Search
  • Jamil Doaihi

ميرنا الشويري: عالم دون حدود في رواية مخيّم المواركة





شوّهت الحدود الإنسانيّة، لأنّها أدًت إلى تصادم بين الحضارات، وصراعات بين جماعات لديها معتقدات مختلفة. ربما لهذا السبب أطلقت الدول الإمبريالية الأدب الاستعماريّ الذي يعزّز سلطتها من خلال فرض الكثير من الحواجز. لكنّ صوتاً آخر حاول أن يتصدّى لمقولات الأدب الإمبريالي وهو الأدب ما بعد الكولونياليّ الذي حاول روّاده تفكيك الحواجز لتخليص العالم من نتائجها.لذلك هؤلاء الكتّاب يعتبرون بناة جسور، ومنهم الروائيّ العراقيّ جابر خليفة جابر الذي حاول في روايته مخيم المواركة أن يفكّك الكثير من الحواجز بين الأقطاب الثنائية: الشرق – الغرب ، المستعمَر - المستعمِر، الواقع – الخيال، الذكر – الأنثى، المسيحيّ – المسلم، المغرب – المشرق. لقد خلق جابر في روايته عالماً من دون حدود، وأطلق قيماً جديدة قد تكون حلولاً للتصادمات المذكورة.الحدّ الأول الذي يفكّكه جابر هو بين الشرق والغرب، فهو يروي قصصاً حدثت في مملكة القشتاليين حيث عاش الموريسكيّون وهم إسبانيون مسلمون تحت حكم القشاتلة المستبدّين، وكانوا يمارسون معتقداتهم الدينية بالسرّ حتى لا يُقتلوا ويرموا في البحر.لقد اختار جابر في عمله هذا فترةً عندما لم تكن هنالك حدود بين المسلمين والمسيحيين واليهود.من الممكن أنّ الروائيّ اختار هذه المرحلة لينقذ الإسلام في الغرب من صورته المشوّهة التي أدّت إلى ظاهرة إسلاموفوبيا، لأنّ الإسلام كما يشرح المفكّر الراحل إدوار سعيد في كتابه تغطية الإسلام يعتبر غير متحضّر: "كمعظم العالم البوستكوليتالي، الإسلام يعتبر لا ينتمي إلى أوروبا ولا إلى اليابان ولا إلى أيّ دولة صناعية متطورة. أي أنّ الإسلام يحتاج إلى التمدّن." ((Said,Iiiلكن جابر في روايته يروي أنّ إحدى وصايا المسلمين لجنودهم ألّا يقطعوا شجرة، أو يقتلوا امرأة بعكس القشتاليين الذين أمروا بإغلاق الكثير من الحمّامات العامّة، وختموها برمز الصليب حتى يمنعوا المورسكيين من الصلاة، وهذا يدلّ على أنّ الإرهاب غير متّصل بالإسلام، أو بأيّ دين آخر.يلجأ الروائيّ إلى تقنية أخرى، ليؤكّد رسالة السلام في الإسلام، وهي ظاهرة تربية الحمام بين المسلمين في تلك الفترة. ومقولته هذه تفكّك الصور المشوّهة في الإسلام. يقول Merdith Jones إنّ المستشرقين في العصور الوسطى وصفوا المسلمين بأنهم "الأشرار الذين يمضون وقتهم بالشتم والسخرية من المسيح وهدم الكنائس، بأنّهم أولاد الشرّ ويشبهون المسخ)"(Oueijan, 204يشرح سعيد أنّ الإسلام حول إلى آخر بسبب خوف أوروبا من سلطة الإسلام العسكرية، لكن جابر يؤكّد أنّ المسيحية ولدت من رحم الإسلام، والإسلام ولد من رحم المسيحية:الكاتدرائية الأكبر في العالم الكاثوليكيّ كاتدرائية إشبيلية أوكاتدرائية سيفيا ولدت من رحم مسجد عناق وأمومة، هكذا نقرؤها نحن في خيمة مدريد، ولنا أن نهمس بها في أذن المدينة العاصمة مدريد.. ثمّة مسجد في إسطنبول، المسجد الأعظم، أنجبته كنيسة أيضاً، كنيسة أيا صوفيا، بعضنا أنجب بعضا"، كلّنا للسماء."( 92Jaber,)يحاول جابر أن يفكّك حاجزاً آخر في روايته، وهو ذلك الذي يفصل الماضي عن الحاضر عندما يقول: إنّ عمار أشبيليو، مورسكي، أرسل له على إيميله قصصا" رويت في مخيّم المواركة. هذه القصص تعطي صوتا" لمجموعة لاصوت لها في التاريخ.