه، لكي ينطلقا في رحلة البحث عن المجهول، في عوالم فوق الطبيعة، كذلك يفعل الشيطان مع الريحاني، إذ ينطلق معه إلى جبل عالٍ (الجبل هو الشيطان نفسه يرتقي الريحاني إليه):

"وسرنا بعد ذلك إلى ردهة القراءة، تلك الردهة المستديرة، ذات القبَّة الكبيرة، فأومأ الرفيق إلى القبَّة، فإذا هي تنشقُّ، فتنشقُّ، حتَّى بدت السماء من فرجتها، فقال (الشيطان) وهو يبتسم ابتسامة مؤنسة مطمئنة: "هات يدك، ولا تخف." ما خفت ويده تضمُّ يدي." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 155).

أنَّ مشهديَّة انشقاق السقف عند الريحاني لا تختلف كثيراً عن تلك المؤثِّرات البصريَّة التي يستخدمها غوته في مسرحيَّة فاوست، أكان ذلك في الجزء الأوَّل، أم في الجزء الثاني. ففي بداية المسرحيَّة، ينفتح المسرح على مشهد السماء حيث رؤساء الملائكة والله والشيطان. وعندما ينتهي الحوار بين الخالق والروح الشرِّيرة تُغلق السماء، ويغادر رؤساء الملائكة (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 10). وفي نهاية المسرحيَّة نرى "شدق الجحيم الرهيب ينفتح ناحية اليسار." (غوته، 2008، الجزء الثالث، ص 199)

وعلى الرغم من هذا التشابه، يمكننا ملاحظة أنَّ رؤية الريحاني أثناء الرحلة إلى عالم الأرواح، تختلف عن رؤية غـوته، فالريحاني ينصبُّ اهتمامه على قضايا إنسانيَّة، ودينيَّة وفكريَّة، وينتقد الحروب والمتحكِّمين بأقدار الناس وثرواتهم، سواء أكان هذا الانتقاد على لسان فيلسوف الفريكة أم على لسان الشيطان، بينما ينصبُّ اهتمام غوته، خلال رحلته مع مفيستوفيلس، على تصوير أجواء سحريَّة وعوالم مدهشة... وقلَّما يتطرَّق إلى الهموم الإنسانيَّة الشاملة.

و- أجواء أسطوريَّة واحتفاليَّة:

في مسرحيَّة غوته، يلتقي البطل فاوست عدَّة مرَّات بمجموعة من الآلهة الأقدمين، وأكثرهم يظهرون في أجساد بشريَّة أو حيوانيَّة، ويتحدَّثون، ويقومون بأعمال خارقة (زيوس، بان، أورياس، زيتوس، كلاييس، أريس... إلخ). وقد كان غوته مُلزماً برؤية هؤلاء الآلهة المتعدِّدة في مسرحيَّته، من جرَّاء كونه، في صورة بطله فاوست، يعايش فترة زمنيَّة غابرة، هي فترة حروب طروادة، حيث تتماهى صور الآلهة والأبطال وأنصاف الآلهة مع الموقع المكانيِّ (اليونان القديمة) والزمن التاريخيِّ (فترة الحروب الإغريقيَّة). ولعلَّ الكثير من شخصيَّات تلك الحرب وأعمالهم الخارقة هي في الأصل من تصوُّرات الشاعر الأعمى هوميروس، صاحب الألياذة.

وخلال تلك اللقاءات، تتصاعد أغنيات جماعيَّة راقصة، تؤدِّيها أجواق من الأرواح والساحرات. فلنستمع إلى إحدى الجوقات تنشد:

"نأوي في همس إلى هذه الرابية التي تجلِّلها الكروم. وهنا في أيِّ وقت نستطيع أن نشاهـد الكرَّام، وهو يشقى في الفلح والزرع

من أجل نتيجة مشكوك فيها." (غوته، 2008، الجزء الثالث، ص 150).

والريحاني في "رسالة الشيطان" يلتقي أيضاً ببعض الآلهة القديمة، مثل سميراميس ملكة أشور، وسافو وتلميذات لها، والمرِّيخ ربِّ الحروب (ينظر الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، الصفحات 157، 163، 170).

والريحاني لا يعود كما عاد غوته إلى تاريخ سحيق، بل إنَّه ينطلق مع شيطانه إلى عالم الأرواح، فيبدو لنا أنَّ أولئك الآلهة الغابرين، الذين نـَزعت عنهم الديانات صفات القداسة، وأعطتها لإله واحد يعبده الناس، أصبحوا أيقونات منسيَّة في الما وراء، لو لم يأخذنا الريحاني إلى عالمهم البعيد، فينفض الغبار عن وجوههم وعن أصواتهم، ويجعلنا نعيش معهم في رحلة قصيرة، لكنَّها مليئة بالموحِيات والأجواء الميثولوجيَّة.

وفي هذا الجوِّ من الأسطورة المدهشة الذي يخيِّم على "رسالة الشيطان"، نستمع هنا وهناك إلى مقاطع غنائيَّة جماعيَّة، تؤدِّيها الآلهات والأرواح اللامنظورة:

"متى يعود الحارث بالمحراث والجذور؟

متى يعود إلى الأرض البهجة والحبور؟

متى تجبر القلوب يا فتَّاح؟" (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 157)

ويمكننا أن نلاحظ هنا أنَّ الكرَّام الذي يشقى في الفلح والزرع عند غوته إنَّما هو نفسه الحارث الذي سيعود في زمن غير معلوم عند الريحاني. كلاهما مُزارع، بل إنَّ كليهما قد يكون الخالق نفسه، فالناس في المفهوم الدينيِّ المسيحيِّ هم الكرمة، وهم الزرع، بينما الله هو الزارع والحاصد الذي يميِّز بين السنابل الصالحة وتلك التي نبتت بين الحجارة والأشواك (متَّى 13: 3-9).

