Search
  • Jamil Doaihi

مريم رعيدي الدويهي: قصّة "الأعمى" لجميل الدويهي - مصير الإنسان الجشع

من كتاب نقديّ يصدر عن مشروع "أفكار اغترابيّة" للأدب الراقي في 30 تشرين الأول 2020

بعنوان: "المضمون الإنسانيّ لقصص مهاجرة - آراء في إنسانيّة أدب جميل الدويهي"

"قصّة "الأعمى" - الصراع بين الأرض والسماء، ومصير الإنسان الجشع الذي يمقت فرح الآخرين"



1- قصّة "الأعمى" - من مجموعة "من أجل الوردة"، دار أبعاد - بيروت، 2005

لأنّه بارد كأشرعة الليل، وفي جوعه القديم أسئلة محطّمة، وموائد من أرق وانتظار... ولأنّه يشبه أوراق الخريف، عندما تمرض وتتساقط، وتأخذها الرياح الغاضبة إلى أبعد مكان... ولأنّه لا يلقي برأسه إلاّ على حجر، ولا يغمض عينيه إلاّ في خيمة العاصفة... ولأنّه يسأل عن لقمة، فتخطفها الحياة من بين يديه، وتتركه يأكل الجوع، ويشرب الخيبة... أعطاه ملاك علبة وقال له: أنت فقير، والسماء غنيّة، فخذ هذه العلبة، تجد في داخلها كلّ شيء تطلبه... علبتُك لا تتعب من العطاء، فاسألها لتجيب... ولا تعتقد أبداً انّها ستبخل عليك في يوم من الأيّام. إنها بمثابة شجرة مليئة بالفاكهة، وكلّما قطفت منها ثمرة، أغدقت ثماراً أشهى...

-ألن تطلب السماء شيئاً منّي في المقابل؟

- بلى... إنّ للسماء عليك معروفاً لا بدّ من أن تحفظه...

- كيف؟

-كلّما سألتَ العلبة أن تغدقَ عليك، يجب أن تسالها لتغدق على الآخرين بضعفَي ما حصلت عليه...

-ضعفين؟ هذا ليس عدلاً...

-ما هو العدل إذن؟

-العدل أن يكون لصاحب العلبة الحقّ في أن يتصرّف بها كما يشاء...

-إذن أنت لا تستحقّ النعمة، وينبغي عليّ أن أحرمك منها...

-رضيت أيّها الملاك... سأعطي الآخرين ضعفَي ما يكون لي...

-ألن تشكر السماء؟

-بلى... بلى... شكراً للسماء على هديّتها الرائعة. وأنت أيّها الملاك، لن أنسى فضلك عليّ ما دامت في روحي نسمة من حياة.


العلبة بين يدين جائعتين، لا تملكان من حطام الدنيا شيئاً... وصاحبها يريد بيتاً، وحديقة، وطعاماً، وثياباً، وعربة... بل يريد أن يكون لديه كلّ ما يحلم به... وكان كلّما طلب شيئاً من العلبة، يطلب شيئين مثله للنتاس، فضاق غيظاً وتمزّق فؤاده من الحسد...

بعد شهر، عاد إليه الملاك، وسأله عن أحواله، فأخذ يشكو له ما يعانيه من شعور بالغبن والحرمان...

قال له: مَن يصدّق أنّني أحصل من العلبة على أقلّ ممّا يأخذه الآخرون؟! أرجوك أيّها الملاك، لنغيّرْ ما اتفقنا عليه...

-وماذا تريد؟

-إنّ البشر لا يستحقّون أكثر ممّا أستحقّ. لنعطِهم قليلاً، وآخذ أنا الكثير...

-لا يمكن ذلك أبداً. عليّ أن أستعيد العلبة.

-هذا ظلم...

-أبداً... إنّها عدالة السماء... أترضى بالقليل أم أستردّ العلبة؟

-ارحمني أيّها الملاك... لقد سئمت هذه الحال التي أعيش فيها... فلماذا لا يكون العطاء بالتساوي؟

-أتعني أن يحصل الناس على مقدار ما تحصل عليه أنت؟

-هوذا ما أعنيه بالضبط...

