Search
  • Jamil Doaihi

كلوديت عقيقي: مطالعة في قصّة "المرأة عند الشاطئ" لجميل الدويهي

"المرأة عند الشاطئ" لجميل الدويهي - عودة البحّارة بعد طول غياب

من كتاب نقديّ يصدر عن مشروع أفكار اغترابيّة للأدب الراقي في 30 تشرين الأوّل 2020 بعنوان:

"المضمون الإنسانيّ لقصص مهاجرة - آراء في إنسانيّة أدب جميل الدويهي"


1- المرأة عند الشاطئ

تمتدُّ الغابة إلى البعيد البعيد، وعند أقدامها يتكسَّر البحر بأمواجه، ويعزف الموج أغنية لا يفهمها إلاّ العباقرة. وكان يطيب لي حيناً أن أسير على ذلك الشاطئ المترامي، وأنا أنظر إلى عظمة الله، وأمجّدها في ما تنطق به الطبيعة من أسرار.وبينما كنت في ذات يوم أراقب الطيور البيضاء التي ترفرف على الصخور، وتفرش أجنحتها على الأفق الأزرق لمحت امرأة جالسة على رمال الشاطئ، وهي تنظر إلى البعيد وتتحدّث إلى المجهول بصوت مرتفع. ظننت في بادئ الأمر أنّها تخاطب أحداً، لكنّني لم أر حولها بشراً، فقلت في نفسي: لعلّها فقدتْ أحداً في البحر وهي تناجيه. اقتربت من المرة، فرأتني وصمتت عن الكلام، ثمّ التفتتْ إليّ وقالت: هل أنت تراقبني أيّها الكاهن؟قلت بعجل: كلاّ يا ابنتي. لقد كنت مارّاً من هنا، فرأيتكِ... لا أقصد أن أزعجكِ.-أنتَ لا تزعجني، ووجودك في هذا المكان يؤنسُني ويبدّد وحدتي... لقد طال الزمان قبل أن يعودوا... أولئك الذين رحلوا إلى هناك... هل تراهم يا أبتِ كما أراهم؟كنت أحاول أ، أفهم ما تعنيه المرأة في كلامها. ولم تترك لي مجالاً لكي أجيبها، فأردفت: كلّ موجة تتكسّر على الشاطئ تحمل أصواتهم، وتبوح بما يفكّرون به وهم يغامرون إلى بلاد لا يمكن لأحد أن يكتشفها إلاّ الملهَمين. كلّ قطرة هي حياة تولَد وتسير وتقطع مسافة قبل أن تلفظ أنفاسها على الرمال. استمع إليها وهي مثلنا تتحدّث وتبوح وتئنّ... إنّها تفرح بالوصول، على الرغم من معرفتها بأنّها ستتبدّد ولن يبقى منها غير الزبد.قلت: لكنّ الأمواج لا تموت. منذ العصور والأمواج تذهب وتعود كأنّها معزوفة تتردّد أصداؤها ولا تنقطع. ولو كانت الأمواج تموت لكان البحر نضب من مائه، وتحوّل إلى صحراء يابسة.قالت المرأة، وهي تتنفّس بعمق: كلّ يوم وفي ساعة معيّنة أعود إلى هذا المكان، لكي أنتظر بحّارة أشدّاء، صعدوا إلى مراكبهم وتوجّهوا إلى جزر الخيال... لقد مرّت أزمنة وراء أزمنة وهم لا يظهرون، لكنّني أعرف أنّ عودتهم محتومة. وأهلي غاضبون لأنّني أفكّر كما لا يفكّرون، وقد جاؤوا إليّ بالأمس وضحكوا من بساطتي، وقال لي أبي إنّ الأمواج لا تشعر ولا تتألّم، فلماذا أحدّثها؟ لكّني لم أهتمّ لكلامه، وقلت له: إنّ الأرواح التائهة التي لا يراها هي التي تشعر وتتذكَّر أّننا نحبُّها. توقّفت المرأة عن الكلام قليلاً، ثمّ تابعتْ وأنا أنصتُ إليها بكلّ جوارحي: قد لا تعود المراكب في القريب، ولست أنتظر أن أسمع أصوات البحّارة وهي ترتفع بالغناء عند الخليج، لكنّ قلبي لا يصدّق أنّ الرحيل يكون في اتجاه واحد. إنّ الرياح نفسها لا تعرف الموت والجمود لأنّها تسير في اتجاهات متعدّدة. سألتُ المرأة: هل فقدتِ أحبّاء لكِ؟أجابتْ: نعم... ولكنّ البكاء لا يغيّر شيئاً من الحقيقة، بل يزيدها تعقيداً. نحن نعرف شيئاً من الحقيقة عندما نعترف بأنّ الموت يعرّي الزهرة من ثيابها لتدوس عليها خيول الزمن، غير أنّ قدَر الخريف أن ينتهي، وقدر الزهرة أن تنتصر، على الرغم من ضعفها أمام جبروت العاصفة. ليس من بداية من غير نهاية كما ليس من نهاية من غير بداية. إنّ النجوم المنطفئة نفسها تضيء عندما تنعكس عليها أنوار الشمس. ونحن نجوم منطفئة لكنّ فيها بصيصاً من الضوء وضعه الله فينا، وهو النور الذي يضيء في الحياة بعد أن نموت.دهشتُ من كلام تلك المرأة، وتعجّبتُ من أفكارها، وقلت في نفسي بعد أن ودّعتها: هذه امرأة من أعظم الشعراء... وليتني أستطيع أن أتحدّث إليها كلّما مررت من هنا لكي أتعلّم منها.و في الأيّام التالية قصدت الشاطئ، فلم أجد للمرأة أثراً. وفهمت أنّ المراكب التي كانت تنتظرها قد خرجت من غياهب البحر، وعاد من كانوا عليها إلى أهلهم وأحبّائهم بعد غياب طويل. إنّ الأجساد تولد لكي تتحطّم، كما تتحطّم القناديل التي تضيء إلى حين، ثمّ يرمي بها أصحابها على صخور النسيان . أمّا الأرواح فكلّما غابت عن أنظارنا، رأيناها بيننا، تحدّثنا عن الصباح الذي يتجدّد، وعن الخلود الذي يناقض الموت.

