Search
  • Jamil Doaihi

جميل الدويهي: قراءة في قصّة "حكاية روزي الجميلة" للينا محفوض


لينا محفوض... وجه جديد في عالم القصّة القصيرة

"حكاية روزي الجميلة"... أقصوصة مفعمة بالأحزان والذكريات

بقلم د. جميل الدويهي



1- حكاية روزي الجميلة - بقلم لينا محفوض

... وكما كلّ يوم بعد قيلولة، أعددتُ القهوة وخرجتُ بها إلى الشرفة... هذا اليوم جميل أيضاً... حيّنا هادئ جداً وأكاد بعد بضع سنوات عشت فيها هنا أن أعرف معظم الجيران. جاري العجوز يبادل التحيّة باحترام ومحبّة، لكنّه لا يقول: "تفضّلوا"! ربّما لم يكن ذلك في دائرة اهتمامي، فقد اعتدت على طبع الناس هنا... هؤلاء ينتمون إلى ثقافة مختلفة، وأنا الغريبة عليَّ التزام وصيّة جدّتي (الغريب أديب يا بنتي ...) مممم... القهوة كائن جميل... يغريك أن تعوم وتغرق في سماره وعطره، فتشفي شوقك له برشفة تبعث بك إلى سعادة لا تقاوم... جارتي روث وجارتي جانيت، جاري مايكل وجاري دوم وزوجته ميري... لديّ الكثير من الجيران، أحفظ ملامحهم جيداً، وأعرف تفاصيل وتعابير وجوههم حين يلقون التحية بلطف وتهذيب... لكنّي أعلم جيّداً أنّني كل يوم أكمل فنجان قهوتي وحدي ... "عمتِ مساءً" صوت لطيف قطع سلسة أفكاري، فالتفتّ وأجبت والبسمة تعلو وجهي: "أهلا أهلا روزي... كيف حالك؟"... "بخير" أجابت روزي...

- أين هو دايڤيد ؟ لا أراه معك هذا المساء!

- إنّه لا زال يعمل...

- حسنٌ... إذاً يسرّني أن أدعوكِ لمشاركتي قهوتي إن كان لديك الوقت ...

- بكلّ سرور... سأذهب إلى متجر الزهور في الشارع المقابل أولّاً، ومن ثمّ أعود ونشرب القهوة سويّةً... لن أتأخّر...

يا الله كم أسعدني قبولها دعوتي!

أكملتْ طريقها، بينما عدت بذاكرتي بضع سنوات مضت... عرفت روزي الجميلة منذ أن أتيت إلى هذه البلاد، وأنا أرى فيها صورة الأنثى الكاملة، وجهها الجميل وعيناها الزرقاوان... شعرها الأشقر المنسدل، وبشرتها المصقولة كلعبة مصنوعة من الپورسلان... يا الله ما أجملها، وكم يليق بها الدلال!... دايڤيد يقدم لها الكثير... كلّ مساء أراهما حين يخرجان لممارسة المشي... يده تحيط بخصرها، وهو ينظر إليها كأنّه ينظر إلى طفلته المدلـلة. يمسك بيدها الناعمة ويكاد يفرش لها الدرب وروداً جوريّة، أو يجعل من جسده بساطاً تخطو عليه كي لا يتلوّث حذاؤها...

ومن صدري خرج زفير حسرة يقول: إيييه نيّالها.. العزّ للرزّ والبرغل شنق حالو.

و لمَ لا أغار؟ أنا أيضاً امرأة و أحبّ الدلال! السنة الماضية غيّرت روزي سيّارتها بأحدث وأغلى سيّارة في السوق، لا... ليس فقط سيّارتها، بل وأيضاً اشترى دايفيد مفروشات جديدة في غاية الفخامة لكامل البيت... ثيابها من أفضل الماركات، وتبدو ابنة عشرين عاماً حين ترتدي الشورت وتمشي في الشارع... يكاد بياض ساقيها يضيء العتمة...

ومجدّداً خرجت تنهيدة حارّة مفعمة بحسرتي وغيرتي، وقلت: يا هنيّالها!

أيقظني صوتها مجدّداً: لقد عدت...

- أهلا بك... تفضّلي... لا تزال القهوة ساخنة.