ز- وحدة الزمن:

يبدو إيمان غوته بوحدة الزمن جليَّاً في فاوست، فقد امتزج الحاضر بالماضي، واستطاع فاوست أن يعود إلى التاريخ القديم، ليعيش في عصر حروب طروادة، ويلتقي بهيلانه التي من أجلها نشبت تلك الحروب، في جوٍّ من الخوارق والأساطير والحروب العنيفة. ولعلَّ زواج فاوست من هيلانه هو زواج المادَّة الحيَّة المتمثِّلة بفاوست، والمادَّة البائدة المتمثِّله بهيلانه. بل هو المزج بين الآن وقبل الآن، ليولد منها الزمن المتواصل المتَّحد، الذي لا تحدُّه حدود، ولا تقطعه فواصل.

هذا الانتصار على الجماد يحقِّقه فاوست عدَّة مرَّات، خصوصاً عندما يموت في نهاية المسرحيَّة، فيتأكَّد له أنَّ ما كان يبحث عنه (الحقيقة) موجود في مكان ما، والموت هو الوسيلة للوصول إليه. بل إنَّ الموت لا يعني توقُّفاً أو جموداً في حركة الزمن، فتستمرُّ حياة الإنسان في شكل آخر، مع الله والقدِّيسين والملائكة، ولا يعود الشرُّ محسوباً على الخاطئ، فالشرَّ هــنـا يتوازى مع مفهوم الله، والمرء الخاطئ المضطرب يخلص في النهاية (strong, 1897, p. 324).

والريحاني استطاع أن يحقِّق هذا الاختراق للزمن، إذ أنَّه صعد برفقة الشيطان إلى عالم الأرواح، فالتقي بأناس من الأموات، لكنَّ أرواحهم ما زالت حيَّة في الما وراء. وهنا أيضاً يتوحَّد الآن مع القبل، ويصبح الزمن كتلة واحدة عصيَّة على الاندثار. ويمكن القول إنَّ سقف الغرفة الذي اخترقه الريحاني مع شيطانه ليبلغ عالم الأرواح هو سقف الزمن الذي ينبغي اختراقه وتحطيمه من أجل توحيد الزمان، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وكذلك من أجل  بلوغ الكمال. وهكذا تكون الحركة الزمانيَّة كتلة واحدة متراصَّة، لا تمييز فيها بين الأمس واليوم والغد.

ح- الخطيئة لا تقود إلى الهلاك:

إنَّ الشيطان عند غوته لا يمثِّل الشرَّ المطلق كما يعتقد عامَّة الناس، بل هو يصنع الخير أيضاً. ولعلَّ في هذا الاعتقاد، محاولة لرفع الخطيئة عن المخلوق، وإرجـاعها في بعض وجوهها إلى الخالق نفسه، فالإنسان معرَّض للخطيئة في كلِّ يوم، وإذا أخطا فإنّه ليس المسؤول عن هذا الخطأ، إذ أنَّ قوَّة أكبر منه قوامها الله والشيطان معاً، هي التي تتحكَّم في أعماله وتقوده إلى المعاصي. ولهذا نجد الغفران مسيطراً على نهاية مسرحيَّة فاوست، فالله تعالى يستقبل الإنسان الخاطئ والكثير المعاصي، ويغفر له زلاَّته التي ارتكبها بغير قصد أو إرادة تامَّة منه.

إنَّ فاوست المتحالف مع الشيطان، والطامح إلى التطوُّر العلميِّ والوجوديِّ، هو إنسان مؤمن في الحقيقة، وينشد الخلاص، وعندما يموت عجوزاً، تكون له الجنَّة. وربَّما يكون هذا الغفران المجَّانيُّ غير مقبول في نظر الدين المسيحيَّ، والكاثوليكيِّ تحديداً.

لقد صعد فاوست إلى الجنَّة، من غير التوبة والاعتراف والندم. ولم يبدِ كثيراً من الألم والإحساس بالذنب. وهذا يُظهر أنَّ الله ليس غاضباً منه، ولا يعتبر أنَّ ما فعله يستحقُّ الجحيم، حيث أنَّ الخطيئة أيضاً هي جزء من الإنسان، ولا تنفصل عنه.

ويمكننا أن نسأل هنا: ألا وجود في نظر غوته للجحيم؟ ومَن يستحقُّ الجحيم أكثر من فاوست الذي عقد اتِّفاقاً مع الشيطان، وسار على طريقه، وارتكب المعاصي الشائنة؟ وكيف ينجو الإنسان من العقاب الإلهيِّ ويصعد إلى الجنَّة من غير الأسرار المقدَّسة التي

أعدَّت لتخليصه وغفران خطاياه؟

يبدو أنَّ غوته ينظر إلى الله نظرة مغايرة لِما دأب عليه الناس من اعتقاد بأنَّ المسافة بين الله والإنسان بعيدة، ولا يمكن تخطِّيها إلاَّ من خلال طقوس موضوعة، وقوانين سنَّتها الكنيسة. فالله عند غوته غفور ورحيم، ولا يحتاج المرء إلى كثير من مظاهر الندم والتوبة لكي يصل إليه.

ويصيب الريحاني الفكرة نفسها حين يقول في "رسالة الشيطان":

"إنَّ النعيم والجحيم حالان نفسيَّتان، أمْرُهما - في الحياة الدنيا وفي ما يتلوها من حياة - بيَد الإنسان. والاعتقاد في كونهما ثواباً وعقاباً في الحياة الأخرى ينافي طبيعة الله، روح الحبِّ والحنان." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 122)

ونستشفُّ من كلام الريحاني أنَّ العالم الروحيَّ ليس مكاناً للعقاب، بل إنَّه مكان تلتقي فيه جميع الأرواح، سواء كانت خاطئة أم غير خاطئة:

"قال الشيطان: لننتقل إلى طبقة أخرى من عالم الروح. إنَّ التقسيم هنا ليس مضبوطاً محدَّداً، والأرواح تتجاوب وتتزاور. ولك أن تقول: إنَّها كالطيور على أشكالها تقع." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 169). ويقول الشيطان في مكان آخر: "إنَّنا نجتاز الآن ظلمات الأرواح الهالكة كما يقولون. وهي كما ترى، ظلمات فارغة. فأين تلك الأرواح؟ أقول، ولا يخامرك الشكُّ في ما أقول: إنَّ لا وجود للأرواح الهالكة. فالأرواح، زدت علماً، إمَّا سعيدة وإمَّا شقيَّة." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 160).

