Search
  • Jamil Doaihi

جميل الدويهي: أمونيوم تحت السرير (قصّة قصيرة)



تزوّج خليل وهو في سنّ صغيرة من امرأة تكبره، وقد أراد والده أن يزوّجه من تلك المرأة، لأنّ مصلحة تجاريّة تجمعه بوالدها، ونتيجة لصفقات بين الرجلين، وسمسرات في طول البلاد وعرضها. وخضع الشابّ الصغير لإرادة أبيه، وتزوّح من سليمى، وهي امرأة قويّة متسلّطة، قليلة الذوق، لا تراعي مشاعر الآخرين، أنانيّة، تريد كلّ شيء لنفسها، وتضرب بعرض الحائط رغبات زوجها المسكين، ولو كانت رغبات صغيرة.

غير أنّ الرجل الذي سكت عن الظلم والاستبداد طويلاً، قرّر الانتقام، واستعادة كرامته المفقودة، والثورة على ما حلّ به من طغيان. وتلك الثورة وجدها في امرأة لا يبعد منزلها عن منزله سوى أمتار قليلة. وكان كلّما سار في الشارع، أطلّت تلك الجارة من نافذتها، ورشقته بنظرة أشعلته من رأسه حتّى أخمص قدميه. إنّها التمرّد المشتهى، الخلاص، والهروب إلى الأمام، إلى عصر آخر فيه يحلّق عالياً، ويخرج من سيطرة القمع.

واقتحم خليل قلب المرأة، واقتحمت هي قلبه... سيّدة وحيدة وتحتاج إلى من يملأ فراغ حياتها، وهو طائر سجين يريد أن يكون في غابة، حيث الأفق لا حدود له، ولا من يرسم فيه خطوط أحلامه.

وتكتشف الزوجة العاتية ما فعله زوجها مع المرأة للدود، فتذهب إليها، وتجرّها من شعرها، وتضربها بقسوة، ثمّ ترتدّ غلى زوجها، فتهينه، وتشتمه، وتبصق في وجهه. ومتى كانت السلطة لا تبصق في وجوه المساكين، وتهينهم عندما يطالبون بأبسط الحقوق؟

وتفور أعصاب خليل، فلا يسكت هذه المرّة، بل يحاول أن يقنع زوجته بأنّ عصيانه لم يحدث من تلقاء نفسه، بل لأنّ أفعالها هي التي حرّضته على ردّة الفعل. وقال لها:

يا سليمى، إنّ السلطة التي تطغى على الناس لا تعترف بأخطائها، فهل رأيتِ سارقاً أو قاتلاً أو كاذباً لا يدافع عن نفسه؟ إنّك لو ألقيت القبض على مغتصب في الطريق وهو يعتدي على امرأة، لأنكر فعلته واتّهمك بأنّك حاقدة، ووجد ألف عذر وسبب لإدانتك، لكي يغطّي جريمته بجريمة لم ترتكبيها. وهذا ما حصل معي بالضبط. أنتِ مغتصبة، ولو كنتِ لا تعترفين، ومعتدية وإن كنت لا تعرفين. سئمت منك، ووجدت خلاصي بامرأة تحبّني وتعطف عليّ. هي الثورة في ذاتي وعليك... أنا لا أحبّ تلك المرأة، بل أحبّ النساء جميعاً... وكلّ امرأة غيرك تمثّل عندي جنّة أفرّ إليها من جحيم لا يطاق. وكم يحزنني أنّ والدك يدافع عنك، ولو واجهتُه بالأدلّة والبراهين! هو مثلك تماماً، وكأنّه تربّى على يديك وأنت ابنته.

في تلك الليلة المشؤومة، حدث قتال دمويّ في منزل خليل، فتطايرت الأحذية، والصحون، والطناجر، وحدثت فجوة في جدار، وانخلع باب يفصل بين البهو الطويل وغرفة النوم. وخرج الزوج من منزله هائماً في الطريق، ولم يعد إلاّ في ساعة متأخّرة من الليل. وحين رجع لم يجد زوجته التي ذهبت إلى بيت أبيها، لتشكو وتثرثر.

ونام خليل في الساعة الثالثة فجراً، وما هي إلاّ ساعة، حتّى وقع انفجار تحت السرير، فطار خليل، وتعلّق من ردائه الطويل في الثريّا... كان يئنّ من ألم ورضوض في جسده النحيل، ومن خدوش في وجهه. وعبثاً حاول النزول من الثريّا، فلم يفلح... بل كان خائفاً من أنّه لو سقط من الثريّا فإنّ رأسه سيتحطّم على بلاط المنزل.

حضر رجال الإسعاف على عجل، وتجمّع الجيران، وأنزلو الرجل المعلّق بين الأرض والسماء، وأنعشوه... وضمّدوا جراحه، ثمّ اتّصلوا بزوجته التي جاءت مع والدها، وهي تصطنع الأسى والاضطراب.

وتبيّن بعد سؤال وجواب، أنّ المرأة وضعت تحت السرير كمّيّة من الأمونيوم المسروقة التي اشتراها والدها من أحد الموظّفين في المرفأ، ولم يجد مكاناً لتخزينها، فأوكل تلك المهمّة إليها، فقرّرت أن تضعها تحت السرير.

وبيّن التحقيق أنّ سيجارة دخّنها خليل قبل أن يأوي إلى الفراش، وتركها مشتعلة في المنفضة هي المسؤولة عن الانفجار. وأعترفت الزوجة أمام المحقّق بأنّ والدها قد حذّرها عدّة مرّات من خطورة الأمونيوم، ونصحها بأن لا تخزّنه في مكان عام، وأجابت بأنّها لم تقدّر أنّ الموادّ الخطيرة يمكن أن تؤدّي إلى هذه الكارثة، ورأت أنّ تحت السرير ليس مكاناً عامّاً... بل هو مكان خاصّ جدّاً، بدليل أنّ زوجها وحده قد تعلّق من ردائه في الثريّا.

_____

مشروع الأديب د. جميل الدويهي "أفكار اغترابيّة" للأدب الراقي - سيدني 2020

7 views