Search
  • Jamil Doaihi

رؤية الناقد د. جميل الدويهي في أقصوصة "متشرّد لا يشبه المشرّدين" لأوجيني عبّود الحايك




1- الأقصوصة:

ما هذه الصدفة التي أوصلتها إلى هذه المدينة التي لا ينام أهلها؟ يرقصون ويضحكون ويبذخون، عكس هذا الزمن البائس الذي ينزف من الجوع والوجع.. الموائد مترفة.. والبيوت فاخرة.. والأحاديث بليغة.. كانت مأخوذة بروعتها.. شعرت كأنّها ثملة من كؤوس الفرح.. مصدومة من رؤية الوجوه الودودة الراكضة باتجاهها، تلقي عليها التحيّة باحترام فائق.. بائع السكاكر والحلوى يقدّم لها ما لديه، وبائع الأقمشة يغريها بالحرير والمخمل الفاخر .. بائع الكلام يحاول لفت انتباهها.. والصائغ يقدّم لها جواهره الثمينة المرصّعة كالنجوم، وبائع الأحذية يعرض عليها حذاء الرقص الزهري اللون مع شرائط تلمع كالحلم، ويصرّ على مساعدتها في انتعاله.. وهي تحاول أن تقنعه بأنّها لا تجيد الرقص.. لكنّها فجأة شعرت بمرونة فائقة، وأخذت تدور وترفرف بخفّة كراقصة محترفة.. كيف ارتدت هذا الثوب الأبيض الناصع؟! من علّمها تلك الخطوات المدروسة؟!.. واستفاقت على دوّي التصفيق.. ما هذه المدينة الساحرة التي تخطف روحها وتلامس طموحها!... تشبه الفانوس السحريّ.. بمجرّد أن تفكّر تتحقّق الأمنيات الدفينة.. مَرّ بها مهرّج يرسم الفرح بحركات بهلوانيّة متقنة، رسم الضحكة على محياها.. هنا الأحلام تتحقّق حتّى خلال النهار ولا تنتظر وسادة الليل الكاذبة... ومرّت بالساحر، رأته ينفث ألسنة النار من فمه، خافت أن تقترب منه، حتى تقدّم خطوة باتجاهها وطلب منها أن تتمنّى الشخصيّة التي تريد أن تكونها.. قال لها: اقتربي، وأعطاها مرآة ذهبيّة تلمع كالشمس تعكس وجهها؟ نظرت منبهرة! كيف تحوّلت إلى أميرة؟ ومَن وضع ذلك التاج على رأسها ؟ وكيف دخلت هذا القصر؟ مَن رسم صورتها ووضعها في إطار أسطوريّ؟ لقد وُلدت اليوم. تاريخ ميلادها ابتدأ في هذه المدينة.. ستمزّق كلّ صفحة من صفحات حياتها.. ستعيش هنا مترفة .. ليست بحاجة إلى أن تعمل، فالكلّ في خدمتها ورهن إشارة منها.. لا تريد أن تعيش بعد اليوم في سباق مع الزمن .. كان يومها حافلًا بالمغامرة، لكنّ سحره انتهى فجأة حين التقت برجل في إحدى الزوايا يرتدي ثيابًا رثّة، مرقّعة بأقمشة داكنة. شعره الأشعث يخبر حكايا كثيرة غامضة.. يبدو كمجنون يدور حوله الصغار وهو يصرخ بوجههم.. شعرت بأنه لا ينتمي إلى هذه المدينة ولا إلى ناسها.. صورتُه شوّهت كمال هذا المكان .. فإنّ الخدم في هذه المدينة يرتدون أفخر الملابس، فلا تعوّد تفرّق بينهم وبين الأسياد.. ألقت عليه نظرة عابرة وهي تستعجل خطواتها، لكن لفتتها كتبه السميكة والمغبّرة التي يحملها تحت إبطه.. هل يقرأ هذا المتشرّد المجنون؟ ماذا يقرأ؟ هل باستطاعته شراء الكتب؟كيف وصل إلى هنا؟ لماذا لا يشبه الآخرين؟... هل تتصدّق عليه أم تتجاهله؟.. كانت شبه متردّدة عندما سمعته يقول: لا تخافي من وجهي المضطرب وثيابي الرثّة.. كانت نبرة صوته لا تدلّ على الجنون.. صمتَ برهة، ثمّ تابع: أنظري إلى ما فعلته بي هذه المدينة التي تبهر البصر وتعمي البصيرة.. لا تخافي من محادثتي، ربّما أنتِ بأمسّ الحاجة إلى نصيحتي اليوم وقبل فوات الأوان .. سأقدّم لكِ كتبي.. لا ترميها في برميل النفايات، بل تمعّني في كل سطر من سطورها.. أنتِ مَن كتبها! أجل.. . أنت مَن كتبها! - كيف؟! - صدّقيني. عندما تقرئينها ستقتنعين... - وإلى ماذا تتطرّق فيها؟ - إلى الحياة والحظّ واللعنة والخير الضعيف والشر المستبدّ.. - لماذا؟ في هذه المدينة، دهنت الغربان ريشها الأسود بالأبيض، فأوهموني بأنّهم نوارس سلام... هذه مدينة الوهم التي كانت السبب في بؤسي وانزوائي.. - وماذا عن الساحر والمهرّج وبائع الأحذية والأقمشة و.. و.. و...؟ - كلّهم كذَبَة.. خدعوني، وتقاسموا ثروتي، وبنوا مملكتهم الكاذبة على أرضي، وبقيت غريبًا فيها، وحيدًا ومشرّدًا.. - كيف سمحت لهم؟ لقد استغلّوا طيبتي وكرَمي.. لكنّهم لن يستطيعوا سرقة فكري ومفاهيمي مهما حاولوا... هذه السطور هي حقيقتي، لغتي، مدادي، حزني وفرحي... وستبقى تنبض بنبضات روحي.. وتكشف حقيقتهم .. تكشف اختلاسهم وتزويرهم.. تكشف مؤامراتهم.. وأقنعتهم... متردّدة وقفتْ تنظر إلى الوراء، تسمع كلماته كإنذار اجتاحها.. ثم نظرت أمامها... الظلمة حالكة الآن... هل تصدّق هذا المتشرّد الذي لا يشبه المشرّدين، بل الحكماء؟ أم تدفع ضريبة الاغراء وتدخل تلك المدينة المبهرة من جديد؟... عاشت هذا الصراع المضني وهي تمشي وحيدة في العتمة... إلى نهاية العتمة. وغرّد طائر الصباح على النافذة، وهي لا تزال تلتحف الأحلام، وتشعر بالدفء. غير أنّها قامت بسرعة من فراشها، ومضت بخطى مرتبكة، لتكتب عن مدينة الغربان ومغرياتها على أوراقها البيضاء... قبل أن تغرق تلك المدينة وأهلها في النسيان. ١٧ تشرين الثاني ٢٠٢٠