فكّر الملاك قليلاً، وهو ينظر في وجه الإنسان، وقد اصفرّ، وبان عليه تعب شديد، فكأنّه لم يعرف الراحة منذ عصور... فأشفق الملاك عليه وقال له:

حسناً... ليكن لك ما تشاء... كلّما نلتَ شيئاً من العلبة، يكون للآخرين مثله... لا أكثر ولا أقلّ.


مضت سنة، والعلبة كصندوق الدنيا، فيها كلّ ما يرغبه إنسان. فيها قصور، وهياكل شامخة من حجر وذهب أصفر، وحقول عنب وتفّاح وزيتون. وكان صاحبها يغتني بما تجود به، ويُغني من يعرفهم ومن لا يعرفهم، فأصبح جميع البشر أغنياء... وكان يحزّ في قلبه أنّه كلّما احتاج إلى غرض، يطلب مثله للناس، فتزيد أملاكهم، وتفرح قلوبهم، فغضب وثار، وما إن رأى الملاك قادماً إليه، حتّى خفّ نحوه معاتباً:

هل ترى ما آلت إليه حالي؟ إنّني أتعب ويحصدون، ولا أجني من علبتي إلاّ كما يجني منها أبناء الأرض، وهم طامعون في مالي ورزقي... أنظرْ إلى قصورهم وأملاكهم... إنّها من صنع يدي...

-لا تهتمّ... إنّك لا تعطي ممّا لديك، بل ممّا وفّرته السماء لك.

-وأين الإنصاف في ذلك؟ إنّ العلبة لي، وهم لا يحقّ لهم الانتفاع منها... إنّني أكرههم، لأنّهم يحصدون ممّا لا يزرعون، ولا يخجلون من الطمع في لقمة عيشي...

-هل أفهم منك أنّك لم تعد راغباً في الاحتفاظ بالعلبة؟... سأعطيها لأحد من الناس قد يستحقّها أكثر منك.

-لا أقصد هذا... أعني... يمكن أن نتوصّل إلى اتّفاق آخر...

-ما هو؟

-يمكن أن أطلب من العلبة أن تعطي الآخرين أوّلاً، ثمّ آخذ منها ضعفَي ما حصلوا عليه... فإذا حصلوا على تفّاحة أحصل على تفّاحتينن، وإذا أخذوا رغيفاً أخذت أنا رغيفين... ما رأيك؟

-لا بأس... يمكن أن نجرّب هذه الطريقة... لكن إذا أبديت امتعاضاً بعد الآن، ستفقد العلبة إلى الأبد.


غاب الملاك مدّة ثمّ عاد إلى صاحبه الآدميّ، ففوجئ بأنّه قد أصبح أعمى، يستند إلى عصا، ويتخبّط في مشيته، فبادره بالقول:

هل أصابك مكروه؟

-نعم... الا ترى ما حلّ بي؟... لقد كان هناك شأن يعذّبني ويقضّ مضجعي...

-ألا وهو؟

-عدل السماء...

-ماذا به عدل السماء؟

-لم أجد نفسي مقتنعاً بما كان يمليه عليّ...

-هل تعني أنّك لست راضياً بما طلبته العدالة منك؟

-لست راضياً طبعاً... هل من المنطق في شيء أن أتنازل عن حقّي لمن ليس له حقّ عندي؟

-أنت كنت فقيراً، والعلبة جعلتك غنيّاً... وكنت محتاجاً، ومن العلبة اخذت حاجتك. فماذا أعطيت من ذاتك؟ وماذا يضيرك لو تكرّمت بشيء لم يكن لك في الأصل؟.. على أيّ حال، اخبرني ماذا حدث لعينيك؟

-كنت خائفاً أن تستردّ العلبة منّي...

-لن أستردّها طالما أنت مقتنع بما اتّفقنا عليه أخيراً...

-لم أعد مقتنعاً...

-من الواضح إذن أنّك لا تستطيع أن تكون نبعة تعطي بدون حساب، ولا غابة تفتح ذراعيها للأطيار الجائعة... وقد أردتَ الاحتفاظ بالعلبة انفسك، ولكنّك لم تعرف أنّها ستصبح أداة من خشب لا قيمة لها، إذا أمرتها أنا أن تكون كذلك...

