Search
  • Jamil Doaihi

أوجيني عبود الحايك: عدالة السماء


توقّف القطار بعد رحلة طويلة شاقّة، رتّبت ثوبها وحملت حقيبتها الثقيلة، العنوان في جيبها والمدينة كبيرة تعجّ بالناس، وهي ربّما ليست الغريبة الوحيدة على ذلك الرصيف، لبرهة شعرت بالضياع لكن الوجوه تبدو ودودة، يلوّنها الإختلاف... لقد حقّقت حلمها أخيرًا وجدت ضالتها المنشودة... ستمكث هنا وتبني بيتها، ستزرع أرزة باسقة ونخلة شامخة في أرجاء حديقتها... لن تشعر بالغربة فكلّما عبقت رائحة الأرز ستشعر كأنّها في أرضها وكلّما مال النخيل سيروي غليل الشوق في روحها إلى ناسها... وانهمكت ببناء مداميك منزلها حتّى بدأت معالمه تظهر للعيان، أرادته واسعًا رحبًا ودافئًا... زيّنته على طريقتها، يشبه قناعاتها المتواضعة وأحلامها الكبيرة... قنوعة هي وصبورة لكنّها محاربة شرسة سلاحها الإيمان، صورتها لا تشبه صلابتها، امتحن القدر صبرها مئات المرات وبقيت تميل مع الريح دون أن تنكسر، تسامح تغفر وتتّعظ. كانت تنظر إلى الأشياء بمنظار روحها ومصداقيّتها، تكره الظلم والإدانة... مدينتها يسكنها العلماء والحكماء والعقلاء والعمّال... ويسكنها الجهلاء والمتكبّرون النرجسيّون وغريبو الأطوار... كانت دائمًا تبرّر للآخرين، تأخذ بيد المظلوم وترفعه، تأخذ بيد الجاهل كي لا يتعثّر... تحترم العاقل وتضعه في مرتبة الشرف وكم من عاقل يحتاج إلى أن نسمع إليه ونتّعظ لكنّنا نتجاهل!.. وكم من الأشواك نتركها تعلو في حدائقنا تخنق ورودنا الجميلة وتتعطّر بأريجها ومزاياها ونحن غافلون!... وبدأت المدينة التي حلمت بها شيئًا فشيئًا تبدو مقفرة، فقدت روعتها وأمانها، وبدأت الغيرة تسكنها والأقنعة تتساقط فجأة عن بعض وجوهها ، وبدأ الحقد ينفخ سمومه في أفقها وطيور الشؤم تحلّق في أرجائها تريد أن تسكنها وتحكمها وتتسلط عليها... قرّرَت الرحيل والعيش بسلام، وضّبت حقائبها ونظرت نظرة أخيرة على المكان وكأنّها تحتضن كل الذكريات الجميلة، وكل الثواني واللحظات رغم أنّها عاشت وحيدة لم تشعر بالحرمان مع خيالها الواسع، وصدرها الرحب... أقفلت الباب ومشت الطريق الطويل تحت دموع المطر المودِّعة وهي تتمتم الصلاة... لقد تركت كل الأشياء في مكانها لم تعد تهمّها أو تغريها وأخذت كنوزها المعنوية... لن تفرّط بعد اليوم بثانية واحدة، لن تفرّط بروحها في مزاد الحياة الذي يبيع حتّى الضمير والوجدان... كانت في منتصف الطريق عندما سمعت صوت صاعقة مدوية تسقط في تلك المدينة، أصابها الشجن والإحباط لا تريد نار الغضب أن تلتهم تعب الناس الطيّبين وأرزاقهم، لا تريد أن يغلب الشر الخير... سمعت صوت الأشواك الدامية تحترق... ركضت عائدة أدراجها تطفئ النيران المشتعلة لا تريد أن تحترق الأرزة والنخلة في حديقتها ولا البيوت المجاورة والوجوه الودودة البسيطة التي لم تخذلها يومًا... عندما انتهت غمرها الفرح بالعودة، شعرت بعدالة السماء، وقفت أمام المرآة كان وجهها أسودَ من الدخان لكن عينيها كانتا تلمعان بالدموع وبنور بهي هو نور الإيمان والرحمة.

وقرّرت البقاء تطنّ في أذنيها نصيحة قيّمة من عزيز على قلبها كي تترك مسافة، لأن المسافة درع الروح الطيّبة... ودخلت عالم التصوّف النقي وبدأت ترى الأشياء بالعين المجرّدة، بقيت على مبادئها لكنّها نضجت، وبقي قلبها ينبض بالحب، لم تتبدّل لكنّ الصور تبدّلت... دخلت عرين الصمت تنهل من فلسفته وأبعاده.

0 views