________ رؤية الناقد د. جميل الدويهي:

قد أكون من أوائل الذين رأوا في نصوص الأديبة اللبنانيّة المغترية في أميركا أوجيني عبّود الحايك، ملامح القصّة القصيرة وروحيّتها. ولفتتُ نظرها مرّات إلى هذه الناحية، ولو طوّرت أوجيني نصوصها، ذات الطبيعة الشعريّة، ودوّرت زواياها باتّجاه القصّة القصيرة، لنجحت في هذا النوع، وهي من القلائل الآن في القارة الأميركية الذين يكتبون القصّة القصيرة بلغة عربيّة صافية، وبروحيّة القصيدة.

وفي العام الماضي، كانت تجربة الأديبة أوجيني في القصّة، على قلّتها، متقدّمة. ولفتت انتباهي، بل أفرحني تطويرها لمقاربة النصّ القصصيّ، مرّة بعد مرّة... بما له من تقنيّات وعناصر فنّيّة تميّزه عن باقي الفنون الأدبيّة.

وألفت هنا إلى أنّ شعراء كباراً لم يتمكّنوا من القصّة القصيرة، وهم صرّحوا بذلك، وقد ينجح الشاعر في كتابة قصّة شعريّة، لكنّه عندما يقارب القصّة في النثر تواجهه مشكلات وعقبات.