-صحيح ما تقوله... وقد أردت أن أنتقم من الناس جميعاً شرّ انتقام...

-ماذا فعلت؟

-طلبت من العلبة أن يفقد كلّ إنسان واحدة من عينيه جزاء له... فقد أخذوا منّي ما ليس لهم، وأنا حاقد عليهم... حاقد عليهم إلى يوم القيامة...


ومنذ تلك اللحظة، تحوّلت العلبة إلى قطعة من الخشب، لا تعطي ولا تأخذ... وبات صاحبها أعمى، يستغيث فلا يسمعه أحد، ويطرق على الأبواب، فلا يجد مَن يساعده.

2- مطالعة الأستاذة مريم رعيدي الدويهي

تتشابه قصّة "الأعمى" من مجموعة الأديب جميل الدويهي القصصيّة "من أجل الوردة"، مع نصّين في الكتاب المقدّس، الأوّل هو أمثولة الابن الضال، حيث يكرّم الوالد ابنه العائد من الضلال، ويأمر بأن يُذبح له العجل المسمّن، فيحتجّ الابن الثاني ويقول لأبيهِ: خَدَمْتُكَ كُلَّ هذِهِ السِّنينَ وما عَصَيتُ لكَ أمرًا، فما أعطَيتَني جَدْيًا واحدًا لأفرَحَ بِهِ معَ أصحابي. ولكنْ لمَّا رجَعَ اَبنُكَ هذا، بَعدَما أكَلَ مالَكَ معَ البَغايا، ذَبَحتَ العِجلَ المُسَمَّنَ! (إنجيل لوقا 15: 11-32)، والنصّ الثاني مَثَل ربِّ البيت الذي استاجر عمّالاً للعمل في كرمه في أوّل النهار، ثم عمّالاً آخرين بعد الظهر، وأعطاهم أجوراً متساوية، فاحتجّ الأولون وقالوا : "هؤلاء الذين أَتوا آخراً لم يعملوا غير ساعة واحدة، فساويتَهُم بنا نحن الذين احتملْنا عبء النهار وحرّه" . فأَجابَ صاحب الكرم بأنّه لم يظلم أحداً، فهو اتّفق مع العمال الأوّلين على دينار وأعطى كلاًّ منهم ديناراً، وأعطى الذين اشتغلوا ساعة فقط ديناراً أيضاً، وهذا من كرمه. وسأل صاحب الكرم واحداً من المحتجّين: ألا يحِقّ لي أن أَتصرَّف بمالي كما أَشاء؟ أَمْ عينُك حَاسدة لأَنِّي كريم؟ (متى 20: 1- 15).

والأعمى الذي يتناوله الأديب جميل الدويهي في قصّته، هو أعمى في البصر وفي البصيرة أيضاً، بل إنّ ضعف بصيرته هو الذي أدّى به إلى العمى الفيزيائيّ. فمنذ اللحظة الأولى أعطاه الله علبة، هي ليست بالمعنى الشكليّ للعلبة، بل هي رمز لعطاء الله الذي لا يُحدّ. والرجل كان فقيراً ومعدماً، وقد صوّر الأديب فقرَه بطريقة أدبيّة عميقة: بارد كأشرعة الليل، وفي جوعه القديم أسئلة محطّمة، وموائد من أرق وانتظار... يشبه أوراق الخريف، عندما تمرض وتتساقط، وتأخذها الرياح الغاضبة إلى أبعد مكان... ولا يلقي برأسه إلاّ على حجر، ولا يغمض عينيه إلاّ في خيمة العاصفة... ويسأل عن لقمة، فتخطفها الحياة من بين يديه، وتتركه يأكل الجوع، ويشرب الخيبة.

هذا الفقير أرسلت إليه السماء علبة، فيها كلّ شيء، وكلّما طلب منها أعطته. ولشدّة اهتمامه بنفسه نسي أن يشكر الله، فذكّره الملاك بذلك قائلاً: "ألن تشكر السماء؟"

غريب أمر هذا الإنسان! أخذ مجّاناً ويرفض أن يُعطى غيره مجّاناً. ورضي على مضض بأن يعطي سواه ضعفيْ ما يحصل عليه، حتّى ظهر ما في نفسه من سوء النوايا تجاه الآخرين، وضيقه ممّا أصابوه من غنى. فاحتجّ... لكنّ الله المحبّ أعطاه فرصة ثانية، وسمح له بأن يعطي الآخرين بمقدار ما يأخذ، وعلى الرغم من هذا التساهل من قبل الخالق، فإنّ المخلوق يصرّ على حرمان الآخرين... ويقول إنّهم "يحصدون ممّا لا يزرعون، ولا يخجلون من الطمع في لقمة عيشي"...