جلستء روزي على الكرسيّ المقابل بكلّ نعومة. تناولت الفنجان بأناقة، ثمّ ابتسمت وأخبرتني أنّها جدّ ممتنّة لدعوتي. وأنا سررت لهذا... حدّثتني عن عائلتها الرائعة، وعن عملها... وأنا حدّثتها عن بلادي التي هاجرتُ منها... حدّثتُها عن جيراني في بلدي البعيد الذي اشتقت لترابه، وعن شقاوة طفولتي... وأخبرتها كم عانينا كلّ يوم للوصول إلى المدرسة أيّام الشتاء. أضحتْكها جدّاً قصّة الديك الذي ظهر أمامي فجأة وأنا في أعلى التلّة.. لقد أخافني وأفقدني اتّزاني، فسقطت وتزحلقت على الجليد الذي يغطّي التلة إلى أن وصلت إلى سفحها... والمضحك أنّ الديك أيضاً كان خائفاً منّي، وتزحلق هو الآخر معي.

كانت لحظات ممتعة مضت سريعاً... شكرتني السيّدة الزائرة على حسن ضيافتي، ونهضت لتودّعني. نهوضها الرصين زاد طين غيرتي بلّة.. فخصر روزي تحلم به الحوريّات في الجنّة، ولم استطع أن أخفي دهشتي وإعجابي أكثر، حيث فضحتُ نفسي بدون قصد.

خرج الكلام من فمي بغير وعي: جسمك أصبح جميلاً جدّاً... ماذا تفعلين له؟ كيف أصبحتِ متل باربي؟... ليتني أستطيع أن أكون مثلكِ ولو لثانية...

لم تبتسم روزي . استشعرتُ طاقة غريبة تنفذ من وراء اللون الأزرق في عينيها... وأحسست بها تلملم أطراف نفسها وتستجمع شجاعتها لتظهر ابتسامة من وجع لا أعرف ما هو...

قالت : لا أحبّ أن تكوني مثلي.

ولولا دمعة لمحتها في زاوية عينها الكبيرة، لكنت قد ظننت أنّها غاضبة منّي، أو أنّها أحسّت بغيرتي...

ياااه ! لماذا قلت لها هذا؟! وكم سأجلد نفسي هذه الليلة... ليتها لم تقبل دعوتي... ويا لي من حمقاء!

نظرتُ إليها وقلت: أعتذر إن أزعجك تعليقي... سامحيني... لم أقصد سوءاً...

- لا أبداً... لم تزعجيني بكلامك عنّي، لكنّي فعلاً لا أحبّ لك ما أنا فيه...

صمتت المرأة قليلاً، ثمّ استطردتْ: أنا يا لينا أواجه السرطان منذ أعوام... جسمي ينحل كلّ يوم أكثر... وشَعري هذا ليس شعري... ولا أعلم إن كان لا يزال لديّ من العمر ما يكفي ليعود شعري الحقيقي... وأراه يغطّي رأسي بدلاً من هذا الشعر المستعار اللعين...

اختنق الصوتُ في حلقها... ولم أعد أذكر كيف اندفعتُ إليها وضممتها بشدّة إليّ... نعم... كطفلة مدلّلة... تماماً كما يفعل دايڤيد...

- قلت على عجل وأنا أخفي بكائي: ستكونين بخير... سأصلّي لك كلّ يوم...

- أنتِ لطيفة جدّاً... ليتني جلستُ معك مرّات قبل اليوم .. إلى اللقاء.

ودّعتني بهذه الكلمات... وبعدها لم يحدث أيّ لقاء... كان ذلك وداعاً... نعم لقد ماتت روزي بهدوء... ماتت روزي الجميلة، لكنّ الدرس الذي علمّتني إيّاه لم و لن انساه... واليوم وبعد أربع عشرة سنة... أتحسّس ذلك القرط الذي وضعته في أذني... هديّة قبل أن تغيب.

ما من حياة كاملة وتامّة... وليس هناك أحد يعيش السعادة كلّها. ونحن لا نعرف على أيّ همّ يغلق عينيه ذلك الساكن في قصره، وهو عليل ويتمنّى أن يغفو قليلاً... ولا كم بلّلت الدموع وسادة تلك المرأة التي تضحك طوال اليوم... فخلف كلّ باب بيت يوجد سرّ وحكاية لا نعرفها...

منذ ذلك اليوم، وقهوتي مع روزي، تعلّمت الامتنان لما أمتلك، وأن أهذّب عيني، كي لا تصبح لصّاً ينوب عن يدي في الشعور بالجمال... وكي لا تنظر إلى شيء ليس لي... وكلّ يوم، أراقب الشارع حيث كانت روزي تسير مع دايفيد، فأراه وحيداً وحزيناً... وتعتصرني اللحظة، لكنّني في الوقت نفسه أشكر الحياة التي جمعتني بروزي الجميلة.

