Search
  • Jamil Doaihi

جميل الدويهي: بلاد القصرين

جميل الدويهي: بلاد القصرين

(من الكتاب الفكري الخامس- يصدر أواخر عام 2021)



تعجّب الناس من أنّني تمكّنت من الدخول إلى بلاد القصرين، وكان الملك قد أمر جنوده بأن يقفلوا البوّابة الكبيرة المصنوعة من الخيزران، ويراقبوا من الأسوار كلّ من يريد الوصول إلى المملكة. فكانوا يسألون القادمين عن أسمائهم، ومدنهم، وأجناسهم، قبل أن يسمحوا لهم بالعبور.

اعتقلني الجنود، وسألوني: من أين دخلت؟

أجبتهم: عادة أدخل من الباب وهو مقفل.

وسألوني أيضاً عن الفتاة الصغيرة التي كانت ترافقني، وهي ترتدي ثياباً ممزّقة، وتغنّي بصوت رقيق.

أجبتهم : إنّها مشرّدة مثلي، ولم تجد من يُؤويها في القبائل، فأصبحتْ تغنّي مقابل رغيف من الخبز... أنا أغنّي على قيثارتي عن الشتاء والبحر الغاضب، وهي تغنّي عن الحرّيّة.

واتّهمني الجنود بأنّني سخرت من العبيد، وطلبت منهم أن يدلّوني على مَن يصنع مفاتيح الشمس... وقلت إنّ الأعداء سيحتلّون بلاد القصرين، وقد لا ينجو إنسان من مطر غزير سيهطل لمدّة أربعين يوماً.

أحضروني إلى المحكمة، فقال القاضي: من أيّ جنّ أنت؟... الآن علينا أن نطلق سراح مجرم لكي يكون لك مكان في السجن. فقد ضاقت السجون بالمارقين والعُتاة.

قالت امرأة من الحاضرين: أرجوك أن تعفو عنه يا سيّدي القاضي، فهو لا يعلم بما يفعله.

صرختُ بالمرأة: قاتلك الله أيّتها السيّدة التي لا أعرف منها إلاّ صوتها. كيف عرفتِ أنّني جاهل؟ وهل يعرف الجاهل أحدٌ إلاّ نفسه؟

انتهرَ القاضي المرأة، فجلست في مكانها، نادمة، ومشفِقة، وكانت ترمقني بنظرة تنمّ عن خيبة أمل، وتخبر امرأة أخرى بجانبها عن وسامتي.

أخبرني القاضي، وهو يرفع نظّارتيه السميكتين إلى أعلى أنفه بأنّ الفتاة التي كانت معي، قد تبنّاها رجل غنيّ وليس عنده أولاد. ثمّ فكّر قليلاً وقال: لو أطلقنا مجرماً من السجن، فسيعود إلى ارتكاب الإثم. أمّا أنت فلست مجرماً، بيْد أنّك خارج على القانون، فسأحكم عليك بأن لا تنام بعد اليوم، وسيكون معك حارسان في الليل والنهار... وهما سيصادران القيثارة والغناء.

قلت للقاضي: النوم هو الأخ الأصغر للموت، والغناء نوع من الفوضى. ولكن هل أستطيع أن أعمل في مهنة لكي أعيش؟

أجاب: أنت تختار المهنة التي تريدها.

خرجت من المحكمة، ومعي الحارسان، يحصيان خطواتي، وكلّما اشتقت إلى الغناء يضع أحدهما يده على فمي. أمّا النوم فلا يعرف طريقاً إلى عينيّ. وصرت في كلّ صباح أدهن البيوت في تلك البلاد باللون الأبيض، وأطعم الحَمام الذي يهدُل على السطوح.

______

مشروع الأديب د. جميل الدويهي "أفكار اغترابيّة" للأدب الراقي - سيدني

4 views0 comments