Search
  • Jamil Doaihi

إلى الشاعر المبدع الدكتور جميل الدويهي: بيروت لن تنساك (الدكتور عصام حوراني)


"وجودي لا وجود له؟" لا أبدًا! فلأنتَ، يا دكتور جميل، الوُجود كلّه. أنتَ موجود بامتياز في كلّ زاوية مِن زوايا عالم الإبداع والرقّة والجمال، وأشعارك ترفل في كلّ مطرح مِن مطارح الضِّياء والخلود والشعشعانيّة. أشعارك وشاح تتجمّل به بيروت وتفخر. بيروت، تبقى حبيبة الشّاعر المرتحل أبدًا ما بين شواطئ بحر الفينيق وبحار أوقيانيا.

وأنتِ يا بيروت تترنّحين بالنشوة والعزّة، وتتبخترين بإباء وغنج على شواطئ بحر الرّوم! أنتِ يا بيروت، تختالين بين عشيقين: شّاعر العصر الدّويهي اللّبنانيّ، وشاعر الأزمنة الغابرة "باربوكَلُّوس" الإغرقيّ. الدّويهي عانى من أجل فراقه بيروت: التشرّد، والوجع، والألم، والضياع، والعذاب:

هنـا تشــرّدتُ والأوجــاعُ تعرفُنـي

هنـا العـذابُ الّذي مِن أضلعـي أكَــلا

وصرتُ أبحثُ عنّي في خطوطِ يدي

وصِرتُ أسأل عنّي العشبَ والطّللا

عـودي إليّ قـليـلاً كـي أعــودَ إلى

ذاتي، وأنفـضَ عنّي اليـأسَ والملـلا

نعم، بيروت لن تنساكَ يا شاعر الذوق والجمال، وستعود إليك، مهما حلّت بها النكبات، فهي دومًا طائر الفينيق، المتجدِّد أبدًا في عين الشمس. بيروت تنفض عنها غبار الدّمار والويلات، وترتدي، في كلّ مرّة من جديد، ثوبها الرّبيعيّ المتألّق القشيب.

الدويهي يتحسّر ألمًا على فراق بيروت، وكأنّي به يرحل مع بيروت ليشهد مأساتها عندما دمرها الزلزال عام 551 م. فهي تبكي مصيرها المأساويّ بلسان الشّاعر باربوكلُّوس الذي شهد المأساة وعاينها، فقال:

هنا أبيتُ، مدينـةً ثكلى لا أهلَ لها

في كارثةٍ أليمةٍ امتزجَتْ بي جُثثُ أبنائي

بعد أن زلزَلتِ الأرض زلزالها من الأعماق

أحدقتْ بي ألسنةُ النّار، واكتنفني اللّهَب

وا حسرتاه! جمالي الرّائع أصبح رمادًا كالحا

أُبكوا، أيُّها المارّون سوءَ مصيري

واذْرفوا الدمعَ على خرابِ بيروت...

الدمع واحد وعزيز يا بيروت المترحِّلة أبدًا بأبنائكِ خلف البحور والمحيطات. وشاعر الإغريق باربوكلّوس يتجدّد في الشاعر اللّبنانيّ الدُّويهي ألمًا وفراقًا وعُشقا وانقباضا... وتبقين يا بيروت أبدًا، معشوقة الشعراء ومهبط الوحي والإلهام لهم، في كلّ عصر وزمان، ولا تستبدَلين بمحبوبة أخرى، ولو جنّت ليالي أوستراليا:

ولا أحـبُّ سِـواها لو بكيْـتُ علـى نفسي، وأغرقني الدّمعُ الّذي هطلا...

بيروتُ لا تغرُبي عنّي فليسَ معي سوى الظّـلامِ الّذي في مُقلتي نَزلا

منذ افترقْنا وجودي لا وجـودَ لـهُ ولا أرى في حيـاتـي كلِّــها أمـلا

ونحن نخاطب الشاعر الدّويهي، من شواطئ بيروت، ومن وطن الأرز، ونردِّد بلسان الوطن:

إذا ترحّلتَ يا دكتور جميل عن وطنٍ وقومٍ "وقد قدروا، ألاّ تُفارقهم فالرّاحِلون هُمُ".

#كتاب

0 views