وآخر قصص أوجيني كانت بعنوان "متشرّد لا يشبه المشرّدين" (نشرت على موقع الأديب د. جميل الدويهي "أفكار اغترابية" للأدب الراقي)، وهي قصّة إنسانيّة المضمون، عميقة الرؤية. ولا تقتصر على الفنّ السرديّ، أي نقل الواقع كما هو. فالقصّة جميعها من عَمل الخيال، وعناصرها: مدينة بمَن فيها من بشر وما فيها من حجر، وامرأة (هي أوجيني نفسها)، ورجل متشرّد لا نعرف مَن هو.

المدينة من الفانتازيا، لا ينام أهلها، وفيها تناقض بين طبقتين من الناس: الأغنياء والفقراء. وأوجيني تقف كعادتها مع الطبقة الثانية وتتعاطف معها. وهي في تلك المدينة تسترجع ذكريات طفولتها: بائع السكاكر، بائع الأقمشة، الصائغ، تاجر الأحذية... وهؤلاء توظّفهم أوجيني ليلعبوا دوراً خياليّاً، حيث تكون هي الأميرة في الفيلم الشهير، يحاول الحَذّاء أن يجعلها تنتعل الحذاء الزهري، ليختارها الأمير الصغير، ويأخذها إلى قصره.

كم هو رائع هذا التصوير الفانتازي! وكم رائعة هذه المخرجة القديرة التي تسيّر النص كما تشاء، وتتركنا نحن في داخله، نعيش، نفرح أو نحزن، نتعاطف، نعتقد أن ما ترويه صحيح، وربّما نقوم عن كراسيّنا لنشارك في الرأي والحوار!...

لكنّ المدينة مزيّفة، وكلّ شيء فيها مزيّف، وأوجيني نفسها تعْبر في داخل الحقيقة - الحلم بحذر وخطى متردّدة، ليصل التصاعد في الحدث إلى الذروة في مشهديّة المهرّج الذي أعطاها مرآة، فرأت نفسها فيها على غير صورتها، أميرة على رأسها تاج... والمهرّج رمز للتزييف، والكذب والنفاق الاجتماعيّ... ولا يخلّصها من الزيف إلاّ رجل مجهول، يرتدي ثياباً رثّة، ويشبه المجانين. وعدم انتماء هذا الرجل إلى المدينة نفسها، يُبرز الصراع بين الحقيقة واللاحقيقة، بين الواقع والتصوّر المضلّل للنفس البشريّة. وأغلب الظن أن أوجيني ستفضل هذا المتشرّد على جميع من رأتهم. ونحن نتوقع ذلك لأنّنا نعرفها، ونعرف روحها، وإنسانيّتها ونبلها، وصدق مشاعرها...

وكم يلفت نظرنا أنّ الرجل نفسه، يحمل كتباً تحت إبطه. فهو كما نرى، من عالم الثقافة... ولا يشبه الآخرين... وقد شعرتْ بأنه يريد التودّد إليها... إنّه رمز لكلّ أديب ومفكّر ومبدع يلاقي الاضطهاد في عالم الجهل، وبين أناس مصابين بعقدة "الخشخاش الطويل" Tall Poppy Syndrome. وكلّ ذنبه أنّه يكتب عن الحياة والحظّ واللعنة والخير الضعيف والشرّ المستبدّ. فلعلّه جبران، أو نعيمة، أوغوته، أو فيكتور هيجو، أو طاغور... أو... أو...

الله ما أروعك يا أوجيني! أنت تنطقين عنّا جميعاً. وتؤكّدين رؤيوية الأديب، وكيف تتربّع الكلمة على عرش النور...

ويظهر أيضاً أنّ الرجل نفسه تعرّض لخديعة في المدينة ذاتها، كما تعرّضت أوجيني من قبل. وأصبح لدى الأديبة الاختيار بين أن تتبع العتمة في المدينة والأنوار المشرقة في المستقبل... وتتكشّف طبيعة الحلم في النهاية، عندما يغرّد الطائر عند النافذة، معلناً نهاية المدينة المخادعة التي تتلوّن غربانها بلون أبيض (وما أكثرهم!). ويكون الانتصار للخير والعدل والسلام، على الأقلّ في روح الأديبة الجميلة. ويا له من انتصار مجيد!

50 views0 comments