Search
  • Jamil Doaihi

مطالعة الأستاذ محمّد الديراني لأقصوصة "رجل في صندوق" لجميل الدويهي



المشاركات في الجلسة الحواريّة حول مجموعة من القصص القصيرة لجميل الدويهي: "المضمون الإنسانيّ لقصص مهاجرة - آراء في إنسانيّة أدب جميل الدويهي" كتاب نقديّ يصدر عن مشروع "أفكار اغترابيّة" للأدب الراقي في 30 تشرين الأوّل 2020. مشاركة الأستاذ محمّد الديراني - سيدني بعنوان "الرجل في صندوق" لجميل الدويهي - الشيزوفرينيا والهروب من العصر (الرجل في صندوق - قصّة قصيرة للأديب جميل الدويهي من مجموعة "الحافلة والولد ممكن"، صدرت في سيدني من مشروع "أفكار اغترابيّة" للأدب الراقي - 2017)



1- قصّة "الرجل في صندوق"

كان يقود سيَّارته بسرعة إلى خارج المدينة، باحثاً عن غابة أو حقل مهجور.

الأرض من حوله ثمرة مهترئة وقعت من شجرة العدم، وتبدَّدت كما تنكسر مرآة. وأبناؤها ليسوا إلاَّ ممثِّلين ساذجين يختبئون وراء أقنعة، ومن وراء الأقنعة لا يعرفون لماذا يضحكون ويبكون، ولماذا يتزوَّجون وينجبون، فقد تعلَّموا في كتبِ الأرواحِ الهارِبة أنَّ عليهم تقليدَ أجدادهم، لئلاَّ تنقرض فصيلة القرود، وتختفي الغابة التي حرسها عباقرةُ الحكمة.

تسلَّلت الأضواء الملوَّنة من زجاج السيَّارة، فالتمع محيَّاه، وانحدرت قطرة عرق بين عينيه. كانت مالحة، كأنَّها دمعة على قبر.

الأضواء ذاتها ما زالت تنهمر على وجهه كخيوط من الفضَّة في معبد، فيمحوها بيد مرتجفة.

لم ينتبه إلى رجل سكِّير يعبر الشارع أمام سيَّارته فيكاد يصدمه...

أوقف السيَّارة وراح يلهث بقوّة، ثمَّ تمتم بكلماتمبعثرة، وهو يسمع قهقهة الرجل السكِّير، تهاجمه من زقاق ضيِّق، ثمَّ تغيب في ما تبقَّى من حياة بطيئة، مكسورة الجناحين.

فجأة أخذ يضرب على المقود بيده، ويصيح: ضجرتُ من مروركم البالي في ضجيج حياتي، نساء ورجالاً تدوسون على عظامي، فتطحنونها... لقد سلَّمتكم روحي كطفل بريء، ولم أعتقد يوماً أنَّنـي سأجرع الوباء من كؤوسِكم، أيُّها المستعجلون إلى لا شيء، الراكضون وراء الرغيف إلى تخوم الموت، والخائفون من أن يهرب التراب من بين أصابعهم، وما هم سوى تراب على ريش غراب.

عاد إلى واقعه عندما اقترب من محطَّة القطار، لكنَّه ما لبث أن اضطرب حين سمع هدير سيَّارة شرطة، وسطع ضوءٌ أزرق في الفضاء. كانت السيَّارة تلاحقه.

فكَّر في أن يضاعف سرعته لعلَّه ينجو بنفسه، ولكنَّ الخلاص فكرة مبهمة، في عالم يسكنه الخطر.

لا بدَّ من أنَّ الشرطيَّ سيجد حجَّة للاعتداء عليه، وإذا طلب منه أن يرأف به، فسيصبح عدائيّاً أكثر. أمَّا إذا قال له: "افترض أنَّك لم تصادفنـي في هذا الشارع، فهل يضيرك لو غضضت النظر عن وجودي فيه؟"

فسيردّ عليه الشرطيُّ بلغة كثيرة التعقيد: "ولكنَّني صادفتك، وانتهى الأمر، فماذا سيقول رؤسائي عنِّي إذا صادفتك وافترضت أنَّنـي لم أصادفك؟! لا شكَّ في أنَّهم سيغضبون منِّي ويتَّهموننـي بالإهمال في تطبيق العدالة... العدالةُ

هي ملحُ الأرض."

نزل شرطيَّان واقتربا منه، فقال أحدهما:

أوراقَ السيَّارة ورخصةَ القيادة.

دفعها إليه، فلاحظ الشرطيُّ ارتباكه وسأله:

هل معك مخدِّرات؟

- لا.

- سلاح؟

- طبعاً لا.

