Search
  • Jamil Doaihi

أوجيني عبّود الحايك: المرأة المجهولة ورائحة البحر



تعيش في بيتها الحجريّ القديم، نوافذه الخشبيّة يتآكلها الزمن على مهل.. تحاول قدر المستطاع صيانتها، لكّن هواء البحر لا يرحم، وتلك العجوز المفتونة بسحره تثير في نفسي التساؤلات.. نظراتها ثاقبة، كأنّها عرّافة تقرأ الغيب.. أراها تحاكي ذاتها وهي تمشي، أو ربّما تتمتم الصلاة.. في الحرّ، وفي البرد والزمهرير، ترتدي أقمشة متعدّدة سوداء، تحجب بشرتها البيضاء عن أشعّة الشمس، تساءلت مرارًا كيف باستطاعتها احتمالها.. ربّما هي متصوّفة.. تطوّع جسدها على العذاب والثبات. عيناها تلمعان بالمضادات، تكتنف عزلتها الأسرار، لا يزورها أحد.. والوحدة ضريبتها باهظة على المشاعر والروح .. ألقيتُ عليها التحيّة كالعادة، رسمت شبه ابتسامة على شفتيها مع انحناءة بسيطة وأكملت مسيرها.. لطالما تساءلت كلّما التقيتها صدفة، لماذا هي قليلة الكلام؟ قرّرت في سرّي أن أقترب منها في الغد.. أريد محادثتها وسماع نبرة صوتها. أريد أن يخترق صوتها أذنيّ علّني أفقه الغموض الذي يكتنفها.. عاتبت نفسي، لماذا أهتمّ بها وانا من يسبقها إلى التحيّة؟ ربّما لا أعنيها أو حتّى لا تراني؟ لماذا أقحم نفسي بحياتها؟ ولماذا أريد أن أقرأ سطور هذا الكتاب الغامض؟.. عشت في معركة التساؤلات طوال الليل حتى سرقني النعاس وغفوت.. لم أرها في الغد ولا في اليوم الذي تلاه.. صحوت نهار الأحد على رذاذ المطر يطرق نافذتي، لكّنه لم يثنِني عن الخروج باتجاه الشاطىء.. وضعت شالي الصوفي على رأسي ومشيت أستمتع بقطرات المطر وهي تتساقط على وجهي، تنعشني.. لم تكن العجوز كعادتها تلملم الأصداف عن الصخور، لم يردعها المطر في السابق من الخروج، كنت أراها حتّى في العاصفة تبدو وكأنّها تفتّش عن شيء مفقود.. أين هي؟ غريبة تلك المرأة كيف تسرق انتباهي!.. تجاعيد وجهها تحثّني على التأمّل.. قرّرت فجأة أن أطرق بابها.. قطفت بعض الأزهار البرّية المتواضعة التي تبلّلت بالمطر، ووقفت لبرهة أمام منزلها.. ثمّ طرقت الباب، طرقات عدة.. وعندما قرّرت ان أعود أدراجي، سمعت وقع خطواتها تقترب ببطء، شعرت وكاّنني أقتحم خصوصيّتها، حتى رأيت بسمة صغيرة على وجهها الشاحب.. جاءت تحيّتي عفوية تلمع بالاهتمام، "أتمنى أن تكوني بخير" .. أجابت بصوت خافت: "الحمدلله، أشعر بأنّني أفضل الآن"..

أفسحت لي المجال للدخول إلى غرفة مرتّبة، بسيطة، تشبه معبدًا حجريًا، تزيّنه الصور، وتعبق منه رائحة البخور الممزوجة برائحة البحر.. قلت لها: تعوّدت أن أراكِ كل صباح، منذ أسبوع وأنا أفتّش عن وجهك بين الوجوه. لقد انشغل بالي عليكِ.

تمتمت قائلة: لم أتعوّد أن يسأل عليّ أحد منذ سنين طويلة..

تلعثمتُ قليلًا عندما شعرت برنّة حزينة في صوتها، فأنا لا يهمّني سوى الاطمئنان عليها. قد أكون عابرة سبيل يجتاحها الفضول، أو كتلة من المشاعر المفعمة بالإنسانيّة.. لم يعد يهمّني من أكون بالنسبة لها عندما رأيت نظراتها التائهة، شعرت بالوجع الدفين يستوطن مقلتيها.. أردت أن أواسيها.. وقفتْ تتطلّع إلى البحر الغائم، صورتها رسخت في خيالي، غموضها سكنني.. هل أقترب وأخفّف عنها؟ ما سبب هذا الحزن الذي يغلّفها؟

هل تشربين القهوة سألتني؟

أشربها معكِ بالتأكيد، أجبتها.. ودخلتْ متباطئة إلى مطبخها، فبدَت كأنّها ما زالت تلملم عافيتها.. وقفت أتأمّل كل زاوية من هذه الحجرة الغارقة في السكون يعزف لها البحر في الثواني مزاجه المتقلّب ..

فاجأتْني بالسؤال: ما الذي أتى بكِ إلى هذه الناحية؟

أجبتها: عشقي للشاطئ، وأنتِ؟.