يبدو من كلام الشيطان أنَّ الريحاني يعتقد بأنَّ عالم الأرواح واحد، لكنَّه مؤلَّف من طبقات متتالية. والأرواح متشابهة، كالطيور التي على أشكالها تقع، بعضها سعيد وبعضها شقيٌّ، ولكنْ ليس هناك من أرواح هالكة كما تنصُّ الديانات. فالهلاك في النار الأبديَّة، وما شابه ذلك من أنواع العقاب التي يخافها البشر، هي في "رسالة الشيطان" غير موجودة.

ط- النظرة إلى العلم:

من السهل أن نكتشف في مسرحيَّة غوته أنَّ فاوست هو رجل عالم، يحمل شهادة الدكتوراه، ويتعمَّق في الدراسات: "ها أنذا قد استبحرت بسعي محموم في دراسة الفلسفة والقانون والطبِّ، وفي دراسة اللاهوت أيضاً... نعم! أنا أدعى بالأستاذ، بل وبالدكتور..." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 10).

وفاوست العالم ليس إلاَّ غوته العالم نفسه، الذي ترك بصمات كبيرة في الأدب، كما ترك بعض الإنجازات العلميَّة، خصوصاً في كتاب عنوانه "نظريَّة الألوان". ويعتبر الكثيرون هذا الكتاب ضعيفاً، إذ أنَّ غوته في نظرهم "كان عالماً فاشلاً بالمعنى الفيزيائيِّ لهذه الكلمة، ولا شكَّ أنَّه لو كان بيننا اليوم وسمع هذا الحكم من رجال علم الفيزياء لاستشاط غضباً." (أنيس، 2010 ، ص 230)

وقد مدح غوته نفسه كعالم أكثر من كونه شاعراً. يقول:

"أمَّا فيما يتعلَّق بما أنجزته كشاعر فإنَّني لا أفخر به على الإطلاق. ثمَّة شعراء ممتازون عاشوا معي في نفس العصر، وثمَّة شعراء أكثر امتيازاً عاشوا قبلي، وثمَّة آخرون سيأتون بعدي. ولكن في هذا الوقت الذي أعيشه أجد أنَّني الإنسان الوحيد الذي يعرف الحقيقة في علم الألوان، ولهذا أحسُّ بفخر غير قليل." (أنيس، 2010، ص 231)

ومن الطبيعيِّ أن يحدث التجاذب العميق بين العلم والدين في فاوست على أعتاب الثورة الصناعيَّة التي بدأت شمسها تلوح في الأفق. ويعبِّر غوته في فاوست عن قلق الإنسان الدائم في خضمِّ المعتقدات الدينيَّة من جهة، والتطوُّر العلميِّ من جهة أخرى، فالمسرحيَّة تجسِّد طموح الإنسان إلى التقدُّم العلميِّ وصولاً إلى أن يكون هو الخالق. ومن هنا نرى في المسرحيَّة آلة يمكنها أن تخلق "الإنسان الصناعيِّ". وهذا الإنسان يمثِّل رغبة فاوست في الخلق، فيتساوى مع الله (ينظر: غوته، 2008، الجزء الثالث، ص 66-67-68)

وفي فاوست أيضاً تظهر ملامح غوته العالِم، الذي سبق داروين إلى تأكيد التطوُّر لدى المخلوقات، خصوصاً في النبات. فغوته كانت لديـه أبحاث فـي علوم الطبيعة، وقـد أوحت نظريَّاته في كتابه “The Metamorphosis of Plants” الكثير لتشارلز داروين، وخصوصاً عندما أظهر طاقة النباتات على التوالد من ذاتها في شكل جديد. ومهَّدت مثل هذه الرؤى العلميَّة الطريق لنظريَّة داروين. وداروين نفسه، فـي أيَّة حال، أشار في كتاباته عدَّة مـرَّات إلى كتاب غوته.

Miller, (2009)The Metamorphosis of Plants” , p. XXIV.

وللدلالة على إيمان غوته بتطوُّر الأنواع، نقع في فاوست على إشارات متفرِّقة، توضح أنَّ الأشياء تنوالد وتتغيَّر في أشكالها وكينوتنها: "هذه الصخرة حدثت بواسطة دخان نار" (غوته، 2008، الجزء الثالث، ص 92)، "الحيُّ نشأ من الرطب" (غوته، 2008، الجزء الثالث، ص 93)، "هذا الجبل من الطين" (غوته، 2008، الجزء الثالث، ص )، "إنَّ الطبيعة تشكِّل بنظام كلَّ شكل" (غوته، 2008، الجزء الثالث، ص 93)، "كان الجبل مستديراً والآن أصبح مدبَّباً" (غوته، 2008، الجزء الثالث، ص 94-95 )...إلخ.

وعلى الرغم من أنَّ الريحاني لا يرقى في العلوم الطبيعيَّة إلى مستوى غوته، فإنَّه في "رسالة الشيطان" يقول لمرافقه: "إنِّي طالب علم، أنشد المعرفة والحقيقة." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 149)

ولسنا نرى الكثير من الإشارات إلى العلم في "رسالة الشيطان"، ما عدا قول الريحاني لمحدِّثه إنَّه روَّض مخيِّلته في روضتين: روضة العلم لدروين، وروضة الشكِّ لهكسلي (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 149).

ومن المعروف أنَّ هكسلي (1825-1895) Thomas Huxley من أشدِّ المدافعين عن نظريَّة دروين: "النشوء والارتقاء". ويعتبر هكسلي أنَّ دروين قدَّم خدمة جليلة للبشريَة من حيث أنَّه أظهر عاملين أساسيَّين في عمليَّة النشوء والارتقاء: العامل الأوَّل هو قابليَّة التغيُّر عند المخلوقات، أي الوجود الذي يمكن من خلاله إثبات قدرة التغيير من خلال المعاينة، والعامل الثاني هو تأثير الظروف المحيطة في تكوين الأنواع الحاليَّة مـن المخلـوقـات وكـذلـك الأنــواع الماضية المتغيِّرة التي تـحـدَّرت مـنـهـا.