- هل تفتح صندوق السيّارة؟

- الصندوق؟ لماذا؟ نعم... نعم... يمكن أن أفتحه...

- أنت تبقى في السيّارة، ورفيقي يفتح الصندوق.

ذهب أحد الشرطيّين وفتح الصندوق، فإذا بداخله رجل مقيّد اليدين والرجلين، ويتنفّس ببطء شديد كأنّه يختنق.

صاح الشرطيّ إلى رفيقه:

لقد اختطف أحدهم... أطلب منه أن يترجَّل من السيّارة، واعتقله على جناح السرعة... إنَّه مجرم…

أخرج الشرطيّان الرجل المقيّد من صندوق السيّارة، وحلاَّ قيوده، فإذا به يشبه السائق شبهاً تامّاً، ولا يختلف عنه في شيء. كان صامتاً لا يشكو ولا يظهر ضيقاً. سأل أحد الشرطيّين وعلى محيّاه أمائر العجب والرهبة:

مَن هو هذا؟ ولماذا اختطفته؟

- إنَّه أنا.

- أنت؟

- نعم أنا الآخر...

- لعلّك مجنون أو تظنُّ أنّنا غبيّان... لا بدّ أنّه توأم لك، وقد نشب خلاف بينكما فاختطفته لتقتله... ألم تفعل ذلك؟ اعترِفْ قبلَ أن فواتِ الأوان.

- ليس توأماً لي... لقد ولدت وحيداً، وكانت ولادتي متعسّرة، مثلما كانت حياتي متعسّرة. أنا هو...

- نحن نتعامل مع مهووس.

تخلَّى الرجل الذي كان في الصندوق عن صمته وقال:

ما يقوله صحيح أيّها الشرطيّان. أنا هو المتألّم... هو الغاضب... هو المتردّي... هو العاجز ولكنْ هو القويّ... وهو الهارب من هدير الأيّام إلى العدم الهادئ.

- لا ريب أنّك مجنون مثل أخيك... لماذا تسخران بنا أيّها الرجلان المتشابهان كما في القصص الكاذبة؟

- نحن نقول الصدق، وأنتما لاتصدّقان إلاّ الوهم... فالسخرية أتي من الذي لا يُصدّق... ولا تأتي ممّن يقول الحقيقة.

- نحن في حلم...

- الأحلام هي أفضلُ ما في الواقع. أمّا الواقع، فليس إلاّ توهُّماً يحسبه المبحرون في الأمواج العاتية جزيرة في وسط المحيط.

نظر الشرطيّان أحدهما إلى الآخر، واحتارا في ما يمكن أن يقولاه بعد... كانت الدهشة العارمة تلتهمهما. سألا الرجلين:

إن كنتما أنتما أنتما، فلماذا يختطف أحدكما الآخر ويقيّده بالأغلال؟

- الآخر هو الروح المتألِّمة، وأنا الجسد المتالِّم...الآخر هو المصلوب في نبوءته وأنا المصلوب في بداوتي... الآخر هو الكاهن الذي يضرم الشموع في معبد الخطيئة، وأنا هو الشحّاذ الذي يصبو إلى الضوء في نوافذ المعبد.

- لم نفهم بعد... يجب أن يمثُل أحدكما أمام المحكمة...

- المحكمة لا تميّز بين المجنون والعاقل. أحدهما هو الآخر. مشكلتكما أيّها الشرطيّان الهزيلان، أنّكما لا تعرفان الفرق بين الصورة ومَن يعيش في داخلها، ولا تعرفان أيضاً من وُلد قبل الآخر، الشتاء أم العاصفة؟ الزهرة أم العبير؟الروح أم الجسد؟... نرجوكما أن تعيدا الرجل الذي هو هو إلى صندوق السيّارة، وهو راض بمصيره...

حدّق شرطيٌّ بالرجُل الذي كان مقيَّداً في صندوق السيّارة وسأله:

هل أنت راض فعلاً؟

- تمام الرضى... وليس عندي اعتراض على تقييدي وأخذي إلى مكان منعزل، حيثُ أدفُنُ خطيئتي.

تراجع الشرطيَّان إلى الوراء، كأنَّهما يسيران على كوكب من زجاج، ويخافان أن يتحطَّم... ركبا في سيَّارتهما وانطلقا بها مُسرِعيْنِ نحو المدينة. قال أحدهما:

أعتقد، يا صديقي، أنّنا رأينا شبحين.

-أخبرني أحدهم أنّه شاهد أشباحاً في هذه الناحية... أصبحت أخاف أن أعود إلى هذا المكان مرّة أخرى.