لم تجاوبني على سؤالي، لكنّها قالت عندما ننتهي من قهوتنا: سأقرأ فنجانك. فابتسمت لها، معترفة في سرّي بأنها منغلقة على ذاتها، وبأنني محظوظة إذ حظيت باستقبالها لي اليوم، وهذا يكفيني.. شربنا القهوة ونحن نتكلّم عن حبّنا للبحر، والأزهار... وكنت كلّما نظرت إليها شعرت بعزلتها المقفلة.. وبينما كنت أنظر من حولي لفتتني على الحائط ، صورة فتاة يانعة، تعزف على قيثارتها، اقتربت لاشعوريّا من الصورة أحاول أن ألمسها، سمعتها تقول بصوت شجيّ: هذه أنا..

أنتِ؟! أجبتها متعجبّة.

قرأت تعجّبي قائلة: لا شيء يدوم.. حتى الجمال يزول، تشوّهه الأحزان، والمفاجآت القاسية تسرق بريقه.. وتبقى الروح تصارع قدرها..

كنت اسمعها تكلّم ذاتها، تتفوّه بعبارات لم أفهمها.. تركتها تسترسل مع كلماتها المبهمة، أخذتني في قاربها الفكري إلى شوارع مظلمة، دخلت معها الصراع النفسي، حدّثتني عن القدر المكتوب، ومعركة الخير والشرّ، حيث تقتل الورود وتيبس ولا تعوّد تزهر في فصل التجدّد لأنها تنسلخ من جذورها.. رأيت الأحبّة يفترقون والوجوه الجميلة تحترق... الوجوه المقنّعة بأقنعة مرعبة تسرق الأمان.. شعرت بلحظة المصير تخطف الشعلة وتطفئها وتعلو الأصوات.. والحدس لا يخطئ، يضطرب قبل الفاجعة.. كلمات وصور مزركشة ومتشابكة وأنا أحاول حلّ هذا اللغز.. حقيبة سوداء محمّلة بالمآسي ترقد في زاوية ذلك المنزل.. شعرت بالاكتئاب، ماذا يعنيني من حديثها؟ ولماذا أصررت على المجيء؟ يكفيني وجعي وهمومي.. نظرت إلى ثيابها التي تخبّئ أوجاعها فتمتمتْ: لم أختر اللون الاسود لكنّه اختارني، كما اختارني القدر.. وكلّما وقفت أمام المرآة أو حاولت أن أستبدله بلون آخر يلبسني من جديد، وبدل أن أنزعه عن جسدي أضيف إليه طيّات جديدة ربّما تشعرني بالأمان وتحميني من الرصاص الطائش .. تقيني من المجهول الذي يعبث بالبيوت الآمنة .. وفيما كنت أستمع إليها تساءلت في سرّي: هل تهذي؟

كانت تنطق بكلمات غير مترابطة.. تصمّ أذنيها وتتكلّم عن صوت القنابل المخيفة التي حوّلت روحها إلى أنقاض.. وصورة طفل كملاك يرقد بسلام في سريره المشوّه بالدماء.. أجساد ملقاة على الأرض والفاجعة لا تصفها كلمات.. شعرت بأنّها قد عاشت الحرب المدمّرة وأقفلت على ذاتها ببن الأنقاض والدمار...

وعادت إلى صوابها واتّزانها... هدأ اضطرابها كما يهدأ الموج بعد معركة ضارية مع الريح.. كان يجب أن تُفتح صناديق الشوق المقفلة، تمتمت: ربّما آن الأوان... وأكملت حديثها قائلة: لقد أخترت الشاطئ من أجل صوت العاصفة؟ إنها المنبّه الذي يوقظني قبل اندلاع النار.. إنها تخطفني من براثن الموت وتحييني.. تيبس الأحواض ولا ييبس الأمل... لقد غزاني المشيب لكنّ الأحلام لا تشيب.. ولا تموت الصور والأحداث والمشاعر..

ألن تقرإي فنجاني؟ قلت لها، علّني أنقلها من ذلك العالم الموجع القاتم..

أجابت: أجل سأقرأه في الغد..

رافقتني إلى الباب. شدّت على يدي لفترة طويلة بيديها الباردتين، تودّعني بنظراتها الدافئة، تشكر اهتمامي بزيارتها والاطمئنان عليها.. شعرت باستسلامها وكأنّها رمت كل الأثقال عن كاهلها.. ورأيت هالة ملائكيّة ترتسم على محياها..

واستيقظت على قرع أجراس حزينة.. لم أسأل من؟ .. وبدأت أستعرض شريط الأمس في خيالي.. بقيت كلمة لماذا؟ تراودني.. لماذا نقترب من الأشخاص ونسمع أوجاعهم؟.. لمذا تسيّرنا مشاعرنا ونسير معها دون أن نعارضها؟ لماذا ذهبت إلى بيتها الدافئ وأنا لا أعرف حتى اسمها؟ وهل كانت تنتظر من يستمع إليها على طريقتها الرمزية.. في كهف الهروب المضني؟.. كيف تختلف الأرواح في انكسارها أو في صمودها عند مواجهة اللحظات المشؤومة؟..

وبقي هذا الغد يسكن أحلامي، كلماتها المبهمة تطنّ في بالي.. وبقيت صورتها المعلّقة على الحائط تجول في خيالي .. أراها بين الضباب العابر.. وكلّما اشتدت العاصفة أسمع صوت قيثارتها تراقص الموج.. وبقيت أنظر إلى فنجاني وأشعر بعينيها تنظران إليّ من قعره، وكأنّها تسألني عن منزل الشاطئ الذي أودعته أسرارها ووجعها وروحها...


12 views