مع أنّ الروائيّ يصف الكثير من الأحداث التاريخية التي حدثت في ذلك الوقت إلّا أنّ مخيم المواركة ليس حقيقيّاً" بل عالم وهميّ بحيث أنّ كلّ خيمة ترمز إلى منطقة في إسبانيا . لربما مزج الروائيّ الخيال بالواقع ليخلق تاريخا" لمجموعة مظلومة، لكن من عدّة أصوات بعكس التاريخ المكتوب بصوت واحد : السلطات الإمبريالية. وربما لجأ الكاتب إلى الخيال ليشير إلى الأكاذيب التي لفقت بوساطة الباحثين الكولونياليين. بهذه الطريقة يفكّك الروائيّ إحدى تقنيات الكولوناليين، وهي كما يشرح بول غيلروي أنّ المستعمرين يخبرون الأحداث التاريخية بطريقة تعزّز كون المستعمَرين عبيداً. يفكّك الروائيّ من خلال القصص التي يخبرها "الآخر" الذي تشكّل في الغرب من خلال المنطق الغربيّ الواحد. للأسف الغرب حوّل كلّ ثقافة مختلفة عنه إلى آخر، لأنّ "كلّ ما يعرفه الغربيون في عصر التنوير عن آسيا هو من خلال الإرساليات والجنود" (17، سارتر)، لكن جابر يخبر عن قصص مسلمين إسبان، وهكذا يفكّك من خلال الهجانة مقولة السلالة الصافية.إضافة إلى ذلك، فإنّ الروائيّ يفكّك "الآخر" في الأدب الاستعماريّ، لأنّ المستعمر في الأدب الكولونياليّ يُصنّف كمجهول لا صوت له، لكن عمل جابر لا يعتبر المسلم ولا المسيحي كآخر: كان منظر الصغار مفزعاً يفطر القلب، وقد أكّد أهل القرية أنّ العديد من المسيحيين الحاضرين بكوا، وكانوا يمسحون دموعهم كي لا يراهم أحد. صرخت أمّ الصبيين أحمد وجعفر حين باشروا كيّ ولدها جعفر، صرخت من أعماق قلبها، وسقطت، فهبّ الجنود إليها، وسحلوها، لكن القسّ منع إلقاءها بالنار، قائلاً: يجب عرضها على الديوان المقدّس. (Jaber, 71) الكثير من الباحثين حاولوا تحويل الشرق إلى آخر من خلال جنسانيته. بالنسبة لسعيد أنّ جنسانية الشرق أيديولوجية عواميدها قصص عن الحريم بالشرق، وأهمّها شهرزاد التي جذبت الغرب بقصصها التي تزخم بالإثارة.ربما لذلك اختار جابر أن يكتب روايته بطريقة قصص قصيرة، لأنّه بهذه الطريقة يفكّك القصص الإيروتيكية عن الشرق. إنّ جنسانية الشرق حوّلت الشرق إلى أنثى والغرب إلى ذكر. يشرح Eric Mayer أنّ قصص بايرون ترتكز على الحريم وصورة المرأة المسلمة المحجّبة التي تركع أمام الغرب الذكر والاستعماري.يعتمد ماير على نظرية فوكو للسلطة والجنسانية، ليؤكّد أنّ الغرب حوّل نفسه إلى ذكر والشرق إلى أنثى.لكن رواية جابر تصوّر الشرق والغرب من دون جنس. وهكذا يحول العالم إلى أندراجنس (Androgenous) والتي تعرّف على الشكل التالي: "إنّها الحالة الفردية التي لا يختار فيها الفرد أن يكون ذكراً أو أنثى.هذه الفئة من الناس يهمّشون لأنّهم يهدّدون الأقطاب الثنائية في المجتمع حيث يجب أن يختار المرء أن يكون ذكراً أو أنثى (Krishnorj, 11).يحاول الكاتب أيضاً أن يفكّك الحدود التي يرسمها المستشرقون بين الشرق والغرب. فسعيد يشرح أنّ الاستشراق أيدولوجية تعتمد على مقولات كاذبة، تهدف إلى خلق حدود بين الشرق والغرب. وهذه الأقطاب الثنائية تفرض على كلّ مجالات المعرفة، لذلك "فإنّ عدداً كبيراً من الكتاب، والشعراء، والروائيين، والفلاسفة، والمنظرين السياسيين والاقتصاديين، والمديرين الإمبرياليين تقبّلوا تقسيم العالم إلى شرق وغرب. وهم يعتمدون على هذا التقسيم كنقطة انطلاق لشرحهم النظريات، والملحمات والنصوص السياسية والاجتماعية للمشرق" ( Said, II).بعكس سعيد الذي لم يُشر إلى مستشرق واحد صادق فإنّ جابر يستعمل إحدى شخصياته في الرواية وهو بيتر باستن ليوضح أنّ بعض المستشرقين صادقون، وهو بهذه الطريقة أيضاً يفكّك الحواجز بين الشرق والغرب.بيتر باستن مستشرق هولنديّ، لكنّه على علاقة وثيقة بالمسلمين، وهو يشبه المستشرقة ليدي ماري مونتكيو، وهي كانت زوجة قنصل بريطانيّ في تركيا. وهذا ما سمح لها أن تدخل إلى الحرم، وكتبت تقارير صادقة عن استقلالية المرأة المسلمة في ذلك الوقت.إنّ رواية مخيم المواركة جسر بين الكثير من الأقطاب الثنائية.بالفعل الروائيّ جابر من البنّائين للجسور الثقافية يؤكّد أنّ التسامح وتقبل الآخر هما الوسيلتان لحلّ كلّ الخلافات بين الشرق والغرب، وروايته تبرهن أنّ كلّ أنواع الراديكالية تشوّه الشرق والغرب. لذلك فإنّ روايته تمهّد الطريق إلى عالم أكثر عدالة في المستقبل.