(Huxley, 2004, p. 19)

والريحاني نفسه يتحدَّث بإعجاب عن داروين في "رسالة الشيطان": "أجل إنَّ في المتاحف الطبيعيَّة الأدلَّة على صحَّة العقيدة الداروينيَّة، داروين أخونا الأكبر الأبرُّ." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص157).

ونحن نعرف أنَّ الريحاني يقرُّ صراحة بمبدإ التطوُّر، فيقول للملك فيصل في العراق: "إنِّي ممَّن يعتقدون بالنشوء والارتقاء في الطبيعة وفي الاجتماع، وإنَّ التطوُّر معراج الانقلاب الحقيقيِّ." (ملوك العرب، لا تاريخ، الجزء الأوَّل، ص 816).

وعندما يخبر فيلسوف الفريكة الشيطان بأنَّه روَّض مخيِّلته في روضة "العلم" وروضة "الشكّ"، يدفعنا إلى أن نسأل أنفسنا: هل كان العلم بعيداً عن شخصيَّة فاوست الأكاديميِّ العالِم، الذي كان يسعى إلى الحقيقة الكاملة؟ وهل كان الشكُّ بعيداً عنه أيضاً، وهو الذي كان غارقاً في الحيرة، والتساؤل، والريبة إلى حدِّ اليأس والانتحار؟ أوليس الإنسان الذي وصفه شيطان الريحاني بأنَّه مضطرب البال، حائر، جزع، يخبط في الدجى (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 147) هو نفسه بطل غوته؟

يردُّ الباحث أوين على بعض هذه التساؤلات بإجابة قاطعة، مفادها أنَّ فاوست غوته هي واحدة من أعظم خمس مسرحيَّات في التاريخ من حيث تجسيدها للشكِّ، فإنَّ غوته يضعنا في احتكاك مباشر مع العلاقة بين الشكِّ والمعرفة الإنسانيَّة بأكملها (Owen, 1972, p.171).

وفي المحصِّلة، إنَّ غوته والريحاني ينشدان الحقيقة بالتوازي، وإن كان أحدهما يميل إلى العلم أكثر، فكلاهما يطمح إلى معرفة الحقائق الخفيَّة التي لم يستطع العلم بعد الوصول إليها. وهذه الحقائق هي التي شغلت المفكِّرين والفلاسفة خلال العصور.  

ي- أفكار دينيَّة:

يستغلُّ كلٌّ من غوته والريحاني شخصيَّة الشيطان للتأكيد على أفكار دينيَّة ولاهوتيَّة. فها هو مفيستوفيلس ينصح أحد التلاميذ بالحذر عند تعلُّم اللاهوت: "وفي ما يتعلَّق بهذا العلم، فـإنَّ مـن العسير تجنُّب طـريـق الضلال، لأنَّه يكمن فيه كثير مـن السموم... والأفضـل هـا هنا أيضـاً ألاَّ يكون لك غير أستاذ واحد، وأن يكون حلفك بكلمات الأستاذ (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 54).

ويبرز غوته موقف رجال الدين المعادي للشيطان، إذ يقلق رئيس الأساقفة من التجاء الإمبراطور إلى الشيطان وأعماله السحريَّة،

ويطلب منه أن يكفِّر عن هذه المخالفة الصريحة للدين، بأن يأمر ببناء كنيسة عظيمة. (غوته، 2008، الجزء الثالث، ص 181)

وفــي الحقيقة، كانت جميع تصرُّفات فاوست منافية للإيمان المسيحـيِّ القويم بمعناه العقائديِّ الصارم، لأنَّ غوته أخذ البطل إلى أبعد مسافة عن المسيحيَّة الأصيلة (Wilton, 1996, P. 1) .

وشيطان الريحاني يزور الكنائس، ساعياً لاستئصال اللاهوت القديم، كما أنَّه يضع الكلام في فم الواعظ العصريِّ الجديد (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، 152).

والشيطان نفسه يشتكي من رجال الدين الذين يسمِّيهم بالأعداء، وقد حاولوا على مرِّ العصور إبعاد الناس عنه، من خلال دعايات خبيثة قائمة على الكذب والبهتان... "وهم لا يزالون يعلِّمون الاطفال، في أحضان أمَّهاتهم وفي المدارس، تلك الخرافات التي كانت تشاع عنِّي، وتختصُّ بي في العهد القديم السابق للطوفان." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 161)

وكما ابتعد غوته في فاوست عن الأصول الدينيَّة الموضوعة، هكذا فعل الريحاني وهو يناقض المفاهيم الكنسيَّة، فكيف يرافق إنسان الشيطان، ويتحاور معه في ودٍّ ولباقة، ويتبادلان كؤوس الشراب، وينسجمان في المواقف السياسيَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة المختلفة؟ وكيف يسمح كاتب للشيطان بأن يعبِّر عن طائفة من آرائه وأفكاره، فإذا بالشيطان لا يضمر عداء للنجاح المادِّيِّ، ولا يعترض على الرفاهيَّة الاجتماعيَّة، إنَّما هو خصم أولئك الذين يجعلون من ثمار المدنيَّة إرثاً عائليّاً أو وطنيّاً، وضدُّ الرفاهيَّة المحصورة والبؤس الشامل؟ (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني،  ص 151).

