Search
  • Jamil Doaihi

د. جوزيف ياغي الجميّل: قراءة في خاطرة الشاعرة مريم رعيدي الدويهي













"أنا صورتك المرسومة على نبض القلب، واأنت الفكرة التي ولدت على حين غرة، ولا أحد في الفلاسفة جميعاً يستطيع أن يفهم كيف تولد الصدفة، وكيف نسكن في داخلها... أو كيف هي تقيم فينا، وتغادرنا فقط بعد أن تنهمر من السماء... دمعتان" مريم رعيدي الدويهي

***

كيف تولد الصدفة؟ وكيف تولد الفكرة؟ بين الصدفة والفكرة لقاء عاشقين، أديبين، بل لقاء الفكرة الهيولية في رحم الإبداع، وصدفة العبق النوراني العرفاني، عندما تتشظى أمواج القدر، وتخرج عارية إلا من الدهشة. الفكرة حنين إلى عالم لا ندركه إلا عند خروجنا من ظلال كهف الذات، إلى عالم النور في الآخر. والآخر هو الإنسان، في بعده الكلي، بعيدا من الجزئيات والأنانيات. الفكرة عبق إلهي، يخرج من زهرة في بستان المحبة المطلقة، إلى نحلة ترتشف منه العبير/ الصداقة/ الحياة. الفكرة عروس الكوجيتو الإنساني، وعلة الوجود؛ لذلك قال الفيلسوف الفرنسي ديكارت: أنا أفكر. إذا أنا موجود. وتجمع الأديبة مريم رعيدي الدويهي بين الفكرة والصدفة. فالفكرة عندها تولد صدفة، في غفلة من الحياة. وقد تكون ولادة الإنسان شبيهة بهذا الانفجار الذاتي الكبير. ونسأل: أيكون اللقاء بين آدم وحواء صدفة؟ وما فكرة الخلق الأول، في ذهن التاريخ البشري؟ أيكون اللقاء بين جميل ميلاد الدويهي ومريم رعيدي صدفة أم فكرة راودت عقل الله، ذات مشيئة لا متناهية في التدبير؟ وكيف تلتقي الفكرة والصدفة؟ الفكرة والصدفة عالمان غير متوازيين. تربط بينهما فلسفة إلهية بامتياز. في المشروع الإلهي، لا مكان للصدفة. في المشيئة الإلهية فكرة كلية تتولد منها أفكار وأفكار تماما كنور الشمس في حركية تفجره اللامتناهي. في فكرة الخلق لا مجال لصدفة تنقل آدم وحواء من عرش سماوي إلى وادي الشقاء والأحزان. ونسأل: أين موطن الصدفة؟ أتسكن في القلب أم في العقل، أو في منزلة بين المنزلتين؟ منزل الصدفة هو النفس في تشظيها الكياني الخارج من رحم فكرة تعي ذاتها والآخر. منزل الصدفة قلب عاشق يؤمن أنه والحب واحد. منزل الصدفة حيث يسكن البوح، وتشرق الأحلام، بلا خفر، أو ملام. منزل الصدفة يسكنه الإنسان افتراضيا، لأنه غير مصنوع من حجر، ولا تستطيع رؤيته عيون البشر. منزل الصدفة أساسه فكرة، بل فعل خلق يتجدد في عمق أعماق الإنسان، ولا تنهيه دمعتان. ونسأل: متى تبكي السماء؟ أيكون بكاء السماء فكرة أم صدفة؟ وهل تذرف الدموع عينا سيد السماء؟ بين فكرة البكاء/ الموت، وصدفة الولادة، دمعتان تنهمران فرحا وحزنا في آن. يولد الإنسان باكيا ويموت. وليس البكاء في الحالين صدفة. فهل يدرك الإنسان عبء فكرتي الولادة والموت؟ يلتقي حبيبان ويفترقان. يفرحان ويحزنان. وبين السرور والكآبة صدفة تتشظى عمرا، بل أعمارا ولحظات تفكير أو لا مبالاة. وحين ينحرف مسار الإنسان عن خطه التصاعدي المعتاد، نحو الفكرة الكلية، تنكسر الفكرة النسبية. يصبح نكرة بلا جذور، ويفقد حرية الوجود. مريم رعيدي الدويهي، أيتها الفكرة المتجذرة في أعماق البوح، ليس صدفة أننا التقينا، حول مائدة الكلمة؛ لأن الكون انتقل بفضل الفكرة الكبرى، من الوجود بالقوة، إلى الوجود بالفعل. وهكذا الشعر في تجسده من الفكرة إلى القلب فالديوان. وهكذا المحبة، ديوان الشاعر الأول الذي يدعى الله. د. جوزاف ياغي الجميل