إلى الشاعر الكبير نزار قباني

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كلُّ الأبطالِ وكلُّ الشعـــراءِ الفُرسانْ

يبكُونَ عليكَ لأنّكَ ترحَلُُ في صمتٍ

يتنافى وجميع الأوزانْ

ولأنّك تطفئُ قنديلَ البيتِ وتمضي،

فالدنيا صمتٌ ودموعٌ...

وكلامُ الحبِّ تدثَّر بالأحزان...

ولأنّك تتركُ عصرَ الشعرِ

كمركبةٍ من دون حِصان...

أصبحتَ شهيداً في الشهداءِ

لأنّكَ عِشتَ وفيّاً للوطنِ العربيِّ

ومُتَّ وفيّاً للإنسان.

 

الآنَ خسرنا معركةً

وفقدْنا بلداً في البلدان

فالنيلُ حزينٌ

والزيتونُ حزينٌ

والعشبُ، وماءُ الخلجانْ...

والقدسُ وبيروتُ وبغدادُ

تنامُ مخضّبةََ الأجفانْ

والسيفُ تحطّمََ قبل طلوعِ الفجر

وصارَ الشعرُ بلا عنوان.

 

كلُّ الأشياءِ هنا بقيتْ،

فبلادي من فجرِ الأزمانْ

لا تخرجُ من غُرفِ التحقيقِ...

وقبلَ صدورِ الحُكمِ تُسلّمُ للسجّانْ...

والشعبُ يسيرُ كما الساعاتُ تسيرُ

بلا هدفٍ ومكانْ...

ما زلنا نشربُ قهوتَنا خلفَ القضبانْ...

ما زلنا ندخلُ في التاريخِ كما العميانْ،

فلماذا ترحلُ عنّا من غيرِ استئذان؟

ولماذا لا تبقى معنا حتّى يتبعثرَ هذا الليلُ

ويبدأَ تحطيمُ الأوثانْ؟

 

ما زلنا نجترُّ الماضي

ونغنّي للقمرِ النعسان...

في كلّ خطابٍ ألقيناه دخلنا حرباً،

وهزمْنا جيشَ العدوان...

وأعَدْنا القدسَ

وحرّرْنا يافا

ورقصْنا في الجولان...

ما زلنا نشبهُ أغصانَ الشجرِ المتكسّر في الطُوفان

ما زلنا نمتهنُ الخوفَ المتواصلَ والإذعان

صرّفنا الأفعالَ جميعاً

وقرأنا في كتبِ اللهِ جميعاً

لكنْ لم نعرفْ أنّ اللهَ الواحدَ

أكبرُ من آلهةِ الأرضِ،

وأعظمُ من كلّ الأديانْ.

 

إنهضْ من قبرِكَ

مثلَ نهوضِ المتنبّي،

فالموتُ جَبانْ...

الموتُ مخيفٌ مثل الغولِ

ولكنْ لا يقدرُ أن يغتالَ الشمسَ

ويقتلَ عُصفوراً جَذْلان...

الموتُ يحاولُ تشويهَ الإبداعِ

ومحوَ الصورةِ والألوان...

ويحاولُ أن يبعدَنا عنكَ،

فننسى ويَطولَ النسيانْ...

لكنّكَ موجودٌ فينا

كشراعٍ يُبحِرُ في الوجدانْ

ونراك تدقُّ على الأبوابِ،

وتقرأُ "قارئةَ الفنجان"...

ونحبُّك حينَ تقولُ الشعرَ

وحولَك إعصارٌ، ودُخَان...

لا تعلِنْ موتَكَ للأجيالِ،

فإنّك مثلَ العطرِ

تغيبُ وترجِعُ في نَيسانْ...

إنهضْ من قبرِكَ،

عارٌ أن يلتفَّ الشاعــــرُ بالأكفانْ.

 

 

جميع الحقوق محفوظة للشاعر والأديب المهجري د. جميل ميلاد الدويهي

لأدب مهجريّ راقٍ