ك- مواقف من الحرب:

يصوِّر غوته في فاوست شرور الحرب وويلاتها، فيعيدنا إلى العصر الإغريقيِّ القديم، حيث نعيش مع الحروب الكارثيَّة، ونصادف هيلين، التي من أجلها نشبت حرب طروادة. وبين الفينة والأخرى يتجلَّى وصف غوته للحروب ونتائجها السلبيَّة على البشر: "سقطت الامبراطوريَّة في الفوضى، وتنازع الكبير والصغير أشدَّ التنازع، وطرد القصر ضدَّ القصر، والمدينة ضدَّ المدينة، واحتدم الشقاق بين النقابة والنبالة، وبين الأسقف وجماعة القسوس والرعيَّة، ومـــــا تقع العين إلاَّ على أعداء." (غوته، 2008، الجزء الثالث، ص 158)

وفي مقطع آخر يقول غوته:

"أصحاب رباطات الذراع ورباطات الساق، مثلهم مثل أنصار البابا وأنصار الإمبراطور، وقد جدَّدوا الصراع الأبديَّ بعنف. هم ثابتون على ما ورثوه من آراء، لهذا أثبتوا أنَّهم لا يقبلون التصالح. والضجيج يرنُّ بعيداً واسعاً. وأخيراً في أعياد الشيطان تفعل البغضاء الحزبيَّة أقصى فعلها حتَّى آخر درجات القسوة. ويدوِّي بينهم مثل دويِّ بان Pan، فيه شدَّة ووحدة شيطانيَّتان، فيثير الفزع في الوادي." (غوته، 2008، الجزء الثالث، ص 174)

وفي مقطع ثالث يقول:

"شاهدت الكثير من الأمور المفزعة، ويلات الحرب، ليلة طروادة، لمَّا أن سقطت... كنت أسمع صوت الآلهة الرهيب ينادي، وسمعت الأصوات النحاسيَّة، الصراع المحتدم في ساحة المعركة... لكنَّ لهيب النار قفز من بيت إلى بيت، وانتشر بفعل الرياح العاصفة فوق المدينة أثناء الليل. وفي أثناء هروبي استطعت مشاهدة الآلهة وهم قادمون خلال الدخان والحرارة والنيران المتواثبة... مردة عجيبة تخترق الظلام الرهيب." (غوته، 2008، الجزء الثالث، ص 115)

ونحن نعرف أنَّ غوته مسالم حقيقيٌّ. ونزعته المتطرِّفة إلى السلام  قد لا يفهمها الناس في مجتمع تقليديٍّّ يقدِّس العادات السائدة والحسَّ الوطنيَّ. يقول مصطفى ماهر عن غوته: "كان غوته رجل سلام، يرفض الحرب كلَّ الرفض من منظور الحضارة. وقد لامه البعض لأنَّه عندما نزلت جيوش نابليون المانيا لم يحمل السلاح لمحاربتها. تحدَّث غوته إلى إيكرمن عن هذه القضيَّة في عام 1826، فقال: إنَّ عالم هؤلاء عالم لا معقول، لا يعرف ماذا يريد، فدعهم في لغوهم. دعهم وشأنهم. كيف كان يمكنني أن أشهر السلاح دون كراهية؟" (ماهر، 1999، ص 24)

إنَّ غوته إذن رافض لحمل السلاح ضدَّ نابليون، فهو مختلف عن الناس الآخرين الذين يرون في الدفاع عن الوطن التزاماً بالكرامة وحقّاً مشروعاً. ولكنَّه في فاوست لا يعبِّر كثيراً عن رفضه للحرب، بل يكتفي بتصويرها تصويراً دراميّاً فظيعاً.

أمَّا عند الريحاني، فتطالعنا آراؤه الإنسانيَّة الشاملة تجاه الحرب. ولكي نكون منصفين، علينا أن نعترف بأنَّ الريحاني أكثر عمقاً من غوته (في فاوست) عند مقاربتهما لموضوع الحرب والسلام، فإنَّ غوته يقتصر على التصوير الفنِّيِّ، الذي تكثر فيه مشاهد النار والدخان والدمار، ولعلَّه كان مأخوذاً بالميثولوجيا والسرد التاريخيِّ والفانتازيا، أكثر ممَّا كان مهتمّاً بإبداء المواقف. أمَّا الريحاني فيذهب إلى مدى أبعد، فيصدر مجموعة من المواقف المناهضة للحروب، ويصبُّ جام الغضب واللوم على مثيري الحروب من حكومات ودول وأفراد.

لقد تجاوز الريحاني العناصر السرديَّة والوصفيَّة لرحلته مع الشيطان، لكي يبرز آراءه القويَّة تجاه الحروب ومَن يحاربون. ومن المواقف التي يعبِّر فيها فيلسوف الفريكة عن فداحة الحروب وبشاعتها، وعن غضبه من مظاهر القتل والتدمير واغتصاب الحقوق البشريَّة:

"هناك ضحايا المرِّيخ ربِّ الحروب. فلقد كانوا يمشون إلى الحرب بقلوب مفتونة بحبِّ الوطن، أو خائفة من سخط الوطن، أو مسوقة بسوط حكومة الوطن. كانوا شجعاناً في الحرب، وما كانوا شجعاناً في العصيان. والشجاعة في الحرب مركَّبة من شتَّى المخاوف، وأقبحها خوف "الأبطال" من القال والقيل، وخوف "المقاتل" من الرصاص المؤدِّب والسجن إذا تقهقر، أو فرَّ. حارَبوا، وهم يلعنون الحروب. مسكين البطل، ومسكين البطيل! ومساكين، مساكين الشهداء!" (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 163).

يبدو ممَّا سبق من كلام الشيطان أنَّ الحروب تحدث بسبب حبِّ الوطن، ورضوخاً لأوامر الحكومات. أمَّا الجنديُّ المقاتل فيخاف أن يرفض الحرب لأسباب تتعلَّق بسمعته في المجتمع، وبما هو شائع من قيَم ومفاهيم لدى الناس، وكذلك خوفاً من العقاب على أيدي الأقوياء المتسلِّطين. ويصف شيطان الريحاني المحاربين بالمساكين، سواء نجوا من الحرب أم هلكوا فيها، إذ أنَّ الحرب خسارة على الإنسانيَّة أجمع، ولا يسلك من شرورها المنتصرون.

