Search
  • Jamil Doaihi

أوجيني عبود الحايك - أميركا: حياة جديدة

Updated: Jan 13



مشى على طريق وعرة أكلت بنهم نعل حذائه.. وأكمل المسير حافي القدمين توخزه الأشواك .. ترك وراءه الأحلام والأوهام، وليالي السهر والمجون.. واختار الطريق الشاق. لم يعد يغريه الجسد المادي أو رموز الصور ، ولا الوجوه المزينة بالظروف.. ولا الحفلات والموائد، أو كؤوس الخمرة الكريستالية والمذهّبة، كان يشعر بالتخمة.. لكن بفراغ معنويّ عميق.. كان يشعر بغربة باردة المشاعر. كم كان مأخوذًا بمغريات الحياة، ولفيف الأصحاب الذين يتنعّمون من خيره ويغدقون عليه الكلام المعسول.. قد نحزن عندما نصاب بمكروه أو عندما نخسر الوجوه التي بنينا آمالنا عليها وخزلتنا.. لكنّ الحياة مدوّنة على جبيننا بكلّ منعطفاتها القاسية والتي عندما نعبرها ونتخطّاها تنجلي الحقائق فنتصالح أكثر مع أنفسنا بعد الصدمة ونقترب من ذاتنا، فلا نعود نفرّط بها أو بثانية من عمرنا الباقي.. الأقنعة سقطت فجأة بعد تعسّر الحال.. وبعدما سرق المرض عزيمته وتقوقع ببن الجدران يتصارع مع المفاجأة المرّة التي زادتها الذكريات مرارة، كالعلقم.. لم يعد يشبه ذاته، ولا أفكاره أو طموحه الواسع، ما عادت تهمّه الأعمدة المزخرفة والمداخل الفاخرة.. فضّل حياة الكهوف البعيدة التي تأوي الحيوانات الضالة والمشرّدة.. بات متأكدّا أن باستطاعته ترويضها وإغداق الحب عليها وبأنّها ستعامله بالمثل لأنها أوفى بكثير من أنانية الإنسان التي كانت تسيطر عليه.. تغيّر نمط حياته المترفة وأصبحت بسيطة وحقيقية.. لم يعد يخاف الغدر أو يشعر بالخوف، بعدما اختبر قساوة الحياة والطعنات الموجعة.. فالعيش مع عدو نعرفه أهون بكثير من العيش مع صديق أو مجموعة لا نعرفها حتى يقع المحتوم ويعمّ الظلام الموحش.. ما عادت تغريه المجالس الزائفة ولا الوجوه الجميلة.. ترك كل شيء وراءه وأراد أن يختبر حياة جديدة.. أراد الحقيقة المجرّدة فعاش على طبيعته تؤنسه الحيوانات ويدفئه لهاثها في ليالي الزمهرير.. وعشق الأرض واكتنز من صلابتها وعنفوانها وأبعادها، تسلّح بالإيمان.. عاش حياة التنسّك التي أظهرت كل القيم التي كانت مخبّأة في أعماقه والتي كانت تنتظر الفرصة للظهور .. أين والده يراه؟ هل ستصيبه الدهشة لو عاد من دنياه البعيدة التي ارتحل إليها حزينًا.. هل سيشعر بالفخر ويقول للعالم أجمع هذا ابني الذي كنت أتوق أن يكتشف نفسه.


5 views0 comments