Search
  • Jamil Doaihi

جميل الدويهي: مطالعة لنصّ مريم الدويهي "لا نمتلك عناوين لمطر يغرقنا"

Updated: Dec 16, 2020



نصّ مريم رعيدي الدويهي: لا نمتلك عناوين لمطر يغرقنا

حدثتُك بلغة السواقي... لكن الماء عازف لا يحسن الكلام. وكتبت لك بلغة الليل، وحبر العتمة صامت وحزين. وتركت أرجوحة من حنين على حورة كانت لنا، قبل أن نصبح غريبين. وهمست لك، مثلما تهمس الرياح للياسمين. وكانت عيناك مغمضتين على زمان الطفولة.

كيف أعبّر لك عن شغفي. وبين الحروف مسافة أبعد ممّا بين السفر ومناديل النساء؟

نحن الآن في بلاد مجهولة، لا القطار يعرف من نحن، وكيف ولدنا، وكيف تداخلنا كأغصان الشجر البرّيّ، ولا نحن نمتلك عناوين لمطر يغرقنا، ولا يترك منّا غير الصدى.

أنا صورتك المرسومة على نبض القلب، وأنت الفكرة التي ولدت على حين غرة، ولا أحد في الفلاسفة جميعا يستطيع أن يفهم كيف تولد الصدفة، وكيف نسكن في داخلها... أو كيف هي تقيم فينا، وتغادرنا فقط بعد أن تنهمر من السماء... دمعتان.

------

قراءة جميل الدويهي:

هذه المرأة الشغوفة بالحنين إلى الماضي، الملتزمة بحببب واحد، لا يغيب من أيّامها ولياليها. قليلة التواصل مع قليل من الناس، هم أهل بيتها ومَن مثل طبيعتها الهادئة، الرصينة، المتّزنة.

هذه المرأة التي غمرتها شهرتي، واهتمام الناس بي، وهي في قلب "أفكار اغترابية"، وفي الروح تقيم. فقد ظلمتُها عندما سبقتها في عالم الأدب، وبقيت هي تكتب أشواقها إلى وطن، وحبّها لمن تحبّ، ومشاعرها الطيبة تجاه الأرض والإنسان. لكنها لا تحزن، وهي دائماً معي. لا تلتفت إلى شهرة، ولا يعميها التسابق إلى الظهور. وكنت مرّة في إحدى المناسبات التي أقيمت لتكريمي، فتزاحم الحاضرون لقطع قالب الحلوى، ولم يكن لي مكان، فوقفت إلى الوراء، ووقفت هي بجانبي. فسألتها: لماذا لم تزاحمي كما زاحم الآخرون، فأجابتني: أقف حيث تقف.

وظُلمت مريم مرّة أخرى لأنّها زوجتي، فقليل من النقّاد أو المهتمّين في أستراليا سيلتفتون إلى أدبها... وكيف يلتفتون، وهم منشغلون بأدب ليس بأدب، وببهرجة السخافة لإظهارها على أنّها كواكب تضيء؟ وعلى الرغم من ذلك، فالإهمال لا يوقف مسيرة، ولا كلام الحُبّ إلى رجل واحد. فاسمعها تحدّثني بلغة السواقي، و"الماء عازف لا يحسن الكلام". وأقف طويلاًُ أمام هذا المشهد، وهذه الصورة الشعريّة الساحرة التي لا تضاهى... وهي تهمس لي، والعيون مغمضة على أحلام الطفولة، لأنّ هذا العالم لا يتّسع للأحزان، وليس من ملاذ يفرحُنا إلاّ طفولتنا البريئة الخالية من الأسى.

هكذا ترسمُنا مريم، أنا وهي، وتسألني كيف تعبّر عن شغفها، وبين الحروف مسافة أبعد ممّا بين السفر ومناديل النساء. ويا لها من صورة ثانية أجمل، وأكثر سحراً من الأولى، تصلح موضوعاً لرسّام متخيّل! والصورة - الموضوع هي سفينة تشقّ البحار إلى البعيد البعيد، وفوقها نورس تائه، وحائر بين أن يلاحق المسافرين، أي نحن، إلى عالم جديد، وبين أن يعود إلى الشاطئ ليكفكف دموع الأمّهات اللواتي يلوّحنَ بمناديل مبلّلة، يعتصرنَها في المساء.

جُمل صغيرة، لكنّ فيها كثيراً من المشهديّات، بإخراج متقن... وعناصر متفرّقة، غير أنّها متلازمة في التكوين والتعبير. خيوط من حبر تضيء فوق السطور، وما قرأت أجمل منها في الأشهر القليلة الماضية. فما أجمل أن تقول الأديبة الشاعرة: "لا نمتلك عناوين لمطر يغرقنا" وهل في المطر أو للمطر عناوين؟ نعم... إذا كان المطر متواصلاً، يغمرالأرض وما فيها، فلا تبدو أشجار وطرق وبيوت ومرافئ... وقد سارت مريم طويلاً تحت مطر الدموع... معي وإلى جانبي... إلى بلدان مجهولة، ونحن مجهولون فيها، فنحن الجاهلون فوق جهل الجاهلينا – كما يقول – الشاعر التغلبيّ عمرو بن كلثوم. وكيف يعرفنا القطار، بعد أن هرب صوته في السهل، ولم يبق في هزيع الليل إلا شبحان في شارع مظلم، وصدى يأكل المسافة؟

ليس أحد في النساء أكثر وفاء من مريم. وأنت مريم الثانية التي لا تحيد عن خطّها. وأنت الفكرة، والصّدفة، لكنّها صدفة تدوم… وتداخلُنا يشبه المعجزة. ألم أقل يوماً: "لا تلزمنا لغة، كي نقرأ حرفاً أو حرفين، وكي نتعانق في شكل رمزيّ لا يفهمه إنسان"؟

ولكن يا مريم، لماذا مكتوب علينا هذا التشرّد والمعاناة المتواصلة؟ ولماذا تغادرنا الصُّدفة فقط بعد أن تنهمر من السماء دمعتان، واحدة لك وواحدة لي، نتقاسمها بالتساوي، في زمن أصبح فيه الخبز طعنة، وبعض الابتسامات خيانة، والكلمة سيفاً على الضمير؟

_______

مشروع الأديب د. جميل الدويهي "أفكار اغترابيّة" للأدب الراقي - سيدني 2020

0 views0 comments