ل: الناس مخدوعون:

تزخر مسرحيَّة فاوست بصور المخدوعين، ففاوست خُدع من قبَل الشيطان، ومرجريت خُدعت من فبل فاوست، والشيطان خُدع في النهاية عندما تصوَّر أنَّ روح الإنسان ستكون في يديه، لكنَّها أفلتت منه وذهبت إلى السماء. ومن هنا يقول فاوست بمرارة: "أناس مخدوعون... من آدم حتَّى الآن والإنسان بليد مغرَّر به!" (غوته، 2008، الجزء الثالث، ص 89)

وفي "رسالة الشيطان" تطالعنا طوائف من الناس المخدوعين: جنود يُدفعون دفعاً إلى القتال تحت شعارات خادعة، كالدفاع عن الوطن وصيانة الأعراض، وآخرون خُدعوا من قِبل أعداء الشيطان، فصوَّروه في الخرافات على غير صورته، ومنهم مَن خُدعوا من قِبل السياسيِّين ورجال الدين، ومنهم مَن خُدعوا على أيدي المشترعين: "لقد خدعنا المشترعون، أولئك الذين دنَّسوا معبد المشترع الأكبر..." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 164). وهناك مَن خُدعوا بوعود الدول الكبرى والخطباء والوزراء "الذين يحملون الأكاليل إلى ذلك الضريح (ضريح الجنديِّ المجهول) بيد، ويوقِّعون باليد الأخرى المشاريع للزيادات الضخمة في التسلُّح البحريِّ والجوِّيِّ والبرِّيِّ." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 165)، والأرواح جميعاً هي أرواح "المخدوعين والمنبوذين والمقهورين" (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 152)... وكأنَّ الريحاني يردِّد من حيث يدري أو لا يدري كلام غوته عن البشر المخدوعين من آدم حتَّى اليوم.

خاتمة وتقويم:

هكذا تبرز المتشابهات الكثيرة في مسرحيَّة فاوست لغوته وفي "رسالة الشيطان" لأمين الريحاني. ونحن هنا لا نزعم أنَّ العملين متطابقان أو متشابهان تماماً. فمسرحيَّة غوته هي عالم واسع، وسيمضي وقت طويل قبل أن يتمكَّن النقَّاد من فهم وتحليل جميع رموزها وأبعادها الفكريَّة والدينيَّة والإنسانيَّة. أمَّا نصُّ الريحاني فهو نصٌّ قصير نسبيّاً، لا يــرقــى إلى مستوى القصَّة أو الروايـــة، ولكنَّه مليء بالإشارات التي تعبِّر عن رؤية الكاتب الخاصَّة في شؤون الخلق والحياة والموت، وكذلك في موضوع السلوك الإنسانيِّ. وقد ذكرنا سابقاً أنَّ "رسالة الشيطان" هي جزء من عمل كان الريحاني يريد إتمامه، غير أنَّ ذلك لم يحدث لأسباب لا نعرفها.

وهنا يمكننا إيجاز العناصر المتشابهة في فاوست غوته و"رسالة الشيطان" للريحاني، حيث أنَّ الكاتبين يتقابلان مع الشيطان، ويتعاملان معه بكثير من الودِّ والمجاملة، فالشيطان المتلبِّس في ثياب أنيقة هو الخادم المطيع الذي يرافق الإنسان، ويتحاور معه، ويتبادلان كؤوس الشراب في أجواء من الصفاء.

ويُظهر الكاتبان أنَّ الله والشيطان يتعاونان في ثنائيَّة الخير والشرِّ، إذ يبدو أنَّ أحدهما مكمِّل للآخر. وهذا التعاون قد يبدو غريباً في نظر الإنسان العاديِّ، ولكنَّه ممكن الحدوث في رؤية المفكِّر الكونيِّ الذي يتمعَّن في أصول الخير والشرِّ، وتوازنهما في تحقيق الوجود، فالإنسان نفسه لا ينفصل عن ثنائيَّة الخير والشرِّ، بمعنى حلوليَّة الله والشيطان والإنسان في القوَّة العظمى التي تسيِّر الكون.

وقد رأينا أنَّ الحلوليَّة عند كلٍّ من غوته والريحاني ذات علاقة بما يؤمن به المتصوِّفون من وحدة الوجود. فمن المعروف أنَّ غوته كان معجباً بالمتصوِّفين الإسلاميِّين، كحافظ وجلال الدين الروميِّ، كما أنَّ الريحاني كان ذا ميلٍ شعريٍّ إلى الصوفيَّة، وهو ما ظهر في بعض كتاباته النثريَّة والشعريَّة على حدٍّ سواء.

أمَّا شخصيَّة الشيطان، فقد رسمها غوته كشخصيَّة قبيحة، أمَّا الريحاني فقد جعل شيطانه في صورة الكائن المثقَّف، العالم، صاحب الرؤية الكونيَّة الواعية، ولكنَّ هذا الشيطان يشكو من أنَّ الناس يرون فيه شخصيَّة قبيحة، ولا يفهمون طبيعته الحقيقيَّة.

والشيطان لدى غوته والريحاني يدعو الإنسان للسير على خطاه، فيحثُّه على الطموح، ويدفع به إلى تغيير نفسه، كما يساعده  للصعود إلى فوق، حيث تتجلَّى المعرفة والاكتشاف لعالم الأرواح، فينتقل الإنسان من عالم التراب إلى عالم الماورائيَّات المحجوبة، فيتحقَّق الكشف عن المبهَم. وقد رأينا الشيطان في فاوست يقود الرجل إلى عالم الروح في إطار من الميثولوجيا والأجواء الاحتفاليَّة. ورأيناه عند الريحاني يصعد به إلى عالم الأرواح ليبدو المشهد أكثر تعبيراً عن فلسفة الريحاني الوجوديَّة، بعيداً عن أجواء الفانتازيا المسرحيَّة التي اشتهر بها غوته. والانتقال من عالمنا المادِّيِّ إلى عالم الأرواح هو، عند الكاتبين، توحيد للماضي والحاضر والمستقبل في زمن واحد لا ينقطع ولا ينفصم.

وقد وجدنا أثناء دراستنا للنصَّين أنَّ العالم الآخر هو مكان للغفران والمسامحة عند غوته، فإنَّ فاوست وجد ضالَّته أخيراً من خلال الموت، فحظي بالسعادة الأبديَّة، وتحقَّقت المعرفة التي كان يريدها. أمَّا الريحاني فيرى أنَّ العالم الماورائيَّ مسرح للسعادة والشقاء، إذ ليس فيه أرواح هالكة، كما تعتقد الديانات.

