Search
  • Jamil Doaihi

أوجيني عبود الحايك: لو احترق الأمل



الظلمة حالكة.. أحدهم يقرع الباب، وهي توضّب الحقائب. تجاهلت.. لقد فرغت الرفوف من المؤونة، حتّى من كسرة خبز يابسة.. خزائنها تشبه هذه الأيام.. قررت الرحيل دون أن تودّع جارها العجوز الذي يشعر بالخطر قبل حدوثه.. يطمئن عليها دائمًا، يقرع بابها عندما تفوح رائحة قهوتها.. يقرأ فنجانها، تجلس معه تسمع حكايات الزمن.. مسحت دمعة خانت تصميمها.. ستشتاق إلى شموخ جبينه، إلى ثرثرات الصباح، إلى تجاعيد وجهه وعنفوانه، إلى قصص لا تشبه الواقع، كانت تتلهّف لسماعها، تلّون مرارة الأيّام بألوان قوس قزح.. لقد باتت تخاف الوداع.. ما عادت الطُرقات معبّدة بالأمان، الهموم مضنية، والأعمدة تنهار على مهل.. لقدّ شحّ الخير، لن تتحمّل سماع النحيب وصراخ الأطفال.. تريد الهروب قبل أن ترى الدموع تستوطن المآقي.. قبل أن تتنفّس الشفقة أنفاسها الأخيرة، ويدفن الأبرياء بين الأنقاض، وتكثر قوارب الموت.. ربّما يبتلعها البحر وتغرق في أعماقة بكرامة، لا تريد أن يبكيها أحد.. لقد تركت فنجان قهوتها الفارغ على الطاولة ورحلت.. سيقرأ طريقها الطويل.. تخيّلته يناديها، يحثّها على الرجوع، يعدها بغد أفضل.. سرقوه قبل أن يولد.. تخيّلته يلقي عليها مواعظ الوطنيّة التي يؤمن بها، رغم ثيابه البالية.. وهو الذي خدم وطنه، حارب وتفانى من أجله .. بينما يموت كل ليلة من العطش والجوع.. ويصحو في الصباح على زقزقة العصافير، وكأنّه في الليل يتعارك مع الموت ويهزمه كي لا يقترب قبل أن يتحقّق حلمه بالعدالة.. كان يشجّعها كي ترفع الصوت، يشعل ثورة الكرامة في شرايينها؟ كانت تؤمن بمفاهيمه ووطنيّته.. يراعها يخونها، ماذا يريدها أن تقول بعد اليوم؟ وقد جفّت الأفواه ومات صدى الكلمات .. وهم لا يقرأون، أو يسمعون، أو يهتمّون، أو يشعرون.. لو احترق الأمل وترمّدت الأحلام، واستوطن الجحيم لا يأبهون، يكابرون .. يعدون ويكذبون.. لقد أضحت الأرواح بخسة جدًا، والعملة تحتضر، نيران الجشع التهمت الخيرات، حرقت الحنطة في البيادر، لم ترحم المرضى الموجوعين الذين يصارعون الموت .. استغلّوا الدواء، استغلّوا الوجع والجوع .. فقد الضمير ذاكرته .. ماتت الرحمة، نضبت جرار الخير.. وبقي شبح الكرامة الهزيل يرفض أن يستسلم في قلب ذلك العجوز الذي يتّكئ على عكازه كأنّها أيقونة الخير صنعت من أشجار وادي القدّيسين يتسلّح بها بإيمان .. يرفض أن يُهان رغم أنّهم سرقوا عرق الجبين وحصاد السنين.. وأصبح الحاضر كالسجن يكبّل الأجساد والمسافات، يسجن القلوب ويخنق النفوس حتى تستسلم للظلمة.. هذا الحاضر المشؤوم يسرق خيوط الفرح ويرسم على الجدران لوحة قاتمة، بشعة، رسمها رسّام تنقصه الموهبة.. لم يراقب البراعم وهي تتفتّح وتزهر وتتلوّن، لم يهتمّ يومًا للسنابل وتواضعها وأبعادها .. لم يركض مع رفاقه في الحقول، لم يعانق الريح.. ويشرب قطرات المطر، لم يلاحق الطيور ، أو يصنع طائرة من الورق... لم يخرطش على دفاتره أبجديّة الحب .. بل رسم في خياله عالم الأوهام، فتهدّمت الأعمدة الحقيقية وبقيت الأوهام تستوطن روحه، تُدَمّر.. سكنت الأشباح خيال الواقع..

أتركني أرحل، تمتمت بين الدموع، لا أريد أن أنظر إلى الوراء، إلى الوجوه الغارقة في الشجن، تصارع المصير الأسود..

لا تريد أن ترى الصمود في عينيه.. فتعدل عن قرارها، لم تعد تصدّق الوعود.. ركضت مهرولة من الباب الخلفي تبعثر سكون الليل الخائف، تريد الوصول إلى الشاطىء.. إلى قارب الحياة أو الموت.

وبقيت تسمعه يرندح من البعيد أغنية ''لبنان يا قطعة سما '' حاولت أن تصمّ أذنيها، لم تعد تغريها الكلمات المشبّعة بالمشاعر، لم تعد تبهرها الألحان لكثرة الأحزان، شعرت بوهن يجتاح روحها، تثاقلت خطواتها، مبعثرة كالحيرة وصلت الشاطئ، كان يعمّه السكون.. ومن البعيد رأت قاربًا يعبر العتمة في طريق القدر.. اجتاحتها برودة عارمة، تلحّفت الشاطئ علّ موجة عاتية تأخذها، لكن البحر كان ينعم بالسكينة التي تفتقدها، وكأن ذاك العجوز الطيّب وشوشه، أو خطّ تعويذة على رماله، وكتب لها أن تصارع الحياة من جديد وتثور في وجه الطغيان.

3 views0 comments