2- مطالعة الأستاذ محمد الديراني

قبل البدء، لا بدّ لي من الإشارة إلى أنّ كتابة القصّة القصيرة ليست أمراً سهلاً، لأن ّهذا الفن الأدبيّ المميّز يحتاج إلى الكثير من المقدرة على التعبير ودراسة الشخصياّت بعدد قليل من الكلمات، لكنّ الدكتور جميل الدويهي، الأديب المبدع، قد تمكّن من إرسال رسالته وثورته على مجتمع يقمع كلّ تجدد وابتكار عند الفرد، ويقتل عنده الطموح والأمل، ويخلق عنده هذا الشعور بالازدواجيّة، فنرى الإنسان دائمًاً يرتدي قناعًا من المداهنة والرياء لكي يرضي مجتمعه الذي يفرض عليه الكثير من التقاليد المُعيقة لكلّ نموّ فكريّ. حال دخولك في مضامين القصّة، تجلس بجانب السائق وهو يقود سيَّارته بسرعة إلى خارج المدينة، باحثاً عن غابة أو حقل مهجور. إنّه يهرب من مجتمعه وعاداته الخانقة، وهو هو نفسه السائق التائه الهارب من المجتمع المغلق إلى الفراغ المطلق، وهو هو السائق الذي يقبع في صندوق السيارة... وهذا هو الانفصام نفسه الذي يراه الكاتب الأديب الدويهي، ويحرص على انتقاء الكلمات والعبارات الحكيمة ليدخلنا في حالة اجتماعيّة ونفسيّة معقّدة، فهو يُظهر زيف الاقنعة وراء كواليس المجتمعات، والأدوار التي تُمثل على خشبة الحياة بسذاجة بالية: "فقد تعلَّموا في كتبِ الأرواحِ الهارِبة أنَّ عليهم تقليدَ أجدادهم، لئلاَّ تنقرض فصيلة القرود"... كلّ هذا التكاذب يخلق عند الإنسان مرضًا نفسيًّاً قد اختلف العلماء في تعريفه، فهو حالة من الازدواجية التي قد تبدأ من الرحم عند البعض، والبعض ذهب إلى أنّ الانفصام يبدأ في سنّ العاشرة من العمر، وهو ما يُعرف بمرض الفصام أو الشيزوفرينيا، وهذا المرض هو عبارة عن اضطراب نفسيّ يتسم بسلوك اجتماعيّ غير طبيعيّ، وعدم القدرة على تمييز الواقع. ويتصاحب هذا الداء مع الأوهام والهلوسة السمعيّة والقلق والاكتئاب... فنرى مثلاً في قصّة الدويهي هذا السكّير الذي يعبر الشارع لا يبالي إن دهسته السيارة المسرعة... والسائق، بطل القصّة، يقودها غير آبه بكلّ الاشياء التي حوله، فهو يكره هذا المجتمع الغارق في المادّيّة: "الراكضون وراء الرغيف إلى تخوم الموت، والخائفون من أن يهرب التراب من بين أصابعهم، وما هم سوى تراب على ريش غراب". ويبيّن الدكتور الدويهي بحبكة لبقة كيف أنّ الانسان سجين مجتمعه، فحتّى الهروب يكون نحو المجهول والجنون، ليبقى الإنسان سجين العادات والتقاليد والانظمة والقوانين، واللاوعي يهيمن على أفكار الغابرين بمفاهيم شتّى، وكلّها مهترئة فيها الكثير من القمع. ويجد الفرد نفسه في هذا المجتمع مجبراً على سلوك قسريّ، لكثرة القيود المفروضة، أمّا الذين اعتادوا على تلك القيود فهم الذين "يخافون من أن تنقرض فصيلة القرود "... ويؤكّد الأديب أنّه لا يمكننا التطوّر والتقدّم نحو الأفضل إلاّ إذا أفرغنا هذا المجتمع من محتوياته البالية والرديئة. سبك الاديب الدويهي الحوار بمتانة في قصّة قصيرة تحمل هذا الكم الهائل من الألم الداخليّ، ولكثرة تخبّط المجتمع وحيرة الفرد نراه يتساءل بضياع: "مَن ولُد قبل الآخر، الشتاء أم العاصفة؟ الزهرة أم العبير؟" والتناقض يزداد شراسة بين الاإسان البريء والسلطة الجائرة التي تمثّلت في الحوار مع رجلَي الشرطة الحريصين على تطبيق القوانين. لقد أّكد الدكتور الدويهي أنّ الفكر الناضج والعلم سلاحان نستطيع بهما أن نحرّر الإنسانيّة من قيود الانفصام، ونسير بالمجتمعات في طريق التقدّم والازدهار. _______ مشروع الأديب د. جميل الدويهي "أفكار اغترابيّة " للأدب الراقي - سيدني 2020


13 views