ويُبرز الكاتبان عنصر العِلم في طبيعتهما الإنسانيَّة، فبطل غوته فاوست (غوته نفسه) رجل  عالِـم، والريحاني طالب علم، وكلاهما يؤمن بحتميَّة التطوُّر والنشوء. ولكنَّ العلم لا يضع حدوداً للشكِّ والتساؤلات الوجوديَّة.

وفي الموضوع الدينيِّ، يطرح كلٌّ من غوته والريحاني آراء متشابهة في العبادة واللاهوت، وهذه الآراء هي ترجمة واضحة للرفضيَّة لديهما، ولمعتقداتهما الخاصَّة التي لا تنسجم مع الطقوس التقليديَّة، فقد كان غوته صاحب مذهب يتعارض مع ما تؤمن به الكنيسة، وكان الريحاني أيضاً، على إيمانه المسيحيِّ، رافضاً لكثير من العناصر الدينيَّة الأصيلة في نظر العامَّة...

ويبقى، ونحن نلاحظ نقاط التشابه بين الكاتبين، أن نطرح بضعة أسئلة: هل حدث توارد في الأفكار بين غوته والريحاني؟ وهل يمكن أن يحدث التوارد إلى هذه الدرجة؟ وهل يمكن أن يكون التشابه في الأفكار الإنسانيَّة بين الأديبين قد أدَّى إلى وقوع سلسلة من المصادفات المحيِّرة؟ أم إنَّ الريحاني كان معجباً بغوته، وقد قرأ فاوست بتعمُّق وإعجاب، فأراد أن يضع كتاباً من وحيها؟

إنَّ الريحاني نفسه يشير إلى غوته في "رسالة الشيطان" فيقول:

"تأمَّلتُ تلك الليلة، وأنا واقف في هذا المكان ما ذكرت من عجز الفنِّ، ومساومات كبار الفنَّانين، كشكسبير وغوته، وذلك الطليانيَّ الأوحد رفيق فرجيل. تأمَّلتُ ما كان من محاولاتهم ومن إخفاقهم في إدراك حقائق الوجود." (الريحانيَّات، 1982،  الجزء الثاني، ص 176)

نلاحظ هنا أنَّ الريحاني يذكر ثلاثة من الأدباء العباقرة في التاريخ الذين أقاموا في نصوصهم علاقة بين الإنسان والشيطان. فشكسبير في "هاملت" يعطي للشبح أو الشيطان دوراً بارزاً في تكوين الأحداث الدراميَّة، أمَّا فرجيل، فقد صَوَّر في "الإنيادة" العلاقة بين إنياس  AENEAS والشيطان.

وإنَّ ذكر الأدباء الثلاثة يجعلنا نتساءل مرَّة أخرى: هل ذكر الريحاني الأدباء الثلاثة الذين سبقوه في تصوير العلاقة بين الإنسان والشيطان من قبيل المصادفة؟ أم إنَّه أراد أن يضيف نفسه إلى طائفة هؤلاء الكتَّاب القدوة، ليكون واحداً ممَّن تناولوا تلك العلاقة في أدبهم؟

وربَّما يكون من المفيد أن نذكر مجموعة من نقاط الاختلاف بين غوته والريحاني، وهذا الاختلاف تقتضيه الخلفيَّة الفكريَّة، والتوجُّهات الإنسانيَّة لكلٍّ منهما. فالشيطان في مظهره، وخبثه، وأساليبه الملتوية، لا يختلف كثيراً عند غوته عمَّا صوَّرته التقاليد والديانات. بينما يهتمُّ شيطان الريحاني بعمل الخير من أجل الناس وهم لا يدرون بذلك: "أحاول أنا أن أنقذ الإنسان من شروره الموروثة والأخرى المفروضة عليه... وليس في صدري ذرَّة من الحقد أو الضغينة. ولست بزاه ولا بمغرور... أنا وحدي أحبُّ أعدائي، وأتمنَّى لهم الخير والنعمة." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 161)

والشيطان في نصِّ الريحاني منقذ للإنسان، حيث أنَّ هذا الأخير "عندما يقع - وسيقع عاجلاً أم آجلاً- أكون انا (الشيطان) هناك للمؤاساة والإنقاذ." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 149). بينما يعترف الشيطان عند غوته بمسؤوليَّته عن الكوارث والنكبات التي تصيب الإنسانيَّة، فهو الذي يسبِّب الأمواج، والعواصف، والهزَّات والحرائق (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 39)

وقد رأينا مفيستوفيلس مسؤولاً عن التردِّي الذي وصلت إليه حياة فاوست، من اللحظة التي التقيا بها حتَّى موت البطل عجوزاً وضريراً. وفي حقيقة الأمر أنَّ فاوست كان ضريراً دائماً، لعدَّة أسباب أبرزها أنَّه لم يستطيع يوماً أن يعرف الحقيقة كاملة، وأنَّه خضع لإغواء الشيطان، فمال إلى حياة الشرِّ والخطيئة، وارتكب الموبقات الفاحشة، ولم ينقذه إلاَّ عناية الله وشفقته عليه في الفردوس. وهذه التطوُّرات السرديَّة المتلاحقة لا نقع عليها في نصِّ الريحاني.

وبينما يبدو فاوست فاحشاً، متهتِّكاً، يميل إلى النزوات الجسديَّة العابرة، فإنَّ الريحاني يبدو في حديثه مع الشيطان رجلاً محافظاً، ولا يظهر عليه أيُّ اهتمام بالمظاهر البرَّاقة، بل هو مفكِّرٌ عميق، يحلِّل كلام الشيطان، ويستوحي منه العبر، ويُبرز في النصِّ فيضاً من الآراء الإنسانيَّة الشاملة التي تصلح لكلِّ الأزمنة والأوقات، كالتعبير عن رفضه للحروب، والظلم، والقسوة، والجشع، والتمييز بين الناس.

