Search
  • Jamil Doaihi

قراءة جميل الدويهي لنصّ "كان عندي بيت" لمريم رعيدي الدويهي



1- نصّ مريم رعيدي الدويهي:


من زمان ما رجعتْ تا غنّي تحت العريشه والهوا ياخد المطرح وياخدني من حالي... والقمر ينزل من السما تا يمشي قبالي.

من زمان ما تعلّمت حروف وما طارو من دفتري الأخضر جوقة عصافير وغطّو عا حورة الشير... وما شفت جبل عالي وشمس عم تشلح عا سطح البيت بلوزتها الحرير. من زمان كان بيّي يزرع بالسهل تفّاح وعنب غالي وكان الدهب يطلع بالحْقالي... والجوهرجيّه فلاّحين من ضياعنا الجبليّه... وكانو بنات وصبيان يهربو من المدرسه تا يلحقو الرعيان... وكنت إشرب من العين اللي فوق حارتنا ويتغزّل فيّي ابن جارتنا... ويركض ورايي عالدرب حفيان... بتذكّر الغيمه كيف كانت توقف عا باب الخيمه تا تحكي معنا... ومن وقت ما تودّعنا... لا بتعرف وين صرنا ولا بتسأل عن وجعنا... من زمان كان عندي بيت وهلّق صار البيت مهجور وما في حدا إلاّ سطيْحة منتور بتلعب فيها الريح وبتنصب مراجيح ومرجوحتي أنا السفر... ومركبي عا شطّ بعيد مكْسور.


2- قراءة جميل الدويهي:

قاسية أنتِ علينا يا مريم. فقد أخذتِنا معك إلى مطارح وأشياء، من الصعب أن تُمحى، وكلّما ذُكرت، فاض الحنين فينا، وارتفع منسوب الشوق: العريشة، القمر، جوقة عصافير، حورة الشير، شمس على سطح البيت، الوالد الزارع، الفلاحون، الصبيان، الرعيان، درب العين، الخيمة، البيت المهجور، الأراجيح...

كلها مشاهد تكاد تفرّ من عيوننا، ونحن نركض خلف الحديد، ونستجدي نسمة هواء على أرصفة العتمة والرماد.

قسوتِ علينا، ونحن هنا نتخبّط، والناس في بلادنا يذوقون مرّ العيش، فلا نحن نستطيع أن نذهب إليهم، لنمدّ لهم يداً، ولا هم يستطيعون ركوب البحر للوصول إلينا، والبحر دوّار.

قسوتِ كثيراً هذه المرة، وأنت تستحضرين مشاهد، وأغلبها تتحرّك كصور ملوّنة، تهرب من حدودها، لتلاحقنا، وتشدّنا سائلة: هل بعد أنتم ذاكرون؟

ورسمتِ لنا لوحة ضيعويّة، وكم أنت ملتصقة بالضيعة، حيث ولدتِ، وحيث تتراءى لك طفولة بريئة تحت تلك الأشجار، وعلى حفافي الدلب والسنديان، وفي سفوح جبال غطّاها الثلج، وازرقّت سماؤها كجناحَي وروار.

"القمر بيمشي قبالي"... وهل هناك قمر يمشي إلاّ عندنا؟ الأقمار وراء البحار السبعة معلّبة، كاللحم المقدّد، نشتري قمراً من السوق هو أحلى من قمر السماء، وعندنا هناك قمر وحيد، يقْطر ذهباً، ويحلو في ضوئه السهر والسمر. قمر على المكمل، فوق مشْلح أبيض، كأنّه ملاك يتهادى، ويمشي أمامك حارساً للطريق.

ونسيتِ يا مريم الحروف، من الألف إلى الياء، لأن المدارس هنا لا تعلّم الحكايات، وقصص التاريخ المجيد. هنا التاريخ عذاب وانتظار، وهناك صُور تطير من دفتر أخضر لتصير جوقة عصافير. وبربّك خبّريني: هل رأيت جوقة عصافير في السماء مثل عصافير سمائنا؟ وهل صادفت جبلاً لا تصل إليه العيون كما جبالنا؟وهل حورة الرصيف هنا كحورات تنّورين وإهدن، تغازل الضباب، وتلعب مع الريح... وتضحك؟

وما به والدكِ؟ أرحلَ عن هذه الأرض؟ لا... فاسمعي وقع قدميه في جلول التفاح والتين والإجاص. وها هو يطلّ بايتسامة بهيّة انطبعت فيها براءة الحقول، وحفيف الأوراق، وهمس الينابيع...

وما هو "ذهب الحقالي"؟ ومَن هم "الجوهرجيّه" إلاّ جماعة من الفلاحين والحصادين الذين ينشرون الأغنية على ضوء الصباح، ويزرعون أملاً في التراب؟... أعطني فلاّحاً يشبههم وخذي عقداً وسواراً من اللؤلؤ.

وابن جارتك... ماذا يريد؟ وهل كنتُ أنا غائباً إلى هذا الحدّ لكي يلحق بامرأتي على درب العين... وحافي القدمين؟! بيني وبينه ثأر قديم.

قسوتِ علينا يا امرأة الجمال، فمن الصعب على أرواحنا أن تعود إلى الخيمة، بعدما ودّعناها ورحلنا، فلا تعرف الآن أين نحن، ولا تعلم أنّنا موجوعون... هي ناطورة لبيت مهجور، ليس فيه إلاّ صدى أسئلة، وأشباح الغائبين تظهر بين الفينة والفينة ظلالاً على الجدران البيضاء، وتجول عند "سطيحة المنتور"... أناس لا يشبهوننا سكنوا في الأمكنة، والحقيقة في غير مكان، في عالم المُثل... لكنّها مثل فارغة، ترتدي ثياباً بيضاء وأنيقة، وقلبها جامد يصيح فيه الألم... وتحت ثيابها جسد هزيل، يعْرج في مشيته... بينما نعرج نحن إلى مركب على رصيف الميناء، هو مركب مكسور... كأحلامنا المكسورة.