ويتساهل الخالق مرّة أخرى، ويسمح للرجل بأن يعطي الآخرين أوّلاً ثمّ يأخذ هو ضعفين... فلعلّه يكفّ عن الشكوى والتبرّم، لكنّ من شبّ على شيء شاب عليه، وهذه طبيعة البعض من الناس، فلو أعطيتَه الدنيا بأكملها ورأى غيره يأخذ جزيرة صغيرة لاستشاط غضباً وانفعل وكره الوجود... بل لفعل كلّ ما يستطيع من أجل حرمان الآخر من القليل الذي حظي به.

هل هو أعمى إذن قبل أن يصير أعمى؟

التحليل النفسيّ للرجل واضح وجليّ، ولا يحتاج إلى خبراء لتحليله، والأديب يقدّم وثيقة عنه ليس فيها التباس. ويستطيع المتلقّي أن يكوّن فكرة عن نفسيته المريضة والمليئة بالطمع والخبث والحسد من خلال القراءة. بل إنّ الأديب الدويهي يجعل المتلقّي مشاركاً في استقصاء العوامل النفسيّة بالغة الخطورة التي تتحكّم بتصرّفات الرجل. والأكيد الأكيد أنّ عمى هذا الإنسان مزدوج، فعمى البصيرة هو الأسبق، ولولا ذلك العمى لما كان تصرّف بهذه الطريقة، بل لكان اعتبر أنّ العطاء ليس منه، بل من السماء، وليس عليه أن يغضب لأنّ الآخرين أخذوا، سواء كان هذا الأخذ أقلّ ممّا يأخذه أو أكثر، فالعلبة تستطيع أن تعطيه قصوراً وجواهر ومدناً وكواكب لو أراد، ومن الغباء وعمى القلب أن يغضّ الطرف عن النعَم التي غمرته، ويراقب النعم التي نزلت على سواه من البشر. ولهذا يقول له الملاك: "من الواضح إذن أنّك لا تستطيع أن تكون نبعة تعطي بدون حساب، ولا غابة تفتح ذراعيها للأطيار الجائعة... وقد أردتَ الاحتفاظ بالعلبة لنفسك، ولكنّك لم تعرف أنّها ستصبح أداة من خشب لا قيمة لها، إذا أمرتها أنا أن تكون كذلك”... وهكذا سقط الإنسان في الحفرة التي حفرها لأخيه بل لإخوته، ففي المرّة الثالثة طلب أن يفقد كلّ واحد من البشر عيناً من عينيه، ويوضح السبب وراء ذلك بالقول: "أنا حاقد عليهم... حاقد عليهم إلى يوم القيامة”...

وبطبيعة الحال، فقد خسر كلّ إنسان عيناً، وخسر صاحبنا عينيه الاثنتين، بحسب الاتفاق الذي توصّل إليه مؤخّراً مع الملاك، وهو أن يطلب للناس شيئاً، ثمّ يأخذ هو ضعفين لنفسه. وتمّت الأقصوصة التي يسيّرها الدويهي بفكره العميق، ويريدها أن تكون أمثولة إنسانيّة، لعلّنا نتّعظ منها، ونغيّر من أفكارنا تجاه الآخرين، ونعتبر أنّ ما أعطاهم إيّاه الخالق ليس منّا، بل هو من حكمة إلهيّة، فلنقل عن الجميل إنّه جميل، ولنبارك الخليقة التي نحن منها، ولا ننفصل عنها إلاّ بسبب الحقد والغيرة والحسد، وهي عوامل الشرّ التي أوصلت العالم إلى ما وصل إليه.

_________

مشروع الأديب د. جميل الدويهي "أفكار اغترابية" للأدب الراقي - سيدني 2020

11 views0 comments