ومن مظاهر الاختلاف بين الكاتبين الكبيرين أيضاً أنَّ مسرحيَّة فاوست يغلب عليها في الغالب مناخ التشاؤم، حتَّى أنَّ فاوست يحاول الانتحار، لشعوره بالخيبة والقنوط. ولا يظهر التفاؤل إلاَّ في نهاية المسرحيَّة، حين يصعد البطل إلى الفردوس. فالمسرحيَّة ذات منهج سوداويٍّ تغلب الرومنطيقيَّة والكآبة على أغلب فصولها. أمَّا الريحاني، فيظهر أكثر إشراقاً وتفاؤلاً، ولا يعبِّر عن كثير من مشاعر القلق، إلاَّ حين ينتقد رجال الدين والقادة وأصحاب الرأي الذين يقودون المجتمعات إلى المهالك والمنازعات. ففيلسوف الفريكة، كما نعرفه، صاحب رسالة متفائلة، تهدف إلى خلاص الإنسان، والانطلاق به إلى عالم جديد.

في الخلاصة، ونحن نقارن بين فاوست غوته و"رسالة الشيطان" لأمين الريحاني، يمكننا أن نقع على مجموعة كبيرة من العناصر المتشابهة أو المختلفة، ومن الإنصاف أن نقول: إنَّ العناصر المتشابهة تثير الدهشة والفضول، وتجعلنا نميل إلى الاعتقاد بأنَّ فاوست قد أوحت لأمين الريحاني بكتابة "رسالة الشيطان"، أكثر من اعتقادنا بأنَّها لم تكن ذات تأثير على تلك "الرسالة".

المصادر والمراجع

1- العربية:

إنجيل متَّى.

أنيس، عبد العظيم (2010). غوته شاعر عظيم وعالم فاشل. في: الطريحي، محمد سعيد. شاعر ألمانيا الأعظم غوته. دمشق: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع.

جبر، جميل (1988). الفلسفة الريحانيَّة. في كتاب: أمين الريحاني رائد نهضويٌّ من لبنان. بيروت: اتِّحاد الكتَّاب اللبنانيِّين ودار العلم للملايين.

الريحاني، أمين ألبرت (1987). فيلسوف الفريكة صاحب المدينة العظمى. بيروت: دار الجيل.

الريحاني، أمين فارس (1982). الريحانيَّات. الجزء الأول. مج 7. بيروت: المؤسَّسة العربيَّة للدراسات والنشر.

الريحاني، أمين فارس (1982). الريحانيَّات. الجزء الثاني. مج 7. بيروت: المؤسَّسة العربيَّة للدراسات والنشر.

الريحاني، أمين فارس (2011). كتاب خالد. بيروت: المؤسَّسة العربيَّة للدراسات والنشر.

الريحاني، أمين فارس (1972). المحالفة الثلاثيَّة في المملكة الحيوانيَّة. بيروت: مؤسَّسة دار الريحاني.

الريحاني، أمين (لا تاريخ). ملوك العرب. ج 1. بيروت: دار الجيل.

شامي، رفيق وغوتشان، أوفه (2005). التقرير السرِّيُّ عن الشاعر غوته. ترجمة نهى فورست. كولونيا (ألمانيا): منشورات الجمل.

غصن، أمينة (2011). أمين الريحاني في العبء الرسوليِّ. بيروت: دار الفارابي.

ماهر، مصطفى (1999). غوته الإنسان. في كتاب: غوته العبقريَّة العالميَّة. برلين وبيروت: إذاعة صوت ألمانيا ودار الجديد.

مكاوي، عبد الغفَّار (2006). النور والفراشة. كولونيا (المانيا): منشورات الجمل.

مكَّاوي، عبد الغفَّار (1999). مأساة فاوست وبعض ظلالها في الأدب المصريِّ الحديث. في كتاب: غوته العبقريَّة العالميَّة. برلين وبيروت: إذاعة صوت ألمانيا ودار الجديد.

2- الإنكليزية:

(ملاحظة: جميع الموادِّ الإنكليزيَّة تُرجمت إلى العربيَّّة من قبل الكاتب.)

Becker, Udo (2000). The Continuum Encyclopedia of Symbols. New York: Continuum International Publishing Group. Ltd.

Defoe, Daniel (1728). The History of the Devil. Oxford: Oxford  University.

Flight, Edward (1871). The Horse Shoe, the True Legend of St. Dunstan and the Devil. London: Bell and Daldy.

Funk, Nathan (2011). The Book of Khalid: An Intercultural Vision. In: 100 Years of selected Writings on Ameen Rihani’s The Book of Khalid. Paul Jahshan (ed.). Washington, D.C.: Platform International.

Gilpin, Richard (1967). Treatise on Satan’s Temptation. Edinburgh: James Nichol.

Goethe, Johann Wolfgang Von (1914). The West - Eastern Divan. Translated by Edward Bowden. London: J. M. Dent and Sons Ltd.

Huxley, Thomas Henry (2004). Lectures of Evaluation. Whitefish, MT.: Kessinger Publishing.

Lowes, George Henry (2003). Life of Goethe. Kessinger publishing.

Michell, Ruth (1808). Barrows Book notes for Faust - Part I and II. Htpp://lib.yahoo.net

Miller, Gordon (2009). In: Goethe, Johann Wolfgang. The Metamorphosis of Plants. Cambridge MA.: Massachusetts Institute of Technology.

Owen, John (1972). The Five Great skeptical Dramas of History. Hollandale, FL.: New World Book Manufacturing. Co., Inc.

Rihani, Ameen (1970). Chant of Mystics and other Poems. Beirut: The Rihani House.

Rudwin, Maximilian (1970). The Devil in Legend and Literature. New York: AMS Press.

Rumi, Jalaluddine (1993). Tales from Masnavi. Arthur John Arberry (ed.). Richmond: Curzon Press Ltd.

Rumi, Jalaleddine (2008). Love’s Ripening –Rumi on the Heart’s Journey. Translated by Kebir Helminski and Ahmad Rezwani. Boston: Shambhala Publications, Inc.

Schumann, Christopher (2011). Khalid, a Spirit of Adventure and a Search of the Unknown. In: 100 Years of selected Writings on Ameen Rihani’s The Book of Khalid. Paul Jahshan (ed.). Washington, D.C.: Platform International.

Strong, Augustus Hopkins (1897). Great Poets and their Theology. American Baptist Publication Society.

Wilton, John (1996). Reading Goethe’s Faust from a Catholic Perspective.

www.catholicculture.org.