________

2-قراءة في القصّة - بقلم د. جميل الدويهي



تطلّ السيّدة لينا محفوظ من شبّاك القصّة القصيرة على عالم "أفكار اغترابيّة"، فيداهمني سؤال ملحّ: أين كانت هذه المرأة التي تكتب بنبض القلب، وحرارة الروح؟

عشتُ في أستراليا منذ عام 1988، ولم تدهشني قصّة قصيرة قرأتها، فكأّني أنحت الجبل بإبرة. والكثيرون هنا أدباء، لكنّ الغربال له رأي آخر، فلا يبقى إلاّ القليل القليل من المبدعين... هذا في القصّة القصيرة التي لها عالم خاصّ وتقنيّات معيّنة، وفضاؤها الحرّيّة، بحيث لا تنغلق في حدود مُعدّة سلفاً، ولا تقبل بأن تكون داخل قفص من حديد.

ومع لينا محفوض اكتشفت للمرّة الأولى أنّ القصّة القصيرة موجودة في أستراليا، وبصحّة جيّدة. فقد قرأت قصصاً لا أفهمها، ولا أعرف ماذا يريد صاحبها. حشد لغويّ بغير طائل، والقصّة ليست لغة، فقد نقولها باللغة العامّيّة وتكون جميلة. القصّة خيال، وابتكار حادثة، وهدف محدّد، ورؤية فنّيّة عميقة. وما تكبته لينا محفوض في قصّتها الأولى - بالنسبة إليّ - هو عمل جميل وراق، يكسر حاجز الجمود، ويعيد إليّ الثقة بأنّ أحداً اقتحم عالم "أفكار اغترابيّة"وسينجح، لو قرّر الاستمرار في البحث عن عالم قصصيّ متفرّد، ونكهة خاصّة هي مرآة لشغفه وبراعته.

"حكاية روزي الجميلة"، فيها صوتان: صوت امرأة شرقيّة مهاجرة، وصوت امرأة أستراليّة. ..هنا حوار الحضارات، وخيمة المحبّة التي تظلّل العلاقات الإنسانيّة. والغرض من القصّة، على جمالها، وسموّ لغتها، وفرادتها... إظهار التعارض بين فكرتين. ومن هذا التعارض ينطلق النصّ بوتيرة هادئة، ويسود حوار قصصيّ من الطراز الرفيع... وتتولّد صدمة النهاية... فالمرأة الشرقيّة تتمنّى، بل تشتهي، أن يكون لها من جارتها الغربيّة ملامح تحبّها، ولكنْ... ليس كلّ ما يتمنّى المرء يدركه، فالمرأة الثانية تعاني من مرض عضال، وتذوب كالشمعة، ويذوب الجمال معها، حتّى يصلا مترافقين إلى نهاية مأساويّة. وهذا الجوّ الحزين طغى على أجزاء من النصّ، وليس عليه كلّه، فلينا محفوض تعرف متى تنشر الفرح، ومتى تصف المشاعر الأليمة... وكم أعجبتني تلك القصّة القصيرة جدّاً في قلب القصّة، وموضوعها الديك الذي تزحلق مع الصبيّة على الجليد. فكرة أضفتْ على السرد خيطاً من الكوميديا المحبّبة. كما أدهشتني الحكمة من النصّ، وهي: أنّ على المرء أن يرضى بما كتبه له الله، فذلك هو الوعي والمنطق السليم في الحياة.

هذا ما كوّنتُه من فكرة عامّة عن أقصوصة "حكاية روزي الجميلة"، ولن أطيل... فإنّني أخشى أن أصغّب الأمور على لينا، وأضع أمامها مسؤوليّة كبيرة، وهي تخوض أوّل تجربة قصصيّة في "أفكار اغترابيّة"، وعالم القصّة أصلاً هو عالم صعب. وقد يكتب المرء قصصاً ثمّ يرى أنّها لا تعجبه، فيتخلّى عن نشرها، بل يتْلفها... لكنّني أقول للسيّدة لينا: إلى الأمام... وحسبك أنّك خطوتِ أوّل خطوة على الطريق الصحيح. وأرجو أن أقرأ لك مزيداً من القصص في المستقبل... لا تستعجلي على الكتابة. فكّري في موضوع، وحبكة، وخاتمة، وسيري ببطء ورويّة، وإذا كانت البداية قصّة جميلة... فغداً قصص أجمل. والرب يحميك يا أميرة.

____

مشروع الأديب د. جميل الدويهي "أفكار اغترابيّة" للأدب الراقي - سيدني 2020

4 views