2- مطالعة الأستاذة كلوديت عقيقي

في بضعة سطور، خلتُ ذاتي أسير على رمال الانتظار، أشعر برطوبة المناخ، كما النسيم الناعم الذي يطلّ أحياناً ليطفئ لهيب المكان. "المراة عند الشاطئ" لم تكن مجرد سطور لتعبئة فراغ في صفحة كتاب، بل هي قصّة قصيرة فيها الكثير من العبَر ممزوجة بالخيال، تصبّ في خانة الواقع، من حيث أنّ المرأة أتت من غابة خضراء تضجّ فيها الحياة، من أربعة فصولها المتقلّبة، من الحياة بكلّ معانيها، لتصل إلى خطّ الحدود، عند مصبّ المشاعر والخوف من الرحيل واللاعودة، هنا عند البحر تدفن كلّ مخاوفها المنطقيّة، من فقدان أحبائها والقلق من عدم رجوعهم، كلّ هذا زادها تشبّثاً بأحلامها رغم استهزاء والدها منها. يقول الأديب هنا إنّها تمسّكت بقطرة الحياة، حيث تجدها مجسّماً لعملية الولادة بعد السير قدماً نحو الموت، فكلّ قطرة هي حياة تولد وتسير وتقطع مسافة، قبل أن تلفظ أنفاسها على الرمال. بالأحرى قصد الأديب الدويهي أنّ القطرة هي الروح، والروح هي قوّة الحياة، فالله جعل الماء مصدر الحياة. وإن تحطّمت القطرة على الرمال فإنّها تولد من جديد وتتشكّل في موجة جديدة. موت القطرة لا يعني أنّها تلاشت من الوجود، فقد يعيدها الله للحياة، وهذا ما نسمّيه دورة الحياة. ويقول أيضاً: "لو كانت الأمواج تموت لكان البحر نضب من مائه، وتحوّل إلى صحراء". وهذه دلالة على حتميّة التجدّد، فلولا وجود الخالق وخلوده لما كان العالم موجوداً. وفي مكان آخر يقول الدويهي: إنّ الرياح نفسها لا تعرف الموت والجمود لأنّها تسير في اتّجاهات متعدّدة. وهذا يعني أنّ الإنسان لا يسير في اتّجاه واحد من الولادة إلى الموت، بل هناك اتّجاه آخر من الموت إلى الحياة. ولعلّ أجمل ما تحتويه هذه الأقصوصة من قيَم فكريّة وعمق فلسفيّ، قول الأديب: "نحن نجوم منطفئة، لكنّ فيها بصيصاً من الضوء وضعه الله فينا وهو النور الذي في الحياة بعد الموت". وهذا يعني أنّنا، نحن البشر، كواكب صغيرة في مجرّات عظيمة. ولو قارنّا بين النور الذي في الإنسان والنور الذي في إحدى الشموس، لوجدنا أنّ الإنسان يشبه النجوم المنطفئة، لكنّ الله ترك فيه بصيصا ليبدع وينتج ويعمل. وهذا النور البسيط يشرق أيضاً بعد موتنا، بحسب رؤية الأديب طبعاً... والناس يتحدّثون عن أنوار العظماء من أنبياء وفلاسفة وعلماء وأدباء ومفكّرين، ويتذكّرون مآثرهم بعد موتهم بأعوام طويلة. إنّه النور الذي يبقى من ذكرانا ليخبر عنا. وكم أمضت تلك المرأة عند الشاطئ أيّاماً وعيناها تنظران نحو "جزر الخيال"، أي الرحيل نحو المجهول، ويجيء الرحيل بعدّة اتجاهات، منها رحيل الجسد، ومنها رحيل الحضور رغم بقاء الجسد، ومنها رحيل الفرح والأمل. إلى أن يصل الكاهن (الدويهي نفسه في ثوب كاهن حكيم ومفكّر) ويعيد لها الإيمان بعودة من رحلوا، إن كانت عودة في الجسد أم في القلب. هي قيامة من نوع آخر، كأغنية الموج اللامتناهية مدّاً وجزراً، تعبيراً عن خلود هو صانع المسكونة. وفي النهاية يعود الكاهن إلى الشاطئ مرّة أخرى ولا يجد المرأة، إذ يبدو أنّ البحّارة الذين تاهوا في البحر الكبير قد عادوا إلى أهلهم على مراكبهم. أرَى أنّ د. جميل الدويهي في سطوره هذه، يعيد ترتيب المحاور في أماكنها الصحيحة، وهو صاحب الإبداع والرقيّ نحو الافضل، له في القلم أشرعة وشطآن، آفاق متتالية، يحلّق بها عالياّ، ليبحث عن جديده. هو الإنسان الشاعر الذي يسبح في غور المعاني، ويقدّم للمتلقي زبدة من روائعه الفكريّة.

6 views