Search
  • Jamil Doaihi

الناقد نبيل عودة مارون عبود آخر... وشِعر الكلسات

















يروي الناقد نبيل عودة قصّة واقعية حدثت معه، أرويها كما هي، قبل أن أعلق عليها. يخبر نبيل عودة:

دعاني صديق للتعرف على شاعر مبدع (حسب قوله) استمعت اليه ولم أجد شعرا... بل ثرثرة فارغة من أي مضمون ثقافي. او حتى من صياغة لغوية بسيطة.

حافظت على صمتي.

خلال حديثه الفارغ، عن نفسية الشاعر حين يثور شيطان شعره، فاجأني "شاعره المبدع" بالخروج عن الشعر وشيطانه بقوله انه منذ سنوات لا يلبس الا الكلسات البيضاء، وشد بنطاله للأعلى ليظهر لون كلساته البيضاء مثل الثلج، وما زلت اجهل العلاقة بين شيطان الشعر والكلسات البيضاء.

اسرعت بإنهاء اللقاء، قبل ان ابق الحصوة، رافضا حتى شرب القهوة.

سألني صديقي ونحن نبتعد:

- ما رأيك بشِعرِه ؟ لماذا لم تقل شيئا؟

قلت له:

- إن لون كلساته البيضاء اكثر تألقا من شعره.

اجابني:

- لم افهم ما تعني؟

قلت:

- اشكر الله انه لم يكشف عن لون كلسونه أيضاً.

قال لي:

- لماذا انت دائما سلبي؟

اجبته:

- هل تريدني ان أمدح لون كلساته؟ لعلها بحر شعريّ جميل؟ ام يجب ان ننتظر ايضا ليكشف عن لون كلسونه؟

- وما علاقة ذلك بشعره؟

- أظن ان كلسونه وكلساته هي أهم مميزاته الشعرية!

ملاحظة: قد يقرأ زميلي هذه القصة المسجلة بدون الفذلكة القصصية لنبيل عودة. ارجو ان يوصلها له، لعله يغير لون كلساته، أما شِعره فعليه رحمة الله!

***

التعليق:

لا أشك لحظة في أن الناقد الحقيقي يعاني، فمن الصعب أن تقنع غير المبدع بأنه غير مبدع، فقد رسخ في عقله الباطني أنه المتنبيّ، أو نزار قباني أو محمود درويش. وبلغ البعض ادعاء النثر، وهو الجناح الثاني للأدب. علماً أن النثر يختلف عن الكتابة، فمخائيل نعيمة ناثر، وطه حسين ناثر، ونجيب محفوظ ناثر، ومحمد حسنين هيكل كاتب، وغسان تويني كاتب. لماذا؟ لأن النثر هو عمل أدبي تصويري جمالي، والكتابة هي عمل تقريري، توصيلي غير جمالي.

كتبت في حياتي حوالي 1000 افتتاحية سياسية ومقالات في مواضيع مختلفة، لا أنشرها، ولا أحتفظ بها، لأنها كتابة وليست أدباً. فإذا نشرتها احتاجت إلى مجلدات. ولو تناولها ناقد على أنها نثر، لاختلفت معه ورفضت أن يفعل ذلك، لكي لا يشوّه الحقيقة.

هذه وظيفتنا في الحياة، أن نعلن ما هو حقيقة تحت سقف القانون والمعرفة الحقّة. وليس علينا أن نعصر الظلام لنخرج منه كمّية ضئيلة من النور ونقول: هذا هو النور.

وما حدث مع شاعر الكلسات، يحدث معنا كل يوم، وما أكثر الذين لم يحفظ لهم أحد من الناس بيتاً واحداً، ولم يكتبوا قصّة أو رواية أو فكراً... يرفعونهم إلى مصاف عال، ويحشدون أنصاراً ليشيدوا بهم ويمدحوهم!

كان برتلماوس يمتلك حيوانين للفلاحة. وكنت طفلاً أراقبه من بعيد وهو يصيح لغندور وعيّوق ويلكزهما ليجتهدا في العمل. غندور البقرة وعيّوق الثور. وبينما كان برتلماوس يحرث الحقل، كان ينشد أبياتاً زجلية من نوع القرادي. وأحياناً كان بعض الرجال يذهبون إليه في الحقل، لتمضية الوقت معه في الفكاهة والمزاح الشعري. وأذكر أن برتلماوس هجا واحداً منهم له منخار طويل:

يا دِلّك يا تعتيرك... قَدّ الفشخَه تفكيرك

جايي من هونيك لهون تا تشوفيني مناخيرك.

وهكذا أصبح برتلماوس شاعراً... وله أنصار وأتباع، وقد يطبع كتباً ويترجمون له... ولو كان نبيل عودة في تلك الأيام قريباً من برتلماوس، لكان ضحك... ليس من برتلماوس، بل ممَن تجمهروا حوله، واحتاروا في أيّ اجتهاد يرفعونه به فوق الكبار. ألسنا في عصر الملك "برتلماوس" الأكبر، حيث تتفوّق الضفادع على البلابل المغرّدة؟

اعتزلت النقد، وأنا أستاذ محاضر فيه، وكتبت نقداً عن صلاح لبكي، وسعيد عقل، وأمين الريحاني، وغوته، وميشال سليمان، ومحمد الشرفي، ونزار قباني... توقّفت عن النقد لأنني رأيت مقدار الهزل الذي يحيط بالأدب. وأسال نفسي أحياناً: لماذا أنوّع وأكتب القصّة والرواية والفكر، وأنواع الشعر كلها، إذا كان ذلك لا يضيف شيئاً ولا يحدث فرقاً؟

فِلاحة برتلماوس أيضاً أغلى من شعره... ولكن ماذا تفعل بالحظّ، والسياسة، والتدليس، والدبلوماسية، والعلاقات؟ وما حيلتنا إذا كان بعض الناس يحمّلون ضمائرهم، ويحاربون المبدعين من حسَد، ويعتبرون أن شعر برتلماوس أغلى من ثلم الفِلاحة؟

____

جميل الدويهي: مشروع "أفكار اغترابية" للأدب الراقي - سيدني 2020