References

Fanon, F. (1963). The wretched of the Earth. London: Penguin Books (First published in 1961, this edition was published in 1963).

Krishnaraj, M. (1996). Androgyny: An alternative to gender polarity. Economic and Political Weekly Stable, 31: 9-14.

Said, Edward. Covering Islam .New York: Vintage Books, 1997.

Said, E.. (1979). Orientalism. New York: Vintage–Random.

Sartre, J.P. (1999). Reflections on the Jewish question: A Lecture. Cambridge: MIT Press (First published in 1946, this edition was published in 1999).

The Camp of Al-Morca by Jabir Khalifa JabirAlloula, Malek. The Colonial Harem. Trans. M. Godzich and W. Godzich. Minneapolis: U of Minnesota, 1986. Behdad, Ali. "The Eroticized Orient: Images of the Harem in Montesquieu and his Precursors." Stanfird French Reuiew 13 (Fall-Winter 1989): 109-126.Celik, Zeynab. "Colonialism, Orientalism and the Canon." The Art Bulletin 78:2 (June 1996): 202-205. Cross, Jonathan David. Byron: The Erotic Liberal. New York: Rowman & Littlefield Publishers, 2001.Montagu, Lady Mary Wortley. The Turkish Embassy Letters. Trans. Anita Desai. Ed. Malcolm Jack. London: Virago Press, 1994.Naji B. Oueijan “Sexualizing the Orient,” in Prism(s): Essays in Romanticism. 14 (2006): 7–25.



13 views0 comments