Search
  • Jamil Doaihi

د. جميل الدويهي: في خاطرة د. عماد يونس فغالي
















يقول الأديب عماد يونس فغالي في خاطرة له: "نحن معشر الأدباء لنا متعتنا الخاصّة، ولنا لغتنا التواصليّة التي تشبهنا والتي قد تقرب الغزل في مكان، إلاّ أنّها تبادل فكريّ ماتع".

يمكنني أن أشرّح هذه الخاطرة وأجزّئها إلى 6 محاور: النحن، المتعة الخاصّة، اللغة التواصليّة، لغة تشبهنا، لغة تقرب الغزل، تبادل فكريّ ماتع".

في النحن، ومَن نحن؟

جماعة واحدة خلقها الله لتكون منارات في مدينة الفكر. نختلف في الرأي، ونرتدي أثواباً مختلفة بحسب الفصول، لكنّنا واحد، كما الأزهار في حديقة، بكلّ لون وعطر وجمال، وفي نهاية الأمر نحن حديقة متناسقة. فإنّما الباري قد جمعنا لا لنختلف، وفرّقنا لحكمة منه. وبيننا، معشر الأدباء، جسور كثيرة، فمهنا كان بيننا من تباعد، نظلّ في تناغم، كما الموسيقى الحالمة في سيمفونيّة الخلود

أمّا المتعة، فهي في تعبِنا وتضحياتنا الجسام، وليتَ الناس، كلّ الناس يعرفون كم نسهر ونعاني، لنُطلع الكلمة من الفراغ، كما تطْلع شتلة التبغ من حضن الأرض الدافئ لتعانق الهواء والشمس. متعة لها وجهان: متعة الجهاد، ومتعة الموسم الذي يقطر عسلاً، ويفيض قمحاً وبيادر. فما أجملنا، فلاّحين في حقل الربّ... نزرع ونحصد، بل نبدع صوراً لا يتخيّلها رسّام! وما أروعنا كلّما نتحاور بالكلمة الحقّة، لنكون نموذجاً لكلّ الأمم، في بدع الخير والمحبّة والسلام... مَن نحن؟ إنّنا حمائم بيضاء في فضاء النور والحرّيّة.

ولغتنا... يا لها من لغة! هي أسمى اللغات... وكما أنّ للتاجر لغة الحساب والأرباح، وللسياسيّ لغة السياسة والعلاقات، وللبحّار لغة البحر والعواصف، فلغتنا هي جميع ذلك. نعم نحن ننطق بألسنة الكلّ، ونعبّر عن الوجود. لغتنا هي رداء أرواحنا، فكلّ الأثواب تعتق وتتساقط، كما تتساقط أوراق الأشجار في الخريف، بيْد أنّ الشجرة العاتية لا تُعرف بثيابها، إنّما تُعرف بروحها القويّة المتجذّرة في الأرض والزمان. وعندما نتواصل، فإنّ كلامنا الذي مِن نور، يشعّ في الخليقة، والناس يعرفون متى يبزغ الصباح، ومتى تشرق الشمس. ولأنّ المحبّة هي بيوتنا، فمن ألسنتنا تعرفوننا... ومن قلوبنا التي تصدح بتراتيل قدسيّة، كما تراتيل الكاهن الذي يتعبّد، والنبيّ الذي يرفع الصلاة لربّه. أفما كان غزَلاً ما غنّاه النبي داود؟ بلى... هو غزل رقيق، عميق، وحلو المذاق... لا تزال أصداؤه تتردّد في الأيّام.

ولماذا تشبهنا لغتنا؟

وقف رجلٌ وسيم المنظر، أنيق الهندام، أمام سقراط يتبختر متباهياً بلباسه، ويتفاخر بمنظره، فقال له سقراط: «تكلّم حتى أراك». ونحن نتكلّم حتّى يرانا أهل القيَم والحضارة. لغتنا تشبهنا لأنّنا من طينة واحدة، صهرَتنا الحكمة، وعجنَتنا الأزمنة، وخبزَتنا نار الإبداع، فصرنا خلقاً يتميّز ويتعالى في درجة فكره، وكلّ كلمة لا تشبه صاحبها، هي من شمع يذوب ويتلاشى.

أجل. إنّنا في حوارنا الحضاريّ، نتبادل الآراء، ليس كأنّنا غرباء نتقاتل من أجل مُلك وثروة، بل كأبناء بيت واحد، له سبعة أعمدة من رخام وضياء. وتحت تلك الأعمدة السامقة لا نضجّ كما الرواقيّون، في هذيان وطلاسم، إنّما نتواضع للحقيقة ونتلفّظ بها من أجل الإنسانية جمعاء.

خاطرة الأديب الفغالي تعني باختصار: نحن الأدباء نتحدّث بلغة الله... ونبشّر به في الإنسانيّه.

______

جميل الدويهي : "مشروع أفكار اغترابية للأدب الراقي" - سيدني 2021

10 views0 comments